أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

البرنامج النووي العراقي

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 البرنامج النووي العراقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
قناص الفرقة الذهبية

عريـــف
عريـــف



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : عسكري محترف
المزاج : رايق
التسجيل : 24/07/2014
عدد المساهمات : 85
معدل النشاط : 129
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: البرنامج النووي العراقي   الإثنين 4 أغسطس 2014 - 19:22

1 

قراءة ونقد في  كتاب ((الاعتراف الاخير)) الذي كتبه جعفر ضياء جفعر ونعمان النعيمي حول اسرار البرنامج النووي العراقي 





 نقد و مراجعة
الاعتراف الأخير، حقيقة البرنامج النووي العراقي
للدكتور جعفر ضياء جعفر و الدكتور نعمان النعيمي
أصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005
 
غازي عبد الوهاب درويش
 
 
من الملفت للآنتباه عنوان الكتاب، فالآعتراف (كونفيشن) هو لمن يقر بذنب اقترفه، وكان الأصح أن يقال الشهادة او المدونة (تستيموني) وهي لتسجيل الحدث كما شاهده و عايشه المؤلفان كمسؤولين اساسيين في الطاقة الذرية في العراق. فالكتاب مدونة مهمة تؤرخ لما عرف بـ ( البرنامج النووي العراقي ) و لمسيرة العراق لتولي ناصية العلوم و التكنولوجيا النووية والتي يكون البرنامج جانبا مهما منها. و قد جاءت صياغة الكتاب باسلوب المتحدث والاقرب الى المذكرات او (المحادثة التأريخية) مما اضفى عليه متعة خاصة تشد القارئ بجانب فداحة و جدية الاحداث التي يتصدى لها. و قد أفلح المؤلفان وهما اللاعبان الرئيسيان في البرنامج الوطني بتطعيم مدونتهم بالوثائق و المصادر الداعمة التي تجعل من الكتاب سجلا معتمدا في كتابة جزءٍ مهمٍ من تأريخ العراق المعاصر.*
 
يستهل المؤلفان كتابهما بمقدمة يؤكدان فيها تناولهما للوقائع والاحداث التي عايشاها و شاركا فيها عن كثب بموضوعية تامة معززة بالحجج المستندة الى المصادر الاولية و الى مشاركاتهما الذاتية المشهودة والمؤيدة فيما بعد بالتحقيقات الميدانية للمفتشين الامريكان، في هذا الزمان الذي كثر فيه الادعياء و المزورون الذين كشفهم الكتاب و تأكد كذبهم من قبل من طبل و زمر لهم و أستخدم كذبهم لنسج الاتهامات التي مهدت لغزوهم العراق بحجة تخليص المنطقة و العالم من ويلات اسلحة الدمار الشامل التي ادعوا امتلاك العراق لها.  و المؤلفان في الوقت الذي يؤكدان على الجرم الامريكي-البريطاني في غزو العراق يدينون صدام و زمرته لما أنزلوا بالبلاد والعباد من نكبات و بلايا ويكشفون الدور الاجرامي الذي لعبته الاونسكام و الوكالة الدولية للطاقة الذرية و بالاخص رؤسائهما و كبار المسؤولين فيهما بصفتهم المخولين من مجلس الامن للتحري عن اسلحة الدمار الشامل في العراق. ويأتي صدور هذا الكتاب في الوقت الذي ثبت فيه بما لايقبل الشك خلو العراق من كل انواع هذه الاسلحة وأعتراف الرئيس الامريكي و رئيس الوزراء البريطاني بذلك، الامر الذي يبرهن على مصداقية ما سجله المؤلفان في كتابهم هذا.
 
يتناول الكتاب في فصوله الاثني عشر الجوانب المختلفة من نشاطات الطاقة الذرية في العراق و المتعلقة بصورة خاصة بالبرنامج النووي و ما اتصل به من اعمال التفتيش و الرقابة الدولية. ويتعرض للمعاناة التي تحملها العلماء و المهندسون و الاداريون الذين ( وقعوا بين مطرقة المفتشين الدوليين و سندان اجهزة النظام الصدامي)،  بالاخص ما تحمله المؤلفان اللذان كانا بين قمة المسؤولين عن برامج الطاقة الذرية العراقية لأكثر من ثلاثة عقود. فقد صاحبا اعمال الطاقة الذرية منذ بداياتها في ستينات القرن الماضي الى يوم غزو العراق في 2003.
 
في الفصل الأول (البدايات ) يستعرض المؤلفان باسلوب السيرة الذاتية بداية عملهما في منتصف الستينات في مركز بحوث لجنة الطاقة الذرية بعد اكمالهما للدراسة العليا في بريطانيا و اختصاصهما في العلوم النووية و كان المفاعل النووي العراقي تحت الانشاء في التويثة جنوب بغداد. ولا أريد هنا أن امحص كثيرا فيما ورد في هذا الفصل عن السنوات الخمس الاولى من نشأة المركز فلذلك مناسبة أخرى قد نتعرض لها يوما ما، ولكن للتاريخ أود أن أذكر بأن بعد ترك الدكتور محمد كاشف الغطاء للعمل سكرتيرلجنة الطاقة الذرية تولى المهمة وكالة الدكتور صلاح عزت تحسين ، عميد كلية العلوم بجامعة بغداد آنذاك، وخلفه من بعد آصالة الدكتور عدنان حسين عوني الذي انتقل فيما بعدالى لجنة المواصفات و المقاييس في وزارة التخطيط. و بعد ذلك قام بمهام السكرتارية و لمدد قصيرة الدكتور أحسان الراوي و بعده رئيس المهندسين علي الكاظمي، و كانا من مسؤولي مركز التويثة لانشاء المفاعل النووي و مختبرات أنتاج النظائر المشعة ضمن مشروع تموز. و من ثم عينت لجنة الطاقة الذرية آصالة الدكتور هادي عوض الذي بقى في هذا المنصب الى نهاية 1969 . في 1966 اتخذت لجنة الطاقة الذرية قرار اعادة هيكلة و تنظيم اعمالها بعد أن اشرف انشاء المفاعل النووي (مفاعل 14 تموز) ومختبرات انتاج النظائر المشعة على الانتهاء. فتم ضم مركز الابحاث و مركز المفاعل و مختبرات النظائر في تنظيم واحد هو (مركز البحوث النووية) و مقره التويثة و كان لي شرف ادارته الى ايلول 1969 حيث رجعت للعمل في كلية العلوم بجامعة بغداد بعد تآمر البعثيين من منتسبي المركز للاستيلاء على ادارته من قبل الدكتور علي عطية العبدالله و زمرته ومنهم الدكتور ميسر الملاح الذي تولى منصب سكرتير لجنة الطاقة الذرية.
 
ولابد لي أن أذكر أنه في أوائل عام1965 و مع بداية العمل في مركز بحوث لجنة الطاقة الذرية في مبناه المؤقت في الشالجية، غرب بغداد، لم يكن هناك غير المختبرات التى صممت لبحوث التمور التي بنيت أصلا لهذا الغرض من قبل جمعية التمور العراقية. ولم يكن في المركز غير عدد قليل من العاملين بينهم الدكتورة منيفة عزت وامينة المكتبة وديعة الهلالي و مسؤول الورشة حسين صليبي (أبو صفاء) و السكرتيرة ماري سمعان. وكان خاليا من اي من التجهيزات الضرورية لاجراء اية بحوث في العلوم النووية و الاشعاعية. وكان من الطبيعي ان تكون من اوليات العمل تهيئة و تجهيز المختبرات بالحد الادنى من متطلبات العمل و لو بمستوى اشعاعي واطء، و التحضير لاستقبال الباحثين الذي كان جلهم على وشك انهائهم لدراستهم للتخصص في الفيزياء والكيمياء و البايولوجيا و الجيولوجيا بجانب أختصاصات هندسة المفاعلات و إنتاج النظائر المشعة، حيث أوفدتهم لجنة الطاقة الذرية ضمن اتفاقية التعاون العراقية-السوفياتية والتي بموجبها تم أيضا انشاء و تجهيز مفاعل 14 تموز و مختبرات أنتاج النظائر المشعة و الورش التصنيعية في التويثة، جنوب بغداد. ومع التحاق الاعداد المتزايدة من الباحثين و بدعم من لجنة الطاقة الذرية و بألاخص العميد خليل أبراهيم حسين تم تجهيز المركز بأحتياجاته الاساسية للعمل. و من بين ما يجدر ذكره شراء جهاز أشعاع كوبلت-60 من أتومك كندا و الخاص بدراسة تشعيع العينات الغذائية و الزراعية و غيرها. وفي هذه الفترة جرى وضع خطة عمل اولية تهدف الى استجلاء مسارات البحوث في مجالات التطبيقات السلمية للطاقة الذرية في خدمة احتياجات العراق في ميادين الزراعة و الصناعة و البيئة. كما جرى دعوة الراغبين من العاملين في جامعة بغداد لاجراء بحوثهم في المركز بالتعاون مع منتسبيه.ومما يستحق الذكر البحث الذي اقامه الدكتور جعفر البقال استاذ الفيزياء في كلية العلوم و نشره في مجلتها في 1966 حول مستوى الاشعاع و التلوث الاشعاعي للخضروات و اللحوم في العراق نتيجة لكثافة التفجيرات التجريبية آنذاك للقنابل النووية  ( الانشطارية و الاندماجية ) في مناطق متعددة من العالم. و قد يكون لهذا البحث اهميته اليوم أذا ما أردنا القيام بمسح لمستوى الاشعاع في البيئة العراقية بعد تلوثها بأستخدام اليورانيوم المنضب و تفجير المواقع الحاوية للنشاط الاشعاعي. 
 
 و بانتقال المركزفي 1966 الى مقره الدائم في موقع المفاعل النووي في التويثة و استكمال كوادره  مع المهندسين و العلماء العاملين في مفاعل 14 تموز و مختبرات النظائر المشعة بدء العمل لوضع مخطط لادارة المركز و نظامه مع اعداد خطة عمل. و بوشر بالتنفيذ حال اتخاذ لجنة الطاقة الذرية قرارها بذلك و اصبح اسم المركز (مركز البحوث النووية). وتحققت انجازات مشهودة في السنين الاولى لعمل المركزفبجانب استكمال كوادر تشغيل و صيانة المفاعل النووي و مباشرة تشغيله و استخدامه و كذلك طواقم أنتاج النظائر المشعة و بدء تنفيذ تجهيز المختبرات بالاجهزة و المعدات و المواد، باشر الباحثون و المشغلون بتنفيذ خطط عملهم في هندسة المفاعل و تشغيله وانتاج النظائر المشعة و الفيزياء النووية و الكيمياء الاشعاعية و البايولوجيا الاشعاعية و الزراعة و الصناعة و الجيولوجيا النووية. و لعل من بين الكثير الجدير بالذكر الدراسات التي قام بها فريق الباحثين و الجيولوجيين بقيادة الدكتور أبراهيم الفضلي و الخاصة بترسبات خامات الفوسفات الحاملة لليورانيوم في منطقة عكاشات غرب العراق والتي أتى المؤلفان على ذكرها و كان لها اكبر الاثر في مشروع انتاج حامض الفوسفوريك و استخلاص اليورانيوم. وفي مجال المفاعلات النووية لابد من ذكر انه بعد نجاح تشغيل مفاعل 14 تموز و تباشير استخدامه في الابحاث و الانتاج توجه الاهتمام بتطويره الى قدرة أعلى، و التفكير للحصول على مفاعل بقدرة عالية للابحاث و فحوص المواد. و تم أعداد التصورات و أنضاج الافكار حول ذلك، وفي هذا الصدد جرت في ربيع 1967 زيارة غرينوبل بفرنسا و موسكو و تبليسي في جورجيا. هذه اضافات اعتقد انها تساعد ولو جزئيا في استكمال الصورة التي خطها المؤلفان عن( البدايات) وقد تكون هناك عودة لاعطاء الموضوع حقه.
 
و بنظرة الى الوراء نستخلص أن هذه ( البدايات الحميدة) قد أرست القاعدة العريضة لدخول العراق ساحة العلوم و التكنولوجية النووية تحت مظلة الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
وانهى المؤلفان هذا الفصل بعجالة غطت عقد السبعينيات الذي تمثل الربع الاول منه بالتخبط وسوء الادارة الذي قاد الى انهيار قيادة المركز و (طرد) مديره الدكتور علي عطية  العبدالله الى خارج الطاقة الذرية ونقله الى جامعة البصرة. و بشفاعة انتسابه للحزب تم نقله ليصبح رئيسا لقسم الفيزياء في كلية العلوم بجامعة بغداد و من بعد ترشيحه من الحكومة العراقية أن يتبؤ منصب الامين العام لهيئة الطاقة الذرية العربية بتونس. وهنا تحضرني مقولة (بيتر) "كل يرتقي الى مستوى عدم كفاءته". وما هذا الا مثال واحد من الكثير الكثير مما أبتلي به العراق من أحلال الحزبيين رغم عدم كفاءتهم محل غيرهم من الاكفاء على مبدأ انهم سيتعلمون. ناسين ان جلوس مثل هؤلاء على المنصب العالي يعزز فيهم الغرور و العجرفة و يبعدهم عن التعلم والاستزادة من المعرفة بجانب ما ينمي فيهم من ميول و سلوكيات للتقرب من صاحب الشأن بالمداهنة و التملق و الاشارة بما يريد أن يسمعه ليصبحوا من جوقة المداحين وعاظ السلاطين. و من هؤلاء، مع حصرالكلام في ميدان الطاقة الذرية، مثال آخر هو الدكتور عبد الرزاق الهاشمي، الذي ذكره المؤلفان في أكثر من موقع، و الذي ترك أثاره السلبية و المخربة في مواقع عدة امتدت من الصناعة الى الدبلوماسية العراقية فالتعليم العالي و البحث العلمي!
والسؤال المهم الذي لابد من طرحه هو من الذي كان المقرب في النصف الاول من السبعينيات الى صدام لتقديم المشورة حول الطاقة الذرية ؟ فان هناك ما يشير الى دور عبد الرزاق الهاشمي الذي اخذ نجمه بالصعود بعد ان تآمر على ازاحة الدكتور شاكر السامرائي رئيس المؤسسة العامة للمعادن المشهود له بالكفاءة والنزاهة و جلوس الهاشمي محله. وهل كان يقوم بهذا الدور من خلال أحد المقربين أم مباشرة مع صدام بعد أن كسب ثقته؟
 
ويختتم المؤلفان هذا الفصل بالحديث عن الجرائم التي أقترفتها اسرائيل و التي ادت الى اغتيال عدد من العاملين في الطاقة الذرية و تخريب معدات و مواد و وقود نووي مهيأة للشحن للعراق و توجتها بالجريمة النكراء بقصف بناية المفاعل النووي في التويثة والتي كانت ستؤدي الى كارثة بشرية و بيئية كبيرة لو أن المفاعل كان قد تم تحميله بالوقود النووي. وهنا ايضا يبقى سؤال مهم يستحق الاجابة، كيف تم أختيار فرنسا لتجهيز المفاعل النووي؟ وهل جرت المفاضلة مع الاتحاد السوفياتي  الذي تمت التهيئة لعقد أتفاق معه للتعاون الواسع في مجال الطاقة الذرية منذ الزيارة و المباحثات التي تمت في 1967؟ و لا بد من التساؤل إن كانت اسرائيل ستجرأ على تدمير مفاعل من تجهيز السوفيات! وأخيراً من المؤكد أن أجرت فرنسا تحقيقاتها حول الاحداث التي حصلت على أرضها و حول تحديد الجهات المسؤولة، فمن المهم التعرض لذلك و توثيقه.
 

ننتقل الى الفصل الثاني والذي كُتب هو الاخر باسلوب السيرة الذاتية حيث يطلعنا الدكتور جعفر على تفاصيل اعتقاله الذي دام زهاء ثمانية عشر شهرًا من بداية 1980 الى منتصف  1981 و الذي سبقه اعتقال الدكتور حسين الشهرستاني ، المستشار في منظمة الطاقة الذرية المسؤول عن مشروع 30 تموز لتصنيع وقود مفاعلات انتاج الطاقة الكهربائية. و هذان الحدثان يمثلان الاسلوب الذي كان يتعامل به النظام الصدامي مع من يعتقد أنه يختلف معه والذي يعكس حالة ( البرانويا ) التي يعاني منها أي نظام استبدادي. و نفهم من السرد الذي قدمه جعفر أنه في الوقت الذي أفرج عنه بعد معاناة الاعتقال بقى حسين طريح الاعتقال. و قد تم هروبه من سجن (أبو غريب) في 1991. أن هذا الفصل يحمل معانٍ و دلالات مهمة حول مدى قدرة الانظمة الاستبدادية على إجبار علمائها و مفكريها للانصياع لاوامرها والسير حسب رغباتها من خلال التعذيب أو التهديد به. و يبقى هناك أمر مهم اشار اليه المؤلفان و يدور حول كيف أن العدوان الاسرائيلي قد حول القضية الى إذا كان يحق للعراق امتلاك السلاح النووي في وجه اسرائيل، الذي يعرف العالم كله امتلاكها لهذا السلاح المدمر. وهي بقصفها  المفاعل النووي العراقي تعتبر كمن لو استخدم سلاحه هذا في العدوان على الاخرين.
 
يستمر المؤلفان في الفصل الثالث بسرد الوقائع التي صاحبت اتخاذ صدام لقرار التسلح النووي و بداية ما اصبح يعرف (البرنامج الوطني العراقي) بعد أن تم التوقف عن البرنامج السلمي منذ العدوان الاسرائيلي. ومن المهم أن نذكر هنا ان صدام قد أمر( ان يتم تنفيذ المشروع بالجهد الوطني الخالص) و ان لا يستعان بأية جهة أجنبية. و ينتقل بنا المؤلفان الى مناظرة علمية-تكنولوجية للمفاضلة بين خيارين لانتاج المادة الانشطارية للسلاح النووي. الخيار الاول القيام بانتاج المادة الانشطارية( البلوتونيوم239) و يتطلب بناء مفاعل نووي بقدرة 20 ميغاوات في الاقل و يستخدم اليورانيوم الطبيعي وقودا و الماء الثقيل مهدئا أو يستخدم اليورانيوم المخصب و الماء العادي مهدئا. وفي الحالتين يتطلب بناء منظومة أستخلاص البلوتونيوم من الوقود المستنفد. و الخيار الثاني يستند على انتاج اليورانيوم المخصب من اليورانيوم الطبيعي و ذلك بعمليات فصل تزيد من نسبة النظير 235 بحيث تصل الى 93 % في الاقل و أستخدامها مادة انشطارية. و تم تفضيل الخيار الثاني لأن الأول يتطلب بناء واسعا للمفاعل و مرفقاته على مساحة كبيرة مما يسهل الكشف عنه من أجهزة الرصد المعادية ويكون هدفا مكشوفا للعدوان. أما الخيار الثاني الذي يتطلب بناء مختبرات و ورش و مخازن يمكن اخفائها و التمويه عنها و توزيعها بين مواقع متعددة و متباعدة. و بقى هناك أختيار الطريقة ألافضل لانتاج اليورانيوم المخصب. وهنا نتعرف على أهم مرحلة في البرنامج التي يفصلها الكتاب حول مسيرة توطين تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم وهي تصلح لتكون بحق درسا يحتذى به لكل من يريد توطين التكنولوجيا بالجهد الذاتي و بالاعتماد على النفس. فقد تم أختيار ثلاث طرائق للتخصيب. الاولى التخصيب الكهرومغناطيسي و يعتمد على فصل النظائر بعد تأينها و حسب اوزانها (كتلها) بامرارها في مجال مغناطيسي، و تتطلب هذه الطريقة تصنيع مغانيط كهربائية ضخمة تسمح لانتاج كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب، هذا بجانب المعدات الكثيرة اللازمة لعملية الفصل و السيطرة. و الطريقة الثانية التخصيب بالتنافذ الغازي و تتطلب تصنيع حاجز مسامي و تعتمد على أختلاف سرعة نفاذ النظائر حسب اوزانها و تحتاج الطريقة لضاغطات و نافخات بمواصفات خاصة.و الطريقة الثالثة التخصيب بالطارد الغازي وهي الاكثر تعقيدا ومن متطلباتها تصنيع  طارد مركزي عالي المواصفات. أن العمل بأكثر من طريقة قائم على مبدأ تعدد الخيارات و العمل المتوازي على أكثر من خيار فإن تعثر أحدهم فهناك الآخر للمضي قدما. و تم اعتماد ستراتيجية العمل مرورا باطوار ثلاثة: االاول البحث و التطوير بالمقياس المختبري، و الثاني تصميم و تصنيع المنظومة الريادية وتشغيلها وصولا للحصول على المعطيات للمنظومة الانتاجية، و الطور الثالث تصميم و تصنيع و نصب و تشغيل منظومات الانتاج. و تم وضع خطة عمل تفصيلية و أعدت الجداول التنفيذية و نظام توزيع الاعمال و المتابعة.
 
يتعرض المؤلفان الى ألادارة العليا للطاقة الذرية التي كان رئيسها منذ 1974 صدام حسين ومن بعد توليه رئاسة الدولة في 1979 أحل محله عزت الدوري، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، الذي لم يكن مهتما بشؤون الطاقة الذرية قدر أهتمامه بمزارعه و غزلانه. أما القرارات الآساسية و المتابعة فكانت بيد صدام من خلال سكرتيره الشخصي والذي كان نائب رئيس لجنة الطاقة الذرية الدكتورهمام عبد الخالق باتصال دائم معه. و كانت الجوانب الامنية تستحوذ على جل أهتمام الادارة العليا و التي فرضت على العاملين رقابة صارمة سواء داخل مواقع العمل أو خارجه و لم تسمح بسفر مؤلفي هذا الكتاب الى خارج العراق و مصاحبة ممثل المخابرات اي منتسب آخر عند سفره. و يخبرنا المؤلفان بان التحديدات الامنية و الرقابة الشديدة قد عزلت العاملين عن العالم الخارجي و حسب قولهما " كنا نعمل ضمن دائرة مغلقة علينا.... بينما لو سمح لنا و لغيرنا بحرية الاتصال بالخارج لكنا تمكنا من حل بعض المشاكل العلمية و التكنولوجية التي كانت تحول دون تقدمنا بالسرعة المبتغاة". إن هذه  (البرنويا ) المتمثلة بالخوف من الاجنبي و فرض الرقابة الشديدة على كل من يتصل به ولو على الصعيد الشخصي كانت من صفات الحكم و التي طغت ولو بدرجات متفاوتة على مختلف قطاعات الدولة والمجتمع.  وذهب الامر الى ابعد من ذلك حيث تم الحاق شعبة للمخابرات بادارة البرنامج وكان واجبها رصد كافة الاتصالات الداخلية و الخارجية و مراقبة منتسبي البرنامج و عوائلهم و علاقاتهم الاجتماعية. هذا بالاضافة الى قيام مجموعة من الامن العام بجمع المعلومات عن عوائل و أقرباء و أصدقاء العاملين كافة و التحري عن "قناعاتهم السياسية و انتماءاتهم الحزبية....علما بأن السواد الاعظم من العاملين....كانوا من منتسبي حزب البعث الحاكم طواعية أو أكراها، غير أن عددا لابأس به من القياديين العلميين و معهم مؤلفي هذا الكتاب لم يكونوا منتمين الى الحزب" إلا أنهم كغيرهم كانوا تحت المراقبة و الرصد الدائمين وقد يكون ما يتمتعون به من علم و شعور عالٍ بالمسؤولية و الواجب الوطني و الحاجة اليهم للسير بالبرنامج قدما الشافع لتحمل وجودهم خارج منظومة الحزب ولكنهم غير بعيدين عن هيمنته. بالرغم من هذه الاجواء الخانقة يخبرنا المؤلفان أن العاملين تمكنوا من تحقيق انجازات مشهودة، إلا أن السؤال يبقى قائما كم كان سيتحقق أكثر و أسرع و أجود لو سمح للعاملين بمقياس من الحرية، وقد أقر بذلك المؤلفان في أكثر من موقع.
 
وباستحواذ حسين كامل المجيد على البرنامج النووي في اواخر عام 1988 و إلحاقه بوزارة الصناعة و التصنيع العسكري تم تأسيس كيان تمويهي لعمل البرنامج بإسم (مشروع البتروكيمياويات-3) برئاسة الدكتور جعفر ضياء جعفر و يكون أرتباطه بالوزير مباشرة و أنتقلت اليه كافة قيادات المشروع الذي دخل حسب قول جعفر "في نفق جديد ذي فلسفة جديدة في أسلوب تدفق العمل". وهو الاسلوب الاوامري العسكري(نفذ ولا تناقش) و الذي كان يمارسه حسين كامل مع مؤسسات و منتسبي وزارته.
 
في خاتمة الفصل يجري الحديث عن التحول للحصول على التجهيزات اللازمة من الاعتماد الكامل على الذات، وهو ما جرت عليه الامور في الغالب لحين ذلك التأريخ، الى التوجه نحو الاسواق الخارجية و ذلك باتباع الاساليب المقنعة و التمويه وهو ما أعتادت عليه مؤسسات التصنيع العسكري. ومن ذلك التجهيز من خلال وزارات و دوائر الحكومة سواء بواسطة تشكيلاتها القائمة او استحداث وحدات خاصة لهذا الغرض. ومن المهم ذكر الدور الذي لعبته الشركات في القطاع الخاص التي أنشأتها الوزارة بأغطية تمويهية أو شراء الدولة من خلال وكلائها لشركات أجنبية بالكامل أو لحصص كبيرة فيها. و يقر جعفر بأن هذا الاسلوب قاد الى بذل جهود كبيرة ضمن "مسلسل الغش و التمويه" والذي لم يكن موفقا دائما. الامر الذي اضطر العاملين في مثل هذه الحالات الى العودة الى أسلوب (الهندسة العكسية) وهو الانجع في عملية نقل التكنولوجيا و توطينها، و الذي  تم أتباعه بشكل واسع بعد غزو الكويت و ما تبعه من أجراءات الحصار.
 
ينقلنا الفصل الرابع الى الحديث عن التقدم في البرنامج الوطني ويلج في التفاصيل الفنية للانجازات العلمية و التكنولوجية التي كادت ان تعطي ثمارها لولا تسارع الاحداث في 1990 ودخول المشروع في دوامة ما أفرزته الحماقة التأريخية الكبرى للقيادة الصدامية التي جرت العراق مرة اخرى الى أتون الحرب، والتي أدت في الأخير الى  وءد المشروع وضياع أكبر جهد علمي-تكنولوجي كاد أن يحقق هيمنة العراق على ناصية العلوم والتكنولوجيا النووية، وإن كان، وهو ما يؤسف له، من زاوية التسلح النووي وليس، وهو ما كان مؤمل في البداية أن يتم تحقيقه، عن طريق الاستخدامات السلمية. لابد هنا من التأكيد أن تخصيب اليورانيوم، وهو ما تقدم عليه أيران اليوم، لا يكون خرقاً لأي من الاتفاقات الدولية الداعية للحد من الاسلحة الذرية. و بالتالي علينا أن نفصل بين مشروع التخصيب و مشروع تصنيع القنبلة الذرية. فللأول تسبيباته و توجهاته للأستخدامات السلمية، وهو ما لايمكن الاعتراض عليه إلا إذا ثبت توجهه نحو تصنيع المادة الانشطارية للسلاح النووي.
 
يستهل نعمان هذا الفصل بالحديث عن عمليات التخصيب الثلاث، التي سبق ذكرها، و التي جرت المباشرة باجراء البحوث فيها، و من بعد البدء بالخطوات الازمة لاقامة التكنولوجيا،  وصولا الى أعتماد الطريقة الافضل للأنتاج الصناعي. و وضعت الخطط اللازمة لذلك بتلاحقها المنطقي الذي يضمن سلامة الوصول الى الهدف. و بالفعل تم التوصل الى نقطة متقدمة في تصنيع معدات الفصل الكهرومغناطيسي وأعتمدت خطة توزيع العمل على مواقع متعددة في البلاد وهي وإن لم تكن مفضلة من الناحية اللوجستية و الكلفوية إلا أنها الاضمن من الناحية الامنية لتجنب استهدافها من قبل العدو. وفي نهاية 1990 تم التوصل الى تصميم و تصنيع ونصب الأقطاب المغناطيسية استعدادا للمرحلة الانتاجية وتم ايضا تشييد القاعات الانتاجية. وبشكل موازي أستكملت الاعمال اللازمة لتنقية اليورانيوم وأنتاج رباعي كلوريد اليورانيوم، المادة المستخدمة في عملية الفصل. وكذلك جرى تصميم و تصنيع كامل الاجهزة و المعدات الخاصة بعمل الفاصلات الانتاجية واجهزة السيطرة. وتم الشروع بعمليات النصب أستعدادا للانتاج الصناعي بمعدل 13 كيلوغرام سنويا للخط الانتاجي.
 
أما التخصيب بطريقة النفاذ الغازي فقد توصل العمل فيها الى بناء منظومة تجريبية لانتاج الحاجز المسامي والذي يكون المحور الاساس في عملية التخصيب. و واجهت طريقة التخصيب بطريقة الطرد المركزي صعوبات عديدة جرت المباشرة بالتغلب عليها بالاستعانة بالخبرات الاجنبية و اوشك تذليل بعضها إلا أن غزو الكويت وأجراءات الحصار اعاقة وصول بعض المواد الاساسية المستوردة. وجرى استعراض طرق أخرى للفصل و تم تبني تكنولوجيا التخصيب بالطرق الكيميائية بالآستخلاص السائلي التي تحتاج الى أعمدة فصل محشوة براتنجات مصنعة خصيصا. ولم يتجاوز العمل بهذه الطريقة مرحلة التجارب المختبرية.
 
هذه خلاصة ما توصل اليه العمل بمشروع التخصيب، أما أبحاث التسلح النووي فقد تجاوزت مراحل الابحاث و الحسابات النظرية وتمت المباشرة بالتجارب الخاصة بالمواد وتصميم و تصنيع المعدات وصدر عن مجموعة العمل تصميم أبتدائي للقنبلة الذرية. وكانت الابنية الخاصة للتعامل مع فلز اليورانيوم و المرافق الاخرى قد أكتمل معظمها ولكنها تعرضت للقصف في آخر أيام الحرب في 28 شباط/فبراير1991. وهكذا نصل الى بداية النهاية لقصة التسلح النووي العراقي الذي لفض أنفاسه الاخيرة في ربيع 1991 ولكن أبت الامم المتحدة تحت الضغط الامريكي أصدار شهادة الوفاة إلا بعد مرور أكثر من اربع عشرة سنة و بعد غزو الولايات المتحدة وحليفتها الرئيسية بريطانيا و احتلالها البلاد وتدميرها.
 
يختتم جعفر هذا الفصل بالتحدث، ولكن مع الاسف، بالكثير من الاقتضاب عن تكاليف البرنامج الوطني والتي ثبتها بحوالي 750 مليون دولار أمريكي على مدى سني المشروع التي قاربت العشر سنوات**. وهذا مبلغ ضئيل حقا أذا ما اخذنا بالحسبان، بالرغم من التدمير الذي اصاب مباني و أجهزة و معدات المشروع، الثروة البشرية الكبيرة التي أكتسبت الخبر و المعرفة التي مكنتها من الهيمنة على ناصية العلوم النووية وفي اقامة التكنولوجيا و توطينها. هذه الثروة البشرية التي ما زال الامريكان و البريطانيون يحسبون لها ألف حساب ويعكفون على بعثرتها و حتى تدميرها. وقد أنشؤوا وزارة العلوم و التكنولوجيا بعد الاحتلال، احد أهم اهدافها وضع الخطط اللازمة لاعادة تأهيل  هذه الكوادر وحتى تشجيعها نحو الاعمال الحرة و ترك البلاد. كان من الاجدر لو امتلك العراق استقلالية قراره السياسي أن يحافظ على هذه الكوادرو يستغلها بخبراتها و معرفتها لاعادة العمل بمجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والتي  بدء بها العراق في عقد الستينات وحتى اواسط السبعينات وسار بها شوطا طويلا. و لساهمت هذه الكوادر مساهمة فعالة في اعادة اعمار العراق و تخليصه من تركات الحروب المدمرة و تنظيف بيئته.
 
في الفصل الخامس ينقلنا المؤلفان الى ما بعد غزو الكويت وما تبعه من حرب الخليج الاولى والتي اسماها صدام على عادته( أم المعارك) بينما اطلقت عليها القيادة الامريكية اسم (عاصفة الصحراء) و تبعات كل ذلك على البرنامج النووي. فبجانب سرد الاحداث كما صاحبها المؤلفان فإن أهم ما يعنينا هنا أمران مترابطان. الاول هو الارتجال و التخبط اللذان اتسمت بهما القرارات المستعجلة لحسين كامل المجيد المسؤول الاول عن البرنامج والتي اراد من خلالها أن يبرز أمام عمه صدام بأنه رجل الساعة. و الامر الثاني وبعد اسبوعين من دخول القوات العراقية الكويت، اصدر حسين كامل امره "للبدء الفوري بمعاملة قضبان الوقود النووي عالي التخصيب و كذلك الوقود الأدنى تخصيبا بما فيه المشعع و غير المشعع، و استخلاص اليورانيوم عالي التخصيب منها لاستخدامه بصنع قنبلة نووية ريثما يصل برنامج التخصيب الى انتاج الكميات المطلوبة لانتاج المزيد من هذه القنابل". و بالرغم من ابلاغه بأن ذلك يعني خرق معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية التي وقع عليها العراق عام1972 و أن الوقود النووي تحت المراقبة الدورية لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أصر حسين كامل على المضي بتنفيذ ما أطلق عليه (البرنامج المعجل). وبالرغم من الظروف الصعبة لما بعد غزو  الكويت تواصل العمل بنصب الفاصلات الكهرومغناطيسية الانتاجية بجانب المباشرة بتنفيذ البرنامج المعجل والاستمرار باعمال برنامج التسلح. كانت مجاميع العمل قد توصلت الى مراحل متقدمة الا أن تسابق الاحداث و بدء الهجوم ليلة 17 كانون الثاني/يناير1991 اوقفت كافة الاعمال. وبعد أيام قلائل قامت القوات الامريكية بضرب موقع التويثة " وهو الموقع المعلن والمعروف للجميع بكونه موقعا نوويا. فدمرت مفاعل 14 تموز للابحاث و الذي كان يعمل بكامل قدرته عشية عدوان عاصفة الصحراء، ثم دمرت مبنى مفاعل تموز-2 وهو المفاعل قليل القدرة الذي لم تصبه إسرائيل في عدوانها قبل عقد من السنين". أن العدوان على المنشآت النووية يكافىء عدوانا بالسلاح النووي كما نص على ذلك قرار الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر بعد العدوان الاسرائيلي على مفاعل تموز العراقي في 1981 . وكاد الهجوم الامريكي أن يؤدي الى كارثة نووية كبرى اذ كانت الآبنية تحتوي على مجموعة كبيرة من أعمدة الوقود النووي الحاوية لليورانيوم عالي و متوسط التخصيب. "أذ لو تسرب هذا الوقود الى المياه الجوفية لأحدث كارثة بيئية و أنسانية لا يقوى العالم كله على تخليص العراق من آثارها التي ستدوم الى الاف السنين، بينما لو تسامى و انتقل الى الهواء لعمت خطورته العراق و الدول المجاورة". وذلك أشبه بكارثة جرنوبل في أوكرانيا و التي وصلت اثارها الى أصقاع تبعد الاف الكيلومترات من موقع الحادث .
 
وما أن انتهت العمليات العسكرية حتى أنشغل المهندسون منتسبو الطاقة الذرية ببرامج اعادة اعمار ما هدمته الحرب، أما الاخرون من فيزيائيين و كيميائيين و غيرهم فقد باشروا بالعمل ببرامج مختلفة في مجال تنقية المياه و البيئة و البتروكيميائيات و الطاقات الجديدة و المتجددة. و تسلم جعفر مهمة الاشراف على إعمار قطاع الكهرباء الذي تم بجهود عراقية. و في مدة زمنية قياسية عاد تجهيز القدرة الى ما يقرب مستوياتها السابقة( قارن ذلك بوضع قطاع الكهرباء بعد العدوان الامريكي وأحتلال العراق). وفي بداية 1992 تم نقل كافة منتسبي المشروع النووي و معداته و تجهيزاته الى هيئة التصنيع العسكري وبذلك أنتهى الوجود الرسمي للمشروع وتغلق صفحة و تبدء أخرى ينشغل فيها العراق على مدى اثنى عشر من السنوات العجاف، تحت ظل الحصار الجائر.
 
جاء القرار 687 الذي أتخذه مجلس الامن في 3 نيسان/ابريل1991 في الفقرة 12 من الجزء 2 ما نصه " يتوجب على العراق أن يلتزم دون قيد أو شرط بعدم تطوير أو بناء أو استخدام أسلحة نووية، وعدم إنتاج مواد تصلح لتصنيع قنابل نووية وعدم إجراء أية بحوث أو تطوير أو بناء منظومات أو ورش يمكن استخدامها لهذا الغرض" وأشترط أن يضع العراق جميع ما له علاقة بالامور المذكورة أعلاه تحت تصرف الوكالة الدولية للطاقة الذرية للقيام بتدمير أو نقل أو إبطال مفعول جميع هذه المواد و المعدات و المنظومات. وعند اكتمال تدمير كل ما لدى العراق من اسلحة الدمار الشامل و ما له علاقة بها والتي على العراق أن يعلن عنها بالكامل خلال خمسة عشر يوما من تأريخ القرارو بقناعة مجلس الامن من تحقق ذلك يتم ألغاء إجراءات الحصار الواردة في القرار 661 لسنة 1990. و بذلك يكون العراق قد وضع تحت وصاية مجلس الأمن الى أن يقتنع بخلوه من الآسلحة الممنوعة وهو ما لم يحصل حتى غزت القوات العسكرية الأمريكية و البريطانية و أحتلالها العراق في ربيع 2003 . و يتناول الكتاب في فصوله السبعة المتبقية الحديث عن تلك الفترة العصيبة من الحصار و عمليات التفتيش التي قامت بها فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية واللجنة الخاصة للتفتيش المعروفة بالاونسكوم.
 
وعن بداية عمليات التفتيش و الثهيؤ لها يثبت المؤلفان في الفصل السادس أهم الاحداث ذات الدلالات التأريخية. و أولها المذكرة التي أرسلاها الى حسين كامل بصفتهما المسؤولين الرئسيين عن البرنامج النووي و التي أوصيا فيها بموجب القرار 687 إعلان أنشطة البرنامج كافة مع المواقع و المنظومات و المواد و الانشطة. و بالرغم من ذلك جاء رد حسين كامل "التقيد ياعلان النشاط النووي المعلن سابقا و المعروف للوكالة الدولية فقط و الامتناع عن اعلان اي من جوانب البرنامج النووي الوطني". و أصدر توجيها مشابها الى الدكتور عامر السعدي بخصوص برامج أسلحة الدمار الشامل الاخرى. و يتساءل المؤلفان عما أذا كان حسين كامل قد أنفرد باتخاذ قرار إخفاء البيانات عن الامم المتحدة أم إن صدام قد أوعز بذلك، وهو الارجح. و ذلك بدلالة ان الامر لم ينحصر بالجهات المسؤول عنها حسين كامل بل تعدى ذلك ألى عضو مجلس قيادة الثورة طارق عزيزو أحمد حسين خضير وزير الخارجية الذي تقدم الى مجلس الامن في 18 نيسان/أبريل باعلان العراق الذي يؤكد فيه عدم امتلاكه للسلاح النووي ولا المواد التي تصلح لتصنيعه وعن حيازته كميات محدودة من السلاح الكيمياوي و عدد من صواريخ سكود أرض-أرض المعروفة بصواريخ الحسين، و عدم حيازته لأي سلاح أو برامج تسلح بايولوجي. وهكذا تركت امور مواجهة لجان التفتيش بيد حسين كامل يصدر اوامره الى جعفر ضياء جعفر بخصوص السلاح والانشطة النووية والى عامر السعدي فيما يتعلق بالاسلحة الاخرى. ويذكر المؤلفان انه كان من اللازم الافصاح بالكامل عن كل ما يتعلق بتنفيذ قرار مجلس الامن و السعي الحثيث لالغاء الحصار بأقرب وقت و تكليف جهة متخصصة برئاسة وزير متفرغ ومن أشخاص مؤهلين ولهم الخبرات  اللازمة و المقدرات التفاوضية العالية. وهكذا بدأت دوامة التوجيهات المتعجلة و التخبط و اجراءات المناورة و التمويه التي لم تنجلي على المفتشين الدوليين. و يورد الكتاب الكثير من الامثلة و الاحداث التي تدل على الخطء الكبير بعدم الافصاح الكامل و عدم جدوى اجراءات التغطية مما ادى الى تأزم العلاقة مع المفتشيين الدوليين الذين أنفسهم لا يبرؤون من تجاوز حدود السلوك اللائق و الاحترام. وهذا ما أسهم في إطالة سني الحصار. وقد تحقق صدام من عقم انفراد حسين كامل بتصريف ما يتعلق بالجانب العراقي من اعمال التفتيش فأمرمتأخرا تشكيل لجنة لهذا الغرض برئاسة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء و عضوية عدد من كبار المسؤولين.
 
و الامرالثاني و الذي ترك آثاره السلبية لمدة طويلة هو قرارصدام القيام  بتدميرجميع مخلفات برامج أسلحة الدمار الشامل تدميرا أحادي الجانب من قبل منتسبي الحرس الجمهوري. و بالاضافة الى إنه كان من الواجب حسب قرار مجلس الامن أن يتم أي تدمير من قبل لجان متخصصة وبإشراف المفتشين الدوليين فإن التدمير كان بأسلوب غير مبرمج ولم يتم تدوين ما تم تدميره في سجلات موثقة. وهذا مثال آخر على الارتجال و التعجل باتخاذ القرارات المصيرية دون اللجوء لأخذ رأي الخبراء العارفين و احاطة السلطان نفسه بوعاظه الذين لا يفقهون و لا يعرفون غير (أمرك سيدي). وسيترك هذا الاجراء المستعجل آثاره فيما بعد حيث ادى التدمير آحادي الجانب و عدم وجود السجلات الى استمرار التحجج بعدم إمكان لجان التفتيش الاعلان عن خلو العراق من السلاح المحرم ما لم تتم قناعتها بنوع وكميات الاسلحة التي تم تدميرها و تحديد مواقع و تواريخ التدمير و الذين قاموا به. و بالرغم من اجراءات تدمير السلاح إلا إن العراق استمر بعدم الاعلان عن وجود برامج حثيثة لتطوير السلاح    البايولوجي وأهمل ذكر التقدم الذي أحرزه في مجال التخصيب بطريقة الطرد المركزي، والبرنامج المعجل لاستخلاص اليورانيوم عالي التخصيب من الوقود النووي، ولم يتطرق الى برنامج تصنيع السلاح النووي.
 
أما الامر الثالث فيتعلق بلجان التفتيش، فبجانب السلوك الشائن لعدد من المفثشين فالادهى من ذلك هو تطعيم تلك اللجان بعناصر مخابراتية تدين بالولاء الى دولها و ليس الى الامم المتحدة وهو ما تنص عليه اللوائح الدولية. الامر الذي حول عمل هذه اللجان الى وحدات تجسس على أمن العراق و محاولتها اختلاق حالات تأزم للتأثير على موقف مجلس الامن بل حتى لتبرير القيام بحملات هجومية كما حصل في نهاية عام 1998 عندما أمر رئيس (الاونسكوم) سحب مفتشيه بحجة عدم تعاون العراق دون الرجوع الى الامانة العامة للامم المتحدة او مجلس الامن. ألامر الذي ترك آثاره الى حين عودة المفتشين في 2002 وبعد قرارات عدة لمجلس الامن وتحت تشكيلة جديدة (الانموفيك) وبرئاسة هانس بليكس، الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. و يفصل الكتاب الدور السلبي للوكالة الدولية و الاونسكوم و من بعد الانموفيك في التمهيد للعدوان الامريكي البريطاني في آذار/مارس 2003، والمتمثل بالاصرار في التقارير التي قدمهاالى مجلس الامن كل من محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، و هانس بليكس، رئيس الانموفيك، على عدم الاقرار بتعاون العراق الكامل و عدم تقديمه التقارير الدقيقة و الوافية عن نشاطه في مجالات اسلحة الدمار الشامل.
 
تمثل الاحداث و الوقائع التي يسردها المؤلفان بتفاصيلها سجلا تاريخيا مفيدا يمثل المعاناة التي يتحملها العاملون من المؤهلين و الأكفاء في محاولتهم تنفيذ اوامرالقيادة السياسية التي لا يعتقدون بصحتها و تقديم تبريرات يحاولون أن يصيغوها بلبوس منطقية للمفتشين الدوليين المخضرمين، وبالاخص لمن كان منهم من أجهزة مخابرات بلادهم ولهم خطابهم الخاص الذي يسعون الى تنفيذه و أستخدامهم لجان التفتيش لهذا الغرض. ومن المفيد هنا ذكر ما اورده سكوت ريتر، من كبار المفتشين الدوليين في الاونسكوم الذي عمل بمعية رولف ايكيوس رئيسها الاول و ريتشارد بتلر الذي خلفه، و واكب أعمال التفتيش بتفاصيلها و انتهى به المطاف بالاستقالة في 1998 والذي أكد على خلو العراق منذ 1991 من أسلحة الدمار الشامل وعدم قدرته على معاودة أي برامج تسليحية، و أقر أن أجهزة التفتيش قد أعدتها الولايات المتحدة الامريكية لا للكشف عن أسلحة تعرف عدم و جودها ولكن لتحقيق هدفها السياسي  الذي كشف عنه بشكل لا يقبل اللبس في كتابه الاخير(1)، والذي يتحدث فيه عن المؤامرة التي حاكتها امريكا لتغيير النظام في العراق و التي كانت تريد مجرد إزاحة صدام وإحلال جنرال عسكري محله(2).
 
ويتطرق الفصل السابع للحديث عن هروب حسين كامل المجيد و عائلته الى الاردن في 1995. وما يهمنا من هذا الحدث أنه قاد الى قيام صدام إستباقا لما قد يكشف عنه صهره بتوجيه طارق عزيز للاعلان عن كافة نشاطات العراق في مجالات اسلحة الدمار الشامل بما فيها البرنامج المعجل و السلاح اليايولوجي وتسليم لجان التفتيش الوثائق و التقارير التي أخفاها حسين كامل فيما أصبح يعرف ب"مجموعة وثائق مزرعة حيدر" أو "وثائق مزرعة الدجاج". وهكذا ننتقل الى طور آخر في مأساة البرنامج الوطني بعد أن تم تدميره بالكامل. ولم يبقى سوى قيام جعفر و نعمان في الفترة 1995-1998مع فرق العمل التي شكلاها باعداد ما وصف ب"التقرير الكامل و الشامل و النهائي" وحسب ما طلبته الوكالة الدولية. وما يستحق التنويه به هو أنه بالرغم من إنهاء التقرير في ثلاثة أشهر وتسليمه الى الوكالة الدولية في بداية آذار/مارس 1996 إلا إن الوكالة ماطلت و راوغة للرد عليه على مدى سبعة عشر شهرا طالبة المزيد من البيانات و الشروحات الثانوية وإضافات لم تكن ضمن متطلباتها السابقة. و اكتمل اعداد التقرير المنقح مع جميع الاضافات المطلوبة وقدم الى الوكالة في نهاية آذار/مارس 1998 على أمل أن تقر الوكالة بذلك أنتهاء مرحلة التفتيش و البدء بمرحلة التحقق و المراقبة المستديمة. إلا إن ذلك لم يحصل الى ما بعد الاحتلال الامريكي-البريطاني للعراق. و كانت من نتائج المعاناة الشديدة التي قاس منها العاملون إصابة نعمان بنوبة قلبية في 1998، و بالتاكيد انه لم يكن الوحيد الذي ادى به العمل المتواصل و بدون هوادة على مدى سنين طويلة تحت قسوة نظام دموي، و الذي صاحبه في الاخير عنجهية المفتشين، الى إعتلال صحتهم والى موت بعضهم.
 
ويتواصل الحديث حيث يتناول الفصل الثامن (عملية ثعلب الصحراء) في نهاية 1998 حيث هجمت امريكا و بريطانيا على منشآت عديدة عسكرية و مدنية متذرعة بأن العراق لم يتعاون مع أجهزة الامم المتحدة و لجان التفتيش في الكشف عن كامل نشاطاته في مجالات اسلحة الدمار الشامل . من تداعيات عملية ثعلب الصحراء توقف الامم المتحدة عن إجراء التقييم العام لعمليات نزع السلاح  و البدء باتخاذ القرار الذي كان سيقود في النهاية الى رفع الحصار. إلا إن ذلك، لو حصل، يكون انحرافا خطرا عن المخطط الامريكي الذي يهدف الى إستمرار الحصار وتأزيم موقف القيادة العراقية وصولا للاطاحة بها. و هكذا أنتهت الامور بتوقف عمليات التفتيش نتيجة العدوان الجديد و قرار صدام بعدم التعامل مع الاونسكوم و الوكالة الدولية للطاقة الذرية. حيث تكونت القناعة بأن مهما كانت النتائج التي تتوصل اليها عمليات التفتيش فإن مجلس الامن تحت ضغط الولايات المتحدة لن يقرر أنتهاء مرحلة التفتيش و الانتقال الى مرحلة التحقق و المراقبة التي كانت ستؤدي الى رفع الحصار. وقرب نهاية 1999 أتخذ مجلس الامن قراره المرقم 1284 بالغاء الاونسكوم وتشكيل لجنة جديدة (الانموفيك) للرقابة و التحقق و التفتيش تولى رئاستها هانس بليكس. و رفض العراق هذا القرار معلنا عدم التعاون مع اللجنة الجديدة أو مفتشيها الذين اتهمتهم بالتجسس.
 
 و في الفصل التاسع يتناول الكتاب انعكاسات تولي بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة وأحداث أيلول/ سبتمبر 2001 على الموقف من العراق الذي أتهمته الادارة الامريكية بأنه بلد مارق يتعاون مع الارهاب الدولي و يمتلك اسلحة الدمار الشامل ويهدد السلام العالمي. و اصبح واضحا أن سياسة أمريكا العمل على تبديل الحكم في العراق بالقوة. و جرت محاولات متعددة من قبل بعض أعضاء مجلس الامن لاعادة تعاون العراق و إعادة المفتشين الدوليين. و قام ألامين العام للامم المتحدة بدور فعال في هذا الصدد. وعقدت أجتماعات في نيويورك و فيينا شارك في بعضها الدكتور جعفر، الذي يحدثنا بشكل مستفيض عن تجربته مع اجهزة الاستخبارات الامريكية و محاولاتها إستمالته لترك العراق وتجهيزها بالمعلومات عن برامجه التسلحية. وتولى إخبار الجهات العراقية بتفاصيلها. و كانت محاولات مشابهة قد جرت مع الدكتور عامر السعدي و آخرين و فشلت. ولكنها مع الاسف قد نجحت مع غيرهم.
 
 و من النتائج الايجابية للاجتماعات بين الامانة العامة للامم المتحدة و الطرف العراقي الاقراربضرورة تحديد أفق زمني لعمليات التفتيش و المسار الذي تتبعه للوصول الى أن العراق خالٍ من اسلحة الدمار الشامل و بالتالي البدء برفع الحصار. وكانت المعضلة الرئيسية كما حددها الدكتور جعفر "هي أن العراق دمر هذه الاسلحة من دون مراقبة مفتشي الامم المتحدة... كما لم يتم توثيق عمليات التدمير بمحاضر أصولية...لذا و صلنا الى طريق مسدود...وكان هدف الامم المتحدة...هو إعادة فرق التفتيش الى العراق...بغض النظر عن النتائج التي قد تتحقق أو لا تتحقق". و بقى السؤال الملح كيف يمكن معالجة هذه الاشكالية. و تقدم بليكس باقتراح القيام بمقابلة الافراد الذين اسهموا بالتدمير وهو الذي أقر في الاخير ولكنه واجه صعوبات لدى التطبيق.
 
 ومن الامور المهمة التي ذكرها جعفر مواجهته للدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم إعلام مجلس الامن بما خلصت اليه الوكالة نهاية 1998 "أن هناك عددا قليلا من المسائل المتبقية و التي يمكن حلها خلال مرحلة الرقابة و التحقق الدائمة. و إن هذه المسائل لا تتصل بعملية نزع السلاح معتبرا أن العراق قد أنجز ذلك". وكان ممثل الوكالة قد أبلغ الجانب العراقي بأنه سيبلغ مجلس الامن بذلك في حينه، الامر الذي يدل على إن الوكالة قد ماطلت في الامر تحت الضغط الامريكي. وقد زادت على ذلك بإبلاغ مجلس الامن "لا يمكن للوكالة أن تعطي تأكيدا مطلقا عن خلو العراق من المواد المحظورة". وهكذا بقي الملف العراقي مفتوحا دون سبيل الى إغلاقه. وقد أكد حصول هذه المواجهة بين جعفر و البرادعي ما ذكره هانس بليكس في كتابه المنشور 2004(3). و يظهر إن بليكس حاول أن يتبع سياسة مرنة خلاف ما كان يتبعه بتلر رئيس الاونسكوم، كما إنه أصر على أن يكون العاملون بمعيته في ألانموفيك موظفين دوليين ولائهم للامم المتحدة و ليس للبلدان التي يتبعون لها، وأن لا يقوموا بأي أعمال تجسسية. ولا نعرف الى أي مدى نجح في ذلك.
 
وفي الفصل العاشر (الصفحات الاخيرة من سيناريو الغزو) يتعرض الكتاب الى الخطوات التي قادت الى غزو العراق و أحتلاله. و يهمنا هنا الامور المتعلقة بالبرنامج النووي ودور الوكالة الدولية. فقد صيغت قرارات مجلس الامن بصورة قابلة للتؤيل. فالتفتيش مهما تكرر و تعمق فلن يستطيع أحد أن يجزم بعدم وجود سلاح الدمار الشامل ف"عدم العثور على شيء لا يعني عدم وجوده"، وهو ما أكدته الوكالة بالاضافة الى إن أي نظام تفتيش شامل و قاس لابد أن يتجاوز على سيادة الدولة وعلى أمنها العسكري. ولأن مجلس الامن لم يضع المعايير التي تحدد التحقق من خلو أي بلد من اسلحة الدمار الشامل، فقد ترك الباب مفتوحا لاجتهاد لجان التفتيش و المسؤولين عنها. وعلى هذا الاساس بنت الولايات المتحدة موقفها القائل بانه مادام التفتيش لا يستطيع أن يكون جازما فلا جدوى منه ويبقى الحل الوحيد هو إسقاط نظام الحكم، وهو ما سارت عليه بصحبة حليفتها الرئيسية بريطانيا. و في المقابل فقد توفرت للجان التفتيش عبر السنوات التي قضتها ما يكفي للجزم " بعدم وجود أدلة على امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل سواء باحتفاظه بما كان يمتلكه منها سابقا أو بالسعي لامتلاكها مجددا"، وهو ما أقر به سكوت ريتر و أكده في كتابه المنشور 2005. و الامر نفسه يمكن أن يثار حول القرار 1441المتخذ من مجلس الامن في تشرين الثاني/نوفمبر 2002 والذي يطلب من بين أمور عدة "أن يقدم العراق ...تقارير مؤكدة و كاملة و شاملة و صحيحة عن أسلحة الدمار الشامل...". وهنا أيضا برز ما يدل على تحيز أو تخوف هانس بليكس، رئيس الامنوفيك، و محمد البرادعي، مدير عام الوكالة، في مماطلتهما المتكررة أمام مجلس الامن للاقرار بتعاون العراق مع المفتشين و اعلامه إن التقرير الذي قدمه العراق في كانون الاول/ديسمبر2002جاء متوافقا مع ما طلبه المجلس. وقدم البرادعي لدعات العدوان مادة جديدة لقرع طبول الحرب بنشره ملفا بعشرات الأسئلة التي يدعي بأن العراق لم يجب عليها. وبالطبع فقد جاء ذلك متناغما مع ما ادعته امريكا و بريطانيا بأن التقرير النهائي لم يفي بالمتطلبات التي أكدها المجلس في قراره اعلاه. و في كتابه المنشور عام 2004يحاول هانس بليكس تبريرعدم تقديمه إقرارا صريحا بتعاون العراق و توفيره كافة البيانات و الوثائق المطلوبة بأدعائه بأنه عانى من محاولة التملص من الضغط الامريكي بالظهور في موقف المحايد! ولم يكن موقف البرادعي مختلفا كثيرا إذ جاء حديثه أمام مجلس الامن بأن من الممكن للوكالة أن تستكمل تحققها من إستجابة العراق للتخلص من السلاح النووي في غضون أشهر قليلة، ولكن جاء ذلك متأخرا بعد أن أوشكت القوات الامريكية و البريطانية البدء بالهجوم. و يقتطف المؤلفان من تقرير الوكالة الدولية المنشور في 20 آذار/مارس 2003، أي بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان، ما يفيد " لم تعثر الوكالة حتى 17 آذار/مارس 2003 على أي دليل عن معاودة العراق العمل بأنشطة محظورة وفق ما ورد في القرار 687 لسنة 1991".
 
وفي الفصلين الختاميين يتناول المؤلفان تفنيد الادعاءات الباطلة و الاتهامات المغرضة التي مارستها الولايات المتحدة و بريطانيا من اجل إطالة مدة الحصار أملا في إسقاط النظام وليس بهدف التخلص من أسلحة الدمار الشامل. ولم تألو جهدا اجهزة المخابرات الامريكية و البريطانية في أختلاق و تزوير الوقائع لادانة العراق. وقد صاحبها و بأسلوب آخر، و ذلك بإخفاء الادلة وعدم الاعلان عن الحقائق المكتشفة على أرض الواقع، كل من الوكالة الدولية بامتناعها عن الاعلان بتنفيذ العراق للقرارات ذات العلاقة بالسلاح النووي، و لجنتي الاونسكوم و الانموفيك فيما يخص الاسلحة الاخرى. ولعل من بين الامورالكثيرة ذات الاهمية التأريخية التي يتعرض لها الكتاب يجدر بنا التوقف على قضية الادعاء بأن العراق في معاودته لنشاط تسلحه النووي قام باستيراد خام اليورانيوم من النايجر بأفريقيا والتي يتصدى جعفر بتفنيدها بالتفصيل. فبالرغم من ثبوت زور الوثائق من قبل الوكالة الدولية و كما ثبت ذلك أيضا السفير الامريكي الذي اوفده مدير المخابرات الامريكية الى عاصمة النيجر للتحري عن الامر فقد أصرالمسؤولون البريطانيون بأن لديهم مصادرهم الموثوقة التي تؤكد قيام العراق بهذه العملية. وتمادى الرئيس بوش بالتأكيد عليها في أكثر من مناسبة و ضمنها خطابه السنوي عن حالة الاتحاد في 2003. و قد جرَ ظهور زور هذا الادعاء الذي اخذت تبعاته تظهر الآن الى استقالة مستشار نائب الرئيس الامريكي مؤخرا. ولعل هذه القضية كانت، بين امور اخرى، قد قادت الى تنحي جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية الامريكية، عن منصبه.
 
والقضية المهمة الاخرى التي يتعرض نعمان لتفنيدها، و المتعلقة هي الاخرى بالادعاء بأن العراق عاود نشاطه النووي، تخص القيام باستيراد أنابيب الألمنيوم لبناء أجهزة الطرد المركزي لعملية تخصيب اليورانيوم. وقد ذكرها التقرير البريطاني المنشورفي أيلول/سبتمبر2002 و أكدها بوش في خطابه السنوي كما ذكرتها الوكالة الدولية في تقريرها الى مجلس الامن في 8كانون الثاني/يناير2003***. ويوضح نعمان أن استيراد هذه الانابيب كان لاغراض تصنيع صواريخ جو-أرض ذات المدى المسموح و باسلوب الهندسة العكسية بدلا من استيرادها الذي كان محظورا. ويورد الادلة القاطعة على ذلك وعلى انها لاتصلح في صناعة اجهزة الطرد المركزي لاغراض فصل اليورانيوم. ورغم ذلك استمرت الوكالة الدولية بترديد ما جاء في التقارير البريطانية و الامريكية. وجاء تأييد عدم صلاح مثل هذه الانابيب للاغراض التي اصرت عليها الوكالة ما قاله العالم الأخصائي بفيزياء الطارد المركزي في مركز أوك ريج الامريكي للابحاث النووية " بصعوبة إستخدام الانابيب المستوردة من قبل العراق لغرض تصنيع أجهزة الطرد المركزي". أضف الى ذلك ما نقلته الواشنطن بوست في 10 آب/اوغسطس2003 نقلا عن احد عملاء وكالة المخابرات الامريكية والذي كان يعمل سابقا ضمن النشاط الامريكي لتخصيب اليورانيوم بطريقة الطارد المركزي بأنه هو الذي أختلق هذه التهمة و ذلك من جملة ما ظهر مؤخرا من قيام أجهزة المخابرات الامريكية و البريطانية بتلفيقه من الروايات التي تبنتها حكومتيهما لتبرير غزوهما العراق و احتلاله. ويستمر الحديث عن تفنيد اتهامات اخرى كصناعة المغانط الدائمة واستيراد مكائن و معدات و مواد نشرتها الحكومة البريطانية في تقريرأيلول/سبتمبر السيء السيط والذي اظهرت الوقائع زيفها.
 
ولابد أن نتسأل عن السبب الذي حدى بصدام و زمرته الى الاستمرار بالتخفي على امر عدم وجود اسلحة الدمار الشامل. وقد يكون الجواب أن العراق وهو محاصر و تتحين اكبر و اقوى دولة للهجوم عليه لابد له أن يموه و يترك الاخرين للاعتقاد بأنه يمتلك السلاح الفتاك لردعهم عن مهاجمته. ومن مفارقات الامور أن أمريكا طبلت و فخمت لتأكيد هذا الاعتقاد، بالرغم من معرفتها المؤكدة بزيفه، لانه يصب في صميم مخططها للظهور أمام العالم انها تتصدى لدولة مارقة مدججة باسلحة الدمار الشامل التي تهدد أمن المنطقة و السلام العالمي. وحتى حين قرر صدام في الاخير الاعلان عن عدم أمتلاكه لاسلحة الدمار الشامل، فقد جاء ذلك متأخرا، و وجدت حتى الدول التي كانت تقف ضد الحرب، وكذلك الجهات الدولية التي يفترض فيها الحياد، صعوبة بقبوله وذلك للسجل الطويل من المراوغة و التمويه الذي أتصف به الحكم الصدامي، الذي فقد مصداقيته منذ أمد ليس بالقصير، وبالأخص عدم كشفه في البداية للبرنامج الوطني، و تقديمه البيانات بصورة مجزأة فيما بعد. وهو ما ثبته المؤلفان في أكثر من موقع. وقد نبها منذ البداية عن مخاطر عدم الكشف الكامل تنفيذا لقرار مجلس الامن ولكن حسين كامل امرهما خلاف ذلك، كما سبقت الاشارة اليه.   
 
ونصل في (خاتمة المطاف ) الى عرض مكثف يقدمه المؤلفان للمعالم الرئيسية على طريق مسار البرنامج النووي العراقي و اهم الاحداث و العبر المستخلصة. وهو في الواقع خلاصة مستفيضة لما يقارب الربع قرن من جانب مهم من تأريخ العراق المعاصر والذي تشابكت أحداثه بشدة مع مسار البرنامج. و دون المؤلفان تفاصيل كل ذلك بين دفتي هذا الكتاب و لم يبخلا علينا في ذكر ما هو انجازات يفتخران بها بجانب الهفوات و الاخطاء التي يتصدان لتحليلها وتأشير أسبابها بكل موضوعية و تجرد. وهو ما يجعل من كتابهما سفرا و مرجعا للباحثين ليس فقط للبرنامج النووي العراقي ولكن أيضا للكثير من ألاحداث  المصاحبة التي مر بها العراق، والتي يتناولانها بعين العالم الثاقبة، مبتعدان عن التبريرات و الاعتذارات التي أ تصفت  بها الاعمال المشابهة للكثيرين. وحتى في جوانب الكتاب التي تتسم بما يقارب السيرة الذاتية أفلح جعفر و نعمان بعرضها بمصداقية عالية. إن القراءة المتأنية و المعمقة لهذا الكتاب ترسخ فينا الامل بأن العراق سينهض مجددا كما نهض مرات عديدة في السابق، فشعبه بجذوره المتدفقة حيوية و الغائرة في القدم لا يمكن لأي من نائبات الزمان أن تقتلعها أو أن تفرقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
هوامش
*قد أجازف بأقتراح العنوان البديل (الكلمة الاخيرة) أو (القول الفصل). ليس من السهل الحديث عن كتاب لمؤلفين جمعتني و اياهما اواصر الصداقة  لعقود عديدة بجانب رفقة العمل لسنوات كان المؤمل منها ان تطول لولا عثرات الدهر التي فرضت علي الابتعاد عن ادارة مركز البحوث النووية بعد اربع سنوات منذ تأسيسه في1965بسبب الضغوط التي مارسها بعض اعضاء حزب البعث العراقي و تآمرهم ليتولوا انفسهم هذه المهمة، أكبارًا منهم أن يحقق غيرهم ما يعتبرونه حكرُا عليهم. وهذا مثال آخر يضاف الى الكثير غيره من السلوكية الحزبية التآمرية الضيقة التي اسهمت بفاعلية كبيرة في محنة العراق والتي ثبتها المؤلفان في اكثر من موضع.
 
**أن التقدير الامريكي، الذي يذكره جعفر لما تم صرفه و البالغ ما بين 4 الى 10 مليار دولار أمريكي، يمكن التوصل الى حده الادنى بواسطة تحويل أجمالي المصروفات و البالغة للمدة 1982 الى 1990 ما مقداره بالدينار العراقي 1462 مليون بالصرف الرسمي الذي كان يعتمده البنك المركزي العراقي وهو حوالي 3 دولارات للدينار الواحد. ونحصل على ما يقارب 4400 مليون دولار.
 
***مما يثير الذكريات ما ذكره نعمان عن إتخاذ أحد البيوت التراثية مقرا للجنة الوطنية لنقل التكنولوجيا. وكانت اللجنة قد تشكلت أبان الحرب العراقية الايرانية برئاسة ناجح الراوي، رئيس مجلس البحث العلمي.وكان مركزها في موقع المجلس في الجادرية، جنوب بغداد. وكان عدد من مراكز الابحاث التابعة للمجلس قد حققت إنجازات مشهودة في البحث و التطوير في حقول مختلفة. ولكن نزوات حسين كامل المجيد للتسلط و الانفراد بكل الانجازات التي تعزز غروره و موقعه بجانب عمه صدام قادت الى حل المجلس وبعض مراكزه وإلحاق أخريات بالتصنيع العسكري أو وزارات أخرى وأدى ذلك الى انتقال عدد مهم من الباحثين الى الجامعات أو تركهم الوظيفة او حتى النزوح من العراق.
 
(1)   Scott Ritter, Iraq Confidential, the untold story of America’s intelligence conspiracy, I. B. Tauris, London, 2005.
(2)   Scott Ritter and Seymour Hersh , Iraq confidential, The Nation,  2005. http://www.thenation.com/doc/20051114/ritter.
(3)   Hans Blix, Disarming Iraq, the search for weapons of mass destruction, Bloomsbury, London, 2004.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
خلاصة تعريفية:
غازي درويش كان مدير مركز البحوث النووية منذ عام 1965 لحين عودته في 1969 الى كلية العلوم بجامعة بغداد التي عمل فيها مدرسا منذ 1959 ثم أستاذا في 1972 والى أن غادر العراق عام 1992 للعمل أستاذا للكيمياء في الجامعة الاردنية الى عام 2002 حين ترك للاقامة مع عائلته في لندن. وهو زميل في الجمعية الملكية للكيمياء في المملكة المتحدة و أستاذ زائر في جامعة سري.وكان استاذا زائرأ في قسم الكيمياء في جامعة كمونويلث فرجينيا بالولايات المتحدة 1999. وعمل خبيرا في وزارة الصناعة ببغداد للفترة 1981-1987 وكان خبير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سوريا 1968-1969وخبير برنامج الامم المتحدة للتنمية في وزارة التخطيط بليبيا عام 1996.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

البرنامج النووي العراقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: الأسلحة الاستراتيجية والتكتيكية - Missiles & WMDs-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين