أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة - صفحة 2

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, ... 9, 10, 11  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
cabo

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 07/02/2008
عدد المساهمات : 2659
معدل النشاط : 1451
التقييم : 124
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 4:43

@محمد علام كتب:
الاخ العزيز cabo حقيقة تتحفنا بمعلومات تاريخية مشوقة ، ولكن من فضلك اريدك ان تزودنا بمصادرها
سواء اسماء كتب ان كان مصدرها كتبا او روابط الكترونية اذا كانت ابحاثا منشوره علي الانترنت .



شكرا أستاذى الموقر محمد علام على هذا الكلام الطيب
وسأقوم ان شاء الله بالأقتباس من الكتب الاكاديمية التى لا يختلف حولها أحد




@le Combattant كتب:

هذا طبعا للاستزادة من علم المصريات  علم اجدادنا العظام هذا ليس طلب مصدر لا سمح الله و لكن لنتمكن من قراءة و معرفة تاريخنا



المصدر يجعل المعلومة تحمل صفة الحياد حتى يطمئن قلب أخى الموقر والذى أحترمه قبل أى شئ
حول حقيقة المعلومة التى اناقشها معه .. أن هذا التاريخ هو تاريخنا نحن الأثنين مصر والسودان
منذ قبل عصر الأسرات كانت كيان واحد

وهذه المعلومة من مصدر محايد

وهو اول مصدر سأرجع ألية فى سلسلة مصادر سنتحرك بين أسانيدها خلال رحلة الأثبات

وقبل أى شئ أود اخبارك بنقطة هامة

انى أحترم يا عزيزى معتقداتك ولم أطلب منك او من أى أحد
أن تغير توقيعك لا سمح الله .. ولا أقبل بهذا أيضا فتلك حرية شخصية
ان تضع الشئ الذى تقتنع به وتؤمن بمصداقيته .. هذة قناعتى الشخصية
وأقولها على العلن .


لكن من حقى ان اناقشك فى المعلومة التى تقوم بنشرها
ولا أكثر من هذا وهذا حق لى .

أردت فقط أن اؤكد على تلك الجوانب قبل أن أبدئ .

----------------------------------------------------------------------- 

المصدر الأول

أسم الكتاب / الأثار المصرية فى وادى النيل - الجزء الخامس

أسم المؤلف / جيمس بيكى

على الرغم من حذرى عند التعامل مع المؤلفات الأجنبية لتسييس جزء كبير منها



- 1 - 




وهذة الأفتتاحية أجد ما يشير أليها مؤلف أجنبى محايد أن مصر والنوبة كانا يتماثلا تماما
ولم من الممكن التمييز ( التفريق بينهم ) فى الثقافة واللهجات والعادات والشعائر المشتركة
هذا قبل عصر الأسرات .




- 2 -




الأمر يتجاوز حقائق أن الأرض واحدة والهوية واللغة الديانة والمعتقدات
بالملوك الأسرة 25 لهم أصول مصرية أيضا .


ألا تلاحظ أن الحاكم يحمل لقب فرعون ؟؟

الا انك تأتى بمعلومة جديدة ان فرعون لا يشترط ان يكون مصريا !!
ربنا يكون نوبيا من كوش ..  وعندما أخبرك بأن كوش فى ذلك القوت جزء من الأراضى المصرية .

دعنى اكمل بقرات اخرى من نفس المصدر قبل الخوض فى مصدر اخر


- 3 -




أعتقد ان تلك العبارة قد تكون أخر فقرة أتسند أليها من هذا الكتاب
وهنا نجد أن الاجانب الغير مصريين الذين احتلوا مصر يجيدون الهيروغليفية
وفى نفس الوقت غير مصريين
كما يشير الأخ صالح !!

فأين هويتهم الأجنبية التى تود الأشارة أليها يا عزيزى
الدليل واضح / هم يجيدون الهيروغليفية لكونهم مصريين من حقبة زمنية طويلة
وليس لكونهم أجانب .. وهذا ما احاول ان اخبرك به

أنت تصور الأمر وكانه أحتلال سودانى لمصر
وأنا أوضح الصورة لحضرتك أنه بيتك ملكى خرج من أقليم مصرى
سيطر على الأوضاع فى مصر انتهى بهزيمة من الأشوريين حتى
جاء الملك باسماتيك الأول من صا الحجر بمحافظة الغربية وأسس الأسرة 26 .


كلا الأسرتين 25 القادمة من النوبة و الأسرة 26 من محافظة الغربية
هم أسرات مصرية فرعونية حمل حكامها لقب فرعون وهو لقب مصرى
وينطقون الهيروغليفية ويقدسون الأله امون رع .

الفارق الأن أن السودان أنفصلت عن مصر ومحافظة الغربية لا تزال تابعة لمصر
لذا تعتقد ان قدوم الأسرة 25 هو احتلال أجنبى وان الأسرة 26 ليست أحتلال أجنبى
بينما توضويحى لحضرتك ان كلا الأسرتين من أقليمين مصريين .


سأكتفى بهذا المصدر اليوم كونى احتاج للنوم والراحة
وغدا بأذن الله سابدئ فى ادراج اسانيد ودلائل
من مصدر جديد تماما ..



تحياتى لكم جميعا



كابوو











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Just Say What U FeeL

جــندي



الـبلد :
التسجيل : 25/05/2014
عدد المساهمات : 18
معدل النشاط : 16
التقييم : 4
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 9:45

ارفع لك قبعتى احترما اخى الفاضل كابو 
حقا انك ابهرتنى بردودك بالمصادر والدلائل على عكس الاستاذ الاخر
فهو لم يفعل سوى نفس الشىء فى موضوع سد النهضه والهجمه المصريه عليه
والطريف فى الامر انك جاوبتنى على نصف سؤالى الذى كنت سأرسله لك فى رساله
هههههههههه سوف انتظر ربما يتم اجابتى على النصف الاخر
تحياتى لك اخى العزيز 9  9  9
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالله بن عبدالعزيز

مشرف سابق
لـــواء

مشرف سابق  لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 04/04/2012
عدد المساهمات : 9312
معدل النشاط : 9239
التقييم : 729
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 11:06

رسولنا الكريم أمرنا بأن نعرف أنسابنا كما أتى في الحديث (أعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم) فتذكروا ياأخوه أن الهدف من الحوار هي الاستفادة والخروج بالمعلومه الصحيحه , لا الاستهزاء والتعالي على الاخرين وهنا لنتذكر حديث الرسول (كلكم لآدم وآدم من تراب).


يا أخا الإسلام:
الناس من جهة التمثيل أكفاءُ 
أبوهمُ آدمٌ والأم حواءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ
يفاخرون به فالطين والماءُ



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Field Marshal Medo

مشرف سابق
لـــواء

مشرف سابق  لـــواء



الـبلد :
العمر : 31
المهنة : قائد
المزاج : عنيد - شرس - بفتل من الصبر حباااال
التسجيل : 26/08/2012
عدد المساهمات : 2656
معدل النشاط : 2310
التقييم : 106
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :



مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 12:55

شكرا لك علي هذه المعلومات الغزيره  35  35 


و عندس استفسار بخصوص هذه الاهرامات 







الا تعود الي الاسرات ما بعد 30 بصورة اساسية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
القاتل المخيف

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 28
المهنة : قاتل بالفطرة
المزاج : ابكى انزف اموت وتعيشى يا ضحكة مصر
التسجيل : 10/08/2012
عدد المساهمات : 10921
معدل النشاط : 10500
التقييم : 576
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 14:56

يوجد بعض التعليقات هنا تجعلنى اضحك كثيرا عليها عموما نحن لا نكترث لها

انت كعادتك يا كابو مبدع مبدع استمر يا اخى فى تنورينا بتاريخنا العظيم الذى نفتخر بة

انا اعشق النوبة وعاملت اهلها فهم اناس طيبون للغاية

ووطنيون جدا جدا ويعشقون مصر جدا عندما ياخد اى فرد من النوبة  اعفاء من الجيش المصرى  لاسباب مرضية او لعدم دخولة فى المواليد المطلوبة

بيكونوا زعلانين جدا لانهم بيعشقوا جيش بلادهم وعندهم استعداد يفدوة بارواحهم

حمى الله النوبة من كل شر وحفظها للمصريين

طبعا انا قلت لك يا كابو انت لك عندى حساب مفتوح من التقييمات

تحياتى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 15:33

اولا كلامك الكثير المتشابك لا يعني الاثبات و البعض فرح و نطط و السعادة تكاد تقتله !!

و اثباتاتك تكاد تصل الي حد الغرابه 

فمثلا تثبت ان عند دخول الاسلام للسودان كان السودان تابع لمصر ، و اثباتك ان الاسلام دخلنا عن طريق مصر !! 
1-الاسلام دخلنا عن طريق العرب مباشرة الذين فعلا مرو بمصر لكن كل الموضوع مع العرب و لا لمصر دخل هنا 
2- الاسلام دخل السودان عن طريق نقطين ، الاولي في الشمال و هي مصر (لكن العرب من ادخلوا الاسلام) ، و الثانية في الشرق عن طريق اثيوبيا (العرب المهاجرين الاوائلو ليس الاثيوبيين ايضا) فهل هذا يثبت شئ بان السودان لم يكن له وجود !

و الناس شغاله تهلل !!! 

و ايضا نفس القصة ان المسيحية دخلت السودان عن طريق مصر !! و هذا هو الاثبات بان السودان لم يكن له وجود و كان تابع لمصر !! 

ثم تثبت ان الرومان كانو مسيطرين علي منطقه النوبة و مصر ، و في هذه الحاله يا عزيزي تسمي سيطروا علي مصر و السودان 

انا لم انفي الاحتلال المتبادل في تلك الفترة ، و انت تستخدم فترات الاحتلال تلك لاثبات ان السودان كان خاضع طوال تاريخه و طوال عشرات القرون بانه كان تحت السيادة المصرية !! 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 15:39

حضارة نبتة التي اسسها النوبة الافارقه السودانين ،، و لو لم تكن هذه الحضارة مستقله فكيف سيكون لهم ملك منفصل و نظام حكم بل و حتي هم اعتبروها دولة مستقله تماما ، هذه الحاضرة اسستها الاسرة الخامسه و العشرين النوبية ، و هذه الاسرة لم تكتفي بحكم السودان بل غزة الشمال لاحتلال مصر عسكريا و كان لهم ما ارادو ، و لم يخرجو من مصر الا عند غزو الهكسوس 


هل تنفي هذا الكلام ؟؟؟ نعم ام لا ؟؟ 


اجابتك طبعا نعم ، لكن تقول انهم كانو اقليم مصري ، اقليم مصري لكن اسسوا حضارة منفصله !!


بعانخي أو بيا (بالإنجليزية: Piye) هو أول ملوك مملكة كوش بنبتة ،وضع علي العرش بعدة انتخابه من الكهنة ووافق الشعب الكوشي علي تنصيبه. وهذا كان متبعا مع الملوك الكوشيين من بعدهأمر قائداه باروما وليميرسكنى وسائر ضباطه في مصر، وقال لهم: اتخذوا وضع الاستعداد، وخوضوا المعركة، والتفوا حول العدو وحاصروه. وأأسروا رجاله ومواشيه وسفنه النهريَّة وامنعوا المزارعين من التوجه إلى الحقول، والفلاحين من حرث الأرض. اضربوا الحصار حول إقليم الأرنب وقاتلوا العدو كل يوم بلا هوادة.وهذا ما فعلوه.

وأرسل جيشاً إلى مصر، وأوصاهم مشدداً قائلا :لا تنقضوا على العدو ليلاً وكأنكم تلعبون وتلهون، ولا تحاربوا إلا وأنتم مبصرون، وخوضوا ضده المعركة دون الاقتراب منه. واذا قال لكم: انتظروا المشاة وسلاح المركبات القادمة من مناطق أخرى. فتريثوا لحين وصول جيشه، ولا تبدؤوا المعركة إلا عندما يطلب ذلك، واذا كان حلفاؤه في مدينة أخرى فاصدروا الأوامر بالانتظار حتى يصلوا، وحاربوا في المقام الأول القادة العسكريين المصاحبين له كحلفاء، وحرسه الخاص من الليبيين، وعند استعراض الجيش لا ندرى لمن نوجه الحديث، فنقول: أيا أنت أسرج أفضل ما في إسطبلك من جياد وهئ نفسك للمعركة عندئذ سوف تعرف اننا رسل امون"

وينصح بيَّا قواته قائلاً: "اذا بلغتم طيبة ووقفتم أمام ابت سوت اغمروا في الماء وتطهروا في النهر وارتدوا الكتان النقي، وحطوا الأقواس والقوا السهام جانباً، لا تتباهوا بأنكم أصحاب سلطة في حضرة الذي بدون رضاه ليس للشجاع قدرة، فيجعل الضعيف قوياً، والجموع تتراجع أمام القلة وتعود أدراجها ويتغلب الفرد على ألف وتبللوا بماء هياكله، وقبلوا الأرض بين يديه وقولوا له: أرشدنا إلى الطريق، فلنحارب في ظل قوتك ولتكن معارك المجندين الذين بعثت بهم مظفرة، وليستولى الرعب على الجموع عندما تواجههم.

ويبدو أن القوات الكوشية حاصرت القوات المصرية المتحالفة وأجبرتها على خوض المعركة، فارضة عليها الاحتماء بمدينة هرموبولس التي تمَّ ضرب الحصار عليها, فقط حينها توجه بيَّا بنفسه إلى مسرح العمليات متوقفاً في طريقه للاحتفال بالعام الجديد في الكرنك، وكان غرض بيَّا من ذلك مزدوجاً، فمن جانب أراد أن يعلن للملأ اعتراف امون به ملكاً، ومن جانب ثانٍ استهدف إضعاف القوات المصرية المُحاصرة بإطالة أمد الحصار تدميراً لروحها المعنوية. وأثناء ذلك اجتاحت قواته مصر الوسطى، ووصل إلى هرموبولس فأخضع ملكها نمرود.

كما استسلمت مدينة هيراكليوبولس دون أن تنتظر استيلاء بيَّا عليها واعترف حاكمها بولاية بيَّا في خطاب مشحون بالعبارات الأدبية جاء فيه: "تحية لك أيَّا حورس، أيها الملك القوى، إنك الثور الذي يقاتل الثيران! لقد استحوذت الدات (أى العالم السفلى) علىَّ وغمرتني الظلمات، فهل لي أن أمنح وجهاً كوجهك المشرق! لم أجد من يناصرنى وقت الشدة، ولكن بفضلك أنت وحدك أيها الملك القوى انقشعت الظلمات من حولي! فأنا وجميع ممتلكاتي في خدمتك، وتدفع مدينة ننى سوت الضرائب لجهازك الإداري، فأنت بالتأكيد خوراختى، حور الأفقين الواقف على رأس الخالدين، وبقدر بقائه تبقى أنتَّ ملكاً، وكما أنه خالد لا يموت فأنت أيضاً خالد لا تموت، أيا بيَّا يا ملك الوجهين القبلي والبحري، لك الحياة إلى الأبد".

بعدها توجه بيَّا إلى الشمال واستولى دون مقاومة على القلعة التي شيدها اوسركون الأول لمراقبة مدخل الفيوم، ثم زار مدينة هليوبولس لأداء الشعائر التقليدية التي تقام للإله امون وقدم القرابين فوق تل الرمال، ويسرد النص أن بيَّا اتجه إلى "مقر رع في موكب رهيب، فدخل المعبد وسط تهليل الحاضرين والكاهن المرتل يتعبد للإله لإبعاد أعداء الملك، ثم اقيمت شعائر بردوات وربط العصابة الملكية، وتطهر جلالته بالبخور والماء. ووقف الملك بمفرده، وكسر ختم المزلاج وفتح مصراعى الباب وشاهد والده رع في قصر البن بن المقدس ومركب النهار المخصصة لرع ومركب المساء المخصصة لأتوم، ثم أغلق مصراعي الباب ووضع الطين وختم الملك بخاتمه الخاص، وأصدر تعليماته للكهنة قائلاً: لقد قمت أنا شخصياً بوضع الختم، لن يدخل المكان أحد سواى ممن يدعون أنهم ملوك، وانبطحوا على بطونهم فوق الأرض قائلين: ثابت أنت ودائم، فليحي حورس محبوب رع، إلى الأبد! دخولاً إلى مسكن أتوم".

أما تف نخت قائد المتمردين فقد أرسل إلى الملك المنتصر بيَّا رسولاً ليتفاوض نيابة عنه وحملَّه رسالة إلى بيَّا جاء فيها: "ألم يهدأ قلب جلالتك بعد كل ما ألمَّ بى بسببك؟ أجل انى بائس، ولكن لا تعاقبنى بقدر الجرم الذي ارتكبته، أنت تزن بالميزان وتحكم طبقاً للوزنات! وفى إمكانك مضاعفة جرمي أضعافاً مضاعفة، ولكن ابق على هذه الحبَّة، وسوف تعطيك حصاداً وفيراً في الوقت المناسب، لا تقتلع الشجرة من جذورها! إن كاءك (روحك) تثير الرعب في أحشائي وترتعد أوصالي من شدة الخوف! ومنذ أن علمت باسمي لم أجلس في بيت الجعة ولم أستمع إلى عزف الجنك، لقد أكلت وشربت ما يكفى فقط لرد جوعى وإطفاء ظمئى. وصل الألم إلى عظامي، وأسير عارى الرأس مرتدياً الأسمال حتى تعفو الآلهة نيت عنى. لقد فرضت على السير مسيرات طويلة، أنت تلاحقنى على الدوام، فهل أسترد حريتى ذات يوم؟ طهر خادمك من ذنوبه، ولتنتقل ممتلكاتي إلى الخزينة العامة، وكافة ما أملك أيضاً من ذهب وأحجار كريمة وأفضل جيادي وكافة تجهيزاتى، أرسل رسولك ليطرد الخوف من قلبى وأذهب في صحبته إلى المعبد ليطهرني القسم الالهى".

وأرسل له بيَّا بالفعل كبير الكهنة المرتلين يرافقه القائد العكسرى الكوشي باورما حيث أقسم تف نخت أمامها في المعبد القسم الالهى التالي: "لن انتهك المرسوم الملكى ولن أتهاون في أوامر صاحب الجلالة، ولن أسلك سلوكاً مذموماً في حق قائد عسكري في غيابه وسوف أتصرف في حدود الأوامر الصادرة من الملك دون أن اخرق ما أصدره من مراسيم، عندئذ أعلن صاحب الجلالة موافقته".

بعد تلك الانتصارات ثبت بيَّا حكام الدلتا المصريين كل في إقليمه متجنباً إعطاء الكثير للذرية الليبية لفراعنة مصر القدماء مستثنياً واحداً منهم فقط هو نمرود بوصفه متحدثاً نيابة عنهم. ويصف النص وصول أولئك الحكام لأداء فروض الطاعة والولاء: "لَّما أضاءَّ الأرض نهار جديد، حضر عاهلا الجنوب وعاهلا الشمال والصل على جبينهم وقبلوا تراب الأرض أمام قوة صاحب الجلالة. وهكذا جاء ملوك وقادة الشمال ليشاهدوا بهاءَ جلالته، وكانت سيقانهم ترتعش وكأنها سيقان نسوة، ولكنهم لم يدخلوا إلى مسكن الملك حتى لا يدنسوه بالنظر إلى أنهم لم يختنوا ولأنهم يأكلون السمك. أما الملك نمرود فقد دخل مسكن الملك إذ كان طاهراً ولا يأكل السمك".

ومن ثم قرر بيَّا العودة إلى نبتة وكان أن: "حُملت السفن بالفضة والذهب والأقمشة وسائر خيرات الشمال وكل ثمين وسائر كنوز سوريا وعطور بلاد العرب، وأقلعت سفن صاحب الصوب الجنوب وكان جلالته منشرح القلب، وعلى الجانبين كان الأهالي على شاطئ النهر يهللون من نشوة الفرح، وأخذ الجميع -شرقاً وغرباً- كلما بلغهم النبأ ينشدون عند عبور صاحب الأنشودة فرح وابتهاج، تقول الأنشودة: أيها الأمير القوى، أيها الأمير القوى، أيا بيَّا، أيها الأمير القوى! ها أنت تتقدم بعد أن فرضت سيطرتك على الشمال، إنك تحول الثيران إلى إناث! طوبى لقلب المرأة التي أنجبتك! وطوبى لقلب الرجل الذي من صلبك! وأهل الوادي يحيونه فلتحي إلى الأبد، فقوتك خالدة أيهُّا الأمير المحبوب من طيبة". فضلَّ الملك الكوشي بيا ألا يحكم مصر شخصياً بصورة مباشرة، فلجأ إلى إتباع سياسة منح الحكم الذاتي للمصريين تاركاً السلطات الإدارية بأيدي الحكام المحليين الذين أدوا له قسم الطاعة والولاء، مكتفياً بالإشراف الفعلي على منطقة طيبة والطرق الغربية حتى الواحة الداخلة.

ويربط كثير من المؤرخين بين وفاة بيا والزى الأسود الذي ترتديه النسوة في المناطق النوبية التي تقع شمال السودان وجنوب مصر حيث تذهب الرواية المتداولة إلى أن ذلك الزى الأسود تم إرتدائه حين وفاة بيا بعد أن حزن الناس لذلك الحدث حزناً شديداً ورفضن النسوة أن يغيرن أو يخلعن ذلك السواد مدى العمر حتى صار زياً قومياً في تلك المنطاق، والأمر بلاشك له دلالة قوية على عظمة وقوة الملك بيا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
cabo

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 07/02/2008
عدد المساهمات : 2659
معدل النشاط : 1451
التقييم : 124
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 16:35


لا أعرف المشكلة وراء قيامك بسرد مقال يقص على قيام ملوك الأسرة 25 بفرض السيطرة على الأقالية الشمالية
يمكننى ان أقص عليك أيضا كيف قايم جيش أمون بالأقصر بالزحف شمالا ودخول العاصمة( بر - رع - مسو ) وأنهاء حكم
الملك رمسيس 11 .. قضيتك ان تحاول أخبارك بأن هذا الامر أحتلال اجنبى هذة مشكلة كبيرة جدا .

أنها نفس الأشكالية حول مفهومك لكلمة الحضارة
تتحدث الأن عن أرضين منفصلتين تماما وحضارتين منفصلتين تماما
يحملا نفس اللغة والديانة والعادات والتقاليد .

اتدرك هذا المقال اعجبنى وبشدة
ولكن الحجة على كاتب المقال .

أستطيع الأن أن أتيك بمصادر منسوبة للعالم الفرنسى مونتيه
الذى يشير فيها الى أن تانيس هى العاصمة التى انشئها اليهود فى مصر
وأطلق عليها صوعب .. وأنالمقابر التى أكتشفها هى مقابر اليهود فى مصر

وفى الوقت أنفسة مصادر توضح أن مونيتة عالم فرنسى يهودى بدئ حفائرة فى فلسطين
وقال عن نفسة انه جاء الى مصر ليكمل ما بدئه فى فلسطين ويثبت ما هو موجود بالنصوص التوراتية
 واول أثار أكتشفها كانت مقابر لفقراء من البطالمة قال عليها أن هذة هى دفنات اليهود فى مصر 

وكل ما سبق تم نفيه تماما



المصادر الجنبية كلها
 تصنف حاملات الفراعنة من الدولة القديمة والدولة الوسطى
على سيناء ضمن الاعمال الخارجية للمولك !!


وهذا مرفوض لدينا بالطبع " لكنه يظل تسييس واضح للتاريخ " وله أغراض

ولكن عند ربط المعلومات السابقة ان سيناء لم تكن مصرية طول عهد الفراعنة
 مع  معلومات قديمة خاطئة أن مصر كانت مملكتين شمالية وجنوبية وسيناء لم تكن مصرية
فى الأصل نفهم مغذى التقسيم التاريخى للأقليم المصرى الى ثلاث ممالك
وأثرها حول التصور المستقبلى أن مصر بالأصل لم تكن كيان واحد
وأستطيع أن أشبعك مقالتك تفرح قلبك على هذا القبيل


والتصحيح التاريخى / يأتى بالأشارة الى بيت ملكى من هيراكنبوليس
حيث خرج ملوك وكونوا الأقليم المصرى الذى بدئ من الشلال الثانى فى النوبة
وجاوز شمال غزة الى جنوب فلسطين الأن كل هذا قبل قيام الأسرة الاولى ككيان موحد
والحديث عن تلك الأسرة تنفى وتقتل جميع الأدعائات الغربية أن سيناء لم تكن مصرية
أبان حكم الفارعنة وان الأقليم المصرى ( دون سيناء ) كان مقسم الى مملكتين

كل هذا الكلام تم نفية الا أن هناك
من يزال يؤمن ويصدق فى اداعائات الأجانب

تذكر كلمتى فى الصحفة السابقة حينما قلت
أن أحدزر عن التعامل مع المراجع الأجنبية


------------------------------------------


يا أستاذ صالح جئتك بمصادر بفقرات واضحة تتحدث عن كون اللغة واحدة والديانة واحدة
وانهم فراعنة سيطروا على الحكم فى دولة فرعونية

سأثبت لك هذا بطريقة سهلة للغاية

ملوك الأسرة 25 كانوا فراعنة يعبدون أمون وينطقون الهيروغليفية

وملوك الأسرة 26 كانوا فراعنة يعبدون أمون وينطقون الهيروغليفية

كلا البيتين سيطروا على الفوضى فى البلاد بقوة السلاح

لماذا تسمى الوضع مع الأسرة 25 أحتلال أجتبى
بينما مع الأسرة 26 لا تسمية أحتلال أجنبى .

تذكر حديثى فى الخلف عن قايم الأسرة 21 وهم لمصريين من الأقصر ينطقون الهيروغليفية ويقدسون أمون
عندما قاتلوا الملك رمسيس 11 وهم مصريين من الشمال وأيضا يجيدون الهيروغليفية ويقدسون أمون
وانتصر مصريين الجنوب من الأقصر وفرضوا سيطرتهم على البلاد وانتهت الأسرة 20 وقامت
الأسرة 21 فلماذا أيضا لا تطلق على الأسرة 21 أحتلال أجنبى ؟؟


أحاول أن أوصل أليك معلومة واضحة

بيت ملكى أستخدم القوة ليصل الى الحم ويزيل بيت ملكى قبلة
وتستمر ملوك هذا البيت فى السلطة فيأتى بيت ملكى أخر من أرض مصر
ويرفع السلاح ويفرض النظام عقب انهيار بيت ملكى سابق ويصل للحكم
وهكذا  لكن الذى يجمع كل هؤلاء البيوت انهم من أرض مصر وليسوا اجانب

وليس كل ما يكتب يكون الصدق
الأثر وحدة هو الذى يعطى المعلومة
أن كانتالنوبة فى تلك الفترة تحمل أثر غير مصرى
أذن هى أرض أجنبية لكن جميع أثار النوبة فى تلك الفترة تحمل الهوية المصرية
تماما حتى الكتابات واللغة حتى الديانةوالمعبودات حتى المؤرخين

المشكلة أنك تريد أقناعى أن هناك فراعنة
سيطروا على أرض أخرى يعيش عليها فراعنة
والفراعنة الذين أتوا من الجنوب هم اجانب لفراعنة الشمال
لكون فراعنة الجنوب هم حضارة فرعونية مختلفة تماما عن فراعنة الشمال
بأستثناء أن فراعنة الجنوب ينطقون الهيرغليفية بينما فراعنة الشمال ينطقون الهيرغليفية
لكن الاهم أنهم ليسوا دولة واحدة وليسوا حضارة واحدة هؤلاء فراعنة وهؤلاء فراعنة أخرين
لكن الأهم أن الفرراعنة الجنوبيين هم أجانب بالنسبة للفراعنة الشماليين أى انهم ليسوا فراعنة وليسوا واحد
وانا أقول لك أن هذا الكلام يكون مقبولا فى الخنكا أو العباسية ولا يمكن اعتبارة تاريخ أصلا


كل الأثار والشواهد والدلائل واللغة والنصوص تؤكد أنها أرض واحدة
والأسرة  25التى خرجت من النوبة لا تختلف عن الأسرة 26 التى خرجت
 من الغربية " صا الحجر " ولا تختلف فكلاهم أسر فرعونية وأن نفسك تعترف
 ان ملوك الأسرة 25 كانوا فراعنة


دعنى أكمل لك الأثباتات من مصادر علمية
على كون أقليم النوبة فى تلك الفترة هو أقليم مصرى
وليس أقليم أجنبى كما تعتقد

أى أن الأمر لا يعدوا حدود الوصول الى السلطة من قبل فرعون من أرض مصر



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
cabo

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 07/02/2008
عدد المساهمات : 2659
معدل النشاط : 1451
التقييم : 124
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 16:54

اقتباس :
ما اجمل ان نطالع  موضوع مهم جدا من العملاق كابو يتحدث عن النوبة المصرية وتاريخها العظيم والذى نفخر بة
وما اجمل النوبيين المصريين واللذين يفخرون بكون النوبة كانت وستظل ارض مصرية خالصة والواقع دائما يفرضة الاقوياء  7 
صراحة وانا اقرا هذا الموضوع كنت استمع الى اغانى النوبى الجميل الكينج محمد منير وايضا اتمتع بصوت جواهر الفتاة النوبية المصرية الرائعة
نتتظر حلقات جديدة  عن تاريخ مصر يا شقيقى كابو
تحياتى

مشكرو يا أخى الكريم على كلامك الطيب
وأوضح أنى ليست عملاق تاريخ ولا شئ أنا مجرد طالب
 فى مرحلة الدراسات العليا ولا اكثر من هذا .. فلا تعطينى أكبر من قدرى

وتوضيحى للأخ صالح رسالة واضحة أننا دولة واحدة وأرض واحدة تشاركنا لقرون طويلة جدا
فى اللغة والمعتقدات الدينية والعادات والتقاليد والعمارة وأسلوب الحياة والأنتساب للهوية ذاتها
وعندما خرج حكام من النوبة على كامل الأقليم المصرى لم يصنفهم المصريين على كنوهم أجانب
ولم يتم تصويرهم بصورة المحتل الأجنبى والدليل ( أن ملوك الأسرة 25 لم يحملوا لقب هكسوس أبدا )

وهكسوس تعنى الحاكم الأجنبى وملوك الأسرة حملوا لقب فراعنة وليسوا هكسوس
أى حكام مصريين وليسوا  حكام أجانب

الأخ صالح يريد تصوير نفسة بالمحتل الاجنبى ويغير فى التاريخ
وتلك مشكلته لا اعرف حقيقة السبب وراء هذا الامر


هل تردك يا عزيزى القاتل المخيف أن قبولى فى الأعتارف بكون النوبة
 لم تكن مصرية فى التاريخ وعندما قام فراعنة النوبة بحكم البلاد -- يجب تصوير
ذلك الأمر فى كتب التاريخ بالأحتلال الأجنبى

تصبح كل الأراضى جنب أسوان ليست مصرية وهى ملك النوبة
وهذا هو المغذى من مراجع اجنبية عديدة تحاول تغيير حقائق تاريخية
ان حكم ملوك النوبة عهد الأسرة 25 هو أحتلال اجنبى وليس بيت
حاكم خرج من أرض مصر .

بينما جميع أثار النوبة تؤكد أنها أرض مصرية
وليست أرض اجنبية والأثر وحدة ينفى الظن والاعتقاد

عزيزى صالح لن أغير التاريخ كى ترضى عنى
أثار النوبة واحدها تتحدث عن الحقيقة .

ما حدث من وصول الأسرة 21 للحكم بوقة السلاح
لا يختلف عن وصول الأسرة 25 للحكم بقوة السلاح
ولا يختلف عن وصول الأسرة 26 بأسهار القوة ايضا

الا انهم جميعا لم يكونوا اجانب
بل كلهم كانوا فراعنة وكلهم من داخل الأراضى المصرية
وليسوا من خارج الاراضى المصرية .

لن أغير التاريخ على حسب الأهواء







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 17:49

استشرت من لهم باع وقالو لي انك فعلا تسرد التاريخ خطأ 

فالثابت ان النوبة حكوموا مصر و تحديدا الاسرة الخامسه و العشرين ، لكن ستجد نفسك تدور في حلقة كيف كان هؤلاء الاسرة رقم 25 !!

و حسب ما قالو ان تاريخ الاسرات كلها بدون استثناء هو واحد ليس مجزأ ، و الاسرة الخامسه و العشرين ليست شئ منفصل لان اثبات انفصالها هو لب معضلتك !

اي نحن امام تاريخ الاسرات الواحد الموحد الذي كاملا هو من حقنا تماما و ليست الاسرة الخامسه و العشرين وحدها !!! 

الاسرات بلا استثاء هي من حقتنا و تاريخنا نحن ما عدا اسرة هكسوسيه واحده ، و بداية الاسرات هم من قدموا من الجنوب اي الاسرات حقنا كاملة مكمله !!

سأحاول ايضاح الفكرة جاهدا غبر عدة مواضيع 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
cabo

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 07/02/2008
عدد المساهمات : 2659
معدل النشاط : 1451
التقييم : 124
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 18:21

@salih sam كتب:

استشرت من لهم باع وقالو لي انك فعلا تسرد التاريخ خطأ 

فالثابت ان النوبة حكوموا مصر و تحديدا الاسرة الخامسه و العشرين
لكن ستجد نفسك تدور في حلقة كيف كان هؤلاء الاسرة رقم 25 !!


و حسب ما قالو ان تاريخ الاسرات كلها بدون استثناء هو واحد ليس مجزأ
و الاسرة الخامسه و العشرين ليست شئ منفصل لان اثبات انفصالها هو لب معضلتك !

اي نحن امام تاريخ الاسرات الواحد الموحد الذي كاملا هو
من حقنا تماما و ليست الاسرة الخامسه و العشرين وحدها !!! 

الاسرات بلا استثاء هي من حقتنا و تاريخنا نحن ما عدا اسرة هكسوسيه واحده
و بداية الاسرات هم من قدموا من الجنوب اي الاسرات حقنا كاملة مكمله !!

سأحاول ايضاح الفكرة جاهدا غبر عدة مواضيع 

أذن من لهم باع اخبروك بان فراعنة من النوبة الذين لهم نفس اللغة ويكتبون الهيروغليفية
هم غير فراعنة مصر الذين لهم أيضا نفس اللغة ويكتبون الهيروغليفية
وفراعنة الجنبوبة النوبيين أحتلوا فراعنة الشمال المصريين


من الأساتذة الأفاضل الذين لهم باع وقالوا لك هذا الكلام
وأى عاقل أصلا سيقبل منطق أن فراعنة الجنوب كانوا أجانب لفراعنة الشمال
الكلام فى حد ذاته غير مقبول من حيث المنطق فالعالم لم يعرف سوى حضارة فرعونية واحدة فى القدم
فتريد أن تخرج وتجزئ تلك الحضارة الى قسمين على أسس التقسيم الجغرافى الحالى
لتقول ان فراعنة النوبة هم غير فراعنة مصر وان فراعنة النوبة أحتلوا فراعنة مصر
من أين لهم بهذا الهراء .


الحديث بالأصل يؤكد انهم لا يعرفون أصول اللغة
الحاكم الأجنبى يعنى ( حكا خاسوت ) وصارت باليونانية هكسوس

ملوك الأسرة 25 هم بانفسهم من أعترفوا بالهوية المصرية
واكدوا على أنتمائهم للهوية الفرعوينة وكلذلك اللغة ذاتها
ثم تقول لى أن من لهم باع يخبروك بان هؤلاء الفراعنة
كانوا أجانب وأن المصريين كانوا يروا أنهم أجانب .

( وهذا ما أقصدة بتحريف التاريخ عن عمد )

الأمر لم يكن أحتلال ولا يختلف فى شئ
عن قيام الأسرة 21 التى أسقطت حكم الأسرة 20
بالسلاح

الملك سمندس أبن حرى حور كبير كهنة أمون الذى انتصر على رمسيس 11 فى حرب
وجعل أبنة سمندس حاكم كفرعون على عرش مصر بعد ان زوجة أبنة عدوة  أخر فرعون للأسرة 20
وكان زواج ( عنوة ) كى يكتسب سمندس حق أعتلاء العرش كفرعون على رأس أسرة جديدة 21 .

بعد الحرب والقتال لا يمكن لأحد ان يسمى هذا احتلال أجنبى قدر ما هو صراع داخلى
هذا هو التاريخ -- والأمر ذاته مع الأسرة 25 " الأسرة المصرية " القادمة من ارض النوبة المصرية .


اقتباس :
و بداية الاسرات هم من قدموا من الجنوب اي الاسرات حقنا كاملة مكمله !!


هذة المعلومة خطيرة جدا
بداية الأسرات هى من هيراكنبوليس
ملوك الأسرة صفر


وما قبل الأسرات كان أيضا أجداد الفراعنة فى مصر بشكل حضارات غير موحدة

مثل حضارة ديرتاسا - المعاى - طرة - البدارى وغيرها وصولا للحضارات النقادية ومن ثم
خروج اول بيت ملكى من هيراكنبوليس وتوحيد البلاد كلها من الشلال الثانى حتى تجاوزا صحراء سيناء
وهنا أصول قوية أقدم ترجع الى حضارة نبتا التى رجع الى 12 الف سنة مضت أيضا على أرض مصر

لو سمحت لا تغالط فى ثوابت التاريخ هذا غير مقبول ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 18:40

اقتباس :
فتريد أن تخرج وتجزئ تلك الحضارة الى قسمين على أسس التقسيم الجغرافى الحالى 
لتقول ان فراعنة النوبة هم غير فراعنة مصر وان فراعنة النوبة أحتلوا فراعنة مصر 
من أين لهم بهذا الهراء

بالظبط ، الحاضرتين لم تكن مجزأه بل شعبنا السوداني له حق اصيل في الحضارة التي نشأت في مصر !!

لوحة نعرمر. نعرمر او ابا هو مؤسس الاسرة المصرية الاولى وموحد شمال الوادى وجنوبه حوالى 3100ق.م اللوحة تظهر بوضوح وضعو للتاج الابيض تاج الجنوب او تاسيتى المنطقة من طيبة واسوان الى حدودنا جنوبا . فى اشارة لانو اتى من الجنوب لضم شمال الوادى وتوحيدو مع اصل الحضارة فى الجنوب. شمال الوادى هى منطقة الدلتا وما حولها.


Real AUTHENTIC NARMER PALETTE PHOTO, Narmer Cairo Musueum, JE 32169 / CG 14716







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Fawzy

خبير استراتيجي
خبير استراتيجي



الـبلد :
العمر : 37
المهنة : الادارة
المزاج : Rothmans
التسجيل : 19/08/2007
عدد المساهمات : 1959
معدل النشاط : 518
التقييم : 48
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 18:43

اقتباس :


مصر في عصر ما قبل التاريخ


العصر الحجري القديم - العصر الحجري الحديث -



عصر البداري - عصر ما قبل الأسر - جنس المصريين


إن المتطرفين في عصر من العصور هم أنفسهم الرجعيون في العصر الذي يليه، ومصداقاً لهذه القاعدة نقول أنه لم يكن ينتظر من الرجال الذين أنشئوا عِلم الآثار المصرية أن يكونوا أول من يؤمن بأن ما في مصر من مخلفات العصر الحجري القديم ينتمي حقاً إلى ذلك العصر. ذلك أن العالِم بعد الأربعين لا يظل طلعه تياحا. ولما أن كشفت أولى أدوات الظران في وادي النيل قال سير فلندز بيتري، وهو الذي لا يتردد عادة في قبول أكبر الأرقام في تاريخ مصر، إنها من صنع ما بعد الأسر، وعزا ماسبيرو، الذي لم يفسد علمُه الغزير أسلوبه الممتع المنمق، الفخار المصري الباقي من العصر الحجري الحديث إلى الدولة الوسطى. ولكن ده مورجان كشف في عام 1895م عن سلسلة متدرجة تكاد تكون متصلة الحلقات من حضارات تنتمي إلى العصر الحجري القديم- تطابق في أكثر نواحيها الحضارات المماثلة لها والتي جـاءت في أوربا بعدها بزمن طويل. وكان ما كشفه من مخلفات هذه الحضارات المصرية رؤوس معـاول يدوية، ومطارد، ورؤوس سهام، ومطارق عثر عليها على طول مجرى النيل. وتتدرج مخلفات العصر الحجري القديم تدرجا غير ملحوظ إلى مخلفات العصر الحجري الحديث على أعماق تدل على أنها تنتمي إلى العهد المحصور ما بين 000ر10، و 000ر4 سنة قبل الميلاد. وترقى صناعة الأدوات الحجرية شيئاً فشيئاً، وتزداد تهذيباً، وتصل إلى درجة من الحدة والصقل ودقة الصنع لا تضارعها فيها آية ثقافة أخرى وصل إلينا علمها من ثقافات العصر الحجري الحديث. وقبيل أواخر هذا العهد تظهر صناعة المعادن في صور مزهريات ومثاقب ودبابيس من النحاس وحلي من الفضة والذهب.
ثم يتدرج ذلك العصر إلى العصور التاريخية وتظهر الزراعة في أثناء هذا التدرج. وكان أول ما كشف من آثار عصر الانتقال في عام 1901م حين عثر في بلدة البداري الصغيرة "وهي في منتصف المسافة بين القاهرة والكرنك" على جثث بين أدوات تنتمي إلى عهد يرجع إلى ما قبل المسيح بنحو أربعين قرناً. ووجدت في أمعاء هذه الجثث، التي أبقى عليها جفاف الرمال وحرارتها ستة آلاف عام، قشور من حب الشعيرغير المهضوم. ولما كان الشعير لا ينبت بريا في مصر فقد استدل من وجودها على أن البداريين كانوا يعرفون زراعة الحبوب. وقد بدأ سكان وادي النيل من ذلك العهد السحيق أعمال الري وقطعوا الأدغال، وجففوا المستنقعات، وتغلبوا على تماسيح النهر وأفراسه، ووضعوا أسس الحضارة على مهل.
وتوحي إلينا هذه البقايا وبقايا أخرى غيرها بشيء من العلم عن حياة المصريين قبل الأسر الأولى التي عاشت في الأزمنة التاريخية. لقد كانت ثقافة ذلك العهد ثقافة وسطاً بين الصيد والزراعة، بدأت منذ قليل باستبدال الأدوات المعدنية بالحجرية. وكان الناس في أيامها يصنعون القوارب، ويطحنون الحب، وينسجون الكتان والبسط، ويتحلون بالحلي، ويتعطرون بالعطور، لهم حلاَّقون وحيوانات مستأنسة، وكانوا يحبون التصوير وبخاصة تصوير ما يصيدون من الحيوان، وكانوا يرسمون على خزفهم الساذج صور النساء الحزانى وصوراً أخرى تمثل الحيوانات والآدميين، وأشكالاً هندسية، وينحتون آلات غاية في الدقة والأناقة يشهد بها سكين جبل الأراك. وكانت لهم كتابة مصورة وأختام أسطوانية شبيهة بأختام السومريين.
وما من أحد يعرف من أين جاء هؤلاء المصريون الأولون. ويميل بعض العلماء الباحثين إلى الرأي القائل بأنهم مولودون من النوبيين والأحباش واللوبيين من جهة، ومن المهاجرين من الساميين والأرمن من جهة أخرى، فالأرض حتى في ذلك العهد السحيق لم تكن تسكنها سلالات نقية. ويرجح أن الغزاة أو المهاجرين الذين وفدوا من غرب آسية قد جاءوا معهم بثقافة أرقى من ثقافة أهل البلاد، وأن تزاوجهم مع هؤلاء الأهلين الأقوياء قد أنجب سلالة هجينة كانت مطلع حضارة جديدة كما هو الشأن في جميع الحضارات. وأخذت هذه السلالات تمتزج امتزاجا بطيئاً حتى تألف من امتزاجها فيما بين عام 4000، و 3000 ق.م شعب واحد هو الشعب الذي أوجد مصر التاريخية.
وقبل أن يحل عام 4000 ق. م كان هؤلاء الأقوام الذين يقيمون على ضفاف النيل قد أنشئوا لهم حكومة من نوع ما. فقد انقسم الأهلون المقيمون على شاطئ النهر أقساما ينتسب سكان كل قسم منها إلى أصل واحد. وكان لهم شعار واحد، ويخضعون لرئيس واحد، ويعبدون إلهاً واحد بمراسم وطقوس واحدة. وظلت هذه الوحدات الإقليمية قائمة طوال تاريخ مصر القديم
.
وظل لحكامها نوع من السلطان يختلف قوة وضعفاً واستقلالاً باختلاف قوة الملك الأعظم وضعفه. وإذ كان كل نظام مطرد النمو تجنح أجزاءه لأن يعتمد بعضها على بعض فإن هذه الأقسام أخذت تنظم نفسها مدفوعة إلى هذا التنظيم بحاجات التجارة النامية وتكاليف الحرب المتزايدة حتى تكونت منها مملكتان واحدة في الجنوب وأخرى في الشمال. ولعل هذا التقسيم كان صورة أخرى من النزاع القائم بين الإفريقيين أهل الجنوب والمهاجرين الآسيويين أهل الشمال.
وقد سوى هذا النزاع الذي زاد من أثر الاختلافات الجغرافية والعنصرية تسوية مؤقتة حين ضم مينا "مينيس"- وهو شخصية لا يزال يكتنفها بعض الغموض- القطرين تحت سلطانه الموحد، وأعلن في البلاد قانوناً عاماً أوحى إليه به الإله توت، أقام أولى الأسر المالكة التاريخية، وشاد عاصمة جديدة لملكه في منف "منفيس" و "علم الناس" كما يقول مؤرخ يوناني قديم استخدام النضد والأسرة... وأدخل في البلاد وسائل النعيم والحياة المترفة .
ولم تكن أعظم شخصية حقيقية عرفها التاريخ شخصية ملك، بل كانت شخصية فنان وعالم، وتلك هي شخصية إمحوتب الطبيب والمهندس، وكبير مستشاري الملك زوسر ( حوالي 3150 ق. م) وكان له على الطب المصري من الفضل ما جعل الأجيال التالية تعبده وتتخذه إلهاً للعلم ومنشئ علومها وفنونها. ويلوح في الوقت نفسه أنه هو الذي أوجد طائفة المهندسين التي أمدت الأسرة التالية بأعظم البناءين في التاريخ.
وتقول الرواية المصرية أن أول بيت من الحجر قد أقيم بإشرافه، وأنه هو الذي وضع تصميم أقدم بناء مصري قائم إلى هذه الأيام وهو هرم سقارة المدرج، وذلك الهرم بناء مدرج من الحجر ظل عدة قرون الطراز المتبع في تشييد المقابر. ويلوح كذلك أنه هو الذي وضع تصميم هيكل زوسر الجنازي وأعمدته الجميلة الشبيهة بزهرة الأزورد "اللوطس" وجدرانه المكسوة المقامة من حجر الجير وفي هذه الآثار القديمة القائمة في سقارة، والتي تكاد تكون بداية الفن المصري في العهود التاريخية، نجد الأعمدة الأسطوانية المنقوشة التي لا تقل جمالاً عما شاده اليونان منها فيما بعد، كما نجد فيها نقوشاً بارزة تفيض واقعية وحيوية، وخزفاً أخضر، وفخاراً ملونا مطليا بطبقة زجاجية- يضارع ما أنتجته إيطاليا في العصور الوسطى. ونجد هناك أيضا تمثالاً قويا من الحجر لزوسر نفسه عدا عليه الدهر فطمس بعض معالمه التفصيلية، ولكنه يكشف عن وجه ذي نظرات حادة ثاقبة وعقل مفكر.

قصة الحضارة , ول ديوارنت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحجوب

عقـــيد
عقـــيد



الـبلد :
المزاج : الاستخبارات
التسجيل : 09/06/2008
عدد المساهمات : 1482
معدل النشاط : 1397
التقييم : 58
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 18:53

موضوع جيد
من هنا نرسل التحيه الي الاهلي النوبين في مصر وفي المنتدى
ونقول لهم
باللغه النوبين من ارض عبري

سرنا قمندو
ار اروني يتاني
إهن دبى إرتدو بنجرو اند
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 18:58

@FAWZY كتب:
ما من أحد يعرف من أين جاء هؤلاء المصريون الأولون. ويميل بعض العلماء الباحثين إلى الرأي القائل بأنهم مولودون من النوبيين والأحباش واللوبيين من جهة،

نعم ما فهمته حتي الان بعد سؤال المتخصصين و يبدو انه فعلا عين الحقيقه انه نحن كنا فعلا جزء من الحضارة المصرية و لم تكن هناك حضارة مجزأه و هذه الحضاره اصلها يندرج منا نحن السودانين !

هناك مقالات مررت عليها سريعا قبل فترة و ابحث عنها الان ،  كانت تتحدث عن ان النوبة هم اصل الحضارة الفرعونية و جزء اصيل منها و نحن كسودانيون لنا حق اصيل في حضارة وادي النيل  !! 

صراحة لم الق للنقطة بالا حينها

لكن التاريخ الان مربوط اكثر في نظري ، كيف كانت نظرة بعانخي و ترهاقا (اجدادي النوبة) الي ان المملكة الفرعونية هي من حقهم و هم الورثاء الشرعيون لها و استولوا علي السلطه بقوة السلاح (احتلال مش احتلال تجاوزناها) 

لان النوبة هم اصل الحضارة التي قامت في مصر و حتي الحكام القدام رأو ان هذه الحاضرة حقهم الشرعي ! لانهم اصل هذه الحضاره 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:00

اقتباس :
موضوع جيد
من هنا نرسل التحيه الي الاهلي النوبين في مصر وفي المنتدى
ونقول لهم
باللغه النوبين من ارض عبري 

سرنا قمندو
ار اروني يتاني
إهن دبى إرتدو بنجرو اند

و اخيرا ظهرت  19 

النوبة اخوتنا و فخر اننا كنا دولة واحدة و انشأنا اعظم الحضارات في تاريخ البشرية ، فالتحية لهم و للكل ما ينتمي لحضاراتنا العظيمه في مصر 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:06

اصل الحضاره التي قامت في وادي النيل هي افريقية نوبية و لنا الحق كشعب سوداني بان هذه الحضارة اجدادنا هم من اسسوها 


و هذه سلسلة مقالات لــ : شيخ أنتا ديوب 


فالي محاور هذه الدراسة الرائعه التي تتحدث عن ان حضارة وادي النيل هي افريقية خالصة و لنا الحق التام بان نفخر بها 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:13

[rtl]الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافـة أم حقيقـة ؟  .. بقلم: ترجمة : محمد الســيد علي

النسخة الإنكليزية - المؤلف : شيخ أنتا ديوب
ترجمة : محمد الســيد علي


من هو (شيخ أنتا ديوب) ؟

ولد (شيخ أنتا ديوب) النصير المعاصر للهوية الأفريقية في مقاطعة (ديوربيل) بالسنغال في يوم 29 ديسمبر 1923 من أب أرستقراطي مسلم وعائلة تنتمي بحسب قوله إلى (الجماعة المريدية) وهي الجماعة الإسلامية الوحيدة المستقلة في أفريقيا . تلقى تعليمه الأولي في مدرسة إسلامية تقليدية بالسنغال ثم نال درجة البكالوريوس في السنغال قبل أن يشد الرحال إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين من عمره لمواصلة دراسته في الفيزياء ، ثم ما لبث أن وجد نفسه منجذبا بشكل عميق نحو الدراسات ذات الصلة بالمنشأ الأفريقي للإنسانية والحضارة . بعدها أصبح (ديوب)ناشطا فاعلا أكثر وأكثر في الحركات الطلابية وأصبح يطالب بتحرير المستعمرات الفرنسية .

في عام 1951 جرى رفض رسالته لنيل الدكتوراة في جامعة السوربون والقائمة على فرضية أن حضارة مصر الفرعونية كانت حضارة أفريقية . بغض النظر عن ذلك فقد جرى نشر الأطروحة بواسطة مطبوعة (الوجود الأفريقي) تحت عنوان (الأمم الزنجية والثقافة) ونالت إستحسانا عالميا . جرت بعد ذلك محاولتين لنيل الدكتوراه غير أن المحاولتين أخفقتا ، إلا أنه بحلول عام 1960 دخل في مناقشات مع سلسلة من علماء الإجتماع ، علماء علم الإنسان ، المؤرخين ، مدافعا عن أطروحته ونجح في حملهم على دعمها . بعد عقد من الزمان وبعد جهود جبارة وعظيمة نال (ديوب) درجة الدكتوراة وفي نفس العام أي 1960 نشر (ديوب) عملين أخرين هما (الوحدة الثقافية لأفريقيا السوداء) و (أفريقيا السوداء ما قبل الإستعمار) .خلال فترة دراسته كان (ديوب) ناشطا سياسيا قويا ففي الفترة ما بين 1950 – 1953أصبح السكرتير العام للتجمع الديمقراطي الأفريقي وساعد في تأسيس مؤتمر الطلاب الأفارقة الشامل في باريس عام 1951 وشارك كذلك في المؤتمر الأول للكتاب والفنانين السود الذي إنعقد في باريس عام 1956 وفي المؤتمر الثاني الذي إنعقد في روما عام1959 . 

عند عودته للسنغال عام 1960واصل الدكتور (ديوب) بحوثه وأسس مختبرا للكربون الإشعاعي في داكار وفي عام 1966عقد في (داكار) المهرجان الزنجي الأول للفنون والثفافة وقد كرمته السنغال هو والأستاذ دبليو. إيي .بي. دبويس كباحثين لهما تأثير عظيم على الفكر الأفريقي في القرن العشرين . في عام 1974 وقع حدث هام في عالم المتحدثين باللغة الإنكليزية حينما نشر كتاب (الأصل الأفريقي للحضارة : خرافة أم حقيقة ). في عام 1974 أعاد كل من الدكتور (ديوب) و (ثيوفايل أوبينقا) معا وبكفاءة التأكيد على المنشأ الأفريقي للحضارة الفرعونية وذلك في منتدى عقد في القاهرة تحت رعاية اليونسكو . في عام 1981جرى نشر أخر أعماله الهامة (حضارة أم بربرية) .

كان دكتور (ديوب) يعمل مديرا لمختبر الكربون الإشعاعي في المعهد الأساسي لأفريقيا السوداء بجامعة داكار وقد إحتل مكانه بين لجان علمية دولية عديدة ونال إعترافا كونه واحدا من رواد المؤرخين ، علماء الآثار المصرية ، اللغويين وعلماء علم الإنسان في العالم . لقد سافر بلادا كثير وحاضر في العديد من الدول وجرى الإستشهاد والإقتباس من كتاباته بشكل مقبول .لقد أعتبر (ديوب) بواسطة الكثيرين بمثابة (فرعون حديث للدراسات الأفريقية) . توفي(ديوب) في داكار العاصمة في 7 فبراير 1986 بعد أن قدم للإنسانية أعمالا تعد بمثابة ثورة وإنقلاب في مسار تاريخ الحضارات الإنسانية .

يعتبر كتابه (الأصل الأفريقي للحضارة) مرجعا لا غنى عنه لأي باحث جاد في دراسة أصول حضارة وادي النيل ، كونه قدم من الحجج الدامغة والدلائل المنطقية ما يثبت بما لا يدع مجالا للشك زنجية منشأ الحضارة الإنسانية في وادي النيل ، بعد أن درس علم الآثار والتاريخ والفيزياء وغاص في المراجع القديمة ينقب ويبحث السنين الطوال ، ملتقطا كل شاردة وواردة ومستدعيا شهادات وإفادات المؤرخين ، المتحيزين فيهم والمحايدين ، جتى إستطاع بصبره أن يقدم لنا واحدا من أفضل المراجع التاريخية في العصر الحديث عن حضارة وادي النيل . 

( تمهيد : مغزى عملنـا )

لقد بدأت بحثي في سبتمبر من عام 1946 ، غير أنه وبسبب وضعنا الإستعماري في ذلك الوقت فإنّ المعضلة السياسية هيمنت على كل الأوضاع الأخرى . في عام 1949 كان التجمع الديمقراطي الأفريقي يعاني من أزمة . لقد شعرت وقتها بأنه بات لزاما على أفريقيا أن تحشد طاقتها لمساعدة الحركة على تغيير المد الذي وصل إليه القمع ، من ثمّ جرى إنتخابي كسكرتيرا عاما لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي في باريس ، حيث عملت خلال الفترة 1950 –1953 . في الفترة مابين 4 – 8 يوليو 1951 عقدنا في باريس أول مؤتمر سياسي أفريقي شامل للطلبة بعد الحرب ، بحضور أكثر من (30) مندوبا من إتحاد طلبة غرب أفريقيا بما فيهم الآنسه أديريمي تيجو الإبنة الأخيرة لأوني حاكم (إيفي) . في فبراير 1953 صدر العدد الأول من مطبوعة (مسار الزنجية الأفريقية) التي كانت بمثابة الناطق الرسمي لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي . في هذه المطبوعة نشرت مقالا بعنوان (نحو أيديولوجيا سياسية في أفريقيا السوداء) إحتوى ذلك المقال على (سير ذاتية للأمم الزنجية) تلك المخطوطة التي كانت قد إكتملت للتو . إن كل أفكارنا عن التاريخ الأفريقي ، ماضي ومستقبل لغاتنا ، إستخدامها في أكثر المجالات العلمية تقدما مثلما في التعليم عموما ، مفاهيمنا عن إقامة دولة فيدرالية مستقبلية ، قارية أو شبه قارية ، أفكارنا عن البنيات الإجتماعية الأفريقية في خططنا وتكتيكاتنا في المقاومة من أجل الإستقلال الوطني وهكذا ، كل هذه الأفكار جرى التعبير عنها في ذلك المقال .

أما فيما يتعلق بمشكلة الإستقلال السياسي للقارة فإن السياسيين الأفارقة الناطقين بالفرنسية قد إستأثروا بأوقاتهم الطيبة قبل الإقرار بأن ذلك هو الطريق السياسي القويم الذي يجب أن يتبع كما سنرى لاحقـا. بالرغم من ذلك فقد إستطاع طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي من أن ينظموا أنفسهم في إتحاد داخل فرنسا مع دوائر طلابية أفريقية سياسية والترويج لشعار الإستقلال القومي لأفريقيا من الصحراء إلى الكيب ومن المحيط الهندي إلى الأطلسي مثلما أكدت مجلتنا الدورية على ذلك . يشير أرشيف (إتحاد الطلاب الأفارقة في فرنسا) أنه لم يجر تبني المواقف المعادية للإستعمار حتى أظهرها طلاب التجمع الديمقراطي الأفريقي . لقد شددنا على المضمون الثقافي والسياسي التي ضمّناه في مفهوم الإستقلال للحصول على أخر مفهوم جرى تبنيه في أفريقيا الناطقة بالفرنسية: ما جرى نسيانه بالفعل هو النضال المرير الذي فرض على الدوائر الطلابية في باريس بأن يتصدوا له ، على إمتداد فرنسا وحتى بين صفوف طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي .

إن المضمون الثقافي على وجه الخصوص الذي سيسترعي إنتباهنا هنا هو أن المشكلة قد وضعت على أساس إسترداد الشخصية الأفريقية القومية الجماعية .لقد كان ذلك ضروريا على وجه الخصوص لتفادي مآزق الوسيلة . إن ذلك يبدو مغريا جدا لتضليل الجماهير المنخرطة في النضال من أجل الإستقلال بنيل الحريات بحقيقة علمية ، ذلك بالكشف عن الماضي الأسطوري المنمق . إن أؤلئك الذين إقتفوا أثر مجهوداتنا لأكثر من (20) عاما يدركون الآن أن هذه ليست هي الحجة وأن هذا الخوف بقي بلا أساس . لا جدال على أن هناك ثلاثة عوامل تتبارى في تشكيل الشخصية الجماعية لشعب ما : العامل النفسي ، قابلية المفهوم الأدبي للتأثر وهو العامل الذي يسمى في مواضع أخرى بالمزاج القومي وهو العامل الذي أفرط الشعراء الزنوج في التشديد عليه . إضافة إلى ذلك فهناك العامل التاريخي والعامل اللغوي وكليهما عرضة للتأثر لكونهما متصلات علميا . لقد كان هذين العاملين الأخيرين موضوع دراساتنا وقد حاولنا أن نبقى متشددين بناء على أرضية علمية . هل يستطيع المفكرون الأجانب الذين إعترضوا على مقاصدنا وأتهمونا بكل أنواع الدوافع الخفية أو الأفكار السخيفة أن يقدموا ما هو مختلف ؟ حينما يفسرون ماضيهم التاريخي أو يدرسون لغاتهم فإن ذلك يبدو عاديا ، غير أنه حينما يقدم أفريقي على فعل ذات الشيء للمساعدة على إعادة بناء الشخصية القومية لشعبه الذي شوهه الإستعمار ، فإن ذلك يعتبر شائنا أو مرعبا .

إننا نؤكد أن مثل هذه الدراسة هي بمثابة نقطة إنطلاق بالنسبة للثورة الثقافية التي جرى فهمها إلى حد بعيد . إن كل الهروب المتسرع ليساريين طفيليين معينيين حاولوا تجنب هذا المجهود ، يمكن أن يفسره الخمول الفكري ، التثبيط أو اللا أهلية . إن البلاغة الثورية المزيفة الأكثر بروزا تتجاهل تلك الحاجة التي يجب أن تلبى إذا كان على شعوبنا أن يعاد ولادتها ثقافيا وسياسيا . في الواقع فإن الكثيرين من الأفارقة وجدوا هذه الرؤية رائقة تماما لكي تكون حقيقة ، غير أنه لن يمضي وقت طويل حتى لا يستطيع بعضهم نقض الفكرة التي مفادها أن السود موجودون ثقافيا وتاريخيا . لقد كان من الضروري صياغة الفكرة المبتذلة التي مفادها أن الأفارقة لا تاريخ لهم ومحاولة البدء من هناك لبناء شيء بتواضع . إن بحوثنا قد أقنعتنا بأن الغرب لم يكن رصينا وموضوعيا بما فيه الكفاية لكي يدّرسنا تاريخنا على النحو الصحيح وبدون تزييفات فجة. اليوم فإن أكثر ما يشوقني هو رؤية تشكيل الفرق ، ليس تشكيل القراء السلبيين بل تشكيل فرق عاملي البحث الصادقين والجرئيين ، المستهدفين رضا النفس والتثبت المعقد وإستقصاء الأفكار المعبر عنها في عملنا مثل : 

(1) أن الحضارة المصرية كانت حضارة سوداء . إن تاريخ أفريقيا السوداء سوف يظل معلقا في الهواء ولا يمكن أن يكتب على النحو الصحيح إلى أن يتجرأ المؤرخون الأفارقة على ربطه بتاريخ مصر . إن دراسة اللغات ، المعاهد وغيرها على وجه الخصوص لا يمكن لها أن تتناول ذلك التاريخ على النحو الصحيح ، بمعنى أنه سوف يكون من غير الممكن إرساء علوم إنسانية أفريقية ، أي كيان لعلوم إنسانية أفريقية مالم تظهر تلك العلاقة بشكل شرعي . إن المؤرخ الأفريقي الذي يتجنب مسألة مصر هو ليس بمتواضع أو موضوعي أو هاديء ، إنما هو جاهل ، جبان وعصبي . تصور الموقف المزعج لمؤرخ أوروبي كان عليه أن يكتب تاريخ أوروبا دون الإشارة إلى الآثار الإغريقية – اللاتينية ومحاولة إجتيازها كمنهج علمي . لقد كان قدماء المصريين زنوجا . إن الثمرة المعنوية لحضارتهم يفترض أن تحسب ضمن أصول العالم الأسود ، بدلا من أن يقدم العالم الأسود نفسه للتاريخ كمدين مفلس بحيث يكون المبادر الفعلي للتباهي بالحضارة (الغربية) المتفاخرة والماثلة أمام أعيننا اليوم . إن رياضيات فيثاغورس ، نظرية العناصر الأربعة لطاليس ، المادية الأبيقورية ، المثالية الأفلاطونية ، اليهودية ، الإسلام والعلوم الحديثة ، كلها لها جذور في النشأة الكونية لمصر والعلوم. 

إن المرء في حاجة لأن يتأمل فقط (أوزيريس) الإله المفتدي ، الذي يضحي بنفسه ويموت ثم تبعث فيه الروح لينقذ البشرية ، شخصية تتماثل بشكل جوهري مع شخصية المسيح . إن الزائر لـ (طيبه)في (وادي الملوك) يمكن أن يرى بالتفاصيل جحيم المسلمين ( في مدفن سيتي 1 – من السلالة الحاكمة التاسعة عشرة ) أي قبل 1700 عام من نزول القرآن .إن (أوزيريس)التي تجلس عند محكمة الموتى هي في الواقع (رب) الديانات الموحى بها ، تجلس على العرش في يوم الدينونة ونحن نعلم بأن هناك فقرات إنجيلية معينة هي نسخ عملية من النصوص الأخلاقية المصرية . إنه لبعيد عني أن تربكني مثل هذه التذكرة الموجزة بتقديم إثبات . إنه ببساطة أمر يتعلق بتقديم القليل من نقاط الإستدلال لإقناع القاريء الأفريقي الأسود الميال للشك بالتحقق من ذلك . لدهشته العظيمة فإنه سوف يكتشف أن معظم الأفكار المستخدمة اليوم لتدجين ، إضمار ، تذويب ، أو سرقة (روحه)قد جرى تصويرها بواسطة أسلافه . أن تكون مدركا لهذه الحقيقة ربما تكون الخطوة الأولى لإسترداد حقيقي لنفسك وبدون هذه الحقيقة فإن العقم الفكري سوف يكون هو القاعدة العامة .بمعنى أخر فإن علينا أن نسترد وعي الشعوب الأفريقية وأن نسترد الوعي البروميثي (نسبة لبروميثيوس) .

(2) لقد جرى الحديث أنثربولوجيا وثقافيا عن أن العالم السامي قد ظهر خلال العصور البدائية من التاريخ من مزيج من الشعوب ذات البشرة البيضاء والبشرة السوداء في غربي آسيا . ذلك هو السبب الذي يجعل فهم أن العالم السامي في بلاد ما بين النهرين ، العالم اليهودي والعربي ، يقتضي الإشارة الدائمة للواقع الأسود المؤكد . إذا كانت هناك فقرات إنجيلية معينة ، خاصة في العهد القديم تبدو غريبة ، فلأن المتخصصين المدفوعين بالتحيزات ، كانوا غير قادرين على قبول دليل وثائقي. 

(3) إن إنتصار فرضية آحادية منشأ الإنسانية لـ (ليكي) تجبر المرء حتى في مرحلة (العاقل المتجانس) على الإقرار بأن كل الأعراق تنحدر من العرق الأسود وفقا لعلاقة القرابة التي سيفسرها العلم يوما ما .

(4) في كتاب(أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) 1960 ، كان لدي هدفين : 
(أ) إثبات إمكانية كتابة أفريقيا السوداء متحررا من التسلسل الزمني المجرد للأحداث ، مثلما تشير هذه المقدمة إلى هذا الكتاب بوضوح . (ب)تحديد القوانين التي تحكم تطور البنيات الإجتماعية السياسية الأفريقية لتفسير الإتجاه الذي أخذه التطور الأفريقي في أفريقيا السوداء وبالتالي هيمنة وسيطرة تلك العملية التاريخية من خلال المعرفة ، أكثر من الخضوع لها .
إن هذه الأسئلة الأخيرة مثل تلك المتعلقة بأصول (مصر) ، هي من بين المعضلات الرئيسية ، فحالما يتم حلها فإن الباحث يمكن أن يتقدم لكتابة تاريخ أفريقيا . بناء عليه فمن الواضح أن هذا هو السبب الذي يجعلنا نعير إهتماما خاصا لحل هذه المعضلات وبأن يتجاوز الكثيرون مجال التاريخ . إن نمط البحث الذي دشّنه كتاب (أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) في الجانب الإجتماعي التاريخي وليس في الجانب العرقي الجغرافي ، بات ممهدا منذ أن إستخدمه الكثير من الباحثين وهو ما أفترض أنه قادهم إلى وصف الحياة اليومية للكنغوليين أو تضخيمها بناء على الأشكال المختلفة للمنظمات السياسية ، الإقتصادية ، الإجتماعية ، العسكرية والقضائية في أفريقيا .
(5) تعريف صورة أفريقيا الحديثة المتوافق مع ماضيها وإعدادها لمستقبلها .

(6) حالما يتم قبول الرؤى التي رفضت حتى اليوم بواسطة العلم المعترف به ، فإن تاريخ الإنسانية سوف يصبح واضحا ويمكن عندها كتابة تاريخ أفريقيا ، غير أنّ أيّ محاولة في هذا المجال تتبنى التسوية وتبدو كما لو أنها تشق الإختلاف أو الحقيقة بالنصف ، سوف تدير مخاطرة لا تنتج شيئا سوى التنفير . إن الكفاح المخلص الذي يدمر وحده العدوانية الثقافية ويظهر الحقيقة أيّا كانت ، هو الكفاح الثوري الذي ينسجم مع التقدم الحقيقي . هو الطريق الوحيد الذي ينفتح على العالم . إن البيانات المحبة للإنسانية لم تدعو لذلك ولم تضف شيئا للتقدم الحقيقي.
بالمثل فإنه ليس أمرا جوهريا النظر إلى الزنوج تحت مجهر مكبر مثل إمرء يفحص الماضي . إن الشعب العظيم ليس لديه ما يفعله مع تاريخ حقير ولا مع الأفكار العرقية الجغرافية التي بحاجة للإصلاح . إن الأمر يمكن أن يكتسب أهمية قليلة من أنّ بعض الأفراد السود الأذكياء ربما يكونوا موجودين في مكان أخر .إن العامل الجوهري يتمثل في إعادة إقتفاء أثر تاريخ كامل الأمة ، أما المقابل فهو التفكير بالإعتماد أو غير الإعتماد على عمّا إذا كان المرء معروفا أم لا في أوروبا . إن المجهود قد أفسد ، بناء على قاعدة وجود شخص معقد جدا يأمل في محو ذلك . لماذا لا يدرس تثاقف الرجل الأبيض في البيئة السـوداء ، في مصر القديمة مثلا ؟

(7) كم مرة حدث أن بقي كل الأدب الزنجي الحديث ثانويا ، بمعنى أنه وبحسب علمي لا يوجد مؤلف أو فنان أفريقي زنجي قد طرح سؤالا يتعلق بمسألة مصير الإنسان ، الموضوع الرئيسي للأدب الإنساني .
(8) في (الوحدة الثقافية لأفريقيا الزنجية) حاولنا تحديد الصفات العامة للحضارة الأفريقية الزنجية .
(9) في الجزء الثاني من (الأمم الزنجية) أثبتنا أنّ اللغات الأفريقية يمكن أن تعبر عن الفكر الفلسفي والعلمي (الرياضيات ، الفيزياء وغيرها ) وأنّ الثقافة الأفريقية سوف لن تؤخذ بمحمل الجد إلى أن يصبح تدريسها أمرا واقعا . إن أحداث السنين القليلة الماضية أثبتت أن (اليونسكو) قد قبلت تلك الأفكار.

(10) إنني مسرور من أن أحد الأفكار المقترحة في مؤلف(أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) – المتعلق بالعلاقات الكولومبية السابقة بين أفريقيا وأمريكا – قد جرى تبنيه بواسطة باحث أمريكي . إنّ الإستاذ بجامعة أوكلاند( هارولد ج. لاورينس ) يثبت بالفعل مع وفرة البراهين ، واقع تلك العلاقات التي جرى إفتراضها في عملي بشكل مجرد . إذا كان لمجمل هذه البراهين المثيرة للإعجاب أن تواجه إختبار التسلسل الزمني ، إذا كان بالإمكان إثباتها في التحليل النهائي من أن كل الحقائق التي أشير إليها كانت موجودة قبل فترة العبودية ، فإن بحثه سوف يساهم بشكل مؤكد بمادة رصينة في بناء صرح المعرفة التاريخية . 

أود أن أختتم بحث الباحثين الأمريكيين الشباب ذوي النوايا الحسنة ، سودا وبيضا معا على تشكيل فرق جامعية وأن تنخرط هذه الفرق– مثل الأستاذ هارولد لاورينس – في مجهود لتأكيد الأفكار المختلفة التي تقدمت بها ، بدلا من قصر أنفسهم على التشكيك السلبي العقيم ، إذ سرعان ما سينبهرون بالنور الساطع لإكتشافاتهم المستقبلية . في الواقع فإن فهمنا للتاريخ الأفريقي كما هو معروض هنا ، قد نجح عمليا وأؤلئك الذين يكتبون اليوم التاريخ الأفريقي سواء برغبتهم أو بدونها ، يعتمدون عليه ، غير أنّ المساهمة الأمريكية لهذه المرحلة النهائية يمكن أن تكون حاسمة .
(شيخ أنتا ديوب – يوليو 1973)[/rtl]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المحجوب

عقـــيد
عقـــيد



الـبلد :
المزاج : الاستخبارات
التسجيل : 09/06/2008
عدد المساهمات : 1482
معدل النشاط : 1397
التقييم : 58
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:18

مرحبا الاخ صالح
كيفك  بالنوبي سرنا قمندو

نعم الحضاره النوبيه هي حضاره مشتركه بين السودان (كوش) ومصر  وقد تراجعت الي حدود اسوان  ومن ثم بين اسوان وسوبا ودنقلا بسبب الحملات والاحتلال من ابناء اليونان والاوربين والعرب وووو 
فهي حضاره قديمه تربطنا مع الاخوه النوبين والاقباط في مصر  عندما تكمل بناء النواقص من فم وانف ابو الهول تجدوه من اهل النوبه 

يكفي ان القول لك ان كلمه ادم في النوبيه تعني الانسان  وهو نفس نطق ادم عليه السلام
وكلمه مكه  ليس لها معنى بالعربي   ولكن في بعض اللهجات النوبيه بيت الرب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:21

[rtl]الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافـة أم حقيقـة ؟  2[/rtl]
[rtl]الفصل (1)[/rtl]
[rtl]من هم المصريون ؟[/rtl]
[rtl]
لم يحدث أن طرح مثل هذا التساؤل أبدا في سياق الأوصاف المعاصرة للمصريين القدماء . إن شهود تلك الفترة يؤكدون على أن المصريين كانوا سودا . في مناسبات عديدة أصر (هيرودتس) على الشخصية الزنجية للمصريين ، بل وأستخدم ذلك في إثباتات غير مباشرة . مثلا لإثبات أن فيضان النيل لا يمكن أن يكون ناتجا بسبب ذوبان الجليد فقد إستشهد من بين أسباب أخرى يعتبرها صحيحة بالملاحظة التالية : ( من المؤكد أن مواطني البلاد سودا بفعل الحرارة .. ) . لإثبات أن الإلهام الإغريقي مصري المنشأ فإن (هيرودتس) قدم حجة أخرى (أخيرا وبوصفهم اليمامة بأنها سوداء فإن الدودونيين  - نسبة لدودونا المدينة اليونانية القديمة -  أشاروا إلى أن المرأة كانت مصرية ). إن اليمامة ذات الصلة ترمز إلى إمرأتين مصريتين زعم أنه جرى إختطافهما من (طيبه) لإيجاد وسطاء للوحي لـدودونا وليبيا . لإظهار أن سكان (الكولخيس – قوم سكنوا شرق البحر الأسود) كانوا مصرييّ الأصل وإعتبارهم جزء من قوات (سيسوستريس) الذين إستقروا في ذلك الإقليم فإن (هيرودتس) قال بـ  ( أن المصريين يعتقدون أن (الكولخيسين) ينحدرون من جيش (سيسوستريس) وهذا يتوافق مع حدسي بناء على الحقيقة التي مفادها أنهم كانوا سود البشرة ولهم شعر يشابه الصوف ) . أخيرا فيما يخص سكان الهند فإن هيرودتس يميّز بين الباديين – قبيلة هندية - والهنود الأخرين ، واصفا أياهم على النحو التالي : ( إنهم كذلك لديهم نفس مسحة البشرة التي تقترب من بشرة الإثيوبيين) .
[/rtl]

[rtl]
كتب (ديودوروس) الصقلي :
[/rtl]

[rtl]((يقول الأثيوبيون أن المصريين هم احد سكان مستعمراتهم الذين جلبهم أوزيرس إلى مصر ويدّعون كذلك أن هذا البلد (أي مصر) كان تحت الماء ، غير أن النيل وهو في إنسيابه من أثيوبيا كان يحمل معه الكثير من الطمي ، مما جعل تلك الرقعة تمتليء به وتصبح جزءا يابسا من القارة ويضيفون كذلك بأن المصريين قد أخذوا عنهم - مثلما قال بذلك مؤلفون وأسلاف –  معظم قوانينهم  ويضيفون بأن المصريين تعلموا كذلك منهم كيف يبجلون الملوك كالآلهة وكيف يدفنونهم بهذا البهاء ، كما أنهم أخترعوا النحت والكتابة . يستشهد الأثيوبيون بالدليل الذي مفاده أنهم أكثر عراقة من المصريين ، غير أنه من غير المفيد إيراد ذلك هنا )) . إذا لم يكن المصريون والأثيوبيون من ذات السلالة فإن (ديودورس) قد شدد على إستحالة إعتبار أن المصريين كانوا أحد سكان المستعمرات الإثيوبية (أي جزء صغير منهم) وإستحالة النظر إليهم كأجداد للمصريين . في موسوعته (الجغرافيا) أورد (سترابو) أهمية الهجرات في التاريخ ، معتقدا بأن هذه الهجرة المحددة قد بدأت من مصر إلى أثيوبيا ، موردا هذه الملاحظة : (إحتل المصريون إثيوبيا وكولخيس ) . مرة أخرى إنهم الإغريق الذين أخبرونا رغم شوفينيتهم بأنّ المصريين  والإثيوبيين والكولخيسيين ينتسبون إلى ذات السلالة وبالتالي يؤكدون ما قاله (هيرودتس) عن الكولخيسيين . إن كل أراء الكتاب القدامى عن سلالة المصريين قد لخصه قاستون ماسبيرو( 1846 – 1916) بإسهاب أو إيجاز (بشهادة شبه إجماعية للمؤرخين القدامى فإنهم ينتسبون إلى السلالة الأفريقية - تقرأ زنجية ) الذين أستوطنوا أولا في إثيوبيا عند النيل الأوسط ، ثم أتبعوا مجرى النيل حتى وصلوا تدريجيا إلى البحر .علاوة على ذلك فإن الإنجيل ذكر أن مصريم بن حام أخ كوش الإثيوبي وأخ كنعان ، جاء من من بلاد ما بين النهرين للإستقرار مع أبنائهم على ضفاف النيل )) .[/rtl]
[rtl]
وفقا للإنجيل فإن مصر قد سكنتها ذرية حام الجد الأعلى للسـود (( إن أبناء حام هم كوش ، مصريم ، فوط  وكنعان ، أما أبناء كوش فهم سبا ، حويله ، سبتا ، ريقما ، ساباتا .. كان كوش هو أب نمرود أول منتصر في الأرض .. أما مصريم فأصبح أبا لكل من : لوديم ، أناميم ، لابيم ، نيفثيم ، فيثروسيم ، شاسلويم ، أما كنعان فقد أصبح أبا لكل من – سيد - أول مولود وهيث )) . بالنسبة لشعوب الشرق الأقصى فإن مصريم إختار مصر ، كنعان إختار كامل ساحل فلسطين وفينيقيا ، أما سينار التي ربما كانت المكان الذي غادر منه نمرود إلى غربي آسيا فإنها ربما لا تزال تشير إلى مملكة النوبة . ما قيمة هذه الإفادات ؟ كونها جاءت من شهود فإنها من الصعب أن تكون مزيفة .ربما أخطأ (هيرودتس) حينما إستدل بشكل مسهب أو موجز عن أعراف شعب لتفسير ظاهرة مبهمة في أيامه ، لكن يجب على المرء أن يقدر أنه كان قادرا على الأقل على أن يميز لون بشرة سكان الدول التي زارها . بجانب ذلك فإن هيرودتس ليس مؤرخا ساذجا يسجل كل شيء من دون تحقق فهو يدرك كيف يزن الأشياء فهو حينما يروي رأيا لا يشاركه وإنما يراعي دائما ان يورد إختلافه معه . بالتالي وبالعودة إلى عادات الـ (سكيثيون) و (النور) فإنه كتب فيما يتعلق بالأخيرين (( يبدو أن هذه الشعوب سحرة حيث أن الأغريق والسكيثيون الذين سكنوا  - سكيثيا - يقولون أن النوري ينقلب مرة في العام ليكون ذئبا لعدة أيام ثم يعود في النهاية إلى شكله الطبيعي  بالنسبة ليّ فأنا لا أصدق ذلك لكنهم يؤكدونها بشكل دائم لتصبح حقيقة وهم مستعدون لدعم تأكيدهم بالقسم )) .
[/rtl]

[rtl]
لقد ميّز (هيرودتس) دائما وبشكل يقظ بين ما رآه وبين ما أخبر به . بعد زيارته لـ (قصر التيه) كتب : ((هناك نوعين من الحجرات على إمتداد البلاد ، نصف أعلى الأرض ونصف فوق الأرض وتبنى الحجرة العليا فوق الحجرة السفلى . أما العدد الكلي لهذه  للحجرات فهي ثلاثة آلاف ، الف خمسمائة من كل نوع . مررت عبر الحجرات العليا ورأيتها وما أقوله عنها هو من واقع ملاحظتي الخاصة : بالنسبة للحجرات التي تحت الأرض ، يمكنني أن أتحدث فقط من النقل ، حيث أن حراس المبنى لا يستطيعون الوصول إليها لرؤيتها لأنها تحتوي – كما يقولون – على أضرحة الملوك الذين بنوا (قصر التيه) وكذلك مقابر التماسيح المقدسة . بالتالي فإنه من السمع فقط أستطيع أن أتحدث عن الغرف السفلى . أما بالنسبة للغرف العليا فقد رأيتها بعينيّ ووجدتها تتفوق على كل الأعمال البشرية الأخرى )) .
[/rtl]

[rtl]
هل كان (هيرودتس) مؤرخا مجردا من المنطق وغير قادر على التغلغل في الظاهرة المعقدة ؟ إن تفسيره لفيضانات النيل تكشف عن عقل متزن لإستدلالات علمية لظاهرة طبيعية : (( ربما بعد إنتقاد كل الأراء التي طرحت بشأن هذا الموضوع الغامض فإن على المرء أن يفترض نظرية ما تعود لأحد . عليه سأتقدم لشرح ما أعتقد أنه سبب علو النيل في أوقات الصيف . في فصل الشتاء تبتعد الشمس عن مسارها الطبيعي بواسطة العواصف وتنتقل إلى الأجزاء العليا من ليبيا . إن هذا هو السر الكامل في كلمات معدودة ممكنة  ، لأنها تشير إلى السبب الذي يقترب فيه إله الشمس إلى أقرب موضع في البلاد والذي يمر بها بشكل أكثر مباشرة ، مما يتسبب في نقص المياه كما أن النهيرات التي تغذي الأنهار تتقلص في معظمها . للتفسير بشكل مسهب فإن الشمس في مرورها على الأجزاء العليا من ليبيا  تؤثر عليها على النحو التالي . عندما يكون الهواء في تلك المناطق صاف بشكل دائم والبلاد دافئة في غياب الرياح الباردة فإن الشمس في عبورها تؤثر عليها مثلما لا تؤثر على أي مكان أخر في الصيف عندما تمر في وسط السماء مما يؤثر على المياه . بعد جذب المياه فإنها تدفعها مرة أخرى نحو المناطق العليا  ، حيث تحتجزها الرياح وتشتتها وتنقصها بالتبخر ومن ثّم تمضي بشكل طبيعي لتجتاز تلك الرياح التي تهب من تلك الجهة – الجنوب والجنوب الغربي – وهي رياح معظمها ممطر ورأيي أن الشمس لا تتخلص من كل المياه التي جذبتها عام بعد عام من النيل ولكن تحتفظ ببعضها )) .
[/rtl]

[rtl]
بلا شك فإن هذه الأمثلة الثلاثة تكشف أن (هيرودتس) لم يكن ناقلا سلبيا لقصص لا تصدق ، أي أنه لم يكن (كاذبا) . بالعكس لقد كان مدققا ، موضوعيا ، علميا إلى حد بعيد في عصره . لماذا يجب على المرء أن يطعن في هذا المؤرخ وجعله يبدو ساذجا ؟ لماذا يعاد تزييف التاريخ برغم من براهينه الواضحة ؟ بلا شك فإن السبب الأساسي لذلك هو أن (هيرودتس) بعد أن روى إفادات شهوده ، أخبرنا بأن المصريين كانوا سودا ، ثم أثبت بنزاهة نادرة (للإغريق) بأن اليونان قد أخذت كل عناصر حضارتها من مصر ، حتى عبادة الآلهة وأنّ مصر هي مهد الحضارة . علاوة على ذلك فإن الإكتشافات الأثرية كانت تبريء (هيرودتس) بإستمرار من إدعاءات الذين حطوا من قدره . لذا فقد كتبت (كريستيان ديروش- نوبلكور) عن الحفريات الحديثة في تانيس والتي تعرف أيضا بصان الحجر ( منطقة تقع عند مصب الفرع الشرقي لدلتا النيل ) : (( لقد رأى هيرودتس المباني الخارجية لهذه الأضرحة ووصفها  - هذا هو قصر التيه الذي نوقش أعلاه )) . لقد أثبت (بيير مونتيه) مرة أخرى أنّ (أب التاريخ لا يكذب) . قد يكون هناك إعتراض على أنه حينما زار (هيرودتس) مصر في القرن الخامس قبل الميلاد فإن عمر حضارتها كان أكثر من 10.000 سنة وأن السلالة التي صنعت تلك الحضارة لم تكن بالضرورة تلك السلالة الزنجية التي وجدها هناك .
[/rtl]

[rtl]
كما سنرى فإنه في مجمل تاريخ مصر فإن مزيجا من السكان الأوائل وعناصر بدوية بيضاء ، فاتحين وتجار ، أصبحوا ذوي أهمية مع إقتراب نهاية التاريخ المصري . وفقا لـ ( كورنيليوس دي باو ) فإن مصر في فترات ضعفها التاريخي ، تشبعت بالمستعمرات البيضاء الأجنبية ، العرب مع الأقباط ، الليبيين في الموقع الذي أصبح فيما بعد الأسكندرية ، اليهود حول مدينة هرقل (أفاريس) ، البابليون ( أو الفرس ) أسفل مفيس ، (طريدو طرواده) في منطقة محاجر الأحجار العظيمة شرق النيل ، (الكاريون) و(الأيونيون) عند فرع النيل الشرقي ، أما (بسماتيك) فقد توج غزوه السلمي في نهاية القرن السابع بتأمين دفاع مصر عن المرتزقة الأغاريق . ( لقد كانت غلطة عظيمة للفرعون بسماتيك بأن عهد بالدفاع عن مصر إلى قوات أجنبية وأقحم المستعمرات المختلفة المكونة من حثالة الأمم ) . في ظل سلالة سايتي الحاكمة الأخيرة إستوطن الأغاريق بشكل رسمي في ميناء (ناوكريتس) الميناء الوحيد الذي كان يخول فيه للأجانب الإشتغال بالتجارة . بعد هزيمة مصر أمام الأسكندر تحت حكم البطالسة إزدهر تمازج الأجناس بين الأغاريق البيض والمصريين السود بفضل سياسة الإستيعاب (( لم يحظى  ديونيسيوس – إله الخمر عند الإغريق –  في أي مكان  بعبادة أكثر هياما وإستفاضة من تلك التي حظي بها من قبل البطالسة الذين إعترفوا بعبادته كوسيلة فعالة لتعزيز إستيعاب الأغاريق الفاتحين وإندماجهم مع المصريين المحليين )) .
[/rtl]

[rtl]
إنّ هذه الحقائق تثبت أنه إذا كان الشعب المصري أبيضا أصلا  فيفترض أن يبقى كذلك . إن كان (هيرودتس)  وجد مصر لا تزال سوداء بعد الكثير من تزاوج الأجناس فإنه من الضروري أن تكون سوداء في البداية . طالما أن الدليل المرتبط بالكتاب المقدس له إعتبار فإن هناك القليل من التفاصيل سلفا . لتحديد أهمية الدليل المرتبط بالكتاب المقدس فإن علينا أن ندرس نشأة الشعب اليهودي . إذن من هو الشعب اليهودي ؟ وكيف ولد ؟ وكيف أوجد الكتاب المقدس الذي لعن فيه أبناء حام الجدود الأعلى للزنوج والمصريين ؟ وما هو السبب التاريخي لهذه اللعنة ؟ أؤلئك الذين أصبحوا يهودا ودخلوا مصر وعددهم بالكاد (70) فردا ، الرعاة الخائفين النازحين من فلسطين بفعل المجاعة الذين جذبتهم جنة الأرض وادي النيل . مع أن المصريين لديهم إشمئزاز غريب من الحياة البدوية والرعاة ، إلا أنه جرى الترحيب بالقادمين الجدد بحرارة في البداية بفضل (يوسف) . وفقا للكتاب المقدس فإنهم إستقروا في أرض (جاسان) حيث أصبحوا رعاة لقطعان الفرعون . بعد وفاة (يوسف) والفرعون (المناصر) ومواجهة تكاثر اليهود ، بدأ عداء المصريين ينمو ، في ظروف لا تزال صعبة التحديد وأصبح حال اليهود صعبا أكثر فأكثر . إذا كان علينا أن نصدق الكتاب المقدس فإنهم قد وظفوا في أعمال البناء والخدمة كعمال في بناء مدينة (رمسيس) . لقد إتخذ المصريون خطوات للحد من عدد المواليد وأقصوا الذكور خشية أن تزداد الأقلية العرقية إلى خطر قومي يمكن أن يزيد من صفوف الأعداء وقت الحرب .
[/rtl]

[rtl]
لذا فقد بدأ الإضطهاد الأولي الذي ميّز الشعب اليهودي على إمتداد تاريخه . منذ ذلك الوقت إنطوت الأقلية اليهودية على نفسها لتخضع لتباريح العذاب والإذلال .إن هذا الشقاء قد حض على إستيلاد وإنتشار العاطفة الدينية . كانت الظروف مواتية أكثر لأن هذه السلالة من الرعاة كانت بدون مهنة أو تنظيم إجتماعي ( الخلية الإجتماعية الوحيدة كانت العائلة الأبوية ) وليس لها سلاح سوى العصي ، لا يمكن أن يتخيل أن يصدر عنها رد فعل على التفوق الفني للشعب المصري .كان على (موسى) الذي ظهر كأول نبي يهودي أن يواجه هذه المعضلة والذي درس بدقة تاريخ الشعب اليهودي منذ نشأته وقدمه مسترجعا ذلك تحت رؤية دينية . بالتالي فقد جعل ذلك (إبراهيم) يقول أشياء كثيرة لم يكن الأخير ليستطيع التنبؤ بها ، مثلا الـ (400) سنة في مصر . لقد عاش (موسى) في عصر تل العمارنة حينما حاول أمنحوتب الرابع (إخناتون) حوالي عام 1400 ق.م إحياء التوحيد الأول والذي جرى تشويهه آنذاك بالتفاخر الكهنوتي وفساد الكهنة . لقد بدأ أن (أخناتون) حاول دعم المركزية السياسية في إمبراطوريته الضخمة المنتصرة حديثا من خلال المركزية الدينية فقد كانت الإمبراطورية في حاجة إلى دين شامل . ربما تأثر (موسى) بهذا الإصلاح . منذ ذلك الوقت فصاعدا دافع عن التوحيد بين اليهود. لقد كان التوحيد بكل تجريديته في الفكرة موجودا في مصر التي إقتبسته من سودان مروي ، أثيوبيا العصر القديم (( مع أن الإله الأعلى نظر إليه بنقاء الرؤى التوحيدية كونه الموجد الأوحد في السماء وفي الأرض الذي لم يولد ، الإله الحي الوحيد في الحقيقة ،  إلا أن آمون الذي يدل أسمه على الغموض ، العبادة ، وجد نفسه يوما مستبعدا ومدركا من قبل الشمس – را – أو متحولا إلى أوزيريس أو حورس )) .
[/rtl]


[rtl]مع التسليم بالجو غير الآمن الذي وجد الشعب اليهودي نفسه في مصر ، إلا أن الرب الذي بشرهم بغد موثوق منحهم دعما معنويا لا عوض عنه . بعد بعض التحفظ في البداية فإن هذا الشعب الذي بدأ أنه لا علم له مسبقا بالتوحيد – بعكس الرأي الذي يعضدهم من أنهم مبتدعي التوحيد – قد نقل رغما عن ذلك إلى درجة لافتة من التطور . مستعينا بالعقيدة قاد (موسى) الشعب العبري إلى خارج مصر ومع ذلك فإن اليهود سرعان ما ملوا هذه الديانة وعادوا تدريجيا إلى التوحيد – عجل هارون الذهبي في سفح جبل سيناء.  بدخولهم مصر كـ (70) راعيا في (12) عائلة أبوية ، بدوا من غير مهنة أو ثقافة ، بقي الشعب اليهودي (600) سنة هناك فأصبحوا 600.000 من الأشداء ، بعد أن إكتسبوا منها كل عناصر أعراقها المستقبلية بما في ذلك التوحيد . إذا إضطهد المصريون اليهود كما يقول التوراة وإذا كان المصريون زنوجا أي أبناء حام كما يقول التوراة ، فإننا لم نعد نتجاهل الأسباب التاريخية للعنة التي حلت على حام – بالرغم من أسطورة سكر(نوح) . لقد دخلت اللعنة في الأدب اليهودي متأخرة بشكل ملحوظ عن فترة الإضطهاد . بناء على ذلك فإن (موسى) نسب الكلمات التالية إلى الرب السرمدي في (العهد القديم) والتي وجهها إلى (إبراهيم) في الحلم : (( أعلم يقينا أن ذريتك سيكونون غرباء في أرض ليست أرضهم وسوف يخضعون للعبودية ويضطهدون لأربعمائة عام )) . لقد وصلنا هنا إلى الخلفية التاريخية عن اللعنة التي حلت على حام . إنها ليست صدفة أن كانت هذه اللعنة على أب مصريم ، بوط ، كوش وكنعان وليس على كنعان وحده الذي سكن في أرض تمناها اليهود على إمتداد تاريخهم .[/rtl]

[rtl]متى ظهر هذا الإسم حام (شام – كام) ؟ وأين عثر عليه (موسى) ؟ أكيد في مصر حيث ولد وترعرع وعاش حتى الخروج . في الواقع أننا نعرف أن المصريين أطلقوا على بلادهم إسم (كيميت) التي تعني الأسود في لغتهم . إن التفسير يعني أن المشار إليه هي التربة السوداء لمصر أكثر من الأنسان الأسود وبالتوسع السلالة السوداء لبلاد السود  وهو ناجم من تشويه من عقول مدركة التفسير الصحيح للكلمة وما تشير إليه . من ثمّ فإنه من الطبيعي أن نجد كلمة (كام) تعني في العبرية  حرارة ، أسود ، محروق . هكذا فإن كل التناقضات الظاهرة تختفي ، فيما يظهر منطق الحقائق على كامل صورته . إن سكان مصر الذين يرمز إليهم بلونهم الأسود ، كيميت أو حام في التوراة ، سوف يتهموا في أدب الشعب الذي إضطهدهم . إننا نستطيع أن نفهم بأن هذه اللعنة التوراتية على ذرية (حام) لها منشأ مختلف تماما عن ذلك الذي قدم اليوم بدون أدنى أساس تاريخي . ما لا نستطيع فهمه هو كيف أصبح من الممكن جعل العرق الأبيض أسودا : حامي ، أسود ، أبنوسي ، الخ .. (حتى في اللغة المصرية) . وفقا لمتطلبات السبب فإن حام قد لعن ، سوّدت بشرته ، وأصبح الجد الأعلى للزنوج . إن ذلك يحدث كلما أشار أحد إلى العلاقات الإجتماعية المباشرة .[/rtl]

[rtl]على الجانب الأخر فإن الأسود يبيّض حينما يسعى أحدهم إلى البحث عن منشأ الحضارة ، لأنه سكن أول بلد متحضر في العالم . لذا فقد جرى تصوير فكرة الحاميين الشرقيين والغربيين التي ليست سوى إبتداع مزعج لحرمان السود من أفضلية معنوية في الحضارة المصرية وفي الحضارات الأفريقية الأخرى كما سنرى . الشكل (2) يمكننا من ملاحظة الطبيعة المنحرفة لتلك النظريات . إنه من غير الممكن ربط الفكرة العامة عن الحاميين  - مثلما نعمل لنفهمها في الكتب المدرسية الرسمية – مع أدنى واقع تاريخي ، جغرافي ، لغوي أو عرقي . ليس هناك متخصص قادر على تحديد مكان ميلاد الحاميين  ( أتحدث بشكل علمي ) ، اللغة التي يتحدثون بها ، طريق الهجرة الذي سلكوه ، البلاد التي إستقروا فيها ، أو شكل الحضارة التي خلفوها . في المقابل فإن كل الخبراء قد إتفقوا على أن هذا المصطلح ليس له محتوى جاد ومع ذلك فإنه لم يتوانى أحد منهم في إستخدامه كمفتاح رئيسي لتفسير أدنى دليل للحضارة في أفريقيا السوداء .[/rtl]

[rtl]الفصل الثاني[/rtl]
[rtl]ميلاد الأسـطورة الزنجيـة[/rtl]
[rtl]
حينما زار (هيرودتس) مصر كانت مصر قد فقدت مسبقا إستقلالها قبل قرن من الزمان فمنذ هزيمتها أمام الفرس عام 525  ق.م ظلت مصر وبشكل دائم تحت هيمنة الأجنبي فبعد الفرس جاء المقدونيون بقيادة الأسكندر الأكبر عام 333 ق.م ، الرومان بقيادة يوليوس قيصر عام 50 ق.م ، العرب في القرن السابع الميلادي ، الأتراك في القرن السادس عشر ، الفرنسيون بقيادة نابوليون ، ثم الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر . مع تدميرها جراء تلك الغزوات المتتالية فإن مصر التي كانت مهد الحضارة لـ (10.000) عام ، بينما كان باقي العالم منغمسا في البربرية ، لم تعد تلعب دورا سياسيا . بالرغم من ذلك فإنها إستمرت في تلقين شعوب البحر الأبيض المتوسط الناشئة من بين أغريق ورومان وسط أخرين دروسا نحو إستنارة حضارية . على إمتداد التاريخ بقيت مصر الأرض التقليدية التي ذهبت إليها شعوب البحر المتوسط في رحلة طويلة من أجل الإغتراف من ينبوع المعرفة العلمية ، الدينية ، الأخلاقية ، والإجتماعية وهي المعرفة الأكثر عراقة التي إكتسبتها البشرية . لذا فإن كل ما يحيط بالبحر الأبيض المتوسط من حضارات جديدة قامت الواحدة تلو الأخرى ، قد إستفادت الكثير من مزايا البحر المتوسط ، كونه مفترق طرق حقيقي لأفضل موقع في العالم . لقد تطورت هذه الحضارات الجديدة بشكل رئيسي نحو التطور المادي والفني . كمنشأ لذلك التطور فإنه يجب علينا أن نستشهد بالعبقرية المادية للهنود الأوربيين ، الأغاريق والرومان .
[/rtl]

[rtl]
إن النشاط الوثني الذي صّور لنا الحضارة الإغريقية الرومانية قد تلاشي حوالي القرن الرابع . في المقابل هناك عاملين جديديين تدخلا عنوة في الإقليم القديم لأوروبا الغربية : المسيحية والغزوات البربرية واللذان أعطيا ميلادا لحضارة جديدة تظهر اليوم أعراض إعيائها . بفضل التواصل المستمر بين الشعوب فإن هذه الحضارة الأخيرة التي ورثت كل التقدم الفني للإنسانية إستعدت تماما بحلول القرن الخامس عشر للإندفاع لإكتشاف وفتح العالم وهكذا في بواكير القرن الخامس عشر هبط البرتغاليون في أفريقيا عبر الأطلنطي ، حيث أسست أول علاقات حديثة مع أوروبا لم تنقطع بعد ذلك . ماذا وجدوا آنذاك في أفريقيا ؟ أيّ شعوب قابلوا ؟ هل كانوا منذ القدم أم أنهم هاجروا أخيرا ؟ ما هو مستوى ثقافتهم ، درجة تنظيمهم الإجتماعي والسياسي ؟ ما هو الإنطباع الذي أخذه البرتغاليون عن تلك المجموعات السكانية ؟ ما هي الفكرة التي أخذوها عن إمكانياتهم الفكرية وجدارتهم الفنية ؟ أي نوع من العلاقات الإجتماعية كان قائما بين أوروبا وأفريقيا منذ ذلك الوقت فصاعدا ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة المختلفة سوف يفسر بشكل كلي الأسطورة الحالية للزنوج البدائيين .
[/rtl]

[rtl]
للإجابة على هذه التساؤلات من الضروري العودة إلى مصر في ذلك الوقت حينما كانت واقعة فيه تحت قبضة الأجنبي . ربما مضى توزيع السود في القارة الأفريقية على مرحلتين رئيسيتين . لقد أتفق بشكل عام على أنّه بحلول عام 7000 قبل الميلاد كانت الصحراء قد أصبحت قاحلة وربما كانت أفريقيا الإستوائية لا تزال كثيفة الغابات بحيث لا تجذب الناس إليها . بناء عليه فإن أخر السود الذين عاشوا في الصجراء ، غادروها الآن مهاجرين نحو أعالي النيل مع إستثناء محتمل لمجموعات معزولة قليلة صغيرة بقيت في باقي القارة ، الذين إما هاجروا إلى الجنوب أو إتجهوا نحو الشمال . ربما وجدت المجموعة الأولى سكانا سودا محليين في منطقة أعالي النيل . أيّا كانت الحالة فإنها ناشئة من التكيف التدريجي مع الظروف الحياتية الجديدة التي خصت بها الطبيعة هؤلاء السكان السود المتنوعين بحيث برزت منها أقدم ظاهرة للحضارة . لقد تطورت هذه الحضارة التي سميت مصرية في عصرنا بفترة طويلة في عصرها الأول ثم تنزلت ببطء إلى وادي النيل لتنتشر بعدها حول حوض البحر الأبيض المتوسط . ربما إستمرت هذه الدورة من الحضارة التي تعتبر الأطول في التاريخ 10.000 سنة . إن ذلك حل وسط معقول بين التسلسل الزمني الطويل (بناء على البيانات المقدمة من الكهنة المصريين ، هيرودتس ومانيثو الذين وضعوا التاريخ 17.000 قبل الميلاد) والتسلسل الزمني الصغير للمحدثين الذين إضطروا للإقرار بالتاريخ 4245 قبل الميلاد وهو التاريخ الذي كان المصريون قد إبتدعوا فيه سلفا التقويم (الذي يقتضي بالضرورة رحلة من آلاف السنين) .
[/rtl]

[rtl]
خلال تلك الفترة الطويلة كان من الواضح أنّ السود قد توغلوا عميقا وعميقا في داخل القارة ليشكلوا نواة سوف تصبح مراكزا  للحضارة القارية التي جرى تحليلها في الفصل الثامن . إنّ هذه الحضارات الأفريقية سوف تنفصل عن باقي العالم فهي تميل إلى العيش منعزلة نظرا لبعدها الشاسع عن طرق الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط . حينما فقدت مصر إستقلالها إنتهت عزلتهم . منذ ذاك الوقت وبإنفصالهم عن الوطن الأم وإنزوائهم في محيط جغرافي يقتضي قليل جهد من التكيف ، إتجه السود نحو تطوير تنظيماتهم الإجتماعية ، السياسية والأخلاقية ، أكثر من التوجه نحو البحث العلمي التفكري الذي تعجز ظروفهم عن تبريره ، بل تجعله حتى غير ممكنا . إنّ التكيف مع وادي النيل الضيق الخصيب إقتضى تقنية تخصصية في الري والسدود وحسابات دقيقة للتنبؤ بفيضانات النيل وإستنتاج نتائجها الإقتصادية والإجتماعية . كذلك فإن الأمر يتتطلب إبتداع الهندسة لتحديد الملكية بعد محو خطوط الحدود بواسطة الفيضان . بذات الدلالة فإن المنطقة في القطاعات السهلة الضيقة الطويلة تتطلب تحويل المعزقة الزنجية إلى محراث والتي كان يجرها في البدء الرجال ثم الحيوانات . مع أن ذلك كان ضروري للوجود المادي للزنوج في وادي النيل ، إلا أنه أصبح كذلك غير ضروري بالتساوي في الظروف الحياتية الجديدة في الداخل .
[/rtl]

[rtl]
حيث أنّ التاريخ أحدث إنقطاعا في توازنهم السابق  مع البيئة ، فإن السود وجدوا الآن توازنا ، يختلف عن التوازن الأول في غياب التقنية التي لم تعد حيوية بالنسبة لتنظيماتهم الإجتماعية والسياسية والأخلاقية . بوجود الموارد الإقتصادية التي لا تتطلب إختراعات دائمة ، فإن الزنوج أصبحوا غير مبالين بالتقدم المادي . في ظل هذه الظروف الجديدة جرت المواجهة مع أوروبا . في القرن الخامس عشر وحينما بدأ البرتغاليون ، الهولنديون ، الإنكليز ، الفرنسيون ، الدنماركيون ، البراندنبورغيون الأوائل في إنشاء مراكز تجارية لهم على ساحل غرب أفريقيا ، كانت التنظيمات السياسية للدول الأفريقية متساوية وفي الغالب متفوقة على دولها . أما الملكيات فقد كانت دستورية بمجلس شعب جرى فيه تمثيل الطبقات الإجتماعية المختلفة . خلاف الأسطورة القائلة بأن ملك السود كان طاغية بسلطة لا حدود لها . في بعض المواضع كان الشعب يبايع الملك مع رئيس للوزراء كوسيط يمثل الرجال الأحرار . كانت مهمته خدمة الشعب بحكمة وكانت سلطته تعتمد على الدستور المؤسس (مع مقارنة الفصل الثامن) . لقد كان النظام الإجتماعي والأخلاقي على ذات المستوى من المثالية . على الجانب الأخر وبالنسبة لكل الأسباب التي أستشهد بها أعلاه فإن التقدم التقني كان أقل تشديدا عليه مما هو في أوروبا . مع أن الزنوج كانوا أول من إكتشف الحديد فإنهم لم يصنعوا أي مدفع . إن سر البارود كان معروفا فقط للكهنة المصريين الذين إستخدموه فقط لأغراضهم الدينية عند الطقوس مثل أسرار أوزيريس (مقارنة) .
[/rtl]

[rtl]
عليه فإن أفريقيا لم تكن محصنة تماما من وجهة النظر الفنية . لقد أصبحت أفريقيا مغرية وفريسة للغرب المزود بالأسلحة النارية والبحرية بعيدة المدى . لذا فإن التقدم الإقتصادي لعصر النهضة الأوروبي حث على قهر أفريقيا التي أكملت إنجازها بسرعة والتي إجتازت مرحلة المراكز التجارية الساحلية إلى مرحلة الإلحاق بالإتفاقيات الدولية الغربية وأعقب ذلك القهر العسكري الذي سمي (مسالمة) . في بداية هذه الفترة كانت أمريكا قد أكتشفت بواسطة (كريستوفر كولمبوس) . لقد إقتضى تطوير الجزر العذراء عمالة رخيصة وأصبحت أفريقيا بعد ذلك إحتياطيا  جاهزا  تستجلب منها القوى العاملة بأقل تكلفة ومخاطرة . لقد إعتبرت التجارة  الحديثة للرقيق الأسود ضرورة إقتصادية قبل ظهور الآلة وقد إستمر ذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر . إن هذا الإنقلاب في الأدوار الناجم عن العلاقات الفنية الجديدة قد جلب معه علاقة العبد والسيد بين البيض والسود على المستوى الإجتماعي . خلال العصور الوسطى فإن ذاكرة مصر الزنجية التي عملت على تحضر العالم ،  غشتها الضبابية بفعل تجاهل التراث الأثري المخبأ  في المكتبات أو المدفون تحت الحطام . لقد أصبح محجوبا بشكل أكبر خلال تلك الأربعة قرون من العبودية . إن الأوربيين المتخمين بتفوقهم الفني الحديث لم يتفضلوا بالنظر إلى العالم الأسود إلا من خلال ثرواته . إن تجاهل التاريخ القديم للسود ، إختلاف الأعراف والتقاليد ، الإضطهاد العرقي بين السلالتين  جعلهم يواجهون بعضهم البعض للمرة الأولى مع الحاجة الإقتصادية للإستغلال – لذا فالكثير من العوامل قد جعلت العقل الأوروبي ميالا لتشويه الشخصية الأخلاقية للإنسان الأسود ومقدرته الفكرية . منذ ذلك الوقت أصبحت كلمة (زنجي) مرادفة للإنسان البدائي لتتحول إلى (الأقل قدرا)  وذو العقلية الجاهلة . حيث أن الإنسان تواق دائما لتبرير مسلكه فقد  مضوا في ذلك إلى الأبعد . إن الرغبة في شرعنة الإستعمار وتجارة الرقيق – أو بمعنى أخر الحالة الإجتماعية للزنوج في العالم الحديث – قد أنتجت أدبا كاملا يصف ما سمي بالسمات الدونية للسود .بالتالي فإن عقول الأجيال المتعددة من الأوربيين سوف تلقن تدريجيا بوجهة النظر الغربية التي سوف تتبلور وتقبل بشكل غريزي مثل حقيقة مكتشفة : الزنوج = بشرية دونية .
[/rtl]

[rtl]
لتتويج هذا التعبير الساخر فإن الإستعمار قد صّور على أنه يسدي واجبا للإنسانية . إنهم (يستدعون) مهمة التحضر المحملة بالمسئولية لرفع الأفريقي إلى مستوى الأخرين (المعروف لدينا بعبّ الرجل الأبيض) . منذ ذلك الوقت شرعت الرأسمالية بشكل واضح في تطبيق أكثر مظاهر الإستغلال وحشية تحت ستار ذرائع أخلاقية . على الأقل فإنهم يدركون بأن الزنجي له مواهب فنية مرتبطة بحساسيته كحيوان دوني . إن هذا هو رأي ( فرينشمان جوزيف دو غوبنيو) رائد الفلسفة النازية الذي أورد في كتابه ( في عدم تساوي الأعراق البشرية) أن الحس الفني لا ينفصل عن الدم الزنجي ، غير أنه يختزل الفن إلى ظاهرة دونية للطبيعة البشرية وربط حس الإيقاع بالإستعداد العاطفي للسود . إن هذا المناخ من العزلة قد أثر عميقا على شخصية الزنجي خاصة الزنجي المتعلم الذي كانت لديه الفرصة لكي يكون واعيا بالرأي العالمي وبشعبه . إنه يحدث غالبا أن يفقد المفكر الزنجي إمكانياته الخاصة وإمكانيات عرقه – بالرغم من شرعية الدليل المقدم في هذا الكتاب -  للحد الذي سوف يكون من المدهش أن يكون بعض منّا لا يزال غير قادر على التصديق على أن السود لعبوا فعلا دورا حضاريا مبكرا في العالم . في الغالب فإن السود ذوي الإدراك العالي يظلون أسرى لهذه العزلة ، ذلك أنهم يسعون بكل حسن نية لتصنيف هذه الأفكار النازية في ثنائية مزعومة من الحساسية ، الزنجي العاطفي ، مبدع الفن  والرجل الأبيض خاصة ذلك الموهوب بالعقلانية . لذا فقد عبر شاعر أفريقي زنجي عن نفسه بحسن نية  في بيت شعر رائع : (العاطفة زنجية والفكر إغريقي) .
[/rtl]

[rtl]
رويدا رويدا ظهر الأدب الزنجي (المعاصر) صبياني المقصد ، ظريفا ، منفعلا ، مشوبا بالتذمر . لقد قدّر الغربيون بشكل كبير قدرا كبيرا من الإبداعات الزنجية الحالية ، مما شكّل مرآة يستطيع الغربيون أن ينظروا إليها بفخر ، بينما إنغمسوا في عاطفية أبوية وهم يتأملون فيما يعتقدوا فيه تفوقهم . إن رد الفعل سوف يكون مختلفا إذا كان نفس القضاة قد ووجهوا بعمل زنجي مؤلف بشكل مثالي يتخلى عن ذلك النمط وأختلف مع أي إنعكاسات للخضوع ، إضافة إلى التعقيدات الدونية بإفتراض وجود مكان طبيعي على مستوى من المساواة . إن عمل كهذا سوف يخاطر بلا شك بإظهار التباهي والإغاظة على الأقل لبعض الناس . إن ذاكرة العبودية الحديثة التي خضعت إليها سلالة السود وظلت باقية حية في عقول الرجال ، غالبا ما تعكس وعي الإنسان الأسود بشكل سلبي . من تلك العبودية الحديثة أجريت محاولة لبناء أسطورة – رغم كل الحقائق التاريخية - مفادها أن الإنسان الأسود قد تنزل إلى العبودية بواسطة السلالة البيضاء المتفوقة التي عاش معها ، أينما كان ذلك . إن ذلك يمكّن السلالة البيضاء من أن تبرر بسهولة تواجد الزنوج في مصر أو في بلاد ما بين النهرين أو الجزيرة العربية وتقرر بأنهم قد أستعبدوا . مع أن هذا التأكيد لا يسوى شيئا سوى أنه تعصب في الرأي لتزوير التاريخ – أؤلئك الذين قدموا هذا التأكيد مدركون تماما بأنه خاطيء – فإنه وبالرغم من ذلك فإنه يساهم في عزلة السـود . لذا فإن شاعرا زنجيا كبيرا أخر ، بل ربما الأعظم في عصرنا وهو (إيميه سيزير) كتب قصيدة بعنوان ( منذ آكاد ، منذ عيلام ، منذ سومر ) :
[/rtl]

[rtl]
يا سيد الطرق الثلاثة ..
[/rtl]

[rtl]أمامك رجل سار طويلا ..[/rtl]
[rtl]يا سيد الطرق الثلاثة ..[/rtl]
[rtl]أمامك رجل  سار على يديه ..[/rtl]
[rtl]سار على قدميه .. سار على بطنه ..[/rtl]
[rtl]سار على مؤخرته ..[/rtl]
[rtl]منذ عيلام .. منذ آكاد .. منذ سومر[/rtl]
[rtl]وفي مكان أخر كتب :[/rtl]
[rtl]أؤلئك الذين لم يخترعوا البارود ولا البوصلة ..[/rtl]
[rtl]أؤلئك الذين لم يرّوضوا البخار ولا الكهرباء ..[/rtl]
[rtl]أؤلئك الذين لم يستكشفوا البحار ولا السماء ..[/rtl]
[rtl]
على إمتداد هذه التحولات في العلاقات الزنجية مع بقية العالم  فإنه من الصعوبة بشكل متزايد لأؤلئك الذين لا يدركون مجدهم الماضي وللسود أنفسهم ، الإيمان بأنهم أنشاوا أولى الحضارات التي أزدهرت في الأرض ، حضارة تدين الإنسانية إليها بكثير من تقدمها . من ثمّ ومع أن البراهين قد تكدست عاليا أمام ناظريهم فإن الخبراء سوف لن يروها إلا بطرف العين ويفسرونها بأنها مزورة وسوف يقيمون نظريات إكثر إستبعادا ، لأن أي إستبعاد يبدو لهم أكثر منطقية من أكثر الوثائق التاريخية صدقا والتي تشهد بالدور الحضاري الباكر للسود .
[/rtl]

[rtl]
قبل دراسة التناقضات الحديثة التي تجد لها رواجا في العصر الحديث والناشئة من محاولات إثبات أن المصريين كانوا بيضا مهما كان الثمن ، دعونا نورد دهشة الباحث حسن النية كونت قسطنطين دو فولني (1757 – 1820) فبعد أن تشبع بكل التحيزات التي ذكرناها سابقا فيما يتعلق بالزنوج ، ذهب (فولني) إلى مصر ما بين 1783 – 1785 حينما كانت عبودية الزنوج مزدهرة وقد أورد مايلي عن السلالة المصرية ، السلالة التي أنجبت فرعون أي الأقباط : (( كلهم لديهم وجوه وعيون منتفخة ، أنف مفلطحة ، شفاه غليظة ، بمعنى أنه وجه خلاسي . كنت ميالا لأعزي ذلك إلى المناخ ، غير أنني حينما زرت أبو الهول فإن شكله أعطاني المفتاح للغز . عند رؤية ذلك الرأس فإن فيه كل ملامح الإنسان الزنجي النموذجي ، عندها تذكرت الفقرة اللافتة حيث يقول هيرودتس – بالنسبة لي فإني أحكم بأن الكوشيين هي مستعمرة للمصريين لأنهم مثلهم ذو بشرة سوداء وشعر أصوف – بمعنى أخر فإن المصريين القدماء كانوا سودا حقا من ذات النوع مثل الأفارقة المولودين محليا . بذلك فإننا يمكن أن نرى كيف إمتزجت دماؤهم لقرون عديدة مع دماء الرومان والأغاريق والذي كان عليه أن يفقدوا لونهم الأصلي ، غير أنهم إحتفظوا رغما عن ذلك بمسحة من شكلهم الأصلي . يمكننا أن نذكر كمبدأ عام أن الوجه نمط من الآثار يمكن أن يبرهن أو يسلط الضوء في كثير من الحالات على دليل تاريخي عن نشأة الشعوب )) .
[/rtl]

[rtl]
بعد شرح هذا المقترح بالإستشهاد بحالة النورمانديين الذين لا يزالون يشبهون الدنماركيين بعد 900 سنة من إخضاع النورماندي . يضيف (فولني) :
[/rtl]

[rtl]((بالعودة إلى مصر فإن الدرس الذي علّمته مصر التاريخ هو الكثير من التأملات المتعلقة بالفلسفة . ما أجدر بالتأمل  رؤية البربرية الحالية وتجاهل الأقباط ، الآتين من أصلاب التحالف بين العبقرية العميقة للمصريين والعقلية الذكية للأغاريق . فقط فكر بأن هذه السلالة من السود هم اليوم عبيدنا ومادة إزدرائنا وهي السلالة التي ندين لها بفنوننا ، علومنا وحتى إستخدامنا للحديث . أخيرا تصور فقط أنه في وسط الشعوب التي تسمي نفسها أعظم أصدقاء للحرية والإنسانية ، من وافق على أكثر العبودية بربرية ويتساءل عما إذا كان للسود ذات النوع من الذكاء الذي للبيض)[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:24

[rtl]الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافـة أم حقيقـة 3 .....[/rtl]


[rtl]الفصل الثالث

التزوير الحديث للتاريخ


إنّ مشكلة التزوير الأكثر ضخامة في تاريخ الإنسانية بواسطة المؤرخين المعاصرين لم تطرح بشكل أفضل مما طرحه (فولني) . لم يكن لأحد أكثر قدرة منه على رد العدل إلى الجنس الأسود  وذلك بالإعتراف بدور ذلك الجنس كدليل رائد للجنس البشري على طريق الحضارة . كان على إستنتاجاته  أن تستبعد التلفيقات المتتالية لجنس إفتراضي فرعوني  أبيض  ، زعم أنه نقل الحضارة المصرية من آسيا عند مطلع الحقبة التاريخية . في الواقع فإن هذه الفرضية صعبة الإستمالة مع واقع أبو الهول الذي هو صورة لفرعون له رأس إنسان أسود . إن الشكل متاح للجميع لرؤيته فمن الصعب إهماله كحجة شاذة أو إحالته إلى مستودعات المتاحف لإبعاده عن التأمل المحفوف بالمخاطر لأؤلئك الذين هم عرضة لقبول دليل واقعي .


بعد (فولني) جاء رحالة أخر هو (دوميني دي رينزي) في أوائل القرن التاسع عشر ليصل إلى إستنتاجات مماثلة بعض الشيء تتعلق بالمصريين (( إنه صحيح إلى الوراء في الماضي البعيد فإن الهنود الحمر داكني اللون والسلالة المصرية هيمنوا ثقافيا على السلالات الصفراء والسوداء وحتى عرقنا الأبيض الذي سكن بعد ذلك آسيا الغربية . في ذلك العصر كانت سلالتنا متوحشة نوعا وموسّمة بالوشم كما صّور ذلك على مدفن (سيسوستريس 1) في وادي بيبان الملوك في – طيبه -  مدينة الآلهة )) . بقدر ما أنّ الجنس الأحمر الداكن مثيرا للإهتمام ، فسوف نرى ببساطة أنه مجموعة فرعية من الجنس الأسود مثلما ظهر في آثار تلك الفترة . في الواقع فإنه ليس هناك جنس أحمر داكن . إن ما يسمى بالأعراق الوسيطة ربما تكون  نتاج للتهجين . يظهر الشكل (28) أنه ليس هناك علاقة للون الأحمر الداكن بالمصريين ، بل لون البشرة الطبيعي للزنوج  ، فإذا تحدث (رينزي) عن العرق الأحمر الداكن بدلا من العرق الأسود فذلك لأنه لم يستطيع التخلص من تحيزات عصره . على أي حال فإن ملاحظاته عن حال العرق الأبيض ثم التوحش والوشم ، بينما الجنس (الأحمر الداكن) متحضر سلفا ، يجب أن تمنع أي محاولة لتفسير منشأ الحضارة المصرية بأنها عائدة للبيض . لقد توسع (شامبليون) للحديث بمهانة عن الحالة المتأخرة للبيض في الوقت الذي كان فيه عمرالحضارة المصرية عدة الأف من السنين .



في عام  1799 بدأ (نابوليون) حملته في مصر . بفضل (حجر رشيد) جرى فك شفرة اللغة الهيروغلوفية بواسطة شامبليون الأصغر عام 1822 الذي توفي عام 1832  وترك لشقيقه (شامبليون – فيجاك) مذكرته الوصفية وهي عبارة عن قواعد مصرية وسلسلة من الرسائل ، رسائل كتبت أثناء زيارته لمصر في الفترة ما بين (1828 – 1829) .
نشرت هذه الرسائل في عام 1833 بواسطة (شامبليون – فيجاك) . منذ ذاك أخترق جدار الهيروغليفية ، مما كشف عن ثراء مدهش في تفاصيلها . لقد دهش علماء الآثار بإعجاب لمهابة وإتقان الماضي الذي إكتشفوه . لقد أدركوا تدريجيا أنها الحضارة الأكثر عراقة التي أنجبت كل الحضارات الأخرى ، لكن بفعل الإمبريالية أيّا كانت فقد أصبح قبول النظرية التي تقول بزنجية مصر – الواضح حتى الآن -  مرفوض بشكل متزايد . بالتالي فإن مولد علم الآثار المصرية تميز بالحاجة إلى تدمير ذاكرة مصر الزنجية في كل الأذهان وبأي ثمن . لذا فإن الصفة المشتركة لكل أطروحات علماء الآثار المصرية وعلاقتها الوثيقة وتماثلها العميق ، يمكن أن توصف بمحاولة يائسة لدحض ذلك الرأي ، فيما يشدّد كل علماء الآثار تقريبا على زيفه كمادة منهجية . عادة فإن محاولات الدحض هذه تأخذ الشكل التالي : 


عدم القدرة على إكتشاف أي تناقض في الروايات الرسمية للقدماء بعد مواجهة موضوعية مع كامل الواقع المصري وبناء على عدم القدرة على نقضها فإنهم إما أن يلزموا الصمت تجاهها أو يرفضونها بشكل قاطع ومهين . إنهم يعبرون عن أسفهم من أن قدماء المصريين إرتكبوا خطأ فادحا مما نتج عنه الكثير من المصاعب والمشاكل الحساسة بالنسبة للمتخصصين المعاصرين ، ثم حاولوا بلا جدوى إيجاد منشأ أبيض للحضارة المصرية وأخيرا سقطوا في تناقضاتهم ، متراوحين في مصاعب المشكلة بعد أن صنعوا حيلا فكرية لا مبرر لها ، ثم ما لبثوا أن كرروا المبدأ القديم الذي يقضي بأنهم أثبتوا لكل الشعوب الموقرة المنشأ الأبيض للحضارة المصرية . إنها كامل مجموعة الأطروحات التي أفترض طرحها واحدا تلو الأخر . لأجل الموضوعية فإنني مجبر على دراسة كل وجهة نظر بشكل كامل ، بحيث يكون من العدل إشراك القاريء وتمكينه من أن يطلع بشكل مباشر على التناقضات أيّا كانت والحقائق التي يمكن أن أشير إليها .


دعونا نبدأ بأقدم واحدة من هذه الإطروحات ، تلك العائدة لشامبليون الأصغر والمبينة لأخية في الرسالة الثالثة عشر التي تتناول النقوش الصخرية البارزة على مدفن (سيسوستريس 1) الذي زاره أيضا (رينزي) . إنّ هذه النقوش الصخرية البارزة تعود إلى القرن السادس عشر (الأسرة الحاكمة الثامنة عشر) وتمثل سلالات الجنس البشري المعروف للمصريين . إنّ هذا الأثر هو أقدم حجة عرقية وافية ومتاحة  . هنا ما قاله (شامبليون) : (( على يمين وادي بيبان الملوك شعرنا بالإعجاب بالنضارة المدهشة للرسومات والنقوش الدقيقة على العديد من المدافن مثلنا مثل الزائرين السابقين . لدي نسخة من هذه الرسومات بها أشخاص مصورون على النقوش الصخرية البارزة . في البداية إعتقدت ومن خلال نسخ هذه الرسومات لتلك النقوش الصخرية  والتي نشرت في بريطانيا ، أنّ هذه الشعوب ذات الأعراق المختلفة والتي قادها الإله (حورس) وهو ممسك بعصا الراعي ، هي بالتأكيد أمم خضعت لحكم الفراعنة . لقد عرفت من دراسة الأساطير أنّ هذا المشهد له معنى أكثر شمولية فهو يصّور وقت الساعة الثالثة من النهار ، حينما بدأت أشعة الشمس تتحول إلى أشعة حارقة ، ملقية بالدفء على البلاد المأهولة بالسكان في نصف كرتنا الأرضية . وفقا للأسطورة نفسها فإنهم رغبوا في تمثيل سكان مصر وسكان الجزر الأجنبية . لذا فإن أمام أعيننا صورة لسلالات مختلفة لجنس بشري معروف لدى المصريين ، بينما نعلم في ذات الوقت التقسيمات الجغرافية والعرقية الكبيرة التي تأسست خلال تلك الحقبة المبكرة . 


إن الرجال الذين قادهم (حورس) راعي الشعوب ينتسبون إلى أربعة عائلات بارزة . الأول الأقرب للإله لونه أحمر داكن ، صاحب جسم متناسق ، وجه حنون ، أنف محدب قليلا ، شعر بجدائل طويلة ويلبس الأبيض . تسمي الأسطورة هذا النوع ( روت – إن – ني – روم ) ، سلالة الرجال التي تكافيء التفوق أي المصريين . ليس هناك شك في الهوية العرقية للرجل الذي يليه فهو ينتمي إلى العرق الأسود وقد أشير إليه بالمصطلح العام (نحاسي) ، أما الثالث فيظهر شكلا مختلفا تماما فلون بشرته يلامس اللون الأصفر أو الأسمر وله أنف محدودب بشدة وله لحية سوداء ذات مقدمة ويرتدي جلبابا قصيرا  ذو ألوان متباينة وهرلاء يطلق عليهم (نامو) . أخير هناك الأخير والذي نطلق عليه أصحاب اللون الممتليء ببشرة بيضاء ، أنف مستقيمة أو مقوسة قليلا ، عيون زرقاء ، لحية شقراء أو محمّرة ، قوام طويل ونحيف تماما ، يرتدي جلود الثيران ذات الشعر ، له  أوشام متعددة على جسده ويسمى (تامهو) . لقد سعيت بحثا عن مشهد مماثل في المدافن الملكية الأخرى وكمادة واقعية وجدتها في العديد من المدافن الأخرى . لقد أقنعتني الإختلافات التي لاحظتها بشكل تام أنهم حاولوا تمثيل سكان الأركان الأربعة للأرض وفقا للمنظومة المصرية : (1) سكان مصر والتي بذاتها تشكل جزء من العالم (2) سكان أفريقيا الأصليين أي السود (3) الأسيويون (4) أخيرا الأوربيين (وأنا أخجل أن أقول ذلك لأن عرقنا في السلسلة هو الأخير والأكثر وحشية ) الذين كانوا في تلك الحقب البعيدة لا يستطيعون قطع تمثال رقيق في العالم آنذاك . في هذه الفئة يجب أن نضّمن كل الشعوب الشقراء وذوي البشرة البيضاء ، ليس في أوروبا فحسب بل في آسيا كذلك التي إنطلقوا منها.



إن هذه الطريقة من رؤية المشهد هي الأكثر دقة لأن ذات الأسماء العامة تعاود الظهور في المدافن الأخرى وعادة بنفس الترتيب . لقد وجدنا أن المصريين والأفارقة جرى تمثيلهم بنفس الطريقة ، غير أن النامو (الأسيويين) والتامهو (الأوربيين) ظهروا في أشكال مختلفة بشكل كبير . بدلا من العرب واليهود الذين أرتدوا زيا بسيطا وظهروا على مدفن واحد فإن الأسيويين الذين جرى تمثيلهم في المدافن الأخرى (مثل مدافن رمسيس الثاني ، الخ .. ) هم ثلاثة أفراد ظهروا ببشرة سمراء ، أنف محدودبة ، عيون سود ، لحية كثة ويرتدون لبسا فخما نادرا . من جانب فهم آشوريون بشكل جلي فأزياؤهم حتى التفاصيل الدقيقة تطابق تلك التي ترتديها الشخصيات البارزة التي نقشت على الأسطوانات الآشورية ومن جانب أخر فهم (ميديون) أو السكان الأوائل لجزء ما من فارس . إن ملامحهم وقسماتهم ولباسهم يماثل تلك التي وجدت في الآثار التي يطلق عليها (بيرسيبوليتان) . بهذا فإن آسيا جرى تمثيلها بشكل غير متميز عبر أي فرد كان من ساكنيها والشيء ذاته صحيح بالنسبة لأسلافنا الأوائل الخيرين (التامهو) فلباسهم المزين يختلف أحيانا فرؤوسهم  قليلة أو غزيرة الشعر وموشحة بأدوات زينة مختلفة ، كما أن لباسهم الوحشي يتفاوت نوعا في الشكل ، غير أن بشرتهم البيضاء وعيونهم ولحيهم تحتفظ منفردة بميزة العرق . إن لديّ هذه السلسة الجغرافية العرقية الغريبة منسوخة ومصّورة ولم أكن أتوقع بالتأكيد عند وصولي (بيبان الملوك) أن أعثر على منحوتات تخدم كنقوش صغيرة بالنسبة للأوربيين البدائيين إذا كان لأحد الشجاعة لمحاولة ذلك . بالرغم من ذلك فإن هناك إطراء ومواساة نوعا في معرفة ذلك لأنه يجعلنا نقدر التقدم الذي تحقق لاحقا )) .  


لسبب وجيه فقد أعدت تقديم هذا الملخص مثلما نشره (شامبليون – فيجاك) ، بالأحرى أخذته من (الطبعة الحديثة) للرسائل التي نشرت بواسطة إبن شامبليون الأصغر (شيرونيه – شامبليون) . الرسائل الأصلية موجهة لـ (شامبليون – فيجاك) وبالتالي فإن هذه الطبعة أكثر صحة . ما هي أهمية هذا المستند بالنسبة للمعلومات المتعلقة بالسلالة المصرية ؟ فهي بقدمها تشكل جزء هاما من الدليل الذي يفترض أن يجعل كل ما هو بالحدس غير ضروري . منذ تلك الحقبة القديمة جدا أي منذ الأسرة الحاكمة الثامنة عشر (بين إبراهيم وموسى)  جرى تمثيل المصريين بشكل معتاد بطريقة لا يمكن أن تشوش عليها السلالات البيضاء والصفراء الأوربية والأسيوية والمجموعتان اللتان تنتميان إلى ذات عرقهم وهما سود الوادي المتحضرين والسود الآتين من مناطق معينة في الداخل . إن ترتيب السلالات الأربعة الذي أعد بشكل منتظم على ضوء العلاقة بالإله (حورس) تكشف عن طبيعة التسلسل الهرمي الإجتماعي . بما أن (شامبليون) أقر بذلك في النهاية ، إلا أن ذلك ألقى جانبا أي فكرة عن تصوير تقليدي يمكن أن يضع الغشاوة على مستويين بارزين ويضع (حورس) في نفس المستوى مثل الشخصيات البارزة ، بينما يجب أن يكون حقيقة في مقدمتهم جميعا .


إنه لأمر نمطي أن يجري تصوير المصريين بلون يعرف رسميا بـ (الأحمر الداكن). لقد جرى الحديث علميا على أنه لا توجد حقيقة سلالة بلون أحمر داكن . لقد إطلق المصطلح لخلق إرباك ، إذ ليس هناك رجل أسود بالمعنى الدقيق للكلمة . إن لون الزنجي يلامس في الواقع اللون الأسمر ، لكن من غير الممكن أن يطبق مصطلح وصفي دقيق عليه ، لأنه يتفاوت من إقليم إلى إقليم . لذا فقد لوحظ أنّ السود في المناطق التي بها حجر جيري أفتح لونا من أؤلئك الذين في أي مكان أخر . لذا فإنه من الصعب جدا حصر لون الزنجي في الرسم ، مما يجعل المرء يستقر على المقاربات . إنّ لون الرجلين القريبين للإله (حورس) هو تعبير عن تدرج في اللون لزنجيين . إذا أراد أحد من الــ (ولوف) أن يصّور أفرادا من الـ (بامبارا) ، (موسي) ، (يوروبا) ، (توكولور) ، (فانق) ، (مانقبيتو) ، فإنه سيحتاج إلى ألوان أكثر من تلك التي على الزنجيين اللذين في النقوش الصخرية البارزة . هل سيكون هؤلاء غير زنوجا الآن ؟ إن ذلك يوضح أن كيفية إختلاف الألوان بين الرجلين الأوليين على النقوش الصخرية البارزة  يجب أن تفسر . على النقوش المصرية البارزة  من غير الممكن العثور على رسم واحد يصّور المصريين في لون مختلف عن تلك الشعوب الزنجية مثل البامبارا ، أقني ، يوروبا ، موسي ، فانق ، باتوستي ، توكولور ، .. 


إذا كان المصريون بيضا فإن كل الشعوب الزنجية السالف ذكرها والكثيرون الأخرون في أفريقيا هم بيض كذلك وبالتالي قد وصلنا إلى الإستنتاج المناف للعقل وهو أن السود بيض في الأساس . على هذه النقوش الصخرية البارزة المتعددة نرى أن كل أنواع السلالة البيضاء في ظل الأسرة الحاكمة الثامنة عشر ، قد وضعوا خلف السود ، على وجه التحديد (الحيوان الأشقر) لـ (غوبينيو) والنازي المتوحش ذو الوشم والذي يرتدي جلد حيوان وبدلا من أن يكون في مقدمة كل الحضارات ، فإنه ظل محجوبا عنها بشكل جوهري وشغل المرتبة الأخيرة للإنسانية . لقد كان إستنتاج (شامبليون) نموذجيا فبعد أن ذكر أن مثل هذه المنحوتات يمكن أن تخدم كنقوش صغيرة بالنسبة لتاريخ السكان الأوائل لأوروبا ، أضاف (إن كان لدى أي شخص الشجاعة لمحاولة ذلك) . أخيرا وبعد هذه التعليقات قدم رأيه عن السلالة المصرية :


(( لقد جاءت القبائل الأولى الي سكنت مصر أي وادي النيل بين شلال (أسوان) والبحر من (الحبشه) إلى (سينار) . ينتسب قدماء المصريون إلى سلالة تشبه تماما سلالة الكنوز والبرابرة والذين هم الآن سكان (بلاد النوبة) . في أقباط مصر لم نعثر على أي ملامح مميزة لسكان مصر القدماء . إن الأقباط هم نتاج للتهجين مع الأمم الأخرى التي هيمنت بنجاح على مصر . إنه من الخطأ البحث عن ملامح للسلالة القديمة )) . لقد رأينا هنا المحاولات الأولى لربط المصريين بسلالة مختلفة عن سلالة الأقباط ، مثلما أكدت ذلك ملاحظات (فولني) . إن المنشأ الجديد الذي إعتقد (شامبليون الأصغر) أنه إكتشفه ، ليس خيارا مبهجا فقد ظلت المعضلة على الوجهين هي ذاتها . إن الهرب من منشأ زنجي سيؤدي إلى منشأ أخر وبشكل متساوي وهو الزنوج (نوبيين واثيوبيين) . كحقيقة فإن المميزات الزنجية للسلالة الأثيوبية أو الحبشية  قد جرى تأكيدها بشكل كاف بواسطة (هيرودتس) وليست هناك حاجة لإعادة فتح الموضوع . إن النوبيين هم الأسلاف المقبولين لمعظم الأفارقة السود ، للدرجة التي تكون فيها كلمتي (نوبي) و (زنجي) مترادفتان . أما الأثيوبيون والأقباط فهما مجموعتان زنجيتان إمتزجتا لاحقا مع عناصر بيضاء مختلفة في أقاليم متعددة . أما زنوج الدلتا فقد تهاجنوا تدريجيا مع بيض البحر الأبيض المتوسط الذين كانوا يتسللون بشكل دائم إلى مصر . لقد شكلوا ذلك الفرع القبطي المؤلف في غالبه من الأفراد الأقوياء الذين سكنوا إقليما مستنقعيا إلى حد ما . أما عن الأساس الإثيوبي الزنجي فقد جرى تطعيمه بعنصر أبيض يتألف من مهاجرين من غربي آسيا والذين سوف ندرسهم قريبا . لقد أنتج هذا المزيج في منطقة سهلية نموذجا أكثر رياضية من حيث البنية . بالرغم من هذا الهجين المستمر والقديم جدا فإن الملامح الزنجية للسلالة المصرية الأولى لم تختف بعد ، فلون بشرتهم لا يزال أسودا بشكل جلي ومختلف تماما عن تلك السلالة الممزوجة بـ (50%) من الدم الأبيض . في معظم الحالات فإن اللون لا يختلف عن ذلك العائد للأفارقة السود الأخرين . عليه يمكننا أن نفهم لماذا يحمل الأقباط وخاصة الإثيوبيين ملامح تختلف قليلا عن تلك التي للسود الخالين من أي أمتزاج مع سلالات بيضاء . إنه يحدث أحيانا أن تكون شعورهم أقل تجعدا . مع أنهم ظلوا بارزين بشكل أساسي ، إلا أنه بذل جهدا على تقديمهم على أنهم بيضا مزيفين ، إستنادا على ملامحهم الدقيقة نوعا . إنهم بيض مزيفون حينما يكونوا معاصرينا وحينما يمنعنا واقعهم العرقي من إعتبارهم بيضا حقيقيين ، غير أن هياكل أسلافهم التي وجدت في المدافن تظهرهم بيضا بالكامل وفقا لمقاييس الأنثربولوجيا . بفضل ما سمي بمقاييس الأنثربولوجيا فإننا سوف نرى أنه لم يعد بالإمكان تمييز هيكل الإثيوبي الذي هو زنجي عن هيكل الألماني .على ضوء الفجوة التي تفصل هاتين السلالتين فإننا ندرك كم هذه المقاييس مربكة وغير ضرورية . إن رأي (شامبليون) عن السلالة المصرية قد سجله في سيرة أعدها لباشا مصر سلّمها له في عام 1829 .


الآن دعونا نرى عما إذا كان بحث أخ (شامبليون الأصغر) أب علم الآثار المصرية قد سلط أي ضوء على الموضوع أم لا . هنا كيفية تقديمه للموضوع : 
(( إن الرأي القائل بأن السكان القدماء لمصر ينتسبون إلى العرق الأفريقي الزنجي هو خطأ تم قبوله طويلا على أنه الحقيقة . منذ عصر النهضة فإن الرحالة في الشرق الذين كانوا  قادرين بالكاد على التقييم الكامل للأفكار المقدمة من الآثار المصرية في هذه المسألة الهامة ، ساعدوا على نشر هذه الفكرة الزائفة فيما نجح الجغرافيون في إعادة إنتاجها حتى في أيامنا . إن هناك جهة أعلنت أنها منحازة لهذه الرؤية وروّجت للخطأ . لقد كان ذلك تأثير ما أحتفى به (فولني) في مؤلفاته المنشورة عن ملاحظاته عن السلالات المختلفة للبشر في مصر . في كتابه (رحلة) الموجود في كل المكتبات ، أورد أن الأقباط  ينحدرون من سلالة المصريين القدماء ، ذلك أن الأقباط  لهم وجه وأعين منتفخة ، أنف فطساء ، شفاه غليظة مثل الخلاسي وأنهم يشبهون أبو الهول الذي في الإهرامات  ذو الرأس الزنجي بشكل مميز وتوصل إلى أنّ المصريين هم زنوج حقيقيون من نفس النوع الذي ينتمي إليه كل الأفارقة المحليون . لدعم هذا الرأي فإنه إستدعي رأي (هيرودتس) المتعلق بـ (الكوليخسيين) ، ذاكرا أن المصريين لهم بشرة سوداء وشعر أصوف ، غير أن هاتين الصفتين الجسدتين لا تكفي لتمييز العرق الزنجي ، كما أن إستنتاج (فولني) بالنسبة للمنشأ الزنجي للحضارة المصرية ، مقحم بشكل واضح وغير مقبول )) .


بعد التعبير عن آسفه بشكل غير مباشر عن وجود كتاب (فولني) في كل المكتبات ، يتقدم شامبليون- فيجاك بما يراه حجة حاسمة لدحض فرضية ذلك الباحث وكل أسلافه من أنّ البشرة السوداء والشعر الأصوف (لا يكفيان لتمييز الجنس العرقي) . إنه يمكن على حساب هذه التغييرات في التعريفات الأساسية أن تكون السلالة المصرية بيضاء . عجبا ! إنه لم يعد هناك ما يكفي لأن تكون أسودا من الرأس إلى القدم وأن يكون لديك شعرا أصوفا لكي تكون زنجيا ! يمكن للمرء أن يتخيل نفسه في عالم حيث القوانين الطبيعية إنقلبت رأسا على عقب . على أي حال فإن المرء يجد نفسه متنحيا بعيدا عن العقل الديكارتي التحليلي . مهما يكن فإن هذه هي تعريفات وتبديلات المعلومات الأولية التي أصبحت أركان الأساس التي إرتكز عليها علم الآثار المصرية .


إن ظهور علم الآثار المصرية من خلال تفسير المعرفة العلمية قد تميز بالتزويرات المتعمدة وغير المتقنة التي أشرنا إليها أخيرا . إن ذلك هو السبب الذي جعل علماء الآثار المصرية يتجنبون بشكل حذر مناقشة أصل السلالة المصرية . للتعامل مع هذه المسألة اليوم فإننا نجد أنفسنا مجبرين على الكشف عن نصوص قديمة لمؤلفين كانوا مشهورين ذات مرة  ثم أصبحوا مجهولين لاحقا . إن تغييرات (شامبليون) تظهر كيف يكون من الصعب إثبات نقيض الواقع فيما لا يزال غامضا . حيثما نتوقع دحضا موضوعيا ومنطقيا ، فإننا نواجه الكلمة النموذجية (مرفوض) والتي هي بالكاد كلمة مترادفة مع إثبات . يواصل (شامبليون – فيجاك) في موضوعه قائلا :


((لقد أدرك اليوم أن سكان أفريقيا ينتمون إلى ثلاثة سلالات مختلفة عن بعضها بشكل تام 
(1) زنوج حقيقيون ويسكنون وسط وغرب أفريقيا (2) كافرز ويعيشون على الساحل الشرقي ، لهم زاوية أقل إنفراجا في الوجه من السود ، أنفهم مرتفعة ، غير أن شفاههم غليظة وشعرهم أصوف . (3) المور الذين يشابهون في القوام والملامح والشعر أمم أوروبا وغربي آسيا وتختلف فقط في لون البشرة الذي أكتسب السمرة بفعل المناخ . إن قدماء المصريين ينتمون إلى هذه السلالة الأخيرة أي السلالة البيضاء . لكي نقتنع بذلك فإننا في حاجة فقط لكي نفحص الأشكال البشرية التي تمثل المصريين على الآثار وفوق كذلك عدد كبير من المومياءت التي فتحت . بإستثناء لون البشرة التي إسوّدت بفعل المناخ الحار فإنهم نفس الرجال الذين في أوروبا وغربي آسيا . إن الشعر المجعد الأصوف هو الصفة الحقيقية للسلالة الزنجية ، بينما للمصريين شعر طويل يماثل ذلك الذي للسلالة البيضاء في الغرب )) . 


دعنا نحلل إفادات (شامبليون – فيجاك) نقطة تلو نقطة . إن كلمة (كافر) لا تشكل سلالة – بعكس رأيه – فالكلمة أصلها عربي وتعني (وثني) وهي المقابل لمسلم . حينما دخل العرب أفريقيا عبر زنزبار فإن هذه الكلمة أطلقت على أؤلئك السكان الذين وجدوهم يمارسون ديانة غير ديانتهم . أما بالنسبة للمور فإنهم ينحدرون من الغزاة الإسلاميين السابقين الذين بدأوا حملتهم من اليمن ، قهروا مصر ، شمال أفريقيا وأسبانيا فيما بين القرنين السابع عشر والخامس عشر ومن إسبانيا عادوا مرة أخرى إلى أفريقيا . بالتالي فإن المور هم بالأساس عرب مسلمون حيث أن وجودهم في أفريقيا حديث تماما .
إن هناك العديد من المخطوطات التي تحتفظ بها عائلات المور الرئيسية في موريتانيا اليوم ، مخطوطات تظهر بدقة تسلسل أنسابهم منذ أن غادروا اليمن كإثبات على أصلهم . عليه فإن المور هم فرع من أؤلئك الذين يطلق عليهم (ساميون) وما سيقال عن الساميين لاحقا في هذا الكتاب سوف يبدد أي إحتمال لإمكانية أن يكونوا صنّاع الحضارة المصرية ، كما أن المور مثل البرابرة لهم عداء مع النحت ، بينما ألحقت الثقافة المصرية أهمية عظيمة بهذا المظهر الفني . في نفس الفصل سوف يتم التشديد على التمازج العرقي أكثر من التشديد على المناخ واللون الذي يفترض أن ينسبوا له . علاوة على ذلك وعلى ضوء المومياءات أو الأحياء فإنه لا توجد إمكانية للمقارنة بين لون بشرة المور - حتى وإن تلونت باللون الأسمر بفعل الشمس – والبشرة الزنجية السوداء للمصريين .


لإقناعنا بفكرته دعانا (شامبليون) إلى فحص الأشكال البشرية التي تمثل المصريين على الآثار . إن حقيقة الفن المصري بكامله يناقض ما ذهب إليه (شامبليون) . لقد أولى القليل من الإهتمام للملاحظات النموذجية لـ (فولني) عن أبو الهول ، مع أنه أشار إليها فقط . بناء على نفس هذه التوضيحات التي أشار إليها ، يمكننا القول وأنه عكس ما تحدث به (فيجاك) فإنه ومنذ مينا وحتى نهاية الأمبراطورية المصرية ومن عامة الشعب حتى فرعون ، مرورا بوجهاء البلاط وكبار المسئولين ، فإنه من غير الممكن أن تعثر سوى على زنوج من نفس نوع  سكان أفريقيا المحليين . إن الصور التي في هذا الكتاب تقدم سلسلة من الآثار التي تمثل الطبقات الإجتماعية المختلفة للسكان المصريين بما في ذلك الفراعنة وتقودنا تلك الصور بشكل إضطراري إلى ملاحظة أن الفن المصري كان في الغالب أكثر زنجية من فن زنجي أصيل . عند فحص هذه الصور ومقارنتها واحدة بأخرى فإننا نتعجب كيف إستطاعت هذه الصور أن تستلهم فكرة السلالة المصرية البيضاء .


أخيرا وبعد أن ذكر أن البشرة السوداء والشعر الأصوف لا يكفيان لتمييز السلالة الزنجية ، عاد (شامبليون – فيجاك) ليناقض نفسه لاحقا في السطر (36) بأن كتب 
(أنّ الشعر المجعد الأصوف هو الصفة الحقيقية للسلالة الزنجية) بل مضى إلى الأبعد حينما قال أن المصريين لهم شعور طويلة وبناء على ذلك فهم ينتسبون إلى العرق الأبيض . إنه يبدو من النص أن المصريين كانوا بيضا ببشرة سوداء وشعر طويل . 
مع أننا قد لا نكون مدركين لوجود هؤلاء البيض ، فإننا نحاول أن نفهم كيف توصل المؤلف إلى هذا الإستنتاج . إن ما قيل عن أن الأثيوبيين والأقباط يظهر أنّ شعورهم ربما كانت أقل تجعيدا من تلك التي للزنوج . علاوة على ذلك فإن السلالة السوداء ، السوداء بالكامل ذات الشعر الطويل موجودة فهناك (الدارفيدي) وهم يعتبرون زنوجا في الهند وبيضا في أفريقيا . على الآثار جرى تصوير المصريين بتمشيطات شعر صناعية تماثل تلك التي تظهر في أي مكان في أفريقيا السوداء . إن علينا أن نرجع إلى هذه في تحليل (نارمير) . لقد إختتم المؤلف حديثه بوصف الشعر المصري بأنه مشابه لشعر البيض الغربيين . إننا لا نقبل هذه الملاحظة حتى إذا كان شعر المصريين أقل مشابهة للصوف من ذلك الذي للسود الأخرين ، فإن ذلك يستبعد أي مقارنة محتملة بين شعر السود الكثيف والأسود مع شعر الغربيين الرقيق والفاتح . إنه من المثير للفضول أن نقرأ عن مصريين طويلي الشعر ، حينما نعلم أن (هيرودتس) قد وصف شعرهم بأنه مشابه للصوف . علاوة على ذلك فإنه في فترة الأسرة الحاكمة الحادية عشر كان السود ، البيض  وذوي البشرة الصفراء يعيشون في (طيبه) ، مثلما يعيش الأجانب اليوم في باريس .


حينما كان إنسان (طيبه) يرغب في الحصول على نعش مترف لموميائه ، كان يجّوف جذع الشجرة  ويقطعها على شكل إنسان مع غطاء يمثل مقدمة الجثة . كان الوجه يخفى بلون أصفر ، أبيض أو أسود . بالنسبة لإختيار التلوين يظهر أنه في ظل الأسرة الحاكمة الحادية عشر في (طيبه) كان الرجال الصفر ، البيض والسود مقبولين كمواطنين ومعترف بهم في مدينة الموتى المصرية . إننا نتعجب إذا عن سبب بقاء المومياءات الطويلة الشعر فقط ، فيما لم تظهر أو تذكر المومياءات الزنجية التي إستشهد بها (فونتين) . ماذا جرى لها ؟ إنّ إفادات (هيرودتس) لا تدع مجالا للشك عن وجودها . هل أعتبرت أنواعا أجنبية لا صلة لها بتاريخ مصر ؟ هل دمرت أو خبئت في تعريشات المتاحف ؟ إن ذلك أمر محزن تماما . يواصل (شامبليون – فيجاك) حديثه قائلا : (( لقد بحث دكتور (لاري) هذه المسألة في مصر وفحص عدد كبير من المومياءات ودرس هياكلها وتعرف على الصفات الرئيسية وحاول تحديد هوياتها في السلالات المختلفة التي كانت تعيش في مصر ونجح في ذلك . لقد بدأ له أن الجميع قد إندمج في الإثيوبيين عدا الجنس الأسود . إنّ للأثيوبيين عيون واسعة ، نظرة عذبة ، .... ، عظام خد بارزة وتشكل الخدود مثلثا منتظما مع الزوايا البارزة لعظام الفك والفم ، الشفاه غليظة لكن من دون إرتداد كما عند السود ، الأسنان دقيقة لكنها ناتئة قليلا ، أخيرا البشرة بلون مشابه للون النحاس . إن مثل هؤلاء الإثيوبيين قد جرى رصدهم من قبل دكتور (لاري) وعرفوا عموما كبربر أو برابرة وهم اليوم سكان بلاد النوبة )) .


أضاف (شامبليون) بأن (فريدريك كيلايود) الذي شاهد البربر وصفهم بأنهم ( كادحين ، متعقلين ، ذو دعابة جافة .. شعورهم نصف مجعدة ، قصيرة ومجعدة ، أو مجدولة مثل قدماء المصريين ومدهونة قليلا ). مرة أخرى فإن هذا الوصف يدوي بما هو متعارف عليه ، فالشفاه الغليظة ، الأسنان الناتئة قليلا – بمصطلح أوضح بروز الفكين – الشعر شبه المجعد ، البشرة النحاسية ، هي صفات أساسية للعرق الزنجي . إنه لأمر مثير للإهتمام أن يتحدث (شامبليون – فيجاك ) عن بشرة الأثيوبيين كونها (نحاسية اللون فقط) ، مع أنه يشير في صفحتين لاحقتين في نفس الفصل إلى الكثير من الفوارق الدقيقة في لون الزنوج :


(( لقد أدخلت الحروب الطويلة مصر في إحتكاك مع الداخل الأفريقي وبالتالي يستطيع المرء التمييز بين الأنواع العديدة للسود على الآثار المصرية ، المختلفين فيما بينهم من حيث الملامح الرئيسية والتي أوردها الرحالة المعاصرون كإختلافات سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالبشرة التي تجعل الزنوج سودا أو نحاسيي اللون أو الملامح التي ليست أقل نموذجية)) . إن هذا التناقض الجديد من نفس القلم تؤكد ما ذهبنا إليه بشأن الرجلين الجالسين بالقرب من الإله حورس ، بالتحديد المصري والزنجي . هذين الرجلين ينتميان إلى نفس السلالة فالإختلاف الذي بينهما في اللون ليس أكبر من ذلك الذي بين (البامبارا) و (الولوف) اللذين كليهما زنجي . إن ما يسمى بـ (اللون الأحمر الداكن) للأول (اللون النحاسي المجرد) للأثيوبي و (اللون النحاسي) للزنجي هما لون واحد وذات الشيء . نلاحظ أن وصف المؤلف توانى عن التفاصيل الصغيرة مثل (نظرة عذبة) وهكذا دواليك.  إن الإرتباك حول مصطلح (بربر) يجب الإشارة إليه فهي كلمة أستخدمت بشكل غير سليم  لسكان وادي النيل الذين لا يجمعهم شيئ مع البربر والطوارق ، حيث لا بربر في مصر . في المقابل فإننا نعرف بأن شمال أفريقيا يطلق عليه دول البرابرة وهذه المنطقة هي الموطن الأصلي الوحيد للبرابرة . بناء على ذلك فإن المصطلح غير صحيح التطبيق على السكان الأخرين . إنّ جذور هذه الكلمة التي أستخدمت خلال العصر القديم ، ربما تكون زنجية المنشأ أكثر من كونها هندية - أوربية . في الواقع فإنه تكرار صوتي للجذر (بر) . إن هذا النوع من التكثيف في الجذر هو أمر شائع في اللغات الأفريقية  خاصة المصرية .


علاوة على ذلك فإن كلمة (بر) تعني لدى (الولوف) التحدث بسرعة و(بربر) يراد بها الإشارة إلى شعب يتحدث بلغة غير مفهومة وبالتالي فإنهم شعب أجنبي . لدى (الولوف) فإن الصفة التي تشير إلى الجنسية ، تتشكل بمضاعفة الجذر مثلا (جولوف جولوف) سكان (جولوف) . وفقا لرسم (شامبليون الأصغر) وبإعادة طرح النقوش الصخرية البارزة لبيبان الملوك فإن (شامبليون – فيجاك) لم يحترم ألوان الأصل . لقد ألقى بتدرج اللون بالكامل على جسم الزنجي لتذكيرنا بلونه ، إلا أنه تجنب أن يفعل ذات الشيء مع المصري الذي تركه بلا لون . ربما كانت تلك طريقة لتبييض الأخير غير أن ذلك لا ينسجم مع المستند .  لقد إستخدم (شيروبيني) رفيق شامبليون في الرحلة  نفس المستند المتعلق ببيبان الملوك في تمييز السلالة المصرية . لقد شدد قبل ذلك على أقدمية إثيوبيا على مصر وأستشهد برأي مجمع عليه من القدماء وهو أن مصر مجرد مستعمرة إثيوبية أي مروي السودانية. على إمتداد التاريخ  كان يعتقد بشكل متساو أن السودان المروي هو مولد الإنسانية :


(( إن السلالة البشرية يجب أن تحتسب وجودها هناك كأمر تلقائي ، كونها ولدت في المناطق العليا من أثيوبيا حيث يتواجد مصدرين من مصادر الحياة هما الحرارة والرطوبة . في هذه المنطقة كذلك تكشفت الومضات الأولى للتاريخ عن منشأ المجتمعات والموطن الأولي للحضارات . في العصر القديم الأول وقبل الحسابات المألوفة للتاريخ ظهر تنظيم إجتماعي كامل التركيب بديانته وقوانينه ومؤسساته . يفاخر الأثيوبيون بأنهم أول من أسس للعبودية الربوبية وأول من إستخدم القرابين وربما كانوا أول من إضاء العالم  بمشعل العلم والفنون . إلى هذا الشعب يجب أن ننسب منشأ المنحوتات ، إستخدام الرموز المكتوبة ، بإختصار بداية كل التطورات التي صنعت حضارة متقدمة . إنهم يتباهون بالسبق على الشعوب الأخرى في الأرض وبالتفوق الفعلي أو النسبي لحضارتهم ، بينما كانت معظم المجتمعات لا تزال في طفولتها  ويبدو أن لديهم مايبرر إدعاءتهم . لا يوجد أي دليل يمكن أن ينسب إلى مصدر أخر يتحدث عن بدايات العائلة الأثيوبية . في المقابل فإن مجمل الحقائق الهامة مالت إلى تسميتها إنها ذات منشأ محلي بمعني الكلمة في تاريخ مبكر . لقد أعتبرت أثيوبيا بلد لوحده . من هذا المنشأ الكثير أو القليل الشبه بالجنة يبدو أنّ  بدايات الحياة قد إنبثقت من هناك حيث تواجد البشر . بإستثناء بعض التفاصيل التي أمدنا بها أب التاريخ عن هؤلاء الأثيوبيين الذين يعرفون بالنباتيين ، فإن هناك فكرة غامضة ما من أن أثيوبيا أنجبت رجالا تفوقوا على بقية البشر في الطول ، الحسن وطول العمر . برغم الإدراك بوجود أمتين محليتيين عظيمتين في أفريقيا وهما الليبية والأثيوبية ، فإن الأمة الأخيرة تضم شعوبا جنوبية في معظمها من العرق الأسود وهم بالتالي مميزون عن الليبيين الذين يسكنون شمال أفريقيا الذين هم أقل سمرة بفعل الشمس . أنّ هذه المعلومات هي التي أوردها القدماء . إنه لمن المعقول الإفتراض بأنه لا يمكننا أن نعثر في أي مكان أخر في الأرض على حضارة لها من التقدم ما يبدو أكثر يقينا من تلك ولها دلائل قاطعة من الأسبقية . إنسجاما مع الآثار الحقيقية فإن الكتابات القديمة الفلسفية البحثية تشهد بشكل محقق بهذه الأسبقية . في تاريخ المجتمعات البدائية ربما لا توجد حقيقة تجد دعما بشكل كلي أو بإجماع قاطع )) .


مرة أخرى فإن أحد المعاصرين يذكرنا بأن القدماء ، العلماء والفلاسفة الذين نقلوا حضارة اليوم إلينا ، من هيرودتس إلى تيودوروس ، من اليونان إلى روما قد أقروا بالإجماع بأنهم إقتبسوا تلك الحضارة من السود القاطنين على ضفاف النيل : الأثيوبيين أو المصريين . إن هذا النص يشير بوضوح إلى أن القدماء لم يشّكوا أبدا في دور السود كمبتدئين للحضارة . مع أن (شيروبيني) يفسر الحقائق كما يرغب ، فإنه وإستنادا على النقوش الصخرية البارزة لبيبان الملوك لا يقدم بعد شامبليون الأصغر وشامبليون – فيجاك ، أي عنصر جديد يتعلق بالسلالة المصرية عدا تفسير خاطيء لبشرتهم  ، فهو يورد بأنه إذا كان (الرجل مكافيء التفوق) قد صّور بلون أسمر محمّر (!) فمن الأحرى أن يكون مميزا عن باقي البشر وبالتالي فهو خيار تقليدي بمعنى الكلمة : 
(( في هذا التصنيف من الرجال القدماء الذين هم أنفسهم تركوه لنا أن السكان الأفارقة القاطنين وادي النيل ، يشكلون لوحدهم واحدا من المجموعات الأربعة للبشرية والتي تحتل المرتبة الأولى بجانب الرب . لقد لوحظ هذا الترتيب في مواضع أخرى عديدة ولم يظهر بمحض الصدفة . لجعل المسافة التي تفصلهم عن باقي الرجال غير ممكن إدراكها فإنهم نسبوا إلى أنفسهم مثلما نسبوا إلى الرب التجسيد في شكل بشر وربما كان اللون الأسمر المحمّر فيه شيء من المبالغة أو ربما كان تقليديا نوعا ما ، مما لا يدع مجالا للشك  عن أصالة سلالتهم . علاوة على ذلك فقد ظهروا على آثار حضارتهم القديمة بملامح خاصة تكشف عن الأصل الأفريقي بشكل قاطع)) .


إن اللون الأسمر المحمّر الذي يسميه شامبليون (أحمرا داكنا) والذي هو ببساطة (لون زنجي) لا يمكن أن يكون لونا تقليديا كما رأى (شيروبيني) ، فإن كان كذلك فإنه سيكون اللون التقليدي الوحيد في تلك النقوش الصخرية البارزة ، بينما تكون كل الألوان الأخرى طبيعية . ليس هناك شك في حقيقة الثياب البيضاء التي يرتديها الرجل الأول ، أو البشرة التي تلامس اللون الأصفر أو المسمّرة للرجل الثالث ، أو البشرة البيضاء ذات الدرجة اللونية الرقيقة ، اللحية الشقراء وعيون الرجل الرابع . من بين الكثير من الألوان الطبيعية لماذا يجب أن يكون هناك لون تقليدي واحد ؟ وفقا لـ (شيروبيني) : 
(( حمل المصريون تصنيفهم أو بشكل أكثر دقة فخرهم العرقي للدرجة التي أرسوا فيه تمييزا محددا بين أنفسهم وبين جيرانهم الأفارقة المحليين مثل السكان الزنوج الذين كانوا ينفرون أن يختلطوا معهم ووضعهم في فئة منفصلة )) . لقد مضى المصريون إلى الأبعد وصّوروا إلههم بلون زنجي ، أي بلون هيئتهم الأسود الفاحم . بالتالي فإن فكرة أي شيء هو تقليدي سترفض ببساطة وبشكل تام . هكذا بعد شامبليون – فيجاك أتى (شيروبيني) وأطلع على نفس وثيقة بيبان الملوك عبر ضوء وامض . في هذا السياق يمكننا أن نكرر ما قلناه سابقا من أنه وبالإبتعاد عن الدليل الذي يفيد بزنجية المنشأ ، فإن المتخصصين يقعون في إحتمالات بعيدة الحدوث وتناقضات تفضي إلى نهايات مسدودة . إن هذا العمى وحده يمكن أن يفسر كيف أن (شيروبيني) وجد من الأنسب أن يلجأ إلى التمثيل التقليدي الذي يتناقض مع رأيه الخاص عن المصريين الذين وجدوه مرفوضا . يستدعي المؤلف من جهته النقوش الصخرية البارزة  لمعبد أبي سمبل (النوبة السفلى) حيث  صّور السجناء المعتقلين بواسطة (سيسوستريس) بعد حملة نحو الجنوب . لقد أعاد (شيروبيني) طرح هذه المعلومات لإثبات أنّ المصريين والسود ينتمون إلى سلالاتين مختلفتين : 


(( شاهدنا الملك سيسوستريس عائدا من حملة ضد هؤلاء الجنوبيين ، هناك العديد من الأسرى يتقدمون مركبته .  منح الملك الآلهة المحلية مجموعتين من السجناء الذين ينتمون بشكل جلي إلى هذه القبائل المتوحشة وهو عطاء مخصص لحماة الحضارة الأقوياء الذين تبسموا أمام عقوبة أعدائه . كان هؤلاء الرجال مقيدين مع بعضهم ومجردين من ملابسهم تقريبا عدا جلد نمر يغطي عوراتهم ، مميزين بلونهم ، بعضهم أسود بالكامل وأخرين بلون أسمر داكن . هناك نوع يتميز بوجه ذو زاوية طويلة ، قمة الرأس مسطحة ، فيه مزيج من الملامح الخشنة وجسم ضئيل عموما ، هو من سلالة تقبع في أدنى درجات السلم البشري (الشكل 29) . إن التكشيرات الدميمة والتعرجات التي تقبض على وجوه وأطراف هؤلاء الرجال تكشف عن شيم متوحشة ، كما أنّ غرابة تلك السلالة التي يبدو فيها الحس الأخلاقي غائبا ، يميل إلى وضعها في مستوى أكثر أو أقل توسطا بين الإنسان والبهيمة . إن كل هذه الحقائق تبدو أكثر دهشة عند مقارنتها بالموقف النبيل والجاد للمصريين الذين سبوهم . إنّ هذا التباين المؤثر يثبت بشكل كاف أن القدماء الذين سكنوا على ضفاف النيل قد إبتعدوا بعيدا عن أنواع سكان جنوب أفريقيا مثلما عن الشعوب الآسيوية . إن ذلك يدحض النظريات التي حاولت حتى اليوم تثبيت منشأ زنجي لها )) .


متجاهلين نعوته الإزدرائية ، دعونا نرى كيف وصف (شيروبيني) إختلاف السجناء عرقيا عن المصريين . إن روايته لا تحتوي على مصطلح علمي واحد يعمل على جذب إنتباهنا . في المقابل فإن الطبيعة المتطرفة للإهانات التي شكلت الجزء الأكبر من وصفه 
- الذي كتب بواسطة ممثل الشعب الذي أعتبر إحساسه بالتجانس مزية وطنية – يشير إلى غيظ شخص غير قادر على تحديد ما يرغب في إثباته . لقد مضى بعيدا حتى ينسى الترتيب الموضوعي الذي أتبع في النقوش الصخرية البارزة لبيبان الملوك التي مكث فيها طويلا . في الواقع إذا كانت السلالة السوداء ( في أدنى درجات السلم البشري) حتى وإن وقفت أمام عبارة غوبينيو (حيوان أشقر) على تلك النقوش الصخرية في ترتيب يلاحظ بشكل ثابت في كل الآثار ، عندها عند أي درجة يوضع الأخير ؟  إننا نعيد هنا طرح التخطيط الذي ناقشه (شيروبيني) . كيف يمكن للمرء أن يتعرف من الوجوه على أي دليل للإنحطاط الأخلاقي ؟ كيف تختلف تلك الملامح عن ملامح المصريين ؟ إن (شيروبيني) نفسه يخبرنا عن أن البشرة تكون أحيانا (سمراء داكنة) ، بكلمات أخرى أنه نفس اللون الأسمر المحمّر العائد للمصريين على الآثار . بشكل واضح فإن السمة الوحيدة الصحيحة التي إستشهد بها ، هي سمة مشتركة للسلالتين . إن لون سجناء أبو سمبل هؤلاء يدحض الزعم بأن المصريين لم يواجهوا الزنوج حتى الأسرة الحاكمة الثامنة عشر وقد صّوروا بلون مختلف عن لونهم . إن هذا الزعم مستمد من الخيال وليس من دليل وثائقي . أليست هذه الأجساد رياضية أكثر من كونها ضئيلة ؟ إن (التعرجات) و (الإنقباضات) التي على وجه الأشخاص الذين في المقدمة ، الإستكانة المترفعة لاؤلئك الذين في الخلف ، توحي بمفهوم عال للكرامة أكثر مما تشي بإنحطاط أخلاقي للمشاهد الذي يفسرها بشكل موضوعي . 


إنه لم يحدث أن أشير إلى أن (سيسوستريس) والفراعنة عموما قاتلوا سكان جنوبي أثيوبيا السود لكونهم لا ينتمون لنفس العرق . إنه لأمر متعادل القول بما أنّ القيصر شن حملاته في بلاد الغال فإن الغاليين والرومان لم يكونوا منتسبين إلى ذات العرق الأبيض ، أو القول بأنه إذا كان الرومان  بيضا فيجب أن يكون الغاليون صفرا أو سودا . إن الزنوج الذين عاشوا في الأجزاء الداخلية من أفريقيا في ذلك الوقت كانوا مولعين بالحرب وكانوا غالبا ما يغيرون على الإقليم المصري ( مقارنة مع قسمنا عن ستيلا و فيلاي) . إن الإحتفاء بـ (سيسوستريس) الذي ظهر على النقوش الصخرية بأبي سمبل ، يتناسب مع سياق القمع . علاوة على ذلك فإن هذه الحملة حدثت أثناء عصر الإمبراطورية الرومانية (الأسرة الحاكمة الثامنة عشر) . بالتالي فإنهم أبناء سام إخوانهم الجنوبيين ( أبناء كوش الوقحين) . غير أن أكثر من مقتهم المصريون هم الرعاة الآسيويين من كل الأجناس من الساميين إلى الهنود الأوربيين. وفقا لـ (مانيثو) فقد كانوا يسمونهم (الأسيويين الحقيرين) وقد جاء إسم (الهيكسوس) من المقطعين : (هيك) ومعناها ملك في اللغة المقدسة و (سوس) ومعناها راعي في اللغة العامة ويشار إليهم بالغزاة . كذلك يسميهم المصريون : (الملعونين) ، (النهّابين) ، (اللصوص) .... ، كما يسمون السيكيثيون (طاعون سكيتو) – مقارنة مع (شيروبيني) صفحة 34 . إن التجسيمات الصخرية التي تركها المصريون والتي جرى الإحتفاء  فيها بالحملات الفرعونية ضد تلك الآفات المتحركة من آسيا ، تصّور شخصيات بارزة يظهر فيها  تباين عرقيتها مع المصريين عند النظر إليها من أول وهلة وبدون أي شك محتمل . لجعل الشخصية السامية والآرية الأجنبية أكثر ظهورا فقد أعدنا تقديم الأسرى الآسيويين والأوربيين المنقوشين على الصخور في سيناء وفي معبد مدينة حبو . إن التباين مع تشابه الملامح أمر جدير بالملاحظة بين المصريين وسجناء أبي سمبل .


بالرغم من مجهوداته فإن (شيروبيني) فشل بوضوح في تدمير الفرضية القائلة بزنجية نشأة المصريين . من خلال عدم تماسك وضعف الحجج التي إعتبرها ساحقة فإنه أكد على زنجية المنشأ بأفضل من أي شخص أخر . في (ليس إيجيبتس) وهو كتاب نشر حوالي عام 1880 هاجم (ماريوس فونتين) نفس الإشكالية : 
(( بما أن المصريين يدهنون أنفسهم دائما باللون الأحمر على آثارهم  ، فإن الموالين للإقليم الجنوبي كان عليهم أن يشيروا إلى خصوصياتهم المدهشة ، ربما لحل المشكلة الجغرافية العرقية . اليوم وبالقرب من أعالي النيل ومن بين (الفولبي) من هم بشرتهم صفراء تماما  ويعتبرهم المعاصرون ينتمون إلى سلالة نقية ،  يحملون لونا أحمر نوعا . البشاريون لهم بالضبط ذات الدرجة من اللون الأحمر (بلون الآجر) المستخدم في الآثار المصرية. بالنسبة لعلماء الجغرافيا العرقية فإن هؤلاء (الرجال الحمر) ربما كانوا أثيوبيون تحّوروا بفعل الزمن والمناخ ، أو ربما كانوا زنوجا قطعوا نصف الطريق في التطور من اللون الأسود إلى الأبيض . لقد لوحظ في المناطق ذات الحجر الجيري أنّ الزنوج أقل سوادا من الزنوج الذين في المناطق الجرانيتية أو ذات الصخر الجوفي . لقد جرى الإعتقاد بأن اللون يتغير مع الفصول . بالتالي فإن النوبيين كانوا سودا سابقا  ولكن فقط في لون البشرة ، بينما ظلت بنيتهم العظمية زنجية تماما . إنّ الزنوج الذين جسّدوا على الرسوم الفرعونية التي كان يخطها نقاشون يسمون (نهاسو أو نهاسيو) في اللغة الهيروغلوفية ، لم يكونوا على صلة بالإثيوبيين ، الشعب الأول الذي هبط مصر . هل أضعف الأخيرون إذا الزنوج النوبيين ؟ يقول سفر (ليسبس) عن تناسبات الجسد المصري المثالي أن له أذرع  قصيرة وهو شبيه الزنجي أو زنجي . من وجهة نظر أنثربولوجية فإن المصريين يأتون بعد البولينين ، السامويدز ، الأوربيين ويليهم مباشرة الزنوج الأفارقة والتسمانيين . بجانب ذلك فهناك ميل علمي من أنه بعد إستبعاد التأثيرات الأجنبية من البحر الأبيض المتوسط إلى الكاب ومن الأطلنطي إلى المحيط الهندي ، فإنه لا شييء في أفريقيا غير الزنوج وأشباه الزنوج ذوي الألوان المختلفة . لقد كان قدماء المصريون زنوجا لأقصى درجة )) .[/rtl]


عدل سابقا من قبل salih sam في السبت 31 مايو 2014 - 19:31 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:28

[rtl]الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافـة أم حقيقـة 4 ....[/rtl]
[rtl]
إن رؤية (فونتين) التي لا تحتاج إلى تعليق تؤكد مرة أخرى إستحالة تجنب واقع مصر الزنجية ، إذا ما أراد شخص قبول الحقائق . بعد أن قيّد نفسه بالمقاييس الموضوعية ، توصل (ليبسيوس) إلى إستنتاج منهجي هام وهو أن المصري المثالي زنجي . بمعنى أن هيكله العظمي زنجي وهذا هو السبب الذي حدا بعلماء الأنثربولوجيا بالحديث قليلا عن البنية العظمية للإنسان المصري . يناقش (فونتين ) الزعم القائل بأنّ مصر ربما تحضّرت بفعل البرابرة والليبيين القادمين من أوروبا عبر الغرب : 

(( إذا ظهر أن الحضارة إنتقلت من الشمال إلى الجنوب ، من البحر المتوسط إلى أثيوبيا فإنه ليس من الضروري إقتفاء القول بأن الحضارة آسيوية فهي لا تزال أفريقية ، عدا أنها جاءت من الغرب بدلا من الجنوب . في هذه الحالة فإن برابرة شمال أفريقيا هم الذين (حضّروا) مصر . إن عددا ضخما من برابرة اليوم لهم بنية عظمية مصرية بشكل أساسي وربما كان قدماء البربر سمرا . إننا يمكن أن ننسب وصفهم للـ (تامهو) أي الليبيين العائدين للأسرة الحاكمة الثامنة عشر ذوي ( الوجه الشاحب ، الأبيض أو الخمري وعيون زرقاء )  من واقع تأثير السلالة الأوربية وهجرة (رجال الشمال) . إنّ هؤلاء البيض الذين أستؤجروا كمرتزقة بواسطة الفراعنة ، تهاجنوا بشكل قوي مع المصريين وكذلك الليبيين . بالتالي من الضروري تجاهل ذلك والعودة إلى الليبي الأسمر البربري الحقيقي للعثور على الشعب الذي ربما حضّر مصر القديمة . إن تلك مهمة شاقة ، حيث أن البربر الأفارقة أصبحوا معدودين بشكل متزايد في الجزائر . في مصر نجد أن النوع البربري ممزوج كذلك . وفقا لهذه النظرية فإنّ البرابرة الأفارقة من الغرب ، الليبيين السمر إستقروا في وادي النيل الجديد ، ثم مباشرة أو بعد وقت قصير من ذلك عمل غزو الأوربيين على تهجين ليبيي شمال أفريقيا. إنّ هذا الليبي ذو الدماء الممزوجة ، ذو البشرة البيضاء والعيون الزرق ، ربما عدّل من الإنسان المصري الأول . بدمه الأوروبي فإن هذا المصري ربما ينتسب للسلالة الهندية الأوربية والآرية )) .


إنّ هذه الأطروحة هي تحفة التفسيرات القائمة على التصور المحض فهي تستند بشكل مجرد على العاطفة . لقد إستشهد بها لأجل براعتها وتصميمها لإثبات أن للمصريين نوعا أو بأخر شيء آري . إن كلمة (آري) هي الكلمة الجوهـرية التي كان عليه أن يصلها . لقد إقتبست الفقرة لأنها واضحة وبخلاف النظريات السابقة . إنها ثمــرة الإفترضات الغير مبررة من قبل المتخصصين الذين إقتنعوا بأنّ كل شيء ذو أهمية في الحياة يأتي فقط من سلالتهم وأننا إذا ما بحثنا بعناية فإننا متأكدون على قدرتنا إثباته والتفسير لن يكتمل حتى يبلغ ذلك الهدف . منذ ذلك  أعير قليل من الإهتمام في إذا ما جرى دعم للإثبات بحقائق أم لا . إنه ذاتي الكفاية ومعيار صلاحيته يندمج مع هدفه .
لقد أشرنا مسبقا إلى الأفكار المضطربة عن البربر ، لذا فلا حاجة إلى العودة إلى ذلك الموضوع . إن الليبي الأسمر البربري الحقيقي ، النمط النموذجي للسلالة البيضاء ، هو  حقيقة مثل السيرانيين . علاوة على ذلك فإن المرء إذا ما إستند على الحجج الآثرية فإن شمال أفريقيا لم يكن أبدا نقطة إنطلاق للحضارة . لقد بدأت تؤخذ في إعتبار التاريخ فقط مع قرطاج المستعمرة الفينيقية ، حينما كانت عمر الحضارة المصرية عدة الآف من السنين ، فإذا كانت الحضارة المصرية قد جاءت من جنوب أوروبا كما يفترض (ماسبيرو) وإن كانوا قد تسللوا إلى الوادي عبر الغرب والجنوب الغربي لإدخال عناصر الحضارة ، فإننا لا نستطيع أن نفهم لماذا لم تخلف تلك الحضارة آثارا في موطنها أو على إمتداد الطريق الذي جاءت عبره . إنه من الصعب فهم أنّ يترك هذا العرق الأبيض المبشر بالثقافة  أوروبا حيث البيئة المؤدية لتطور الحضارة دون أنّ يصنعها ، كيف له أن يعبر السهول الغنية لـ (تيل) ، المساحات الشاسعة التي تفصل شمال أفريقيا عن مصر - قبل أن تصبح تلك المساحات صحراء – أو سبب عبورها مصر السفلى ، الإقليم ذو المستنقعات وغير الصحي ثم تمددها إلى الصحراء النوبية ، تسلق السهول العالية لإثيوبيا ، إجتياز الآف والآف الأميال لصنع حضارة في بعض المناطق النائية ، بحيث تعود هذه الحضارة لاحقا لتهبط إلى وادي النيل . لنفترض أن هذه هي الحالة ، كيف يمكننا تفسير أن جزء صغيرا  من هذه السلالة الذي بقي في موطنه ، في بيئة مواتية لإزدهار الحضارة ، بقي غير بارزا حتى القرون التي سبقت عصر المسيح ؟ 


بإعتراضنا على الفرضية التي مفادها أنّ شمال أفريقيا  سكنها الجنس الأبيض من بداية العصر القديم ، فإننا نستدعي الحجج الأثرية والتاريخية التي تشهد بشكل إجماعي بأن هذا الأقليم كان سكانه دائما من الزنوج . لقد أخبرنا (فيرون) بأن في نهاية العصرالحجري جرى إكتشاف خمسة طبقات لرجال متحجرين في منطقة قنسطنطينه  بالجزائر ، من بينهم العديد من شبيهي الزنوج الذين يشبهون نوبة مصر العليا . على إمتداد الحقب التاريخية تثبت الحجج اللاتينية بوجود السود على إمتداد شمال أفريقيا :
(( لقد أمدنا المؤرخون اللاتينيون بمعلومات عن السكان ، أسماء في الغالب تعني القليل بالنسبة لنا . إن علينا أن نتذكر بأن عددا كبيرا من الزنوج كان موجودا ، إثيوبيي هيرودتس الذين ربما تحدروا من سلالة (الهارتينز) في أعالي الأطلس المغربي )) . إن هذا الإقتباس الأخير يثبت حتى الآن أنّ السود موجودين في هذه المنطقة . إن الحضارة الوحيدة ما قبل التاريخ التي شّعت من هنا حتى مصر ، هي عائدة للسود على الأرجح .


(( خلال ذلك العصر كان أشباه الزنوج في العصر الحجري القديم العلوي في أفريقيا والشرق -  التي لم يطأها الـ (سلوتور ) و (الماجدوليين) -  متواصلين مباشرة من خلال الحضارة القبصية – نسبة إلى قفصة بتونس –  ومن هناك ربما وصلت تلك الحضارة إلى باقي شمال أفريقيا ، إسبانيا ، صقليه ، جنوبي إيطاليا ، متنافسين مع القوقازيين والمنغوليين على حوض البحر الأبيض المتوسط من جانب ومع ليبيا ، مصر وفلسطين على الجانب الأخر . بإختصار فإن تأثير تلك الحضارة بلغ إلى حد ما الصحراء ، أفريقيا الوسطى وحتى جنوب أفريقيا . لقد قادت هذه الحضارة القبصية إلى إزدهار فني ، تماثل في رسوماتها المجوفة ما وصل إليه الماجدوليين في أوروبا ، غير أن الفن القبصي يميل إلى التجريد ، إلى ذلك الأسلوب التخطيطي للشخصيات الذي ربما أصبح منشأ للكتابة . ما هو صحيح بما يكفي أنه ليس كل شخص يوافق على التاريخ الذي عثرت عليه تلك الرسومات في أماكن متعددة من الصحراء وحتى في الجزائر . البعض يراها تعبيرا عن الحضارة القبصية ، بينما أخرون ينسبونها إلى حقبة متأخرة من العصر الحجري الحديث . إن منظر الكبش وهو ممسك بقرص أو جسم كروي بين قرنيه ، يجعل هذه الحضارة الصحراوية ترتبط  بالعبادات المصرية في عصر ما قبل الأسرات . هذا هو آمون الآله الكبش الذي رأيناه مبتدعا في الصحراء التي سكنها الرعاة الذين يقودون قطعانهم وثيرانهم إلى المرعى حيث هي اليوم مجرد صحراء )) .


عليه فإن دراسة الوثائق تشهد على وجود الحضارة الزنجية مبكرا في عصور ماقبل التاريخ عند تلك النقطة التي يعتقد أنها بداية الحضارة المصرية . إن الحقائق التي لوحظت سابقا في الحضارة القبصية والمجدولية ، تكشف عوضا عن ذلك  أن السود غزوا أوراسيا (آسيا وأوروبا) حيث يفترض أنهم هزموا العالم . لذا فقد كتب (دمولان دي لابلانتي) مشيرا إلى بداية العصر الحديث الأقرب : (( إن هجرة الزنوج من نوع الهوتينتو الذين غادروا جنوب أفريقيا ووسطها ، ربما أستقروا في شمال أفريقيا ، الجزائر ، تونس ، مصر وجلبوا معهم بشكل فعال حضارة جديدة إلى أوروبا البحر المتوسط . لقد كان هؤلاء البشمان أول من نقش رسومات غير منتظمة على الصخور ونحتوا تماثيل صغيرة من الحجر الجيري تمثل نساء حاملات بدينات بشكل مخيف .
هل يدين حوض البحر المتوسط الداخلي إلى هؤلاء الإفارقة بعبادة آلهة الخصوبة والأمومة ؟ إنّ هذه الفرضية المتمثلة في غزو الأفارقة الزنوج لشاطييء المتوسط ، تصطدم بالعديد من الإعتراضات . لماذا فر هؤلاء الرجال من حرارة الشمس سعيا وراء البرودة ؟ إذا ما قبلنا إفتراضا الهجرة من أفريقيا فإنه ليس من المدهش أن نعثر على أدوات العصر الحجري القديم العلوي (اورينياسي) في كل من فرنسا ، إيطاليا ، إسبانيا ، غير أنّ وجود هذه الأدوات في بوهيميا ، المانيا ، بولندا ، تجعل الفرضية أكثر هشاشة . أخيرا فإن أدوات العصر الحجري القديم العلوي موجودة في جاوا ، سيبيريا والصين . سواْ أكان السود قهروا العالم أو إفترضنا ذلك فإن هناك (تبادلات ثقافية) حدثت بين شعوب الأرض المختلفة )) . 


مواجها بذات الدليل الأثري ، يتبنى (فورون) من جهته فكرة عبادة الخصوبة لتفادي الوصول إلى نفس الإستنتاجات . إن قبول هذه النظرية يصب في صالح نظرية الغزو الزنجي التي تدعمها هياكل الجريمالدي وجماجم العصر الحجري القديم العلوي . يتأكد الدور التحضري لأفريقيا حتى في عصور ما قبل التاريخ بشكل متزايد من خلال الباحثين الأكثر بروزا . يكتب (آبي برويل) : (( علاوة على ذلك يبدو من المرجح أكثر وأكثر أنه حتى في أيام العصر القديم للأدوات الصخرية الضاربة في القدم ، لم تكن أفريقيا فقط  تعرف مراحل الحضارة البدائية ، مقارنة بأوروبا وآسيا الصغرى ، بل ربما كانت منشأ العديد من هذه الحضارات التي قهرت حشودها المندفعة تلك الأراضي التقليدية تجاه الشمال )) . إن رأي هذا الباحث العظيم يمضي للأبعد فهو رأي يظهر بشكل متزايد أن الإنسانية ولدت في أفريقيا . في الواقع فإن السلالات الأكثر أهمية لعظام الإنسان التي عثر عليها حتى اليوم كانت في جنوب أفريقيا . مع أنه المكان الذي لم يلق تنقيبا أكثر توسعا ، فإنه المكان الوحيد في العالم الذي وجد فيه عظام بحيث يتيح لنا بإعادة تشكيل شجرة أنساب الجنس البشري دون إنقطاع منذ البداية وحتى اليوم .
مع أن ما سأقوله ليس في مجال علم الآثار ، إلا أنني سوف أتحدث أولا عن مسألة منشأ النوع البشري . بفضل نتائج دكتور / ريموند دارت في (تاونق) و (ماكبان) ونتائج دكتور / روبرت بروم في (ستيركفونتين) ، (كرومادراي) ، (سوارتكرانس) ، فإن تقدما كبيرا تحقق في ذلك البلد . قبل الإنسان كان هناك مخلوقا برجلين وبعدة أشكال ، غير أن سماته الإنسانية تطورت بشكل متزايد ، بحيث يمكننا الإعتقاد بأن النوع البشري قد خلق هناك . لقد إنجذب إهتمام المختصين أكثر وأكثر نحو هذه الإكتشافات العظيمة التي تتضاعف تقريبا كل شهر . 



من الناحية العملية فإن هناك إتفاق على أنه حتى العصر الجليدي الرابع ، كان أشباه الزنوج ذوي الأنوف المفلطحة هم البشر الوحيدون . لقد أعلن علماء جنوب أفريقيين مؤخرا أنّ الرجال الأوائل كانوا سودا ، شديدي صبغة اللون . ربما إستغرق الأمر حتى العصر الجليدي الرابع الذي أستمر 100.000 عام  حتى ظهرت سلالات يمكن تمييزها في سلالة أشباه الزنوج ، عقب فترة طويلة من التكيف من خلال عدد يسير جرى إحتجازه وعزله بواسطة الجليد ملامحها : ضيق المناخير ، فتح البشرة ، بؤبؤ العينين . تبقى حقيقة واحدة تمنحها الوثائق في أطروحة (الليبي) – الآري التي إستشهد بها فونتين – وهي إستغلال الفراعنة السود للبيض الشقر ذوي العيون الزرقاء  والوشم كمرتزقة . كانت هذه القبائل جماعات متوحشة تعيش في الجزء الغربي من الدلتا حيث كان وجودها ، غير أنها لم تكن معروفة تاريخيا حتى الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة . لقد عمل المصريون الذين كانوا يعتبروا هؤلاء كمتوحشين حقيقيين على أن لا يختلطوا بهم . في الغالب إستخدموهم كمرتزقة ، كما لم يتوقف المصريون عن كبح جماحهم في حملات مستمرة لضبط حدودهم . عند العصر الأدنى جرى إختراق مصر تدريجيا بواسطة الليبيين المستأنسين الذين أستقروا في منطقة الدلتا . 


بحسب وصف (هيرودتس) أنه حتى نهاية التاريخ المصري فإن الليبيين ظلوا في الحلقة الأدنى من الحضارة فكلمة (متحضر) مهما كانت واسعة التعريف لا يمكن أن تنطبق عليهم . فيما يتعلق بقبيلة (ادرماشايدي) الليبية ، كتب أب التاريخ ( كانت نساؤهم يرتدين حلقة من البرونز على كل رجل وكانوا يتركون شعورهم تنمو طويلا وحينما يلتقطون هواما مؤذيا يعضونه ثم يرمونه بعيدا ) . بناء عليه فإننا نجد أنفسنا محتارين أمام محاولات نسب الحضارة المصرية إلى الليبيين . كنتيجة لهذه الفرضية فقد بذلت جهود لربط اللغات البربرية والمصرية بزعم أن البربر هم أسلاف الليبيين ، غير أن البربرية لسان غريب يمكن ربطه بكل أنواع اللغات : من جانب فقد جرى ملاحظة المتشابهات بين اللغة البربرية ، الغالية ، السلتية ، الويلزية ، غير أن اللغة البربرية تستخدم نفس القدر من الكلمات المصرية والأفريقية وبناء على وجهة نظر واحدة فإن أساس لغاتهم أصبحت هندية – أوربية ، آسيوية أو أفريقية . في الواقع فإن اللغات الليبية هي لغات أفريقية . من خلال هذه اللغات ربما حمل (الليغور) و (السيكول) عند وصولهم أوروبا قادمين من شمال أفريقيا لسانا أفريقيا ويمكن أن تكون لغة الباسك مثالا لذلك . الشيء ذاته ينطبق على قواعد اللغة البربرية فالمتخصصون في اللغة البربرية حريصون على أن لا يصروا على العلاقة بين اللغة البربرية والمصرية . من جهته كان الأستاذ (أندريه باسيه) مثلا يرى بأنه يجب أن تطرح مزيد من الحقائق المقنعة قبل أن يقبل الفرضية  الحامية - السامية (علاقة اللغة البربرية والمصرية على وجه الخصوص) فكلا اللغتين تتأنث عندهما الأسماء عند إضافة الـ (ت) والشيء ذاته بالنسبة للغة العربية . مع التسليم بما يعرف عن الشعوب البربرية والعربية فإننا نتعجب بشأن (الأميلينيو) فيما يخص التأثير وعدم إفتراض مجيئه من الجهة المقابلة ، مما يتطابق مع العلاقة التاريخية للشعبين .


إن هذه ليست القصة كلها . يكشف البحث الدقيق أن الأسماء المؤنثة في اللغة الألمانية تنتهي بـ (ت) و (س ت) . هل علينا أن نعتبر أنّ البرابرة تأثروا بالألمان أو العكس ؟ إن هذه الفرضية لا يمكن رفضها مقدما ، حيث أن القبائل الألمانية إجتاحت في القرن الخامس شمال أفريقيا عبر إسبانيا وأسسوا إمبراطورية حكمت لمدة (400) عام . بعد ذلك الفتح إستقر الفاندال الذين بقوا هناك مع السكان ، فيما قاد قسم منهم بقيادة (جينسيريك) محاولة غير ناجحة لقهر روما بالعبور عبر صقلية وربما عادوا إلى شمال أفريقيا . إضافة إلى ذلك فإن الجمع في 50% من الأسماء البربرية يتشكل بإضافة (ي ن) كما في الأسماء المؤنثة في اللغة الألمانية ، كما أن 40%  يتشكل فيها الجمع بإضافة (أ) مثل الأسماء المحايدة في اللغة اللاتينية . بما أننا نعلم أنّ الفاندال هزموا من الرومان فلماذا لا يتوجب علينا أن نميل للبحث عن تفسيرات بشأن البرابرة في ذلك الإتجاه من حيث الناحية اللغوية والشكل الجسماني : الشعر الأشقر ، العيون الزرقاء ، الخ .. ؟ متجاهلين كل تلك الحقائق فإن المؤرخين حكموا بأنه لم يكن هناك تأثير فاندالي وأنه من غير الممكن نسب أي شيء للبربر إلى موطنهم . على ضوء أعدادهم الكبيرة ومكانتهم كمنتصرين فإننا لا نعتقد أنهم هجروا لغتهم بشكل تلقائي إلى تبني لغة البرابرة ، كما أنه لا يوجد نص لاتيني يشير إلى ذلك . عادة ما تكون العلاقات الإجتماعية أكثر تعقيدا وينعكس هذا التعقيد على اللغويات . حتى حينما تختفي اللغة تتفاعل على لسان غالب من خلال نقلها غير أنها لا تبقى مثلما كانت ذي قبل . لذا من الصعب فهم كيف أن اللغة البربرية الحديثة خالية من أي تأثير فندالي . كذلك من الصعب فهم أن البربر الحديثين ليسوا من نسل الفاندال ، خاصة عندما يكون لهم عيون زرقاء وشعر أشقر . 


لقد كانت (مقدمة إبن خلدون) عن البربر مجرد سلسلة من الإقتباسات غير الموثقة . إن الحقيقة التي مفادها  أنه لا يوجد بربر في مصر مع وجود قليل لهم في تونس وأن أعدادهم تزايدت من الشرق إلى الغرب ليصل إلى ذروته في المغرب ، تبدو مؤيدة لفرضية منشأ الفاندال . لقد أولى المؤرخون قليلا من الإهتمام  لأنه من الضروري جعل البربر قدماء بما فيه الكفاية لتبرير الحضارة المصرية . مع أن (20) جملة بربرية وجدت في نصوص عربية تعود للقرن الثاني عشر ، إلا أنّ أن كتابة الـ (تيفيناق)  ذات الرموز التي لم تفك شفرتها حتى اليوم والتي يطلق عليها (ليبية) تبدو عائدة لتأثير العنصر المحلي للمستعمرة الفينيقية شبه الزنجية لـ (قرطاج) قبل وصول الفاندال . بإيجاز فإن ترتيب سكان شمال أفريقيا منذ ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا هو على النحو التالي : 

- الزنوج والكرومانيون (سلالة إنقرضت من 10.000 سنة) .
- الزنوج في العصر القبصي .
- الزنوج خلال العصر الفينيقي .
- الهنود الأوربيون إبتداء من 1500 قبل الميلاد وربما إمتزجوا مع الزنوج .
- الزنوج في عصر الرومان مع نسبة مئوية كبيرة من الدماء المختلطة .
- الفاندال والعرب .


أليس من الطبيعي إذن أن ينتمي أساس مفردات اللغة البربرية  إلى لغات هندية أوربية ، سامية ، أفريقية ، بناء على وجهة نظر ما ؟ مع تطور علم الآثريات المصرية نصل إلى (ماسبيرو) الذي وصف أصل المصريين في كتابه (التاريخ القديم لشعوب الشرق) : (( يبدو أنّ المصريين قد فقدوا مبكرا ذاكرة بداياتهم . هل جاءوا من أفريقيا الوسطى أو من داخل آسيا ؟ وفقا لشهادة قدماء المؤرخين شبه الإجماعية فإنهم ينتسبون إلى سلالة أفريقية إستقرت أولا على ضفاف النيل الأوسط ، ثم إتجهت تدريجيا نحو البحر ، متتبعة مجرى النهر حتى البحر . لإثبات ذلك فإنه يمكن الإستناد على التشابهات الواضحة بين عادات وديانة مملكة مروي وعادات وديانة المصريين . ما هو معلوم اليوم بشكل قاطع أنّ أثيوبيا التي يعرفها الإغريق ، التي لم  تستعمر مصر ، كانت قد أستعمرت من قبل مصر ، إبتداء من الأسرة الحاكمة الثانية عشر ولقرون ضمن مملكة الفراعنة ))


قبل الإستمرار مع أطروحة (ماسبيرو) ، علينا أن نلاحظ ما جرى من تغيير في بعض الجمل الإفتتاحية . إنه من المستبعد أن ينسى المصريون أصلهم أبدا . لقد خلط (ماسبيرو) بشكل ظاهر فكرتين بارزيتن : المنشأ الأولي الذي بدأ منه الشعب والأصل العرقي المسئول عن لون السلالة ، فالمصريون لم ينسوا أبدا الأول مثلما لم ينسوا الأخير . إنّ ذلك معبر عنه في كل فنونهم ، على إمتداد أدبهم ، في كل ظواهرهم الثقافية ، في تقاليدهم ولغتهم ، بل أن بلادهم سميت بإسم (كيميت) وهو إسم يتطابق مع حام (شام) ، الجد الأعلى للسود بحسب الكتاب المقدس . إن القول بأن (كيميت) تشير إلى لون التربة المصرية أكثر مما تشير إلى لون السلالة المصرية ، يلهم على إستدلالات مشابهة لتفسير التعبيرات الراهنة اليوم : (أفريقيا السوداء) و (أفريقيا البيضاء ) . مع أنّ (ماسبيرو) أشار إلى شهادة جماعية لقدامى المؤرخين عن السلالة المصرية ، إلا أنه تجاهل بشكل متعمد دقتهم . إنّ ما نعرفه مسبقا عن شهادة القدماء يثبت أنهم لم يستخدموا المصطلح المبهم (السلالة الأفريقية) .  منذ (هيرودتس) وحتى (ديودورس) - الذين إستشهد بهم (ماسبيرو) – وحيثما ذكروا الشعب المصري ، حددوا بأن هناك سلالة زنجية كانت حاضرة .


هنا يمكننا تتبع التطور في التغيير التدريجي للحقائق في الكتب المدرسية الذي سوف يشكّل الرأي لدى طلاب الثانويات والجامعات . إن ذلك هو الأكثر خطورة لأن قدرا عظيما من المعرفة التي سوف تكتسب ، لا تدع للجيل الجديد - عدا المتخصصين - مجالا للرجوع إلى المصادر الأصلية وتقييم الفارق بين الحقيقة وبين ما درسوه . في المقابل فإن هناك ميل مؤكد للتراخي عن تشجيعهم بالإكتفاء بالكتب المدرسية وقبول الأفكار النمطية لـ (مرجع معصوم من الخطأ) كما لو أنها كتاب لتعليم الدين . إذا ما أستخدمنا إستدلال (ماسبيرو) لدحض أفكار (ديودورس) عن عراقة إثيوبيا فإننا قد نكون قادرين على أن نستنتج القول بأنه بما أن (نابوليون) قهر إيطاليا وضمها في القرن التاسع عشر ، فإن روما لم تعمل على تحضّر فرنسا – وهو ما سيكون خطأ تاريخيا واضحا . يقول (ماسبيرو) (( علاوة على ذلك فإن الكتاب المقدس يذكر أنّ مصرايم بن حام وأخ كل من كوش وكنعان ، قد جاء من بلاد ما بين النهرين ليستقر بجانب أبنائه على ضفاف نهر النيل )) . يفشل (ماسبيرو) في الإضافة بأنّ حام ، كنعان ، كوش هم زنوج وفقا للكتاب المقدس الذي إستشهد به . إنّ ذلك يعني مرة أخرى أنّ مصر (حام ، مصرايم) ، إثيوبيا (كوش) ، فلسطين وفينيقيا قبل اليهود والسوريين (كنعان) ، والجزيرة  قبل العرب (بوط ، هيفيلا ، سابا) ، قد سكنها جميعها الزنوج حيث صنعوا في تلك المناطق حضارات عمرها آلاف السنين وأحتفظوا بعلاقات عائلية . يواصل (ماسبيرو) قائلا :


(( لقد جسّد (لوديم) الإخ الأكبر بينهم المصريين الأصليين على النقوش الهيروغلوفية وهم الروتو والروميتو . أما (عناميم) فقد مثّل قبيلة (عنو) العظيمة التي أسست (أون) شمال (هليوبوليس) و(أون) جنوب (هيرمونثيس) في عصور ما قبل التاريخ . بالنسبة لـ (ليهابيم) فقد مثّل الشعب الليبي الذي أقام غرب النيل ، أما (نفثوحيم) فقد إستقر في الدلتا جنوب مفيس وأخيرا (باثروسيم) الذي إستقر في أرض الجنوب (باتروزي) والتي تقع اليوم بين مفيس والشلال الأول )) . إن هذا التقليد الذي جلب المصريين من آسيا عبر برزخ السويس كان معروفا لدى الكتاب التقليديين . (بليني) الأكبر  نسب تأسيس هليوبوليس إلى العرب ، لكنه رأي لا يلاقي رواجا أبدا مثل ذلك الرأي القائل بأنهم قدموا من السهول العالية لأثيوبيا )) .


بشكل أكثر أو أقل فإن هذا التعريف لا أساس له فهو يبدو متناقضا عند ربط الليبيين ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر مع (ليهابيم) إبن مصرايم وكلاهما زنجي . هناك تناقض أخر فـ (ماسبيرو) يقبل في بعض الأحيان بنظرية الأصل الأسيوي للمصريين ويستدعي رأي (بليني) الأكبر الذي ينسب تأسيس (هليوبوليس) للعرب . في ذات النص يؤيد (ماسبيرو) إستقرار الـ (عنو) في تلك المدينة وهم الذي عرّفهم مع (عناميم) بأنهم زنوج . إن تعليقاتنا على العرب في الفصل الأخير تستبعد أي إحتمال لتأسيسهم لـ (هليوبوليس) ، خاصة إذا حدث ذلك في عصور ما قبل التاريخ كما أكد المؤلف . يمكننا أن نرى لماذا لم تتمتع رؤية (بليني) بالرواج بين القدماء كما هو رغّب في ذلك . نعود إلى رواية (ماسبيرو) :


(( لقد أوحى المنشأ والتشابهات العرقية الجغرافية للسكان في أيامنا  بإثارة جدل مطول . أولا لقد ضلل رحالة القرن السابع عشر والثامن عشر بمظهر الأقباط المهجنين ، شاهدهم في ذلك أنّ أسلاف الأقباط في العصر الفرعوني لهم وجه منتفخ ، أعين ضيقة ، أنف مفلطح ، شفاه مكتنزة وأنهم أظهروا ملامح مميزة للعرق الزنجي . هذا خطأ شائع منذ بداية القرن وقد تلاشى وللكل حالما نشرت اللجنة الفرنسية عملها الكبير )) . إنّ أي شخص يقرأ هذه الرواية من دون أن يرجع أولا إلى شهادة (فولني) والملاحظة التفسيرية عن التأثيرات المناخية على الشكل العرقي ، ربما يقتنع بسهولة من أنّ هؤلاء الرحالة في القرون الماضية كان يمكن أن يخدعوا بسهولة من خلال الشكل . واضعين في الإعتبار ما قيل عن التسلل التدريجي للبيض إلى الدلتا في مصر ، خاصة خلال العصر الأدنى – فإن كان هناك تهجينا فإنه يمكن أن يؤدي فقط إلى تبييض السكان ، لا أن يكون بتسويد البيض السابقين بحيث يكون غير قابلا للتمييز بواسطة مراقبين محايدين . دعنا نرى إذا كان علينا أن نصدق بأن (ماسبيرو) في قوله بأن (خطأ شائعا) قد تلاشى وللكل حالما نشرت اللجنة الفرنسية عملها الكبير :


(( عند فحص النسخ التي لا حصر لها للتماثيل والنقوش الصخرية فإننا ندرك بأن الشعب الذي جرى تمثيله على الآثار يشابه حقيقة السلالات البيضاء لأوروبا وآسيا الغربية ، بدلا من أن تظهر الشكل العام وتفاصيل الإنسان الزنجي . يكفي أن تزور متحفا وتفحص التماثيل ذات النمط القديم التي جمعت هناك . منذ الوهلة نشعر بأن الفنان قد سعى إلى إنتاج مضاهاة متقنة في الرسم التصويري الدقيق للرأس والأطراف . بإستبعاد الفروق الخاصة بكل فرد فإننا نكتشف بسهولة السمات العامة والأنواع الرئيسية للسلالة . أحد هذه التماثيل سميك وثقيل ، يشابه تماما أحد الأنماط السائدة اليوم بين الفلاحين المعاصرين . هناك تمثال أخر يصّور أفرادا من الطبقة العليا ويظهر لنا رجلا طويلا ونحيفا بمنكبين عريضين وصدر بارز ، أذرع عضلية ، أيدي صغيرة ، أفخاذ وسيقان نحيفة . التفاصيل التشريحية للركبة وعضلة بطة الساق بارزة كما هو الحال مع معظم الناس الذين يمشون كثيرا . قدميه طويلة ، رقيقة ، مسطحة في النهاية بسبب التعود على المشي بدون حذاء  ، أما رأسه فهو في الغالب ثقيل على جسمه ، يعبر عن الرقة والحزن الفطري ، أما جبينه فهو مربع وربما كان منخفضا قليلا ، أنف قصيرة ، عينين واسعتين ، خدود مستديرة ، شفاه غليظة لكنها غير مرتدة ، الفم عريض يحتفظ بإبتسامة تكاد تعبر عن الألم . إن هذه السمات العامة لمعظم تماثيل الإمبراطورية القديمة والوسطى ، إستمرت خلال كل العصور . إنّ آثار الأسرة الحاكمة الثامنة عشر مع أنها تقل من حيث الجمال الفني عن تلك التي للأسر القديمة الحاكمة ، إلا أنها تنقل النمط البدائي دون تغيير محسوس . مع أنّ الطبقات العليا قد جرى تشويهها من خلال إمتزاج الأجناس المتكرر مع الأجانب ، إلا أن الفلاجين العاديين  إحتفظوا في كل مكان تقريبا بشكل أسلافهم . إنّ أي فلاح يمكن أن يتأمل بدهشة تماثيل (خفرع) أو (سونسوريت) وهي تحمل بعد 4.000 سنة سحنة أؤلئك الفراعنة القدامي )) .


هذا هو محور إثبات (ماسبيرو) ولم نسقط كلمة واحدة منه . ماذا يثبت ؟ ماذا علّمنا (العمل الكبير) ؟ يؤكد لنا المؤلف أن علم الآثار المصرية هو علم قديم تماما وأنّ المتخصصين ظلوا لقرن من الزمان ينقبون ويبحثون واليوم نعرف الصورة النموذجية للمصري القديم حتى أكثر التفاصيل العرقية ثانوية . لقد صّور الفنان (مضاهاته المتقنة) في الرسومات وبفضل هذا الفن الواقعي يمكننا أن نعيد تشكيل أفراد الطبقة العليا من الناحية العرقية . وفقا لملاحظات (ماسبيرو) فإن لهم (أنف قصيرة ومكتنزة ، فم عريض ، شفاه غليظة ، عيون واسعة ، خدود مستديرة ، منكبين عريضين عضليين ، أيدي قصيرة ، أفخاذ وسيقان نحيفة) . إنّ هذه السمات العامة إستمرت على إمتداد الممالك القديمة والوسطى . (  تشبه بشكل حقيقي السلالات البيضاء لأوروبا وغربي آسيا ولا تظهر خصائص الزنوج وشكلهم العام ) . إنّ هذا الإستنتاج لا يحتاج إلى تعليق .


بعد تأكيد جاد للمنشأ الزنجي للحضارة لمؤلف كان قصده دحض ذلك ، نرى مرة أخرى إستحالة إثبات عكس الحقيقة . إن (قاستون ماسبيرو) الذي أصبح مديرا لمتحف القاهرة عام  1889  ندين له في الواقع بالعديد من ترجمات النصوص المصرية . لقد كان لدية الإستعداد الفني اللازم لإرساء كل ما هو قابل للإثبات . إنّ إخفاقه رغم تلك المعرفة الذي  يماثل إخفاق الباحثين الذين سبقوه ومن جاءوا من بعده في تناولهم لهذه المسألة  ، يشكل البرهان الأكثر متانة  للأصل الزنجي . ثم نجيء لأطروحة عالم في الآثار المصرية نادرا ما يشار إليه وهو - آبي إيميلي أميلينو- ( 1850- 1916) . لقد نقّب الرجل في (أم القعب) بالقرب من (أبيدوس) وأكتشف مدافن ملكية ، حيث إستطاع تحديد أسماء (16) ملكا ، ربما كانوا أكثر قدما من (مينا) نفسه . لقد عثر على مدافن لأربعة ملوك هم : كا ، دين ، الملك الثعبان دجيت (الذي توجد مسلته في متحف اللوفر) وملك أخر لم تفك شفرة إسمه . مثلما أورد (أميلينو) فقد جرت محاولات لإدراج هؤلاء الملوك في الحقبة التاريخية : ( في إجتماع أكاديمية النقوش والمسجلات الأدبية حاول ماسبيرو أن يضغ هؤلاء الملوك في الأسرة الحاكمة الثامنة عشر ، ثم الخامسة ثم الرابعة ) . بعد أن دحض رأي مناوئيه ، توصل (أميلينو) إلى ( إن هذه الأسباب لا تبدو لي مستحقة للإزدراء ، بل العكس أنها تستحق الدراسة الجادة من قبل الباحثين ذوي النية الحسنة ، فيما لا أعر إهتماما للأخرين ) . 


إلى (أميلينو) يعود الفضل في إكتشاف مقبرة (أوزيرس) في (أبيدوس) والذي بسببه لم يعد أوزيريس (بطلا أسطوريا) ، بل شخصية تاريخية ، الجد الأولي للفراعنة ، جد أسود مثل أخته إيزيس . لذا يمكننا أن نفهم سبب طلاء المصريين لآلهتهم باللون الأسود الفاحم في صور سلالتهم منذ بداية تاريخهم حتى نهايته . إنه لمن التناقض وعدم الإستيعاب أن لا يقوم الشعب الأبيض بطلاء آلهته باللون الأبيض ، بل أن يختار بدلا عن ذلك طلاء  أوزيرس وإيزيس وهي أكثر الكائنات قداسة باللون الأسود على الآثار المصرية .
إنّ هذه الحقيقة تكشف واحدة من تناقضات المعاصرين الذين يشددون بشكل قاطع على أنّ الجنس الأبيض قد صنع الحضارة المصرية مع سلالة سوداء مستعبدة كانت تعيش بجواره . أما إختيار لون العبيد بدلا من لون السادة والمتحضرين ليكون لونا للآلهة فهو أمر لا يمكن قبوله ويتعارض مع المنطق والموضوعية . إنه (أميلينو) بعد معطياته الهائلة ودراسته العميقة للمجتمع المصري ، توصل إلى الإستنتاج التالي الأكثر أهمية بالنسبة لتاريخ الجنس البشري : (( من العديد من الأساطير المصرية أصبحت قادرا على أن أتوصل إلى أنّ السكان الذين أستقروا في وادي النيل كانوا زنوجا ، لأنه يقال أنّ الآلهة إيزيس كانت إمرأة سوداء اللون بصبغة محمّرة . بمعنى أخر كما شرحت فإن لون بشرتها كانت أشبه  بلون القهوة مع الحليب ، مثل ذلك الذي لسود أخرين تبدو بشرتهم مثل لمعان النحاس )) . 


يسمي (أميلينو) السلالة السوداء الأولى التي سكنت مصر بإسم (أنو) ويبين أنها هبطت ببطء على وادي النيل وأسست مدن : إسنا ، أرمنت ، قوص ، هليوبوبيس ، حيث يقول :
(( إنّ لكل هذه المدن رمز مميز يشير إلى إسم (أنو) . إن علينا أن نقرأ هذا المصطلح بذات الحس العرقي مطبقا على أوزيريس . في الفصل  الذي يقدم الأناشيد تمجيدا لـ (رع) ويتضمن الفصل الخامس عشر من (كتاب الموتى) نقرأ ( سلام عليك يارب أنو في أرض أنتيم الجبلية ، أيها الرب العظيم ، ياصقر الجبل الشمسي الثنائي ) . إذا كان أوزيريس من أصل نوبي ، مع أنه ولد في طيبه ، سيكون من السهل فهم سبب الصراع الذي دار بين (سيت) و (حورس) في بلاد النوبة . علي أي حال إنه من المدهش أن تحمل الآلهة (إيزيس) وفقا للأسطورة ، نفس لون البشرة الذي عادة ما يحمله النوبيون ، كما أنّ الإله (أوزيريس) له نعت عرقي يشير إلى أصله النوبي . إن هذه الملاحظة لم ترد أبدا من قبل )) .  إذا ما قبلنا بدليل إبداعاتهم ، كتاب الموتى من بين أخريات ، فإن هؤلاء الـ (أنو) الذين حاول (ماسبيرو) تحويلهم إلى عرب ، يبدو بالأساس زنوجا . في دعم لنظرية (اميلينو) يمكن الإشارة إلى أنّ (ان) تعني رجل بلغة الـ (ديولا ) . لذا فإن (أنو) يمكن أن تعني رجال ( لمشابهات أخرى يمكن قراءة الفصل العاشر) . وفقا لـ (أميلينو) فإن الـ (انو) هذه السلالة السوداء قد صنعت كل عناصر الحضارة المصرية في عصور ما قبل التاريخ ، التي إستمرت دون أن يطرأ عليها تغيير هام على إمتداد وجودها الطويل . ربما كان هؤلاء السود أول من مارس الزراعة والري في وادي النيل ، أقاموا السدود ، إبتدعوا العلوم ، الفنون ، الكتابة ، التقويم . لقد إستنبطوا نظرية نشأة الكون في (كتاب الموتى) ، نصوص لا تدع مجالا للشك عن زنجية السلالة التي صّورت الأفكار .


يقول أميلينو (( كان هؤلاء الـ (انو) مزارعين يربون الماشية على مساحة واسعة بجانب النيل ، يحمون أنفسهم بمدن ذات أسوار لأغراض دفاعية . لهذا الشعب يمكننا أن ننسب وبدون خوف من الوقوع في خطأ ، أكثر الكتب المصرية عراقة : (كتاب الموتى) و (نصوص الإهرامات) وبناء عليه كل الأساطير والتعاليم الدينية وسوف أضيف إلى ذلك كل النظم الفلسفية تقريبا التي عرفت ولا تزال بالنظم الفلسفية المصرية . لقد كانوا يدركون بشكل جلي الحرف اللازمة لأي حضارة وكانوا على معرفة  بأدوات تلك الحرف المطلوبة . كانوا يعرفون كيف يستخدموا المعادن ، على الأقل المعادن الأولية وأجروا محاولات مبكرة في الكتابة ، حيث  أن كافة التقاليد المصرية تنسب هذا الفن  إلى (تحوت) هرميس العظيم والذي يسمى بالـ (أوني) في الفصل الخامس عشر من (كتاب الموتى) وفي (نصوص الإهرامات) . من المؤكد أنّ الشعب كان يعرف الفنون الرئيسية فقد خلف برهانا على ذلك في هندسة المدافن في (أبيدوس) ، خاصة مدفن (أوزيريس) وفي أغراض الأضرحة التي وجدت وهي تحمل بصمة واضحة لمنشأها ، مثل العاج المنقوش أو رأس الفتاة النوبية الصغير الذي عثر عليه في مدفنة صغيرة بجوار (أوزيريس) ، أو الأوعية الخشبية أو العاجية التي إتخذت شكلا لرأس قط – كل المستندات التي نشرت في المجلد الأول من كتابي - حفريات أبيدوس  )) .


مواصلا صياغة نظريته يقول (أميلينو) : 
(( إن الإستنتاج الذي يمكن إستخراجه من هذه الإعتبارات هو أنّ شعب الـ (أنو) المهزوم قد كان دليلا على الأقل  لقاهريه إلى بعض من مسارات الحضارة والفنون . إنّ هذا الإستنتاج هو الأكثر أهمية بالنسبة لتاريخ الحضارة الإنسانية وتاريخ الديانة . إن ذلك ينبع بشكل جلي مما ذكر سابقا : ان الحضارة المصرية ليست ذات منشأ آسيوي ، بل منشأ أفريقي وزنجي وإن بدأ في ذلك مخالف لما هو شائع . إنه ليس من المعتاد في الواقع أن نخلع على السود والسلالات ذات الصلة قدرا كثيرا من الذكاء ، أو حتى قدرا كافيا من الذكاء يمكنهم من تحقيق الإكتشافات الأولى اللازمة للحضارة . مع ذلك فليست هناك قبيلة واحدة سكنت داخل أفريقيا لم تمتلك أو لا تزال لاتمتلك واحدة من تلك الإكتشافات الأولى )) . لقد إفترض (أميلينو) أنّ مصر الزنجية التي تحضّرت مسبقا بواسطة الـ (أنو) قد جرى غزوها من داخل أفريقيا بواسطة الجنس الأبيض الخشن الذي قهر أهل الوادي تدريجيا حتى وصل مصر السفلى . هذه السلالة البيضاء عديمة الثقافة ، ربما جرى تحضّرها على يد الـ (انو) السود ، مع أنه قضي على عدد كبير منهم . لقد إرتكز المؤلف في نظريته على تحليل المشاهد المصّورة على (لوحة نعرمر) التي أكتشفت بواسطة جيمس إدوارد كويبيل (1867 – 1935) عند هيراكمبوليس (الشكل 31) . يقر الرأي الحالي بشكل إجماعي بأن السجناء المصورين على تلك اللوحة بأنوفهم النسرية ، يمثلون الغزاة الأسيويون الذين جرت هزيمتهم ومعاقبتهم على يد الفرعون الذي كانت عاصمته في تلك الحقبة البعيدة في مصر العليا . 


إنّ هذا التفسير تؤيده الحقيقة التي مفادها أنّ الأشخاص الذين كانوا يسيرون أمام الملك وينتسبون إلى جيشه المنتصر هم نوبيون ، يرتدون الشارة النوبية مثل رمز إبن آوى والباشق والتي يمكن أن نسميها الطواطم النوبية . إضافة إلى ذلك فإن المعطيات الأثرية لا تدعم فرضية أن السلالة البيضاء نشأت في قلب  أفريقيا . إنّ ذيل الثور المحمول بواسطة الفرعون على هذه اللوحة والذي كان الفراعنة والكهنة يحملونه على الدوام ، لا يزال يحمل في الإحتفالات والمهام الرسمية بواسطة الزعماء الدينيين النيجيريين . الأمر ذاته صحيح بالنسبة للجلباب الذي يرتديه الفرعون والتميمة التي على صدره والتي كانت حاضرة دائما على إمتداد التاريخ المصري . توجد هذه التميمة على صدر أي زعيم زنجي يتولى منصبا فيه مسئولية ، في قبيلة الوولف يسمونه (داك) . يحمل الخادم حذاء الفرعون مشابها للـ (فوجانتي) الزنوج ، كما أن السير خلف الملك وحمل الإبريق له موقف مماثل من الخادم الزنجي المعاصر أو بيك – نك ، مقارنة بـ (باك) باللغة المصرية القديمة . إن حقيقة أن الملك قد خلع نعليه نوحي بأنه على وشك أن يقدم قربانا في مكان مقدس ، إذ عليه أن ينظف أطرافه أولا بماء في الإبريق . لقد عرف عن المصريين أنهم كانوا يمارسون الإغتسال قبل ألآف السنين من ظهور الإسلام . لذا فإن (لوحة نعرمر) ربما صّورت مشهدا طقسيا للتضحية عقب تحقيق إنتصار . إن حالات مشابهة لتقديم القرابين البشرية كانت لا تزال سائدة في أفريقيا حتى أوقات قريبة ، داهومي مثلا . فوق الضحية هناك مشهد يصّور (حورس) وهو ممسك على ما يبدو بحبل يمر عبر مناخير رأس مبتور ، ربما يجسد الحي الذي قدم قربانا للألهة ، متسللا الحبل عبر مناخير الضحايا والتي قبلت بواسطة (حورس) . إنّ (الحياة) و (الأنف) هما كلمتين مترادفتين في لغة الولوف وتستخدم غالبا بشكل متبادل . 


ما هي الهوية العرقية للأشخاص الممثلين على هذا الجانب من اللوحة التي أعتقد أنها مقدمة اللوحة وليست مؤخرتها كما يعتقد عموما ؟ إنني مقتنع بأنهم ينتمون إلى ذات السلالة السوداء . للملك شفاه غليظة ، مرتدة بشكل متساوي ، صورته الجانبية لا تستطيع أن تخفي حقيقة أنفه المكتنزة والأمر نفسه ينطبق على كل الأشخاص ، حتى الأسرى الذين في أسفل المشهد الذين فروا بعيدا . الأخيرين مثل الضحايا كانوا على وشك أن يقدموا قرابينا ، لهم شعر مستعار مرتب على شكل طبقات أو إصطفاف ، أسلوب لا زلنا نشاهده في أفريقيا السوداء . هناك غطاء للشعر مشابه يسمى الـ (جمبي)  ترتديه الفتيات ، عدّل على نحو قليل لترتديه النساء المتزوجات وسمي بـ (جيري) وقد إختفى من السنغال قبل نحو (15) عام وحديثا إنقطع الرجال عن ممارسة هذا العرف بسبب الإسلام . إنّ غطاء الشعر هذا لم يعد يشاهد إلا عند (السيرير) غير المسلمين قبل الختان وعند الـ (بيول) . هناك نوع خاص من أغطية الشعر هذه تسمى (نوجمبال) . يخفى شعر الملك وكذلك خادمه بواسطة قلنسوة . في مصر فإن إستخدام هذا الشعر المستعار هو أمر رائج بين كل الطبقات الإجتماعية ، أما في السنغال فهي لا تزال تلبس بواسطة الذين على وشك الختان ، مع أنّ هذا التقليد قد مال للإختفاء تحت تأثير الإسلام . بالنسبة للقلنسوة فهي تصنع بخياطة قطعتين بيضاويتي الشكل بلون أبيض بفتحة واحدة عند اليسار لمرور الرأس . يمنح خشب المامبو الإطار شكلا كالتاج الذي إرتداه فراعنة مصر العليا . عند إرتداء هذه القلنسوة بواسطة الرجال البالغين فإن إطار المامبو ينحى فيما يكون الجزء المستطيل أصغر . إن ذلك ينجم عنه ما سمي بشكل الفلنسوة الفريجية التي نقلها الإغريق إلى العالم الغربي . في (صور ضوئية) نشر مارسيل قرياولي صورا فوتوغرافية لهذه القلنسوات يرتديها الدوجون (شعب أفريقي أسود في مالي) .


يمكن هنا ملاحظة أن الملك يحمل فقط صولجانا في يده اليمنى ، بينما يمسك بيده اليسرى رأس الضحية . ربما يعتبر الصولجان صفة لمصر العليا ، مثلما كان التاج الأبيض . في المشهد الأول ربما بدأ الملك فتح وادي النيل . ربما كانت تلك هي اللحظة التي أخضع فيها رجالا من ذات سلالته إلى هيمنته . تبدأ خلفية اللوحة بمشهد نموذجي : الضحية المقهور ينتمي إلى مدينة (الممقوتين) كما يتبين من الخط الهيروغلوفي كما أشار بذلك (أميلينو) . ربما كانت المدينة المحصنة مدينة في مصر السفلى ، التي سكنتها سلالة تختلف يشكل واضح عن السلالة السوداء في الجانب الأخر : سلالة آسيوية بيضاء ، شعر الأسرى طويل بدون طبقات ، الأنوف طويلة بشكل إستثنائي ونسرية الشكل ، الشفاه باهتة تماما . بإختصار فإن كل السمات العرقية للسلالة التي على الخلف متعارضة تماما لتلك السلالة التي في المقدمة . إننا لا نستطيع ان نفرط في التشديد على حقيقة أن السلالة التي في الخلف هي التي لها فقط ملامح سامية . 


بعد هذا الإنتصار الثاني تحقق توحيد مصر العليا والسفلى ويرمز إليه من خلال  مشهد في منتصف خلفية اللوحة : تماثل قطين برأسي أسدين متحفزين ، تشير وضعيتهما إلى القتال إن كانا طليقين ، غير أنهما مقيدين وغير قادرين على إلحاق الضرر بكليهما ، بسبب الحبال الملتفة حول عنقيهما والتي يمسكهما شخصين متماثلين . إن ذلك يرمز إلى التوحيد ، في توافق لتمثيل مميز هو شائع للمصريين والسود عموما . في أعلى المشهد يرتدي الملك تاج مصر السفلى (الوجه البحري) الذي يظهر أنه قد قهرها وأن الفرعون قد أنهى المرحلة الثانية من فتح وادي النيل وهو الآن ممسك بكلتا يديه ما يمكن إعتباره شعاري الوجه القبلي والبحري . هنا يخلع الملك مرة أخرى حذائه التي يحملها خادمه ، حاملا نفس الإبريق ، سائرا خلفه كما في المشهد الذي على الجانب الأمامي . عليه فإننا نفترض أن المكان مكان مقدس وأن الضحايا قد قدموا قربانا حسب الطقوس ولم يجر قتلهم . أمام الملك يقف خمسة أشخاص ، أربعة منهم يحملون أعلاما بها رموز وثنية (طواطم) . من الواضح أن الطواطم الأول  –  الباشق وإبن آوى – تمثل الوجه القبلي ، بينما الطوطم الأخير لا يمثل حيوانا ، بل شيئا غير محدد ربما يجسد رمز الوجه البحري المهزوم . 


لكل هذه الأسباب فإن تفسير (أميلينو) يبدو غير مقبول . إن الرأي القائل بأن جميع الأسرى الذين صّوروا كانوا أسيويين ، إنما تعميم يتجاهل تفاصيل اللوحة . إلى حد ما فإن تفسير (أميلينو) بأن كل المهزومين هم نوبيون ، يبدو تقسيرا خاطئا . إن حقيقة أن الأسرى هم نوبيون فعلا قد قاده إلى أن يتجنب الفارق العرقي بين الأخير والضحية الذي سحقه الثور الذي على خلفية اللوحة . وفقا لرؤية (إيميلينو) فإن الأخير لم يكن شعره مصفوفا في طبقات مثل النوبيين الذين على الجانب الآخر . إضافة إلى ذلك فإنه لم يكن يحمل ملامحهم العرقية الأخرى . بتجاهله هذه التفاصيل – عن حسن نية – فإن أميلينو توصل إلى الإستنتاج الذي مفاده أن أن سلالة بيضاء عديمة الثقافة  جاءت من وسط أفريقيا وقهرت الـ (أنو) الزنوج سكان وادي النيل . الواقع أنه حتى إذا ما كان هناك تسللا في فترة ما قبل التاريخ من قبل الآسيويين أو الأوربيين الآوائل ، فإن الزنوج المصريين لم يفقدوا السيطرة على الوضع في بلادهم . تشير بذلك التماثيل العمرية الصغيرة التي صّورت السلالة القاهرة للأجانب . في كتابه (بدايات الفن المصري) قدم عالم الآثار البلجيكي (جيان كابارت) صورة تمثال لأسير أبيض وهوراكع ، يديه مقيدتيان خلف ظهره ، له جديلة شعر طويلة تتدلى من خلفه .  


في نفس تلك الفترة تم العثور على ما يشبه الأعمدة في شكل سيقان أثاث ، تصّور نوع من سلالة بيضاء تعرضت للهزيمة . بالمقارنة فإننا نرى سودا يتجولون بحرية كمواطنين في بلدهم : (( هنا نشاهد أربعة نساء يرتدين أربعة تنورات ، يشبهن تماما النساء السود اللائي جرى تصويرهن على مدافن السلالة الحاكمة الثامنة عشر بما في ذلك مقبرة ( رخمرع ) . مع أنه يبدو غامضا بحيث يعتقد أن الشيء الذي يحملنه هو أذن بقرة ، إلا أنني أميل إلى الإعتقاد بأنه الشكل الأولى للصليب ذي العروة وهو الرمز الذي سرعان ما دخل بعد ذلك علم الدلالات المصرية ولم يبارحها . إن ذلك يشير إلى أن النساء الزنجيات كانوا مطمئنات في ديارهم وهن بين الحيوانات في أرضهم . لكن يبرز السؤال مرة أخرى : كيف يتسنى لمصرييي تلك الحقبة أن يعرفوا حيوانات وسط أفريقيا وسكانها إذا كانوا آسيويين أو ساميين دخلوا وادي النيل عبر برزخ السويس ؟ أليس الوجود الموثق على قطع العاج للحيوانات والسود المذكورين سالفا دليل على أن قاهري مصر جاءوا من وسط أفريقيا ؟ (نفس المرجع ص 425 – 426)) .


بخلاف الأفكار المقبولة بشكل عام فإنه من الواضح أن الوثائق الأكثر عراقة والمتوفرة في التاريخ المصري وتاريخ العالم تصّور السود كمواطنين أحرار ، سادة للبلاد والطبيعة وبجانبهم  أنماط للعديد من السلالات البيضاء التي هي نتاج لتسلل أوروبي وآسيوي ، جرى تصويرهم على أنهم أسرى وأيديهم مغلولة خلف ظهورهم ((ربما يمثلون أصل الأعمدة الممثلة للأشخاص في معبد الأرخثيون في القرن الخامس عشر والتي جرى إقتباسها بواسطة الأغريق بعد ذلك بالآف السنين)) .


[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:35

[rtl]الفصل الرابع
هل هناك إحتمال بنشأة الحضارة المصرية في الدلتا (مصر السفلى) ؟


لتفسير سبب إستقرار مصر وحضارتها يقدم المتخصصون أربعة فرضيات تتطابق مع الجهات الجغرافية الأربعة . الفرضية الأكثر طبيعية والتي تقول بأنها حضارة محلية المنشأ هي الفرضية التي قوبلت بتحديات أكبر . هذه الفرضية الأخيرة  تتمحور حول مكانين مختلفين : مصر العليا ومصر السفلى . في حالة مصر السفلى يبدوالأمر متعلقا بمسألة تسمى اليوم بـ (أرجحية الدلتا) . لماذا يحاول جاهدا عالم بالآثار المصرية  يدعم نظرية المنشأ المحلي ، أن يثبت (أرجحية الدلتا) ، بالرغم من غياب أي دليل تاريخي ، إن لم يكن ذلك إلتفاف لتأسيس منشأ أوسطي أبيض للحضارة المصرية ؟ في هذا السياق نجد أن (الكسندر موريه) يشارك الرأي القائل عموما بأن منشأ الحضارة المصرية كانت خارج مصر – آسيا أو أوروبا – مع أنه ظاهريا يؤيد منشأ محليا لكن على أساس أبيض . بالنسبة للرأي الأول فإنه يبدو منطقيا لحد ما في سبيل إيجاد تفسير مناسب ، غير أنه تأكيد يضاف إلى أخر كونه مجرد كذلك من الأساس التاريخي . إذا كان رواد الحضارة قد جاءوا من الخارج وإن كانت الجغرافيا قد أجبرتهم على عبور الدلتا  ، فمن المنطقي الإفتراض بأن الدلتا قد تحضّرت قبل مصر العليا وأنّ الحضارة قد شعّت من هناك . إذا كان مؤيدو فرضية المنشأ الخارجي  قادرين على إثبات زعم الدلتا السابق بدعم من الحجج الصحيحة ، فإن فرضيتهم تكون قد تقدمت بشكل كبير وعلى الأقل فإن ذلك سيقدم شكلا من الحقيقة المتعلقة بالأفكار المتناقضة التي طرحوها .


في الواقع فإنه ليس من الممكن فقط عدم إثبات تلك النظرية ، بل حتى إيجاد وثائق تاريخية صحيحة لدعمها ، حيث لا يوجد وثيقة توحي بتلك الأسبقية . إنها مصر العليا حيث الدليل المادي يشهد بالمراحل المتتالية للحضارة منذ العصر الحجري القديم وحتى الحاضر : حضارة دير تاسا ، البدارية (حوالي 7471 ق.م) ، العمرية (حوالي 6500 ق.م) ، حضارات عصر ما قبل الأسرات . بالمقارنة بمصر العليا فإنه لا توجد آثار لتطور مستمر في الدلتا . إنّ التماثيل العاجية الصغيرة ذات الرؤوس المثلثية التي عثر عليها وتعود إلى حقبة تدعى (جرزة – حوالي 5500 ق.م) ، تماثل تلك التي عثر عليها في (كريت) في عصر (مينا) . إن هذه التماثيل الصغيرة لا يمكن أن تكون سابقة  لحقبة  الهيراكونبوليس الذين نسبهم (كابارت) إلى العصر العمري . يزعم أنّ الحضارة الجرزية كانت قائمة في مصر العليا بحسب الترتيب الزمني للآثار ما بين الرقمين (39) و (79) : 


(( على أي حال فإن مصر السفلى أصبحت أخيرا مركزا لحضارة راقية ذات تشابهات آسيوية مؤكدة ، تتعارض مع التشابهات الأفريقية وقد هيمنت هذه الحضارة بشكل مطلق على مصر العليا كذلك . في الواقع فإنها كانت معروفة فقط من الإقليم الأخير ، مع أن وجودها في الشمال ربما أستنتج بشكل مؤكد . في مصر العليا لم يكن هناك إنقطاع حاد بين الحضارة العمرية والحضارة الجزرية ، إذ أن الأخيرة تغلغلت تدريجيا وأمتزجت مع العناصر القديمة لتلك الحضارة بل وهيمنت عليها . إن الأنواع الجديدة من المزهريات والأسلحة ذات الزخارف قد أدخلت في عدد كبير من الأدوات بل وحلت محل القديم منها بشكل كلي . لقد جرى الإتفاق بشكل عام على أنّ العناصر الجديدة التي تميّز ثقافة مصر العليا في المرحلة الوسيطة لما قبل عصر الأسرات لم يكن مضّمن فيها الشمال والشمال الشرقي ومن المؤكد تقريبا أنّ مبتدعي هذه الإبتكارات قد عاشوا في تواصل مع مصر العليا لفترة طويلة قبل الفترة الزمنية للأثر رقم (39) ، أي أن تلك المزهريات المزخرفة  وجدت طريقها إلى مصر العليا قبل ذلك التاريخ )).


إنّ هذه الحضارة الجرزية التي قيل أنها أسيوية قد عرفت فقط من خلال تلك الآثار التي عثر عليها في مصر العليا . كم يبدو الأمر متناقضا إفتراض أن الحضارة نشأت في مصر السفلى ! (علاوة على ذلك فإنّ هذه الآثار مطابقة لتلك العائدة للحضارة العمرية التي تطورت من الحضارة البدارية والتي هي بدورها نتاج لحضارة دير تاسا) . بالرغم من ذلك ومع أنه لم يتم العثور على أي آثار للحضارة الجزرية ومع أنها عرفت فقط من خلال آثار مصر العليا فإن (وجودها في الشمال يستنتج منه وبثقة) وجودها في الدلتا . بتعابير أكثر وضوحا فإن ذلك يعادل القول ( إن كل ما وجدته هنا في مصر العليا أتى من حيث لم أجد شيئا – مصر السفلى – مع أنني لا أستطيع أن أثبت ذلك وليس لدي أمل في أن أرى مايثبت ذلك فإنني أحكم بهذا) . لقد زعم أن الدلتا إقليم رطب وبالتالي هناك صعوبة في حفظ الوثائق فإذا كانت الرطوبة لم تساعد في حفظ الوثائق ، ألم يكن هناك أي أثر لها  أو حتى كتل مشوهة الشكل تحللت كيميائيا بفعل الرطوبة . في الواقع فإن تربة مصر السفلى قد أنهكت بفعل كافة الأعمال التي أسندت إليها مثل أعمال الخشب المتعلقة بالمملكة القديمة بعد الأسرة الحاكمة الثالثة ، فإذا لم تقدم الدلتا المزيد من الوثائق القديمة فإن علينا أن نفترض منطقيا أنها لم تحتوي على أيّ منها قط . إن كانت الدلتا قد لعبت فعلا دورا يحاولون جاهدين أن ينسبوا الحضارة المصرية إليها ، فإنه من الممكن التعرف على ذلك بطرق أخرى . يقال أن تاريخ مصر العليا سوف تظهر به ثغرات إذا  ما تم تناوله مستقلا عن الدلتا مع أن تلك ليست القضية . إن تاريخ مصر العليا (أي التاريخ المصري) لا يقدم مصاعب لا يمكن تجاوزها ، فالتفسير التاريخي لا يصبح بعيد الإحتمال إلا حينما يكابر أحد وبدون وجود دليل تاريخي بأن ينسب إلى الدلتا دورا لم تلعبه أبدا . إن هذه هي الحالة كما تبدو مع (موريه) حينما كتب : 


(( إننا لا نعلم شيئا عن تاريخ تلك الممالك القديمة ، غير أن الروايات تزعم بأن ملوك الشمال كانت لهم الهيمنة على باقي مصر في بداية العصور . لا يوجد نص يمكننا من تحديد منطقة نفوذهم ، غير أن ديانة الفترة الأخيرة تشير إلى أن هذا النفوذ كان عميقا . إن ذلك تفسره الخصوبة الإستثنائية للدلتا ، فحالما أصبحت الدلتا مهيئة للزراعة بإقامة السدود وقنوات الري والصرف ، فإن ذلك  وسّع  من رقعة الأرض التي كان يعاد تجديدها بشكل متكرر بفضل غرين النيل ، مما جعلها تربة أكثر إنتاجية وقابلية لنمو السلالات الزراعية المثمرة من الوادي الضيق لمصر العليا . لقد كانت النتيجة أن تحقق إزدهار مادي مبكر وتطور فكري ، تسنده الحقيقة التي مفادها أن آلهة الدلتا العظمى فرضت سلطتها لاحقا على باقي مصر . لقد كان إله الشمس (رع) أول من عبد في هليوبوليس ، أما (أوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) فقد كانوا آلهة (بوزيريس) ، (منيديس) ، (بوتو) . إن التوسع في عبادة الآلهة على إمتداد كامل الوادي في تلك العصور المبكرة جدا ، يشير إلى تأثير سياسي مماثل من الدلتا )) . 


حتى هذه النقطة فإن (موريه) كان متفقا مع (ماسبيرو) ، غير أنه إختلف معه في الطريق الذي سلكه الـ (شمسو – حور وهم أسلاف مينا) حتى يكون منسجما في دفاعة عن هيمنة الدلتا . في كتابه (النيل والحضارة المصرية – ص 118) وخلافا لما ذهب إليه (ماسبيرو) من أن (الشمسو – حور) هم (حدادون زنوج) قهروا سكان الوادي وأقاموا محلات لطرق الحديد حتى الدلتا ، فإن (موريه) يزعم أن الـ (شمسو – حور) قدموا من الدلتا . لقد أورد (موريه) بأن هناك تحولا كبيرا قد حدث في الحقبة التي سبقت (مينا) ، تميزت فيه بظهور الذهب ، النحاس والكتابة على وجه الخصوص . حيث أنّ هذا التحول كان واضحا في مصر فإن (موريه) يطرح السؤال التالي : ( إذا لم تكن مصر العليا قد تأثرت بالسفلى فبمن تكون تأثرت .. ؟ ) إنه يستشهد بإبتداع التقويم كما هو أمر واقع الإحتمال في إقليم مفيس وفي مكان أخر زعم (موريه)  أن الآلهة المصرية (اوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) قد نشأوا من الدلتا . لذا فإنه يستخدم هذه الحجة التي يراها صحيحة في التركيز على هذه النقطة : 

(( هناك حقيقة أخرى سوف تدعم هذه الحجة . على إمتداد العصور القديمة كانت أيام السنة الكبيسة  مخصصة لتلك الآلهة التي ولدت في الخمسة ايام الإضافية التي وضعت في بداية السنة (مقارنة : بلوتارك). إن النصوص المصرية والإغريقية تتفق في تسمية هذه الآلهة : أوزيريس ، أيزيس ، سيت ، نيفثيس ، حورس . تبدأ السنة بظهور متزامن لسوثيس ، رع ، النيل ، فيما يختار أوزيريس آله النيل والخضرة راعيا . يعتقد أن (أوزيريس) قد ولد في أول يوم من الأيام الخمسة أيام الإضافية . يمكننا أن نستنتج أن عبادة (أوزيريس) كانت مؤثرة في (هليوبوليس) حتى في عصر علمائها الفلكيين الذين إبتدعوا التقويم . عليه : فإنه ومع التقويم فرضت مصر السفلى سلطة (أوزيريس) و (رع) ، سطوة النيل والشمس على مصر السفلى ، الدلتا المتحضرة التي قهرت مصر العليا )) .


حينما يجد المرء مثل هذه الأفكار الهامة التي جرى التعبير عنها بواسطة مرجع ، فإنه يميل للإعتقاد بأنه جرى تأكيدها بواسطة وثائق حاسمة ، غير أن ذلك ليس صحيحا حينما نستقصي تلك الإفادات بشكل كامل . لقد طرح المؤلف المنشأ الشمالي للآلهة المصرية كي تنسجم مع التراث المصري . بمعنى أخر فأن أوزيريس ، إيزيس ، حورس ، كلهم آلهة الدلتا . من هنا إستنتج النتائج الهامة التي ذكرت أعلاه ، ذات الصلة بإبتداع التقويم ومنشأ الحضارة المصرية عموما . ما هو بدقة ما تعلمناه من التراث المصري فإذا ما أعتبرناه من أكثر الحقب عراقة فإلى حقبة نشير ؟ إن هذه التراث الذي جرى التعبير عنه في (كتاب الموتى) الذي عقيدته سابقة لأي تاريخ مكتوب لمصر ، يعرّفنا بأن (إيزيس) إمرأة سوداء وأن (أوزيريس) رجل زنجي أي (أونو) . لذا فإن إسمه في النصوص المصرية القديمة مصحوب بتوصيف عرقي يشير إلى أصله النوبي . لقد عرفنا ذلك عن طريق (أميلينو) . علاوة على ذلك فقد أخبرنا (أميلينو) بأنه لا يوجد نص مصري يورد أن (أوزيريس) و (إيزيس) قد ولدا في الدلتا . بناء على ذلك فإن (موريه) حينما يؤكد ذلك فإنه لا يستند على أي وثيقة . من الممكن أن نضيف بأن الأسطورة تحدد مكان ميلاد (أوزيريس) و (إيزيس) : أوزيريس ولد في (طيبه) وإيزيس ولدت في (دندره) . أحداث الأسطورة تقع كذلك في بلاد النوبة حيث المكان الأول الذي جرى فيه الصراع بين (سيت) و (حورس) . في رأي (أميلينو) فإن : 


(( أجزاء الأسطورة التي تتصل بالدلتا قد جرى إضافتها بشكل واضح إلى النسخة الأصلية ، عدا مكوث مؤقت في (بوتو) . في رأيي فإنه مجرد تأويل لمنشأ إغريقي أو شبه إغريقي لتفسير تبني عبادة (أوزيريس) في بيبلوس أو بالأصح الأساطير التي تشابه بعض الآلهة المحلية . إضافة إلى ذلك فإن الوثائق المصرية لا تشير قط إلى نقطة واحدة من هذه . كذلك فإن رواية تابوت (أوزيريس) الذي جلبه النيل إلى البحر ، تبدو لي واحدة من تلك المستحيلات الجلية وأشك بشكل جدي في أن المصريين يقبلونها ، لأن الوثائق المصرية لم تذكرها أبدا . إن علينا إلا ننسى بإستثناء الأجزاء المتعلقة بالدلتا وآسيا الصغرى فإن أسطورة (أوزيريس) قد توطدت بشكل راسخ قبل عصر (مينا) . من ثمّ فإنه من الصعب فهم كيف أن أسطورة ولدت في الدلتا ، تمركزت تقريبا في مصر العليا ، لا توجد فيها إشارات ظاهرة للدلتا ، عدا في فقرات معينة تمت إضافتها لاحقا بشكل واضح . بالمثل إذا ما ولد (أوزيريس) و (إيزيس) في الدلتا فإنه سيكون من الصعب فهم العثور على جميع آثارهما في مصر العليا . لقد حصلت مدن مصر العليا على كامل هيكل (أوزيريس) ، فيما لم يخلف شيئا من ذلك في مدن مصر السفلى . عند هذه النقطة يشير (أميلينو) إلى مؤلف بروقش (القاموس الجغرافي) . إن التنافس بين المدن على  إنتساب الآثار إليها قد أوقع إرباكا كبيرا  ، لأنه كان من الصعب بداية تحديد أيّ من المدن تمتلك تلك الآثار ، كما أن هناك اليوم مدن عديدة أخرى تزعم ذلك . يرى (أميلينو) أن التنافس بين مدن مصر العليا والسفلى يصب في صالح مصر العليا (أعتقد أن هناك حقيقة واحدة تميل الموازين لصالح مصر العليا : إنتساب رأس أوزيريس مصر العليا  ، إلى مدينة أبيدوس)) .


إن هذه الحقيقة ربما لم تكن هامة إذا لم يكتشف (أميلينو) مقبرة أوزيريس ورأس السلف المقدس في جرة . إننا قد نشك في صدقية ذلك الإكتشاف ، بالرغم من أن أميلينو قال :
(لقد وجدت بنفسي مدافن أخرى أثناء التنقيبات الأولية والتي بلغت ذروتها في المقابر الملكية قبل الكشف عن المقبرة حيث جمجة الآله التي  وجدتها محفوظة) ، ثم أشار إلى ورق البردي في متحف (ليد) مستشهدا بـ (بروقش) . إنه يذكر بشكل صريح أن رأس (أوزيريس) كان محفوظا في (أبيدوس) ، حيث جرى تحديد المكان على ورق البردي بإسم يشير إلى  (مقابر أبيدوس) . لقد سعى (أميلينو) إلى التأكد من صدقية الوثيقة من (يوجين ريفيللو) والتي كتبت بالخط الديموطيقي . لقد تلقى تأكيدا بأن رأس (أوزيريس) يقع في (أوبيدس) ، كما أن تأكيدا أخر جاء في النص الجغرافي  الوارد في كتاب بروقش (القاموس) عام 1898 ( لقد ذكر أن رأس الآله كان في رفات موتى أبيدوس) . 


يلاحظ (أميلينو) أنه (( النص قد إختفى منذ أن أخذ (بروقش) نسخة منه ، فإذا كان على المرء أن يصدق أن النشر عن معبد إدفو قد بدأ في مذكرات بعثة القاهرة ، فإنه سيكون من الملفت للنظر التحقق عما إذا كان ذلك النقش المكتوب قد إختفى تماما )) . أخيرا يورد (أميلينو) حقيقة هامة أخرى وهي : أنه في ( نصوص الإهرامات) فإن عرش (أوزيريس) قد وصفه أميلينو تماما مثلما وجده في السرير الجنائزي الموضوع في المقبرة في (أبيدوس) . إن (أميلينو) يتعجب عن سبب إمتلاك مدن مصر العليا أكثر الأجزاء أهمية من جسد أوزيريس ، إن كان قد ولد في الدلتا ، حكم في الدلتا ، مات في الدلتا وكان إلها محليا في مقاطعة صغيرة في الدلتا ، فهو لا يرى سببا لذلك . إن كان (أميلينو) إكتشف حقيقة المقبرة أم لا وأن رأس أوزيريس غير ذي أهمية ، فإن الحقيقة الجوهرية هي أن النصوص ذكرت أن هذه قد عثر عليها في (أبيدوس) .



عليه وخلافا لتأكيد (موريه) فإن التراث المصري القديم المعتمد والمكتوب في (نصوص الإهرامات) و (كتاب الموتي) يفيدنا وبتعابير صريحة أنّ الآلهه المصرية تنتسب إلى العرق الأسود وأنها ظهرت في الجنوب . علاوة على ذلك فإن أسطورة (إيزيس) و (أوزيريس) تشير إلى ميزة ذات مسحة ثقافية لأفريقيا السـوداء ألا وهي عبادة الأسلاف التي هي أساس الحياة الدينية الزنجية  وأساس الحياة الدينية المصرية مثلما أورد (أميلينو) . لقد أصبح كل سلف ميت هدفا للعبادة . لقد أثبت الأسلاف الأكثر قدما  فعالية تعاليمهم  في مضمار الحياة الإجتماعية ولنقل المجال الحضاري ، مما جعلهم يتحولون تدريجيا ليصبحوا آلهة فعلية ( الأسلاف الأسطوريون أشار إليهم ( ليفي – برول ) . لقد جرى فصل أؤلئك الأسلاف تماما عن مصاف البشر  وإن كان ذلك لا يعني أنهم لم يعيشوا أبدا . بتحويلهم إلى آلهة فإنهم قد وضعوا في مستوى مختلف عن ذلك المستوى العائد للبطل الإغريقي . إن ذلك ما جعل (هيرودتس) يعتقد أن المصريين ليس لديهم أبطال . 


إنه من الواضح أن حجة (موريه) المتعلقة بإبتداع التقويم في (مفيس) هي حجة منحرفة عند إخضاعها للبحث الدقيق على نحو خطير . يحدد المؤلف بأنه في (مفيس) فقط يمكن ملاحظة الطلوع الشمسي لـ (الشعرى) . لقد توصل إلى أنه وبناء على دورة ذلك النجم (الشعرى اليمانية) الذي يتزامن طلوعه مع طلوع الشمس كل 1.461 سنة ، فإن التقويم المصري قد أبتدع في (مفيس) ، غير أنّ التقويم كان مستخدما قبل 4.236 سنة وهو بالتأكيد أقدم تاريخ معلوم في تاريخ البشرية . إضافة إلى ذلك فإن (هيرودتس) يخبرنا أن (مفيس) أنشأها (مينا) بعد أن حوّل مجرى النهر وجعل مصر السفلى التي كانت مليئة بالوحل منطقة قابلة للسكن وبالإستشهاد -  بالصفحة 113 -  فإننا نجد أن مينا هو أول ملك غيّر مجرى النهر وجعل مجراه أرضا يابسة ، قاصدا بذلك في المقام الأول بناء مدينة يطلق عليها حاليا مفيس . بناء عليه فإن (مفيس) كانت تحت الماء قبل قدوم (مينا) ، أي أن تلك المدينة لم تكن موجودة عند إبتداع التقويم . 


في المقابل إن كان بالإمكان ملاحظة الطلوع الشمسي لـ (الشعرى) من إقليم (هوليوبوليس) وليس من إقليم (مفيس) فإن ذلك قد يساعد مؤيدي أسبقية الدلتا في فرضيتهم ، كون (هوليوبوليس) هي مدينة (رع) التي يزعم نفس هؤلاء المنظرين مولد علم الفلك والتنجيم فيها . مع ذلك فإنه يبدو أن (هوليوبوليس) أو (أون الشمالية) قد أسسها الـ (أونو) التي تحمل إسمهم . هنالك تعليقات مماثلة طرحت عن الحجة التي مفادها أنّ مصر قد تحضّرت بفعل الغزاة القادمين من الشمال . في اللغة المصرية كان الغرب يشار إليه باليمين والشرق باليسار ومن هذه الحقيقة يمكن للمرء أن يستنتج دليلا على التطلع إلى الجنوب . بداية هناك عدة طرق للإشارة إلى الشرق والغرب في اللغة المصرية . علاوة على ذلك فإن الفن المقدس قاد إلى تقسيم السماء إلى أقسام من أجل الرصد . نتيجة لذلك فإن توجه خاصا جعل نقطة رئيسية معلومة تتطابق مع اليمين أو الشمال . لقد كان ذلك مطبقا في مصر وعلى إمتداد المتوسط الإيجي (بحر إيجه) الذي وقع تحت التأثير المصري خاصة في أتروريا . لقد كان تفسير ( إدوارد نافيل ) أكثر تنويرا : 


(( من أي بلد جاء الفاتحون ؟ يبدو ليّ وبلا شك أنهم جاءوا من الجنوب . إذا راجعنا الأسطورة كما حفظت في سلسلة من الرسومات الضخمة التي زينت واحدا من دهاليز معبد إدفو وتعود إلى عهد البطالسة ، سوف نرى أن الإله (هارميشي) قد كانت له السيادة في بلاد النوبة جنوب مصر . لقد بقي هناك مع إبنه حورس الآله المحارب الذي أخضع كامل البلاد إليه ، حتى وصل مدينة (زار) التي تعرف اليوم بإسم (القنطرة) ، حيث أقيمت قلعة في أقصى الفرع الشرقي للنيل وهو ما يعرف بالفرع البيلوزي والتي شكلت حاجزا أمام أي قدوم من جهة شبه جزيرة سيناء وفلسطين . في المدن المصرية الرئيسية كان المنتصرون يحكمون كيفما إتفق مع الديانة . في العديد من المناطق إستقر رفاق حورس حيث كانوا يسمون الحدادون . لذا فقد إرتبط إدخال العمل المعدني مع الإنتصار في الأسطورة . إنّ هذه الأسطورة التي يجب أن تنسب إلى إرث عريق يبدو ليّ جديرة بالإهتمام . إنها تنسجم تماما مع ما أخبرنا به المؤرخون الأغاريق ، تحديدا من أن مصر كانت مستعمرة لإثيوبيا . بالتالي فإن المصريين ، على الأقل أؤلئك الذين أصبحوا مصريين فراعنة ، ربما إتبعوا مجرى النهر العظيم . إن ذلك تؤيده سمات معينة من ديانتهم أو أعرافهم ، فالمصري يحدد وجهته بالنظر إلى الجنوب ، حيث الغرب على اليمين والشرق على اليسار ، غير أن ذلك لا يعني أنه يريد التوجه نحو الجنوب ، بل الأحرى أنه  يتجه إلى بلده الأصل إذ  يتطلع إلى الإتجاه الذي جاء منه حيث يتوقع المدد ، فمن هناك جاءت القوى الفاتحة  ومن هناك أيضا تأتي مياه النيل الخيرة حاملة الخصوبة والثراء . بجانب ذلك فقد كانت للجنوب دائما الأسبقية على الشمال ، فكلمة ملك عنت أولا ملك مصر العليا وقد أظهرت لنا آلهتهم الطريق الذي سلكوه . لقد قادهم الإله (أوبواتو) الذي كان يسير أمامهم في شكل إبن آوى أو كلب يدلهم على الطريق )) .


في التحليل النهائي ولمواجهة محاولات تقديم الدلتا كونها أكثر ملائمة لإزدهار الحضارة من مصر العليا ، فمن المهم الإجابة عما يعرف حقيقة عن الدلتا . لقد عرف بشكل عام  أن الدلتا كانت موطنا دائما لآفة الطاعون في الشرق الأدنى  وبأنها نقطة إنطلاق لكل وبائيات الطاعون التي عصفت بتلك المنطقة على إمتداد التاريخ . من دون مبالغة يمكننا أن نمضي بعيدا بالقول بأن الدلتا لم تكن موجودة حتى في عصر مينا ، لأن (مفيس) كانت على حافة البحر . لقد كانت مصر السفلى في ذلك الوقت غير صحية بالكامل وغير قابلة للسكن تقريبا ، غير أنه بعد الأعمال المدنية التي بدأها (مينا) أصبحت أقل خطورة من الناحية الصحية . بالنسبة للدلتا الغربية يمكن للمرء أن يتعجب 
عما كان عليه الوضع قبل (مينا) ، لأننا نعرف أن مجرى النهر لم يكن هو ذاته مثلما هو اليوم وأنّ الفرعون الأول هو الذي منحه الإتجاه الحالي من خلال بناء السدود والردم بالتراب . لقد كان النهر ينساب في السابق في إتجاه الغرب : 


(( كان النهر ينساب بالكامل على إمتداد الحافة الرملية للتلال التي كانت تحد مصر من جانب ليبيا . بردمه المنحنى الذي يشكل حوالي مئة ميل جنوب (مفيس) ، فإن (مينا) جعل النهر القديم جافا ، بينما حفر مجرى جديد للجريان بين سلسلتين من التلال . حتى اليوم فإن المنعطف الذي يشكله النيل عند ذلك الموضع ، حيث أجبر فيه على التدفق في مجرى جديد ،  يلقي إهتماما عظيما من الفرس ، حيث كان يتم تحصينه كل عام ، لأن النهر إذا فاض في ذلك الموضع وأندفع فوق المتراس ، فإنه سوف يشكل خطرا على (مفيس) بغمرها بمياه الفيضان تماما )) . إذا ما إنهارت السدود فإن (مفيس) سوف تغرق بمياه النيل . لقد كانت عاصمة الملك المصري الأول في (طيبه) في الجنوب ، بينما أنشئت (مفيس) لأغراض عسكرية بالأساس . لقد كانت موضعا حصينا عند مفترق الطرق التي يتسلل منها الرعاة الآسيويون من الشرق والبدو من الغرب الذين كان المصريون يسمونهم (ريبو) أو (ليبو) ومن بعد حملوا إسم ليبيين (الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة) . لأكثر من مرة حاول هؤلاء البرابرة إختراق مصر بالقوة طمعا في ثروتها ، غير أنهم في كل مرة تقريبا كانوا يدحرون ويدفعون إلى ما وراء الحدود بعد قتال عنيف . إنّ طبيعة هذه التحالفات بين شعوب الشمال والشرق في منطقة الدلتا ، تبرر إنشاء  (مفيس) كقلعة متقدمة . بالرغم من ذلك فإن علينا أن لا نرتبك حيال السلالات العرقية التي كانت تواجه بعضها البعض هناك . كما تشير هذه الفقرة من (موريه) فإن تحالفا حقيقيا للبيض نشأ ضد العرق الزنجي في مصر : 


(( في شهر أبريل من عام 1229 ق.م علم (ميرنبتاح) في (مفيس) أن (ميريري) ملك الليبيين ، قادم من أرض (تيهينو) ومعه رماة السهام وتحالف لشعوب الشمال مؤلف من الـ (ساردان) ، (سيكول) ، (أخيين) ، (ليسيين) ، (أتروسك) ، يمثلون النخب المحاربة لكل بلد . كان هدف الملك الليبي مهاجمة الجبهة الغربية لمصر عند سهول (بيرير) . كان الخطر عصيبا لأن فلسطين نفسها كانت متأثرة بالقلاقل . في الواقع يبدو أن الحيثيين قد تورطوا في تلك الإضطرابات ، مع أنّ (ميرنبتاح) كان يساعدهم فيرسل إليهم في أوقات الجفاف القمح على سفنه لمساعدة بلاد (خاتي) على البقاء )) . بعد معركة عنيفة إستمرت ست ساعات إستطاع المصريون أن يدحروا بشكل كامل ذلك التحالف من  الحشود البربرية . أما الناجون فقد علقت تلك المعركة بذاكرتهم فترة طويلة قبل أن تتناقلها الأجيال بعد ذلك : (( لقد فر (ميريري) بأقصى سرعة ، تاركا وراءه سلاحه ، كنوزه ونسائه ونقل الرسام المصور من ضحايا المذبحة 6.359 ليبي ، 222 من السيكول ، 742 من الأتروسك ، والألأف من الساردان والأخيين وجرى الإستيلاء على غنائم كثيرة من أرض المعركة من بينها أكثر من 9.000 سيف ومن قطع الدروع . لقد نقش (ميرنبتاح) أنشودة النصر على جدران معبده الجنائزي في (طيبه) ، حيث وصف الذعر الذي حلّ بين أعدائه ، فقد قال الليبيون الشباب عن تلك الإنتصارات بأنهم لم تمر عليهم مثل تلك الأيام منذ (رع) ، بينما يقول الرجل المسن لإبنه (ياللحسرة ! ليبيا العاجزة) . لقد قضي على الـ (تيهينو) في سنة واحدة ، فيما أجبرت الأقاليم التي خارج مصر على إبداء الطاعة . دمر الـ (تيهينو) ، هادنت (خاتي) ، نهبت (كنعان) ، سلبت (عسقلان) ، أحتلت (جاذر) ، دمرت (ينوعام) ، خربت إسرائيل ولم تعد لها محاصيل ، فيما أصبحت (خارو) مثل أرملة بدون سند قبالة مصر . لقد تم توحيد كل الدول وأذعنت )) . 

ما أهم من يلاحظ  في هذا الإقتباس هو أن نصر (ميرنبتاح) قد تم في (مفيس) ، فيما جرى الإجتفاء به في (طيبه) حيث المعبد الجنائزي لـ (ميرنبتاح) . إنّ ذلك يؤيد ما قيل سابقا وهي : أن الفرعون (ميرنبتاح) قد أقام في (مفيس) بسبب الضرورة العسكرية ، غير أنه ومثل كل الملوك الفراعنة تقريبا ، كان عليه أن يدفن في (طيبه) ، فقد جرت العادة على أنه حتى إذا مات الفرعون في مفيس بمصر السفلى ، تتم نقل جثته إلى مصر السفلى حيث يدفن في مدن طيبه المقدسة : أبيدوس ، طيبه ، الكرنك . في تلك المدن كانت للفراعنة مدافنهم بجوار مدافن أسلافهم ، حيث كانوا يرسلون إليهم القرابين حتى وإن أقاموا في (مفيس) . بعد الثورة التي أنهت المملكة القديمة حينما حصل الشعب على حظوة الموت الأوزيريسي  أي إمكانية التمتع بالحياة الأبدية في السماء ، فإن كل الطبقات الإجتماعية دفنت بشكل رمزي في منطقة طيبه ، بعد إقامة مسلة بإسم الموتى . لذا فإن المنطقة المقدسة لكل المصريين بلا إستثناء ، كانت منطقة طيبه بلا إستثناء . إن ذلك كان سيكون بمثابة إنتهاك للحرمات بالنسبة للمصريين إذا ما كانت حضارتهم وتقاليدهم الدينية قد ولدت في الدلتا . في هذه الحالة فإنه يتعين أن تكون المدن المقدسة ، مدافن الأسلاف ، المدن الرئيسية للعبادة والحج في الدلتا .


لم يكن تحالف الشعوب من الشمال والشرق في عصر (ميرنبتاح) سوى فصل من تاريخ مصر . على إمتداد ذلك التاريخ كانت هناك حروب مماثلة في ذات الإقليم بشكل أكثر أو أقل أهمية ، غير أن ما هو إستثناء خلال الفترة الأدني هو أنّ زنوج وادي النيل كانت لهم على الدوام اليد العليا على البرابرة . للتدليل على ذلك يمكن الإستشهاد بالعديد من الرسومات الصخرية التي تصور الأسرى من هضاب سيناء حتى معابد هابو وطيبه ، بمعنى أخر منذ عهد ما قبل الأسرات حتى الأسرة الحاكمة التاسعة عشرة . بشهادة الليبيين أنفسهم وإذا كان علينا أن نصدق النصوص المصرية فإنهم لم يحققوا نصرا منذ بداية العصور أي منذ أيام الإله (رع) . في المقابل لا توجد حقيقة ، دليل ، أو نص يدحض هذه الإفادة ، فقد كتب (موريه) نفسه الآتي : (( على خلفية خصوبة تربة وادي النيل بدأ هؤلاء الليبيون وسكان الكهوف متلهفين كونهم معدمين ونهابين ، يتحينون دائما الفرص للإغارة على الفلاحين المسالمين والمنخرطين في مهام الزراعة . في الواقع لم يكونوا مصدر خطر حقيقي بالنسبة للمصريين ، إذ لم تكن لديهم الدواب السريعة القادرة على حمل الأحمال ، فالحمار وهو حيوانهم الوحيد لا يستطيع أن يعدو سريعا أو أن يحمل أحمالا ثقيلة ، فيما لم يعرف الجمل يومها الذي أصبح لاحقا وسيلة للتنقل لقبائل الصحراء في عصر الإسلام . مواجهة بمثل هؤلاء البدو فقد ظلت مصر متيقظة لهم ومبقية على عملياتها العسكرية ، موظفة في ذلك  الليبيين أنفسهم . لقد دخلت العديد من القبائل في خدمة مصر كمرتزقة مثل قبيلة المشاواشا . بذات الطريقة جندت مصر قوات ممتازة من (المازوي) . لقد وجد الفرعون ذلك مناسبا لتأمين نفسه ضد السرقة بدفع المكافأت لقطاع الطرق هؤلاء ، في شكل أجور . فقط في الأيام الأخيرة لإمبراطورية طيبه شكل الليبيون خطرا محدقا لمصر حينما تجمعوا في شكل إتحاد وساروا في تحرك للشعوب المهاجرة ، وقتها لم تكن مصر تملك الوسائل المتاحة لوقف تلك الهجرة )) .


إن هذه الإفادة تلخص لنا كل شيء عن الليبيين بشكل واقعي وملموس . التاريخ يفيدنا بأنهم كانوا نهابين نصف جائعين ، عاشوا على تخوم مصر ، في الجزء الغربي من الدلتا ، عملوا كمرتزقة وأستقروا في الدلتا أثناء العصر المتأخر. كانوا بيضا عدا الـ (تيهنو) وقد قاوموا التحول إلى التحضر في الوقت الذي كان فيه العالم الأسود متحضرا سلفا . ذلك ما أخبرتنا به الوثائق التاريخية عن الليبيين بجانب التوزيع الجغرافي في الساحل الشمالي لأفريقيا كما أورد ذلك (هيرودتس) . ربما يجعلنا ذلك نتعجب عن أي نوع من التزوير هذا الذي قاد إلى نسب نشأة الحضارة المصرية إلى هذه الشعوب المختلفة عن المصريين في كل وجه ، وكتتويج لهذا التناقض فإنهم قدموا المصريين على أنهم أبناء العمومة المتوحشين الأقل ثقاقة . لقد قدم هؤلاء الليبيبون إلى الدلتا كمرتزقة ومنحوا قطعا من الأراضي من قبل الفرعون ويومئذ تشبعت مصر بالسكان الأجانب ومن هذا التمازج جاءت لون البشرة الفاتحة نسبيا للأقباط . لذا فإن الدلتا لم يرد ذكرها في التاريخ المصري إلا في العصر المتأخر . إن مصر لم تكن أبدا قوة بحرية وذلك يمكن أن تفسره الحقيقة التي مفادها أن حضارتها نشأت في داخل القارة بخلاف حضارات الشعوب الأخرى الواقعة  في محيط البحر المتوسط . وفقا لما كتبه (بلوتارك) في (إيزيس وأوزيريس)  فإن المصريين إعتبروا البحر (إفرازا فاسدا) وهذا التصور يتعارض مع  فكرة المنشأ البحري للحضارة .

[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:38

[rtl](6)[/rtl]
[rtl]الفصل الخامس[/rtl]
[rtl]هل يمكن أن تكون الحضارة المصرية ذات منشأ آسيوي ؟[/rtl]

[rtl]
هنا ومثلما في كل ما سبق ، من المهم التمييز بين ما أستنتج من الفحص الدقيق للوثائق التاريخية وما زعم به خلاف تلك الوثائق ، أي ماهو متعارض مع إفاداتها . لإسناد الحضارة المصرية إلى منشأ أسيوي أو أي منشأ أجنبي أيّا كان ، فإن علينا إثبات الوجود السابق لمهد الحضارة خارج مصر . في المقابل فإننا لا نستطيع الإفراط في التشديد على الحقيقة التي مفادها أن هذا الشرط الضروري قد أستوفى . كتب (موريه) : 
(( لم يحدث أن تعاطفت الظروف الطبيعية مع مجتمع إنساني مثل تلك التي تعاطفت مع مصر، مثلما لم نجد صنعة لها نظير من حيث الكمال الفني  المتعلق بصنعة النقش الحجري في أي مكان أخر ، وبعيدا عن أي مراحل لأي عصور غير مؤكدة في فلسطين فإنه لا يوجد أي أثر لإنسان في سوريا وبلاد النهرين قبل عام 4.000 ق.م . لذا فمن الحكمة أن ينسب هذا التطور المبكر إلى عبقرية سكان مصرالأوائل وإلى الظروف الإستثنائية لوادي النيل . لا شيء يثبت أن هذه الحضارة عائدة لتوغلات غرباء هم أكثر حضارة . إن وجود مثل ذلك الزعم أو على الأقل وجود حضارتهم في حاجة إلى إثبات )) .


إن هذه الملاحظات التي أبداها (موريه) تعذر دحضها حتى اليوم . لقد لمح المؤلف إلى التاريخ 4241 ق.م ( وهو تاريخ جرى تصحيحه على نحو طفيف إلى 4236 ق.م ) حينما إستخدم التقويم في مصر بشكل مؤكد . لذا فإننا وبيقين حسابي نواجه في مصر  أكثر تواريخ الإنسانية عراقة . ماذا وجدنا في بلاد ما بين النهرين ؟ لا شيء يمكن تحديد تاريخه بشكل مؤكد . لقد كانت مساكن بلاد ما بين النهرين لا تزال مبنية بالطوب المصنوع من الطين والمجفف بأشعة الشمس والذي سرعان مايتحول إلى كتلة من الطين عند هطول الأمطار . إن إهرامات مصر ، معابدها ، مسلاتها ووفرة أعمدتها في الأقصر والكرنك ، طرق كباشها ، مدرجات (مينون) ، نقوشها الصخرية ، معابدها التي تحت الأرض ذات الأعمدة القائمة على النمط الدوري ( دير البحري) في طيبه ، هو واقع أثري لا يزال ملموسا حتى اليوم ودليل تاريخي لا يمكن دحضه . في المقابل ماذا أنتجت إيران (عيلام) وبلاد مابين النهرين قبل القرن الثامن (حقبة الآشوريين) ؟ فقط  إستحكامات من الطين عديمة الشكل . هذه الإستحكامات كانت تنبيء عن حطام معابد وأبراج مهدمة يؤمل في ترميمها ، لذا فإن عالم الآثار البريطاني / سيتون لويد يقوم بترميم الأجزاء الداخلية من المعبد البابلي الإفتراضي من الألفية الثانية أو الثالثة والذي صوّره (بريستيد) . يتولى المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو تنفيذ حفريات هذه الترميمات. إن هذه الترميمات التي تتضمن ترميم برج (بابل) ، هي ترميمات جادة للحد البعيد بالنسبة لتاريخ البشرية نظرا للأوهام التي تثيرها . (إن بقايا هذه المباني الخاصة بالبرج البابلي ضعيفة جدا وهناك إختلاف كثير في الرأي فيما يتعلق بالشكل المناسب لترميمها ) .


في مصر تعتمد دراسة التاريخ بشكل كبير على هذه الوثائق المكتوبة مثل حجر باليرمو ، ألواح أبيدوس الملكية ، بردى تورين الملكية ، حوليات مانيتو فإلى هذه الوثائق المعتمدة ، علينا أن نضيف جميع الأدلة التي أوردها الكتاب القدامى ، من (هيرودتس) إلى (ديودورس) ، لا سيما (نصوص الإهرامات) ، (كتاب الموتى) وألاف النقوش التي على الجبال . في بلاد ما بين النهرين كان من غير المجدي البحث عن شيء أخر مماثل . إنّ ألواح الحروف المسمارية لم تحمل شيئا سوى حسابات التجار والإيصالات والفواتير المكتوبة . لقد صمت القدماء عن الحديث عن ثقافة بلاد ما بين النهرين المزعومة في حقبة ما قبل الكلدانيين . لقد إعتبر القدماء الكلدانيون طائفة من الكهنة الفلكيين المصريين الذين كانوا زنوجا . وفقا للمصريين فإن (ديودورس) أورد أن الكلدانيين كانوا جالية لكهنتهم ، جلبهم (بلوز) عن طريق نهر الفرات وقام بتنظيمهم على غرار الطائفة الأم وأستمرت هذه الجالية في العناية بمعرفة النجوم وهي المعرفة التي جلبوها معهم من أرضهم . لذا فإن كلمة (كلداني) شكلت الأصل للكلمة الإغريقية (فلكي). ربما كان برج (بابل) ذو الهرم المدرج المشابه لبرج (سقاره) والذي كان يعرف أيضا بـ (برس – نيمرود) و (معبد بعل) مرصدا فلكيا للكلدانيين . إنّ ذلك يتوافق مع (نمرود) إبن كوش ، حفيد (حام) جد السود بحسب ما ورد في الكتاب المقدس ، رمز القوة العالمية ( لقد كان صيادا قويا أمام الرب ) . لقد كان إبتداء مملكته (بابل) ، (آراك) و (آكاد) وجميعها كانت في أرض (سينار) ومن ذلك الإقليم خرج آشور . إذن أليس من الطبيعي أن نجد إهرامات (سقاره) المدرجة في بابل (مدينة بعل الكوشية) ، في ساحل العاج (في هيئة مقادير برونزية) وفي المكسيك حيث شهد المؤلفون المكسيكيون وعلماء الآثار أنفسهم بهجرة الزنوج إليها عبر الأطلسي ؟؟ 


بما أنّ آسيا الغربية كانت مهدا للحضارة الهندو – أوربية وإن كانت هذه الحضارة القابلة للمقارنة بالحضارة المصرية قد إزدهرت قبل حقبة الكلدانيين فلماذا لم ينقل إلينا القدماء الذين شكلوا فرعا من أؤلئك الهنود الأوربيين شيئا عنها وإن كان مبهما ؟  علما  بأنهم الوحيدون الذين أمدونا بالشهادات المعززة عن الثقافة الزنجية المصرية . وفقا لتسلسل زمني قصير ، 3.200 سنة قبل الميلاد فإن مصركانت موحدة تحت ملك (مينا)  ، أما في غربي آسيا فلم يحدث شيء مماثل ، فبدلا من أن نجد مملكة موحدة قوية ، لا نجد سوى مدنا فقط : سوسا ، أور ، لاقش ، ماري ، سومر، دلت عليها أحيانا مدافن مجهولة خلع عليها لقب (مدافن ملكية) دون أي دليل وهكذا رفع أشخاص مزيفون أو أعيان بلدة أو قرية إلى مرتبة الملوك . اليوم في كل قرية في السنغال يمكن أن تجد عائلة تزعم بأنها مؤسسة لتلك القرية . إن أكبر أفراد تلك العائلة سنا غالبا ما يكون راعي تلك القرية ذات الصلة  ويجد إعتبارا مؤكدا من ساكنيها . بالرغم من ذلك فإنه سيكون من التناقض المنطقي منحه ولو بعد ألفي عام لقب الملك أو أن يكون متحدثا بإسم ملك كوكي جاد ، كوكي قاي ، كوكي ضهر وهكذا . عن أهمية ما يسمى بأ (المقابر الملكية) في أور يكتب 
(جورج كونتينو) التالي : 


((بوجود الجبانات الملكية ربما نتعجب عما إذا كان الملوك مدفونين حقا وعما إذا كان علينا أن نربط تلك المدافن بعبادة الخصوبة . في الواقع إن ما يدهشنا أن ساكني تلك المدافن مجهولي الهوية . يعتقد إم. إس. سميث أن هذه المدافن ربما لا تحتوي على ملوك حقيقيين ولكن ممثلين في دراما مقدسة كانت تقدم في المهرجانات ، حيث يتم التضحية ببطل الرواية الرئيسي . أما مكتشف المدافن سير (ليونارد وولي) فإنه ينكر ذلك ، مشيرا وعلى  ضوء الإكتشاف المثير للمدافن الملكية بأن السكوتيين قد طبقوا طقوسا مماثلة بعد ذلك بمدة طويلة . مع أن الحظ لم يحالفنا في  أن نعثر على مقبرة سليمة في بلاد ما بين النهرين سوى المدافن الملكية في (أور) ومع أننا لم نواجه أبدا بوثائق واضحة عن إستمرارية الطقس الجنائزي الذي كشفت عنه الحفريات في أور ، إلا أن القليل من الألواح سلطت  قليلا من الضوء على وجود ضعيف نوعا ما لتلك الممارسة . هناك رسالة يعود تاريخها إلى الحقبة الآشورية في ظل السرجونيين ، تفيدنا بأن إبن حاكم آكاد وأماكن أخرى قد لاقى مصيره مثل زوجته وأنهما دفنا معا )) . إنه لمن المؤسف أن يعود تاريخ تلك الوثائق المبهمة والمتاحة إلى عهد متأخر (القرن الثامن قبل الميلاد)  وإنه ليس أقل أسفا أن تقفز إلى الذهن وبشكل طبيعي المقارنة مع  عادات السكوتيين التي وصفها (هيرودتس) في القرن الخامس . في الواقع وعند الإشارة إلى نفس الأوصاف التي إقتبسها دكتور / كونتينو (1556) فإننا نتحقق من أنه من غير الممكن أن يكون هناك شعب أكثر وحشية وهمجية من السيكوتيين . بناء على ذلك فإننا  نجد أنفسنا بعيدين عن آثار حضارة يمكن الزعم بأنها أم الحضارة المصرية . إن تعبير (مبتدع) الذي ينطبق على السير/ ليونارد وولي لإكتشافه تلك المدافن ، يثبت أن كلمة (ملكية) لا يمكن تبريرها عدا كونها فرضية تحت الدراسة . في المقابل فإن أكثر ملوك (عيلام) كانوا سودا دون أدنى ريب ، تشهد بذلك الآثار التي نبشها (ديولافو) : 


(( إن الكثير من العجائب الأخرى في الطريق للكشف عنها بينما نتنقل من عجيبة مدهشة لأخرى . عند هدم جدار ساساني جرى تشييده  بأكثر المواد قدما ومتاحة محليا ، عثر على آثار يعود تاريخها إلى العهد العيلامي من تاريخ سوزا ، بكلمات أخرى : هي سابقة للتاريخ الذي إستولى فيه آشوربانيبال على هذه القلعة . لكن علينا هنا أن نتيح المساحة لـ (ديولافو) : ((عند إزاحة المدفنة الواقعة عبر الجدار المصفوف بالطوب والذي هو جزء من تحصينات البوابة العيلامية ، كشف العمال عن جرة جنائزية . كانت الجرة داخل غطاء بنائي مؤلف من آجر مطلي . جاءت هذه القراميد من لوح يصّور شخصية مهيبة ، ترتدي ثوبا أخضرا مع زركشة صفراء ، زرقاء ، بيضاء . كان الرجل يرتدي جلد نمر ويحمل خيزرانه أو رمح ذهبي . ما هو أكثر دهشة من كل هذا هو أنّ ذلك الشخص ذو الفك المنخفض ، اللحية ، العنق واليد ، كان أسودا . أما شفتاه فقد كانتا رقيقتان ، لحيته كثيفة ، أما الزركشة ذات النمط القديم فيبدو أنها من عمل الحرفيين البابليين)) . في جدر ساسانية أخرى بنيت من مواد قديمة ، عثر على آجر مصقولة تكشف عن قدمين في نعلين من الذهب ، يد رسمت بعناية ، معصم مغطى بالأساور ، فيما تمسك الأصابع بواحدة من تلك الخيزرانات الطويلة والتي أصبحت شعار السلطة الملكية في ظل الأخمنديين . هناك قطعة من الثوب تحمل شعار (سوزا) ، مخفي جزئيا تحت جلد نمر . أخيرا هناك إفريز موشى بالزهورعلى خلفية بنية . كانت الرأس والأقدام سوداء ويظهر جليا أن كامل الزخرفة قد صممت لتنسجم مع البشرة الداكنة للوجه .  للشخصيات المؤثرة فقط الحق في حمل عصا الخيزرانات الطويلة وإرتداء الأسوار، بينما يحق  لحاكم الموقع الحصين فقط  أن يزين ثوبه بصورته المزخرفة . فوق ذلك فإن مالك الخيزرانة وسيد القلعة كانوا سودا . بناء عليه هناك إحتمال كبير بأن تكون عيلام قد حكمت بواسطة أسرة حاكمة سوداء  ومن ملامح الوجه التي وصفت سابقا يمكن الحكم عليها بأنها كانت أسرة أثيوبية )).


بعد نصف قرن أيّدت نتائج دكتور / كونتينو إستنتاجات (ديولافو) عن الدور الذي لعبه العرق الأسود في غربي آسيا . أولا يعيد إلى الأذهان رأي (كاترفاج) و (هامي) عن الأنماط العرقية المجسدة في الآثار الأشورية ، فالسوزي على وجه الخصوص (الناتج المحتمل لخليط ما من الكوشيين والزنوج بأنفه المفلطحة نسبيا ، المناخير الموسعة ، عظام الخدود البارزة ، الشفاه الغليظة ، هو نمط عرقي جرى ملاحظته وتصويره بشكل جيد . ثانيا أورد تصنيف (هوساي) للسكان الحاليين والذي ربما تألف من ثلاثة طبقات ، أحدها وصف على النحو التالي : (( يتطابق الآريون – شبه الزنوج مع السوزيين القدامى الذين هم معظمهم سودا ، سلالة من الزنوج القصار ذات سعة ضئيلة للجمجمة . إن الآريون -  شبه الزنوج كانوا عريضو الجبهة وليسوا مستطيلي الرأس مثل الزنوج العظام ويمكن أن نجدهم في اليابان ، جزر ماليزيا ، الفلبين ، غينيا الجديدة . مع أنّ هذا التصنيف قد تدخل عليه  التعديلات ، إلا أن المكان الذي نسب إليه الزنوج يظل باقيا . بوجودهم يمكننا أن نفسر وجود هؤلاء بين الأقواس الفارسية التي صّورت المحاربين السود بالآجر الملون وليست بهم السمات العرقية للزنوج . من دون المبالغة في أهمية هذا العنصر فإن وجودهم في عيلام القديمة لم يكن موضع شك )) .


إن الخلفية الزنجية المبكرة  لعيلام القديمة تسلط  ضوء جديدا على خلفية أبيات معينة من الشعر في ملحمة (جلجامش) ، قصيدة بابلية (كوشية) : يا إنليل الأب .. يا سيد البلاد .. يا إنليل الأب .. يا سيد الكلمة الصادقة .. يا إنليل الأب .. ياراع السـود . في هذه الملحمة فإن (أنو) الإله الأصلي ، أب عشتار له نفس الإسم الزنجي مثل أوزيرس (أون) . في الأبيات 92-93 (أخذت الإلهه عشتارالكلمة وتحدثت هكذا إلى أبيها الإله أنو ) . وفقا لـ (اميلينو) فإننا عرفنا أن الـ (أنو) كانوا السود الأوائل الذين سكنوا مصر ، فيما ظل عدد منهم في شبه الجزيرة العربية على إمتداد التاريخ المصري . بالتالي فإن الزنوج الـ (أنو) حقيقة تاريخية وليست تصورا ذهنيا أو فرضية قيد الدراسة . كذلك يمكننا أن نذكر وحتى في أيامنا هذه شعب الأني (أقنو) في ساحل العاج ، حيث لوحظ مبكرا أن لقب (آمون) يسبق أسماء ملوكهم . يعيد (فيكتور كريستيان) في تسلسله الزمني  الذي إعتمد على الحسابات الفلكية لـ (كوجلر) ، بداية تاريخ الأسرة الحاكمة الأولى لـ (أور) إلى الفترة ما بين 2600 – 2580 وهو التاريخ الذي تعود إليه ما يعرف بـ (المدافن الملكية) . يتراوح التاريخ الرسمي المتبنى حتى اليوم بدون سبب خاص بين 3100 – 3000 . في الواقع فإن إختيار 3100 ليس ناجم من ضرورة سوى التوافق بين  التقويم المصري وتقويم بلاد ما بين النهرين ولأن التاريخ المصري ووفقا لأكثر التقديرات إعتدالا يبدأ في 3200 فإنه أصبح لا مناص أن يبدأ تاريخ بلاد ما بين النهرين في ذات الوقت ، حتى وإن أعدت كل الوقائع التاريخية المعلومة في فترة زمنية أقصر بكثير. ملمحا إلى تقدير (كريستيان) يكتب (كونتينو) : ( ماذا علينا أن نعتقد بهذه الأرقام الجديدة ؟ في ذاتها فإنها تتيح وقتا كافيا للأحداث التاريخية ) . بالرغم من ذلك فقد كان حريصا على أن لا يتبنى ذلك التسلسل الزمني لسببين : 


(1) الأول هو أن التقدير سالف الذكر للظاهرة الفلكية والذي يفترض أن يكون معيارا ثابتا ، يخضع إلى الإختلافات .
(2) أما السبب الثاني هو أن التسلسل الزمني القصير للغاية لم يأخذ في الإعتبار الحضارات المجاورة ، إذ بصبح من الصعب تفسير أن تكون الحضارة المصرية التي بدأت بحسب أكثر تقديرات علماء الآثار المصرية إعتدالا في العام 3100 ق.م ، أن تكون قد سبقت حضارة بلاد ما بين النهرين بـ (600) سنة . 
إنّ العلاقات القائمة بين آسيا ومصرفي الحقب التاريخية الأولية هي حقيقة ثابتة وهو أمر لا يمكن تفسيره عند تقديم الحضارة المينوية ،  إذا ما إعتمدت تلك الأرقام الجديدة . يبدو المقترح صعب القبول . إنني أعتقد أن دراسة السيد / كريستيان المثيرة للإهتمام يمكن أن تقود إلى إستنتاج مقبول ، فقط إذا أحدثت دراسة مماثلة إختزالا مشابها في تاريخ إبتداء الجضارات المصرية والإيجية (نسبة إلى بحر إيجه) .


في عمل أخر نشر عام 1934 يشدّد دكتور كونتينو على أنه ((يجب أن يوضع في الحسبان التضامن العام الذي كان قائما فالحقب التاريخية بدأ تدوينها في ذات الوقت تقريبا في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين وبالرغم من ذلك فإن علماء الآثار المصرية يرفضون عموما تحديد تاريخ (مينا) مؤسس الأسرة الحاكمة الأولى بأقل من  العام 3200 ق.م)) . من الواضح من النصوص أن التزامن في تاريخ مصر وتاريخ بلاد ما بين النهرين هو حاجة نبعت من الأفكار وليست من الحقائق . تتمثل الفكرة الدافعة لذلك في تفسير حضارة مصر عن طريق حضارة بلاد ما بين الهرين أي غربي آسيا حيث الموطن الأصلي للهندو- أوربيين . إذا ما بقينا داخل إطار الحقائق المعتمدة فإننا نجد أنفسنا مضطرين للنظر إلى حضارة مابين النهرين بأنها إبنة للحضارة المصرية   ولدت متأخرا . إنّ علاقات التاريخ القديم لا تلمح بالضرورة إلى تزامن تاريخ البلدين . لنختم هذا الجزء علينا أن نتأمل هذه الفقرة التي أوردها (مارسيل بريون) إقتباسا من (لوفات ديكسون) (( قبل ثلاثون عاما لم يكن الإسم سومر يعني شيئا للعامة . اليوم هناك شيء يسمى – المشكلة السومرية – أصبح موضوعا مثيرا للجدل وللتفكير المتواصل بين علماء الآثار)) . بالإشارة إلى الآثار الفارسية يفيدنا (ديودورس) بأنها بنيت بواسطة عمال مصريين إختطفهم (قمبيز) المخرب قسرا . لقد أشعل (قمبيز) النار في كل المعابد في مصر وذلك حينما نقل الفرس كل الكنوز إلى آسيا وأختطفوا بعضا من عمال البناء المصريين وبنوا القصور الشهيرة في برسيبوليس ، سوزا ، والعديد من المدن الأخرى في ميديا)) . وفقا لإسترابو فإن تيثون الزنجي ملك أثيوبيا ووالد مينون هو من أسس مدينة (سوزا) . (( في الواقع يزعم أن سوزا أسسها تيثون أي مينون وأن قلعته حملت إسم مينوميوم . السوزيون يسمون كذلك سيزيين ، أما أسكيلوس فتسمى سيسيا والدة مينون)) . إن إسم سيسيا يذكرنا بسيسي وهو إسم عائلة أفريقية . 


فينيقيا :
إن الإنسان الذي عثر عليه في أرض كنعان والعائد إلى عصور ما قبل التاريخ والذي يعرف بالـ (ناتوفي) كان شبه زنجي . إن صناعة الأدوات القبصية – نسبة إلى قفصة بتونس – والتي جاءت بلا شك من شمال إفريقيا إلى هذا الإقليم ، كانت ذات أصل شبه زنجي . في الكتاب المقدس وحينما وصلت السلالات البيضاء الأولى إلى المكان وجدوا سلالة سوداء هناك ، الكنعانيون وهم ذرية كنعان أخ مصريم المصري وكوش الإثيوبي أبناء حام : 
((قال الرب لإبرام : أترك أرضك ، عشيرتك ، بيت أبيك إلى الأرض التي سأريك لها .. ذهب إبرام بعيدا مثلما آمره الرب وأخذ معه زوجته ساراي وفي معيته إبن أخيه لوط وكل المقتنيات والنفوس التي إكتسبوها في حاران وغادروا إلى أرض كنعان وأجتاز إبرام الأرض إلى المكان المقدس عند شكيم بالقرب من سهل موره حيث كان الكنعانيون يومها متواجدين في الأرض )) .


بعد الكثير من الأحداث إمتزج الكنعانيون والقبائل البيضاء التي مثّلها إبرام ونسله (ذرية إسحق) ليكونوا بمرور الزمن الشعب اليهودي الماثل اليوم . (( ذهب حيمور وإبنه شكيم إلى بوابة مدينتهما وتحدثا إلى مواطنيهم قائلين (هؤلاء الرجال مسالمون ، دعوهم يسكنوا معنا ويتاجروا في أرضنا فهناك متسع من المساحة لهم . دعونا نتزوج بناتهم ونزوجهم بناتنا )) . من هذه السطور القليلة التي تبدو خادعة تظهر الضرورات الإقتصادية التي كانت تحكم العلاقات بين الغزاة والكنعانيين السود في ذلك الزمان . عليه فإن التاريخ الفينيقي لا يمكن فهمه إذا ما تجاهلنا إفادات الكتاب المقدس التي بحسبها فإن الفينيقيين أو الكنعانيين هم في الأصل أشباه زنوج ، كانوا متحضرين سلفا وأمتزجوا لاحقا مع القبائل البدوية البيضاء غير المثقفة . إن تعبير (لوكو- سوريين) الذي أطلق منذ ذلك الوقت على السكان البيض لذلك الإقليم ، كان تأكيدا لإفادات الكتاب المقدس ولا يحمل تناقضا كما يعتقد (هوفر) : (( يبدو أن إسم سوري قد جاء من بابل إلى خليج إيسوس ومن الخليج وصل إلى البحر الأسود ولا زال الكاباديسيون القاطنون في (طورس) بالأضافة إلى أؤلئك الذين على البحر الأسود يحملون إسم (لوكو – سوريين) – السوريون البيض – كما لو أنهم سوريون سود )) . إن هذا يفسر التحالفات الطويلة الأمد بين المصريين والفينيقيين وحتى في الفترات التي كانت تسودها الفلاقل والمحن العظيمة كانت مصر تعتمد على فينقيا مثلما يعتمد الأخ على أخيه .


((من بين الروايات الأثرية التي نقشت على جدران المعابد المصرية والتي تشير إلى حركات التمرد الكبيرة التي إندلعت في سوريا ضد الهيمنة الأثيوبية ، لم نرى أبدا في قائمة المتمردين أسماء أهالي صيدا ، أو بعاصمتهم ، أو أيّ من مدنهم . إن أشد تلك القلاقل كانت رعبا هي تلك التي سحقها تحتمس الثالث ، سيتي الأول ، رمسيس الثاني ورمسيس الثالث والتي كانت بتحريض من الأشوريين أو الحيثيين الشماليين . في المتحف البريطاني هناك بردية لا تقدر بثمن تحتوي على رواية قصصية عن زيارة لسوريا قام بها موظف مصري في نهاية عهد حكم رمسيس الثاني ، بعد إبرام إتفاقية سلام مع الحيثيين . على إمتداد سوريا كان المسافر يسير داخل التراب المصري . ويتجول بحرية وأمان مثلما يفعل في وادي النيل ، بل وبفضل وظيفته كان يتمتع بشيء من السلطة)) .


إنّ علينا أن لا نقلل من دور العلاقات الإقتصادية بين مصر وفينيقيا لتفسير الولاء الذي كان قائما بين البلدين . يمكن للمرء أن يفهم أن الديانة والمعتقدات الفينيقية هي نسخة من الديانة والمعتقدات المصرية . تكشف مقاطع من (سانشرنياسيون) التي ترجمها (فيلو الجبيلي) وتقلها عنه (أوزيبيوس) عن نشأة الكون الفينيقية . وفقا لهذه النصوص  كانت هناك مادة لم تخلق في حالة من الفوضى ، هي في حالة إضطراب دائم (بوهو) ، فيما حلقت الروح فوق الفوضى وسميت وحدة هذين العنصرين (شيفتس) الرغبة التي هي اصل كل الخلق . إن ما يخلف إنطباعا فينا هنا هو هذا التشابه بين هذا الثالوث الكوني وذلك الذي وجد في مصر كما أورد (أميلينو) في مؤلفه (تمهيدات لدراسة الديانة المصرية) : في نظرية نشأة الكون المصرية هناك أيضا المادة التي لم تخلق وهي في حالة فوضى التي تعرف بـ (نون) الأولية والتي تحتوي على كل الكائنات المحتملة وإله التطور الكامن (خيفرو) . حالما خلق (لرع) من حالة الفوضى الأصلية ، إنتهى دور خالق الشر . من ثّم تتابع النسب بلا إنقطاع حتى قدوم  (أوزيريس) ، (إيزيس) ، (حورس) أسلاف المصريين ، ثم إنتقل الثالوث من مجال الكون إلى المجال المتعلق بالبشر كما ظهر ذلك في المسيحية لاحقا . 


من خلال أجيال تعاقبت على نظرية نشأة الكون الفينيقية ، توصلنا إلى (ميسور) سلف المصريين الذي أنجب (توت) مبتدع العلوم والآداب والذي هو (تحوت) عند المصريين . في نفس النظرية توصلنا إلى (أوزيريس) و (كنعان) سلف الفينيقيين (لينورمان – المرجع السابق ص 583) . مرة أخرى تكشف نظرية نشأة الكون الفينيقية عن قرابة المصريين والفينيقيين وكلاهما ذو أصل كوشي (زنجي) . لقد تأكدت هذه القرابة بفضل نصوص (رأس شمرا) التي عثر عليها على الساحل السوري  والتي كشفت عن أن الموطن الأصلي لأبطال الفينيقيين هو في الجنوب عند الحدود مع مصر . (( لقد أتاحت لنا نصوص (رأس شمرا) الفرصة لإعادة التقصي في أصل الفينيقيين . بينما وضعت اللوحات التي صّورت الحياة اليومية في الحسبان العناصرالأجنبية المختلفة التي كانت تشارك في العمل الروتيني اليومي ، إلا أنها تشير إلى أساطير كان لها ماض مختلف تماما ومع أنهم إهتموا بمدينة في أقصى الشمال الفينيقي ، إلا أنهم تبنوا (النقب) في أقصى الجنوب حيث مسرح الأحداث التي وصفت . بالنسبة للأبطال القوميين والأسلاف فإنهم حددوا موطنهم مابين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وهو أمر أكده هيرودتس (في القرن الخامس) ومن قبله صوفنيا في القرن السابع)) .


من الناحية الجغرافية فإن أساس الأرض الواقعة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر هي برزخ السويس والتي يمكن أن نقول أنها بتراء العرب أي أرض (الأونو السود) الذين أسسوا أون الشمالية (هوليوبوليس) في العصور التاريخية . في منتصف الألفية الثانية تقريبا (1.450 ق.م) وتحت الضغط المتزايد للقبائل البيضاء التي إحتلت المناطق النائية ودفعت بالفينيقيين تجاه الساحل ، أسس أهالي (صيدا) أولى المستعمرات الفينيقية في (بيوثيا) حيث إستقر المزيد من السكان هناك . إن إسم (طيبه) يؤكد مرة أخرى القرابة العرقية بين المصريين والفينيقين . إننا نعلم أنّ (طيبه) هي العاصمة المقدسة لمصر العليا التي أخذ منها الفينيقيون المرأتين السوداوين اللتين أقامتا وسطاء للوحي في كل من (دودونا) في اليونان و(أمون) في ليبيا . خلال نفس تلك الفترة إستقر الليبيون في أفريقيا حول بحيرة (تريتون) وفق ما تم الإشارة إليه في دراسة عن الآثار التاريخية لـ (سيتي 1) . من جهته نجد أن (كادموس الفينيقي) يجسّد  فترة (صيدا) والمساهمة الفينيقية في اليونان . يقول الأغاريق أن (كادموس) هو من أدخل الكتابة ، مثلما نقول أن الجمهورية الفرنسية هي التي أدخلت السكك الحديدية إلى غرب أفريقيا الفرنسية . وفقا للروايات الإغريقية فإن المستعمرات المصرية في اليونان نشأت في ذات الوقت تقريبا : (كيكروبس) إستقر في (أتيكه) ، (داناوس) أخ (إيجيبتوس) إستقر في (أرجوليس)  وعلّم الإغريق الزراعة وطرق المعادن (الحديد) .  


خلال هذه الحقبة الصيداوية (نسبة إلى صيدا) كانت عناصر الحضارة المصرية – الفينيقية قد عبرت إلى اليونان . في البدء كانت للمستعمرة الفينيقية اليد الطولى ، لكن سرعان ما بدأ الأغاريق في المقاومة من أجل التحرر من الفينيقيين الذين إمتلكوا السطوة على البحار وكان لهم التفوق الفني في  الفترة التي سبقت الأرجونوتيين. لقد رمز إلى هذا الصراع بالقتال بين كادموس (الفينيقي) والثعبان بن مارس (اليوناني) والتي إستمرت ثلاثة قرون : (( لقد جسّدت الخرافة الأسطورية الشقاق الذي نشأ بين السكان الأصليين عند قدوم المستوطنين الكنعانيين  من خلال القتال الذي شنه (كادموس) والإسبارطيون . منذ ذلك الوقت فصاعدا فإن الإسبارطيين الذي أبقتهم الخرافة أحياء وأصبحوا رفاقا لـ (كادموس) ، مثلوا العائلات العونية الرئيسية التي قبلت الهيمنة الأجنبية . لم ينعم (كادموس) بحكم إمبراطوريته طويلا ، إذ سرعان ما أبعد وأجبر على التنحي من السلطة بين الأنشيليين . لقد إستعادت العناصر المحلية الحكم بعد أن قبلت بسلطة الفينيقيين وتلقت منهم ثمار الحضارة . لقد ثاروا ضدهم وحاولوا طردهم . كل ما نسنطيع أن نلمحه في هذا الجزء من الرواية المتعلقة بالكادميين هو ذلك الرعب الذي لا تزال تصبغ به سلالتهم وديانتهم ، من خلال الهمجية والفحش الصارخ التي أستثير بها فقراء وكبراء الأغاريق على الذين علموهم . في التراث الإغريقي يلحق الرعب الخرافي بذاكرة الملوك الذين ينحدرون من سلالة كادموسية . لقد زودوا التراجيديا القديمة بمعظم مواضيعها )) .


عند هذه النقطة نكون قد وصلنا فعلا إلى مرحلة فاصلة حينما تحرر العالم الهندو- أوروبي من هيمنة العالم الإفريقي – الفينيقي الأسود . إنّ الصراع الإقتصادي والسياسي الذي يشبه ما تخوضه اليوم الدول المستعمرة ضد ألإمبريالية الحديثة ، قد جرى دعمه – كما هو الحال اليوم – من خلال ردة الفعل الثقافي الذي تسببت فيه ذات الأسباب . لفهم ثلاثية (أوريستيس) الدرامية وملحمة (إينيد) لفيرجيل ، فإن علينا أن ننظر عليها في سياق الكبت الثقافي . بدلا من تفسير الإنتقال الكامل من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي – كما رأى باشوفين وأخرين – فإن هذه الأعمال ترمز إلى مواجهة وصراع مفهومين مختلفين : أحدهما له جذور عميقة في السهول الأوربية الآسيوية ، أما المفهوم الأخر فمغروس في قلب أفريقيا . في البداية فإن النظام الأمومي هيمن وإنتشر على إمتداد المتوسط الإيجي ، بفضل الإستعمار المصري الفينيقي لشعوب تلك المنطقة بما فيهم السكان البيض أحيانا ، عدا ممن لهم ثقافة مختلفة لم يكن لها تأثير إيجابي في ذلك الزمن . ربما كان ذلك صحيحا بالنسبة للوكيين والمجموعات الإيجية الأخرى ، غير أن الكتاب القدامي  أفادوا بشكل إجماعي  أن هذه الأفكار لم تتغلغل فعليا في العالم الأبيض لشمالي أوروبا الذي رفضها حالما أتيح له ذلك ، حيث أن تلك الأفكار كانت غريبة بالنسبة لمفاهيمهم الثقافية . إن هذا هو معنى الإينيد . إن الإمبريالية الثقافية المصرية – الفينيقية كانت في معظمها غريبة للعقلية الشمالية ، مما صعّب من بقاء الإمبريالية الإقتصادية .


إن تاريخ الإنسانية سوف يبقى مشوشا طالما أخفقنا في التمييز بين أول مهدين للحضارة ، صاغت فيهما الطبيعة الغرائز ، المزاج ، الطباع ، المفاهيم الأخلاقية لمجموعتين قبل أن تلتقيا بعد إنفصال طويل يعود إلى عصور ما قبل التاريخ . أول هذين المهدين – كما سنرى في الفصل الذي يتناول مساهمة مصر – هو في وادي النيل من البحيرات العظمى إلى الدلتا عبرما سمي بالسودان (الأنجلو – مصري) . إن وفرة الموارد الحيوية ، الطبيعة الزراعية المستقرة ، الظروف النوعية للوادي ، تولد عنها إنسانها الزنجي المهذب ، المثالي ، ذو الطبيعة المسالمة ، المفعم  بروح العدالة والمرح . إن هذه المزايا ضرورية بصورة أقل أو أكثر بالنسبة للتعايش اليومي . بسبب متطلبات الحياة الزراعية فإن مفاهيم مثل النظام الأمومي ، الطوطمية (عبادة الوثن) ، التنظيم الإجتماعي الأكثر مثالية ، ديانه التوحيد ، ظهرت إلى حيز الوجود وقد نتجت عن هذه المفاهيم  مفاهيم أخرى فالختان جاء من التوحيد ، أما مفهوم الخنثوية فقد جاء من فكرة الآله (آمون) الخالق الذي أوجد كل الأشياء . بما أنّ (آمون) لم يخلق وبما أنه أصل كل الخلق فقد كان هناك وقت كان فيه وحيدا . بالنسبة لعقلية الأقدمين فإن (أمون) قد إحتوى ضمن ذاته كل مقومات الذكورة والأنونة اللازمة للإنجاب. عليه كإن على آمون الإله الزنجي الأعظم في السودان (بلاد النوبة) وباقي أفريقيا السوداء أن يظهر في الأساطير السودانية كخنثي . إن ذلك نجم عنه ختان الذكور والإناث في العالم الأسود . بإستخدام الظروف المادية لوادي النيل كنقطة فارقة يمكن للمرء أن يفسر كل السمات الأساسية للروح والحضارة الزنجية . 


في المقابل فإن قساوة السهوب الأوربية الآسيوية ، جدب تلك المناطق ومجمل الظروف المادية فيها ، عمل على إيجاد الغرائز الضرورية للبقاء في مثل هذه البيئة . هنا فإن الطبيعة لا تدع مجالا لتخيل العطف أو الإهتمام فعلى المرء أنّ يحصل على خبزه من عرق جبينه . إضافة إلى ذلك فإن عليه على إمتداد عيشه الطويل القاسي أن يعتمد على نفسه فقط  وعلى إمكانياته فهو لا يستطيع أن يطلق العنان في الإعتقاد بإله  يغدق عليه بالعطايا في حياته . بدلا من ذلك فإنه يستحضر الآلهة الشريرة ، الخاقدة والحاسدة : (زيوس) ، (ياهو) بين آلهة أخريات . في ظل هذا النشاط  الذي فرضته البيئة المادية على الإنسان ، كانت هناك سلفا المادية مضمنّة والتجسيد وكذا الروح العلمانية . إنّ هذا هو السبب الذي جعل البيئة تصوغ هذه الغرائز تدريجيا لدى سكان تلك المناطق وعلى وجه الخصوص الهندو – أوربيين . لقد كانت كل شعوب تلك المنطقة بيضا أو صفرا  تميل غريزيا لحب الغزو والقتال وذلك للرغبة في النجاة من تلك البيئات العدائية ، فالبيئة التي حولهم تطاردهم فإما أن يغادروها ، يستسلموا ، أو أن يحاولوا الإستيلاء على أرض تتوافر فيها عناصر طبيعية أفضل . إن الغزوات لن تتوقف طالما عرفت هذه الشعوب  منذ  الإتصال الأول مع العالم الأسود إلى الجنوب أن هناك أرضا تتوفر فيها سبل العيش ، تتوافر فيها الثروات وتزدهر فيها التقنيات . لذا ومنذ عام 1450 ق.م وحتى (هتلر) ومنذ برابرة القرنين الرابع والخامس إلى (جنكيز خان) والأتراك فإن تلك الغزوات من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب لم تتوقف .


لقد ظل الإنسان بدويا وقاسيا في تلك المناطق ردحا طويلا من الزمان . لقد أفرز المناخ البارد عبادة النار لتظل متقدة منذ نار (ميترا) إلى شعلة الجندي المجهول تحت قوس النصر ومشاعل الألعاب الأولمبية القديمة والحديثة . تتحمل حياة البداوة والترحال المسئولية عن حرق جثث الموتى بحيث يمكن نقل رماد الأسلاف  في جرار صغيرة وقد إستمر هذا التقليد عند الإغريق ، فيما أدخله الآريون إلى الهند بعد عام 1450 وذلك يفسر حرق جثمان يوليوس قيصر وغاندي في عصرنا . لقد كان الإنسان بشكل واضح عماد ذلك النوع من الحياة . لقد كان الدور الإقتصادي للمرأة في ذلك المجتمع أقل أهمية بكثير من ذلك الذي للمرأة في المجتمعات الزراعية السـوداء . بناء على ذلك فإن العائلة الأبوية البدوية كانت بمثابة الجنين الوحيد للتنظيم الإجتماعي . إن مبدأ النظام الأبوي سوف يحكم كامل الحياة لدى الهنود – الأوربيين ، من الأغاريق والرومان حتى قوانين نابوليون إلى يومنا هذا . إن ذلك سبب تأخر مشاركة المرأة في الحياة العامة في المجتمعات الأوربية مقارنة بالمجتمعات الزنجية ، فإن كان العكس يبدو صحيحا اليوم في بعض أجزاء القارة السوداء فإن ذلك يمكن أن يعزى إلى التأثير الإسلامي .


لقد تصادم هذين النوعين من المفاهيم الإجتماعية وتداخلا في حوض البحر المتوسط . على إمتداد كامل الحقبة الإيجية (نسبة إلى بحر إيجه) فإن التأثير الزنجي كان سابقا للتأثير الهندو – أوروبي . لقد كان سكان حوض المتوسط في ذلك الوقت إما زنوجا أو شبه زنوج : مصريين ، فينيقيين ومتى ما جاء البيض كانوا تحت التأثير الإقتصادي والثقافي المصري – الفينيقي : اليونان في حقبة البيوثيين ، آسيا الصغرى وطروادة ، الحيثيين والتحالف مع مصر ، الإتروسك في شمالي إيطاليا حلفاء الفينيقيين مع تأثير مصري قوي ، بلاد الغال التي مرت بها القوافل الفينيقية في ظل التأثير المباشر لمصر . لقد إمتد هذا النفوذ الزنجي ليصل إلى قبائل جرمانية بعينها ، عبدت (إيزيس) الآلهة الزنجية : (( في الواقع فقد عثر على نقوش إرتبطت فيها (إيزيس) بمدينة نوريا وهي  اليوم في النمسا . كذلك هناك محاريب لـ (إيزيس) ، (أوزيريس) ، (سيرابيس) ، (أنوبيس) في كل من : فريجوس ، نيم ، أرل ، ريز (جبال الألب السفلى) ، باريزيت (إيزيز) ، ماندويل (جار) ، بولونيا (جارون العليا) ، ليون ، بيزانسون ، لانجر ، سويسون . لقد جرى تبجيل (إيزيس) في مولان ، في يورك وبروقهام كاسل وفي بانونيا ونوريك )) . ربما بدأت عبادة (العذروات السوداوات) في نفس تلك الفترة . إن هذه العبادة لا تزال باقية في فرنسا ( عذراء شارترز السوداء) . لقد بقيت حية للدرجة التي قامت فيها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أخيرا بترسيمها ، بل ربما كان إسم العاصمة الفرنسية (باريس) تفسيرا لعبادة (إيزيس) . إن الكلمة (باريسي) يمكن أن تعني تماما (معبد إيزيس) لأن هناك مدينة بهذا الإسم على ضفاف النيل ، فيما يمثل المقطع الهيروغلوفي (بير) سور المعبد في (أويز) . لقد أشار الكاتب إلى الحقيقة التي مفادها أنّ أول من سكنوا موقع (باريس) الحالي وقاتلوا ضد القيصر ، كانوا يحملون إسم (باريسي) لسبب ما غير معلوم حتى اليوم . لقد كان من الواضح تماما أن عبادة (إيزيس) كانت واسعة الإنتشار في فرنسا ، خاصة في الحوض الباريسي حيث كانت توجد معابد (إيزيس) في كل مكان أو بشكل أكثر دقة (دور إيزيس) حيث أن المعابد كانت تسمى في اللغة المصرية القديمة ولغة الوولف الحالية بـ (بير) وهي تعني السور الذي يحيط بالبيت أو الدار . إن إسم (باريس) يمكن أن يكون قد نتج من جمع الكلمتين (بير – إيزيس) وهو إسم سميت به مدن بعينها في مصر بحسب (هوباك) مقتبسا من (ماسبيرو) . بناء على ذلك فإن جذر إسم العاصمة الفرنسية ربما أشتق بشكل أساسي من لغة (الوولف) . إن هذا يشير إلى أي مدى جرى عكس الوضع .


إن هناك ملامح ثقافية أخرى مشتركة بين الغرب وأفريقيا السوداء ففي الكلمات نجد       أن كلمة ( كير) تعني دار بالمصرية ولغة الوولف والبريتون ، أما كلمة (دانق) فتعني مقام في لغة الوولف واللغة الأيرلندية ، في حين أن كلمة (دون) تعني جزيرة بلغة الوولف فيما تعني المكان المنعزل المغلق (على الأرض) باللغة الكلتية والأيرلندية . لذلك عرفنا أسماء مثل فير – دون ، شاتو – دون ، لوج – دون – أوم (ليون) وهكذا . إنه من المهم تسليط الضوء على العلاقات بين تبادلات الحروف الساكنة في لغات بريطانيا وأفريقيا وأن علينا أن ننسب ذات التأثير إلى  وجود الإله (أني) بين الأيرلنديين والأتروسك . إن تأثير المصري – الفينيقي على الأتروسكيين كان واضحا تماما مثلما هو على السابيين الذي يشي أسمهم وعاداتهم بالحضارات الزنجية الجنوبية . إن التمييز  بين مهدي الحضارة الذي وضع أخيرا ، يمكننا من تفادي الإرتباك والغموض المتعلق بأصول الشعوب التي إلتقت في شبه الجزيرة الإيطالية . كان السابيين والأتروسك يدفنون موتاهم . بالنسبة للأتروسك فقد كانوا يعرفون التابوت المصري ويستخدمونه .  لقد كان هؤلاء السكان زراعيين ويحكم حياتهم النظام الأمومي . لقد نقل الأتروسك كل عناصر الحضارة المصرية إلى شبه الحزيرة الإيطالية : الزراعة ، الديانة ، الآداب بما في ذلك الأدب الديني . حينما دمر الرومان الأتروسك إستوعبوا جوهر تلك الحضارة ، بينما إستبعدوا تلك الجوانب الأكثر غرابة بالنسبة لمفهومهم الأورو- أسيوي  للنظام الأبوي . بهذه الطريقة وبعد فترة إنتقالية لـ (التاركان) أخر ملوك الأتروسك ، جرى التخلص بشكل تام من النظام الأمومي الأسود .

msaidway@gmail.com[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salih sam

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المهنة : College student
المزاج : اللهم سلم السودان و اهل السودان
التسجيل : 09/05/2011
عدد المساهمات : 7924
معدل النشاط : 6293
التقييم : 268
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة   السبت 31 مايو 2014 - 19:40

(7)

[rtl]
بنهاية عالم قديم وبداية عالم جديد ، فإن الثقافة السوداء في أشكالها التي بدت أكثر غرابة للمفاهيم اليورو – أسيوية قد جرى إستبعادها من حوض المتوسط الشمالي . إنه لم يعد لها بقاء إلا كأساس بين الشعوب الصغيرة التي وصلت إليها الحضارة . إن هذا الأساس يصعب علينا حتى اليوم أن نحدد مداه . لكل ذلك فإن علينا أن نضيف بأن اللبوة الرومانية تبعث على التذكير بالطوطمية الزنجية الجنوبية كما أن  (سابيين) تحمل في داخلها جذر الكلمة (سبأ) . بناء على ذلك فإن تاريخ الإنسانية يبدو واضحا تماما . بالرغم من أعمال التخريب المتكررة منذ أيام (قمبيز) مرورا بالرومان ، مسيحيي القرن السادس في مصر ، الفاندال ، الخ .. فإن لدينا من الوثائق ما يكفي لكتابة تاريخ واضح للبشرية . إن الغرب اليوم يدرك ذلك تماما ، غير أنه تنقصه الشجاعة الفكرية والأخلاقية المطلوبة وهذا هو سبب التشويش الواقع اليوم على الكتب المدرسية بشكل متعمد . لذا يتعين علينا كأفارقة أن نعيد كامل تاريخ البشرية من أجل تنويرنا وتنوير الأخرين .


(( إن ذات التأثير الزنجي يمكن أن يفسر كذلك الواقع اللغوي الصوتي الذي أورده (فون فارتبرج) والذي شدد على التوسع في إستخدامه . إن تغيير (الـ ) إلى (دد) – بإنثناء طرف اللسان أو بأخره -  لدى أهل سردينيا ، صقليه ، أبوليا ، كلابريا ، لا يعوزه الأهمية . وفقا لـ (ميرلو) فإن هذه الطريقة المميزة في النطق ربما تكون عائدة إلى شعوب البحر المتوسط التي عاشت في تلك البلاد قبل أن تصبح رومانية . مع أنه توجد أصوات من ذات النوع في لغات أخرى ، إلا أن التغيير في النطق بطابع قديم بشكل واضح كان واسعا جدا وفي مناطق شاسعة إمتدت عبر البحار ، مما يجعل تصور (ميرلو) صحيحا بالتأكيد . لقد إكتشف كل من (بوت) و (بينيفي) منذ وقت طويل أن هذا النطق قد أدخل في اللغات الآرية التي كان يتحدث بها غزاة (ديكان) الذين تحدروا من الشعوب الدرافيدية )). 


بناء على ذلك فإن إدخال تلك الأصوات في اللغات الآرية للهند حينما تعرض هذا البلد للغزو من قبل شعوب الشمال الهمجية ، كان عائدا لتأثير الزنوج الدرافيديين . يمكن الإفتراض بأن ذات الشيء قد حدث في حوض البحر الأبيض المتوسط ، لكون اللغة المصرية واللغات الزنجية تشبعت بتلك الأصوات . في المكسيك وقبل قدوم كولمبوس كان يتم دفن الفلاحون فيما تحرق جثامين المحاربين ، ممارسة يمكن أن تفسر التمييز الموجز آنفا عن مهدي الحضارة البشرية . ربما إلتقى البيض القادمون من الشمال والسود الذين عبروا الأطلنطي من أفريقيا وأمترجوا تدريجيا لينتج عن ذلك الجنس الأصفر للهنود بشكل أكثر أو أقل . هنا تفسير موجز : حينما أكتب أنّ العرب واليهود ، الفرعين العرقيين المعروفين اليوم بالساميين هم خليط من السود والبيض ، فإن تلك حقيقة تاريخية يمكن إثباتها ، جرى إخفاؤها زمنا طويلا وحينما أقول أن السلالات الصفراء هي خليط من السود والبيض فإن ذلك إفتراضا جدير بالإهتمام والدراسة لكل الأسباب التي جرى الإستشهاد بها آنفا .


مع أن الفرضية التي مفادها أنّ الإنسان تواجد في آن واحد في كل مكان ذات جاذبية علمية ، إلا إنها تظل غير مقبولة طالما أننا لم نعثر على إنسان أحفوري في أمريكا ، وهي القارة التي لم تغمرها المياه في فترة العصر الجليدي الرابع والتي ظهر فيها الإنسان وكل المناطق المناخية من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالي . كما أشير سابقا فإنه من المفيد أن تكون هناك دراسة منتظمة للجذور اللغوية التي إنتقلت من اللغات الزنجية (المصرية وغيرها) إلى اللغات الهندو – أوربية على إمتداد فترة إتصالهم . هناك مبدأين يمكن أن يقوداننا في هذه الدراسة : (1) أسبقية الحضارة وأشكال التنظيم الإجتماعي في البلاد الزنجية مثل مصر (2)  إحتمالية أن تكون الكلمات التي تعبر عن فكرة التنظيم الإجتماعي أو جانب ثقافي أخر ، مشتركة مع اللغات المصرية ، اللاتينية أو الإغريقية دون أن تظهر في لغات أخرى من عائلة اللغات الهندو – أوربية . على سبيل المثال : 


تعني المحارب في اللغة المصرية     Maka
تعني المحارب ، المبجل بلغة الوولف    Mag
تعني العظيم ، المبجل بلغة الوولف    Kay Mag
تعني الملك ، العظيم . أستخدم هذا التعبير للإشارة إلى ملك غانا منذ القرن الثالث إلى حوالي عام 1240 . كانت اللغة هي لغة السراكولي ( أو لغة قريبة منها) . في كل الأحوال فهي تتصل بلغة الوولف بشكل واضح .    Kaya magan
تعني العظيم في اللغة اللاتينية . لم يرد ذكر اللاتينيون في التاريخ قبل 500 قبل الميلاد .    Magnus
تعني شارلمان ، شارل العظيم ، أول إمبراطور للغرب .    Carle Magnus
تعني العظيم باللغة الإغريقية أما جذرالكلمة فلا يوجد في  مفردات اللغات الأنجلو – ساكسونية والجرمانية ، عدا كونها إستعارة واضحة من اللغة اللاتينية .     Mega
(Root: Magnus)
إسم أسكتلندي أصيل .    Mac
آلة موسيقية في غرب أفريقيا ، أغنية بالإغريقية .    Kora
إله مصري تجسده الشمس وهو لقب الفرعون .    Ra, Re
إله سماوي يتمثل صوته في الرعد     Rog
تعني الملك في اللغة اللاتينية ، أما في اللغات الأنجلو – جرمانية فتجيء (كينق) أو (كونيق) .    Rex

في ذات السياق يمكننا أن نبحث في الكلمة (هيمن – تعني بالفرنسية زواج) التي ربما كان لها صلة بالنظام الأمومي الزنجي وتوحي بكلمة (مين) التي تعني الإنتساب إلى الأم في لغة الولوف وكذلك تعني الثدي في اللغة المصرية ولغة الوولف أيضا ، كما تشير إلى ملك مصر الأول (مينا) المحّور إسمه . لذا فإن في هذا الإسم ما يشير إلى فكرة الإنتقال الأمومي للسلطة السياسية . إنه ليس من باب المصادفة أن يحمل ذلك الملك السوداني الذي  كان أول من أرسى قواعد لعبادة الشمس في بلاد النوبة ، إسم (مين – ثيو) وهو إما أن يكون معاصرا لـ (مينا) أو سابقا له . 


إن كل الأشياء تبقى قيد التمعن حينما يقول النازيون أنّ الفرنسيين زنوج ، فإذا ما تجاهلنا القصد التحاملي لذلك التأكيد ، فإنه يبقى قائم على أساس تاريخي ، إذ أنه يشير إلى تلك الإتصالات التي حدثت بين شعوب المنطقة في الحقبة الإيجية (نسبة إلى بحر إيجه) . إن ذلك القول صحيح ليس فقط حصرا على الفرنسيين ، بل كذلك على الإسبان ، الإيطاليين ، اليونانيين ، الخ .. فكل هذه الشعوب ذات البشرة الأقل بياضا من الأوربيين الأخرين ، يميلون بشكل تواق إلى موطنهم الجنوبي . ما هو مزيف في الدعاية النازية هو الزعم بالتفوق العرقي ، مع أنه من دون شك أن الجنس الشمالي ذو العيون الزرقاء والشعر الأشقر كان الأقل إختلاطا منذ العصر الجليدي الرابع . إن هذه النظريات النازية تثبت ما قلته عن عدم إخلاص المتخصصين ، إذ أنها تبين أن التأثير الزنجي على البحر المتوسط ليس خافيا على أي باحث ، لكنهم يتظاهرون بعدم معرفتهم لذلك ، أو يستخدمونه حينما يشعرون بالإنحياز . 


وفقا لـ (لينورمان) فإن الفلسطينيين المنحدرين من ذرية (يافث) ، غزو في القرن الرابع عشر قبل الميلاد سواحل كنعان ، لكن رمسيس الثالث هزمهم ودمر أسطولهم وأقصى بالتالي أي إمكانية لعودتهم عن طريق البحر . لقد أضطر الفرعون إلى أن يجد سبيلا لإيواء شعب كامل ، حرم من أي وسيلة للخروج . لذا فقد منحهم أرضا حيث إستقر الفلسطينيون هناك . بعد قرنين من تطورات الأحداث عمد الفلسطينيون إلى تدمير (صيدا) في القرن الثاني عشر ، في ذات الفترة التي ألحق فيها الإغريق هزيمة بطرواده التي تلقت يومها مددا من ملك مصر قوامه 10.000 مقاتل إثيوبي . لقد أسس الفينيقيون (صور) التي رحبت باللاجئين من (صيدا) . في المقابل فإن إسبانيا أصبحت محطة على الطريق إلى بريطانيا وجزر سورليج ، حيث كان الفينيقيون يذهبون لجلب القصدير الذي يستخدمونه في صناعة البرونز . لقد كان إستعمار إسبانيا سريعا وفي ذلك الوقت كان التهجين قد بلغ مدى كبيرا للدرجة التي إعتبر فيها الأغريق سكان شبه الجزيرة الإيبيرية من أصل كنعاني . إذا كان الإسبان اليوم أكثر الأوربيين سـمرة فإن ذلك يجب أن يعزى إلى التهجين أكثر من أن يعزى إلى إتصالهم الأخير بالعرب – بعيدا عن التأثيرات العرقية التي يمكن أن تكون قد نجمت عن وجود الجنس الجرمالدي الزنجي في جنوب أوروبا عند نهاية العصر الحجري الجديد (لينورمان – نفس المصدر ص 509 – 510). 


لقد حل الإستعمار الروماني محل الإستعمار الفينيقي ، أولا في إيطاليا حيث طمس كل ما يذّكر بالأتروسك من آثار ولغة ، ثم في إسبانيا وأفريقيا مع تدمير (قرطاج) التي تأسست على الساحل الأفريقي حوالي عام 814 ق.م  وكانت (قرطاج) واحدة من أخر المستعمرات الفينيقية . منذ عام 1450 غزا الليبيون البيض أو (الريبو) وهم من شعوب البحر شمال أفريقيا غرب مصر . قبل تأسيس قرطاج كان لديهم الوقت للإنتشار على إمتداد الساحل في إتجاه الغرب مثلما ذكر (هيرودتس) ، ثم جاء وقت سكن السود المحليين الذين تواجدوا هناك على إمتداد التاريخ القديم في المناطق النائية من (قرطاج) وكذلك من قبل القبائل الليبية البيضاء . لقد حدث التهجين بالتدريج كما في إسبانيا ، حيث كان القرطاجيون نخبة وعامة من أشباه الزنوج بشكل واضح . إننا لسنا في حاجة للتشديد على الحقيقة التي مفادها أن (هانيبال) القرطاجي  الذي أخفق بالكاد في أن يدمر روما والذي يعتبر واحدا من أعظم القادة العسكريين على مر العصور كان شبه زنجي . إنه يمكن القول أنه بإخفاقه فإن تفوق العالم الزنجي أو شبه الزنجي قد إنتهى . من ثمّ فقد إنتقلت الشعلة إلى الشعوب الأوربية في شمالي المتوسط . منذ ذلك الوقت فصاعدا  فإن الحضارة الفنية لتلك الشعوب إنتشرت من الساحل في إتجاه الأجزاء الداخلية للقارة (عكس ما حدث في أفريقيا). منذ ذلك الوقت هيمنت شعوب شمال المتوسط على جنوبه وعدا الإختراق الإسلامي فإن أوروبا حكمت أفريقيا منذ ذلك الوقت حتى اليوم . مع النصر الذي حققه الرومان على قرطاج ، بدأ الإختراق الأوروبي والسيطرة على أفريقيا وقد وصل ذلك إلى ذروته في نهاية القرن التاسع عشر . 


عند دراسة الحضارة التي نطورت في حوض البحر المتوسط ، يتضح أنه من غير الممكن إضفاء صفة المبالغة على الدور الجوهري الذي لعبه الزنوج وشبه الزنوج في وقت كانت فيه الأجناس الأوربية لا تزال همجية : (( لقد كان للفينيقيين مراكز تجارية في كل مكان وقد أحدثت هذه المراكز تأثيرا واسعا على مختلف الدول التي تواجدت فيها . لقد أصبح كل مركز تجاري بمثابة نواة لمدينة كبيرة ، لا سيما للأهالي المتوحشين الذين جذبتهم تلك المراكز بسبب مزاياها وأغرتهم الحياة الحضرية التي سرعان ما عملت على تجميعهم حول المراكز التجارية الفينيقية . لقد كانت مراكز نشطه فيما يتعلق نشر الصناعة والحضارة المادية . في الواقع فإن القبائل الهمجية لم تشرع في الدخول في تجارة نشطة طويلة الآجل مع شعب متحضر قبل أن تستعير شيئا من ثقافته ، خاصة حينما تكون تلك الشعوب ذكية وقابلة للتقدم مثل الأوربيين . لقد تولدت إحتياجات جديدة فالأوروبي سعى وبشغف للمنتجات المصنّعة التي كانت تجلب إليه والتي كشفت عن نقاء أبعد مما كان يتصور ، ثم سرعان ما دفعت الأوربي الرغبة لمعرفة أسرار صناعات تلك الشعوب حتى يتعلم الفنون التي أنتجتها ولكي يبدأ بنفسه في إستخدام الموارد التي تمده به أرضه ، بدلا من تسليمها إلى هؤلاء الأغراب الذين يعرفون كيفية الإستفادة منها . إن التأثير المباشر للحضارة على الهمجية متأصل في الطبيعة البشرية وهو أمر يتسلل بغير وعي  برغم سوء التفاهمات ، الحقد ، العداء وحتى الحروب التي يمكن أن تندلع بين التجار والشعوب التي يتعاملون معها وقد حدث ذلك مع الفينقيين والأغاريق رغم أن علاقاتهما في البداية كانت أبعد من الودية )) .


بينما كان الفينيقيون يسيطرون على البحار ، كانت تجارة جلب النساء البيض إلى العالم الأسود تجري على قدم وساق . في الواقع يجب عدم التقليل من دور هذا النشاط  في تبييض بشرة المصريين . الإقتباس التالي لا يدع مجالا للشك عن واقع وأهمية تلك التجارة وإختلاف  لون المصريين السود عن البيض ساكني السواحل الشمالية : 
(( كانت السفن الفينيقية المحمّلة بالبضاعة من مصر وآشور ترسى على الميناء الإغريقي وتعرض بضائعها على الشاطيء لمدة خمسة أو ستة أيام حتى تمنح سكان الداخل الوقت الكافي للمجيء ، المشاهدة والشراء . كانت النساء البيلوبونيزات وبدافع حب الإستطلاع يقترين من السفن غير مباليات  ومن بينهن (إيو) إبنة الملك إيناخوس. عند إعطاء إشارة متفق عليها يتم إختطاف النساء الإغريقيات الجميلات من قبل القراصنة ويحملنّ بعيدا، ثم سرعان ما يرفعوا المرساة وينطلقوا نحو مصر . كان على الفرعون أن يدفع ثمنا عاليا مقابل هؤلاء الفتيات ذوات البشرة البيضاء والملامح الصافية ، المختلفة تماما عن تلك الشحنة البشرية التي كانت تجلبها جيوشه من سوريا )) .


في ذات السياق يمكننا أن نذكر إختطاف إبنه النبيل (إسكيروس) بواسطة فينيقيي (أوميا) وإغتصاب (هيلين) بواسطة (باريس) بن (بريام) . يفترض أن يكون قد حدث هذا في طروف مماثلة ، إن كان علينا أن نتذكر أنّ الفرعون قد أرسل 10.000 إثيوبي لمساعدة طرواده . لقد كان الكنعانيون أكثر سرعة في التهجين من المصريين ، كونهم كانوا أقل عددا ومواقعهم أقرب لطرق الهروب التي كان يمر بها البيض الذين إنتهى بهم الأمر في النهاية إلى غزو الإقليم من كل الأنحاء . أما الشعب اليهودي الآتي من نسب (إسحق) والذي عرف بالفرع السامي فيبدو أنه كان نتاج ذلك التهجين وذلك هو السبب الذي دفع مؤرخ لاتيني القول بأن اليهود ذوي أصل زنجي . إنّ روح السخرية والروح التجارية التي شكلت أساسا فعليا للكتاب المقدس (سفر التكوين ، سفر الخروج) ، تعكس ببساطة الظروف التي عاش فيها الشعب اليهودي منذ البداية . إن الإنتاج الفكري لليهود منذ البداية وحتى اليوم ، تفسره أيضا الظروف التي ظلوا يعيشون تحتها بشكل دائم .  منذ شتاتهم ومنذ تشكيلهم تجمعات لأشخاص بلا وطن ، فإن الشعب اليهودي عايش وبشكل دائم قلق مزدوج : ضمان وجودهم المادي في البيئات العدائية والخوف الناجم من الإضطهاد والمذابح المتكررة . في الماضي القريب نسبيا وعلى السهوب الأورو – آسيوية لم تتح الظروف الطبيعية مساحة للتخيل والكسل ، فإذا فشل الإنسان في صنع حضارة مدهشة هناك ، فإن ذلك يعود إلى أن البيئة كانت معادية تماما .


أما اليوم فإن الظروف السياسية والإجتماعية لم تدع لليهود مجالا للترف الفكري فهم لم يحسبوا في عداد التاريخ حتى مجيء النبيين (داؤود) و (سليمان) ، إو عند بداية الإلفية الأولى في عهد ملكة سبأ ووقتها كان عمر الحضارة المصرية أو بالأحرى الحضارة النوبية السودانية عدة الآف من السنين . إنه من غير القابل للتفكير محاولة تفسير مساهمة اليهود في هذه الحضارة . لقد كان (سليمان) ملكا لقطاع صغير من الأرض وهو لم يحكم العالم أبدا كما تزعم الأساطير . في الواقع فإنه شارك مع تجار (صور) في بناء ميناء بحري لإستغلاله في التوجه إلى أسواق ما وراء البحار . بفضل ذلك النشاط التجاري ، إزدهرت فلسطين تحت حكمه . إن ذلك هو الحكم الوحيد الهام في تاريخ اليهود منذ ذلك العهد وإلى اليوم . لاحقا عمل (نبوخذ نصر) الذي تمكن من هزيمتهم على نقلهم إلى (بابل) وتلك هي الفترة التي عرفت بفترة (السبي) . شيئا فشيئا تشتت   اليهود وإضمحلت بسرعة دولتهم ولم تعاود الظهور حتى بروز الصهيونية الحديثة بقيادة (بن غوريون) . 


لم يحدث أن تجرأ بحث أنثربولوجي على أن يثبت وبشكل واضح أنه ليس للفينيقيين شيء يجمعهم مع النموذج اليهودي الرسمي . حيث أن الفينيقيين قد إنتشروا على إمتداد البحر الأبيض المتوسط فإنه  قد جرى البحث عن رفاتهم في مواضع مختلفة من ذلك الحوض . لذا فقد عثر على جماجم غرب (سرقوسه) إفترض إنها عائدة للفينيقيين ، غير أن هذه الجماجم كانت تحمل ملامح مميزة تشابه الجنس شبه الزنجي من حيث إستطالة الرأس وبروز الفكين (أوجين بيتار- الأجناس والتاريخ – باريس 1924 ص 108) . كذلك إقتبس (بيتار) وصفا من (بيرتولون) غن القرطاجينيين والباسكيين الذين يعتبرهم  (بيرتولون) فرعا من القرطاجنيين . إن هذا الوصف هام لأن المؤلف ومن دون التحقق من الوصف ، قدم وصفا للنموذج الزنجي : (( لقد قدم (بيرتولون) وصفا لرجال إعتبرهم الذرية الباقية من القرطاجنيين القدماء وأنهم ذوو بشرة سمراء جدا . إن ذلك يعكس عادة الفينيقيين في تلوين تماثيلهم باللون البني المحمّر لنسخ لون البشرة . الأنف مستقيمة وأحيانا مقعرة قليلا ، في الغالب مكتنزة وأحيانا مفلطحة عند النهاية ، أما الفم فهو متوسط وأحيانا واسع تماما . بالنسبة للشفاه فهي غليظة وعظام الخدود ليست بارزة تماما. 


بالرغم من لطف هذه التعابير ، إلا إنه من السهل أن ندرك أننا نقرأ فقط وصفا لزنجي أو على الأقل شبه زنجي . إن نفس الكاتب يبين لنا أن كامل الطبقة الأرستقراطية من القرطاجنيين تحمل ملامح مشابهة للزنوج (( هناك عظام أخرى أكتشفت في قرطاج وأودعت متحف (لافيجيري) عثر عليها في توابيت خاصة ، ربما تعود إلى النخبة القرطاجنية . إن لكل الجماجم تقريبا إستطالة في الرأس مع وجه صغير نوعا ما )) . إن الرأس المستطيل والوجه الصغير هو من مميزات الجنس الزنجي . ما هو أكثر أهمية من ذلك هي فقرة أخرى أوردها بيتار نفسه ، تثبت بشكل أكثر إقناعا أن الطبقة العليا من المجتمع القرطاجي كانت زنجية أو شبه زنجية . (( إنّ الذين زاروا مؤخرا متحف لافيجيري في قرطاج سوف يتذكرون أنّ التابوت المهيب لكهنة (تانيت) قد أكتشف بواسطة الأب (ديلاتري). لقد وجد أن هذا التابوت هو الأكثر زخرفة وفنية منذ إكتشافه حتى اليوم والذي ربما يمثل الآله نفسه على صورة التابوت الخارجية . يفترض أن يكون هذا التابوت عائدا لشخصية دينية سامية ، أما المرأة التي  دفنت هناك فلها ملامح زنجية وهي تنتمي للجنس الأفريقي – ص 410)) .


ما أستنتجه المؤلف من هذه الفقرة أن هناك سلالات عديدة تعايشت معا في قرطاج ونحن نتفق معه في ذلك بشكل جلي . بالرغم من ذلك فإن هناك إستنتاج واحد لم يستمده المؤلف وهو الأكثر إضطرارا للجوء إليه وهو أنه من بين السلالات العديدة التي تعايشت في قرطاج فإن الجنس الزنجي كان هو الأكثر إحتراما ورفعة إجتماعية والأكثر توليا للمناصب السياسية ، إذا كان علينا أن نحكم بالبراهين المادية بدلا من تفسيرها بشكل يتوافق مع التحيزات التي عرفناها . إذا قدر لـ (باريس) أن تدمرها قنبلة ذرية ولم يمس الدمار مقابرها ، فإن علماء الآثار كانوا سوف يفتحون القبور لمعرفة إن كانت (باريس)  قد سكنها الفرنسيون وحدهم أم لا . من جهة أخرى سوف يكون من غير المتصور أن تكون الجثة المدفونة في أكثر المدافن جمالا مثل تلك التي لـ (نابوليون) في الأنفاليد ، عائدة لعبد أو شخص مجهول . بناء على ذلك إذا رغب شخص في ذلك فعلا ، فإن السلالة الفينيقية وكل السلالات الزنجية الأخرى ذات الصلة التي تدين لها البشرية ببلوغ الحضارة ، يمكن تعريفها يشكل أكثر دقة . يمكننا أن نفعل ذلك حتى بواسطة الوسائل الأنثربولوجية ، مع أن التجربة قد أظهرت أنه من الممكن أن يؤازر شخصا أي نظرية يأمل فيها . بأمل العثور على دليل يشير بشكل مؤكد ونهائي إلى أن مولد الجضارة كانت في غربي آسيا ، فإن الملايين تصرف  من أجل البحث عن الإستحكامات المبنية من الطين في بلاد ما بين النهرين .


مع أن أؤلئك الذين تعهدوا بذلك العمل لديهم بصيص أمل في بلوغ أهدافهم ، إلا إنهم مع ذلك إستمروا كما لو أن العمل الروتيني أصبح بالنسبة لهم عادة دائمة . في المقابل فإن الموقع الصحيح للمدافن الفينيقية معلوم . كل ما هو مطلوب الذهاب إليها وفتحها من أجل الحصول على معلومات عن الجثث التي تحتويها . لقد رؤي أنه من الأفضل عدم مسها لأنها تثبت الأصل الزنجي لهذه الجثث وهو أمر يستحيل إنكاره : (( لإكتشاف الخصائص الأنثربولوجية للفينيقيين القدامى فإنه من الضروري فحص الجماجم في مدافن العصر الفينيقي العظيم ، على الشواطيء بالذات حيث طوّرت كل من (صور) و (صيدا) قوتها كمراكز تجارية . للأسف فإن هذه الوثائق الهامة لم تتح بعد لعلماء نشوء الأعراق . إن ذلك سيكون متاحا يوما ما ، بعد أن يؤدي البحث المنتظم إلى المحافظة على البيانات الآثرية والجماجم التي جرى التعهد بها )) . لقد كتب ذلك عام 1924 . منذ ذلك التاريخ فإن القليل من الحفريات جرت في الإقليم ( إنقطعت الحفريات في رأس شمرا  عام 1939) . لقد أكتشفت الكثير من الوثائق بالصدفة . إن أكثر المدافن قدما جرى العثور عليها في بيبيلوس بـ (فينيقيا) بواسطة (دوناند)  والتي ربما يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث . إن ما يسمى اليوم الجنس المتوسطي الأسمر ليس سوى الجنس الزنجي . علاوة على ذلك فإن بعض الجماجم التي أظهرت تشوها ، عثر عليها اليوم  فقط بين زنوج المانجبيتو في الكونغو .


جزيرة العرب : 
وفقا لـ (لينورمان) فإن الإمبراطورية الكوشية نشأت أصلا على إمتداد جزيرة العرب . إن هذه هي الحقبة التي جسدها العاديون من (عاد) ، أحفاد (حام) السلف الأعلى للسود بحسب الكتاب المقدس . إن (شداد) إبن عاد وباني (جنة الأرض) الأسطورية ينتسب إلى تلك الحقبة التي تعرف بـ (عاد الأولى) . لقد دمرت هذه الإمبراطورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد بغزو من قبل القبائل اليهودية البيضاء الوعرة ، التي يبدو أنها جاءت للإستقرار بين السود . أخذ الأمر وقتا طويلا قبل أن يسترد العنصر الكوشي السيطرة السياسية والثقافية ، أما القبائل البيضاء الأولى فقد ذابت بالكامل مع الكوشيين . لقد أطلق على تلك الحقبة (عاد الثانية) – لينورمان ص 260 – ص 261 . 


إن هذه الحقائق التي يتفق معها حتى الكتاب العرب سوف تصبح قريبا أكثر وضوحا ، ذلك أن الجنس العربي لا يمكن تصوره شيء أخر سوى أنه خليط من السود والبيض وهي عملية تستمر حتى اليوم . إن نفس هذه الحقائق تثبت أيضا أنّ السمات المشتركة للثقافة السوداء والثقافة السامية قد جرى إستعارتها من السود . إن محاولة تفسير العالم المصري الزنجي من خلال العالم السامي ، محاولة من المستحيل المضي فيها بسبب وجود  بعض من المتشابهات في القواعد  اللغوية فقط مثل إقتران اللواحق ، لواحق الأسماء ، والتاء للأنثى . إن العالم السامي كما نتصوره اليوم حديث العهد جدا ليفسر حضارة مصر . كما رأينا فإنه قبل القرن الثامن عشر قبل الميلاد فإن الزنوج (الكوشيين بحسب المصطلح الرسمي) كانوا متواجدين في إقليم الجزيرة العربية . لقد كان التسلل إلى الجزيرة العربية قبل الإلفية الثانية غير ذي أهمية نسبيا . في القرون الأولى من عصر (عاد الثانية) قهرت مصر تلك البلاد تحت أقلية (تحتمس الثالث) . يعتقد (لينورمان) أنّ الجزيرة العربية هي أرض بونت وأرض ملكة (سبأ) . إنه علينا أن نذّكر القاريء بأن الكتاب المقدس حدد موضع (بوط) أحد أبناء حام  في نفس البلد .


في القرن الثامن قبل الميلاد أصبح (القحطانيون) أقوياء بما فيه الكفاية للسيطرة على السلطة  ، مثلما دان الأمر للأشوريين على  البابليين  بذات الطريقة خلال نفس الفترة  ( وكذلك الكوشيين) : (( مع أنهما إشتركا في نفس العادات واللغة ، فإن العنصرين اللذين شكلا السكان في جنوبي الجزيرة العربية ، ظلا متميزين تماما بمصالح متضاربة مثلما في حوض الفرات : الآشوريين الذين يشبهون الساميين والبابليين الذين يشبهون الكوشيين . على إمتداد الفترة التي عاشتها إمبراطورية عاد الثانية ، كان القحطانيون تحت حكم الكوشيين ، غير أنه جاء اليوم الذي شعروا  فيه بأنهم أقوياء بما يكفي ليكونوا أسيادا بدورهم . بقيادة (لاربو) هجموا على أهل (عاد) وأصبحوا قادرين على التغلب عليهم . حدد تاريخ تلك الثورة في بداية القرن الثامن قبل الميلاد )) .


لقد ذكر (لينورمان) أنه بعد إنتصارالقحطانيين عبر بعض أهل عاد البحر الأحمر عند (باب المندب) للإستقرار في إثيوبيا ، بينما بقي أخرون في الجزيرة العربية متخذين من جبال حضرموت وأماكن أخرى ملجأ لهم ومن هنا جاء المثل العربي ( تفرقوا أيدي سبأ) وهذا هو السبب الذي جعل الجزيرة العربية وأثيوبيا لا تنفصلان من الناحية اللغوية والأنثربولوجية (( قبل وقت طويل من إكتشاف اللغة الحميرية ونقوشها ، لوحظ أن اللغة الإثيوبية -  جيز -  بقيت حية في اللغة اليمنية القديمة)) . لقد كانت هذه هي العلاقات بين الإقليمين ، غير أننا بعيدون عن أي فكرة تفيد بهجرة جنس أبيض متحضر خلال فترة ما قبل التاريخ ، عبر باب المندب أو عبر أي مكان أخر . إننا يمكننا أن نفهم كيف أن النظريات اللغوية الألمانية التي ترتكز على هذه الفرضية هي نظريات غير مقبولة . بذات القدر فإن هناك نظريات مرفوضة لتبنيها ذلك الإفتراض لتفسير منشأ الكتابة المصرية (كابارت مثالا ) والتي تصور رموزها الأساسية الحياة النباتية والحيوانية للأجزاء الداخلية من أفريقيا خاصة بلاد النوبة  وليس مصر السفلى (الدلتا) . يفترض (كابارت) أن الجنس السامي الأبيض الإفتراضي قد جاء من الداخل الأفريقي عبر باب المندب وأستقروا هناك فترة طويلة وعلّموا السكان المحليين الكتابة . مما ورد أعلاه يتبين أنه لا وجود لحقيقة تاريخية تسند هذه النظرية .


إن الهجرات المعروفة التي حدثت في الإقليم كانت متأخرة جدا عن إنبثاق الحضارة المصرية وإبتداع الكتابة الهيروغلوفية . منذ أن كان الهدف هو ذاته الهدف وكان السؤال دائما بأي وسيلة يمكن أن تعزي أدنى ظاهرة من الحضارة في العالم الأسود إلى جنس أبيض ما ، حتى  وإن كان جنسا أبيضا أسطوريا ، ففد أستخدمت حتى العمليات الرياضية كالإستقراء . من واقعة الهجرة الحديثة للعاديين السود التي حدثت في القرن الثامن قبل الميلاد في هذه المنطقة ، فإن المرء يفترض أنه يجب أن تكون هناك هجرات سامية مع أننا لا نجد أثرا لذلك . لقد تحولت الفرضية التي هي قيد الدراسة إلى حقيقة وتم حل اللغز. وفقا لنفس المؤلف فإن النظام الطبقي الغريب على الساميين ، كان أساس التنظيم الإجتماعي في سبأ ، بابل ، مصر ، أفريقيا ومملكة (مالابار) في الهند (( إن هذا النظام كوشي بالأساس وحيثما وجدناه ، فإنه من السهل إكتشاف أنه جاء أصلا من ذلك الجنس . لقد رأيناه يزدهر في بابل ، كما أنّ آريي الهند الذين تبنوه ، إستعاروه من السكان الكوشيين الذين سبقوهم بالإقامة في أحواض نهر السند ونهر الجانج )) . أما الختان فقد جرى ممارسته (( يشبه  ( لقمان ) الممثل الأسطوري للحكمة العادية  - أي من عاد - يشبه  (عيسوب) الذي يبدو أن إسمه يشير إلى أصل إثيوبي كما يري (وولكر) . في الهند كذلك يبدو أن أدب القصص والخرافات قد جاء من الـ (سودرا) وهي الطبقة الأدني من الهندوس . ربما بدا هذا النوع من القصص الخرافية الذي تميز بأدوار تلعبها الحيوانات ،  غريبا من حيث أسلوبه الأدبي على الكوشيين . يجب ملاحظة أن (لقمان) الذي ينتمي إلى عصر (عاد الثانية) هو أيضا باني سد مآرب الشهير(( والذي تكفي مياهه لري وتخصيب السهول الممتدة على مسافة تقدر بمسيرة سبعة أيام من المدينة .. وأطلاله لا تزال باقية حتى اليوم حيث زارها العديد من السياح وأستقصوا أمرها)) .


في المقابل فإن القحطانيين الذين لم يكونوا عند قدومهم  سوى أكثر من همجيين ، لم يدخلوا شيئا سوى نظام القبائل الرعوية والإقطاعية العسكرية (لينورمان – ص 385) .
كانت الديانة ذات منشأ تشابه نوعا ما  صلاة المسلمين والتي تمارس أثناء ذات المراحل من اليوم وهي كوشية ويبدو أنها إنبثقت من عبادة البابليين وظلت كذلك حتى قدوم الإسلام . لقد كانت آلهة (سبأ) مثل آلهة (بابل) وجميعها ينتسب إلى العائلة الكوشية التي تتبنى الآلوهية المصرية والفينيقية . أما الثالوث فقد إنعكس فقط في بابل (فينوس – الشمس – القمر) . لقد كان للعبادة طابع فلكي واضح ، خاصة العبادة الشمسية فهم يصلون للشمس في مراحل مختلفة من دورتها ، حيث لا وثنية ، تماثيل ، كهنوت . إنهم يتوجهون بدعائهم مباشرة إلى الكواكب السبعة . كانت فترة الصيام التي قدرها (30) يوما موجودة سلفا كما في مصر . كانوا يصلون سبعة مرات في اليوم ووجوهم متجهة نحو الشمال . كانت صلواتهم للشمس تتم في ساعات مختلفة ، الصلاة التي تقلصت عند المسلمين إلى خمسة صلوات إلزامية وصلاتين إختياريتين . كذلك هنا ينابيع وأحجار مقدسة كما في عهود المسلمين : (زمزم) ينبوع مقدس ، (الكعبة) حجر مقدس . أما الحج إلى (مكه) فقد كان موجود سلفا . لقد عرف أن الكعبة بناها (إسماعيل) بن هاجر المصرية (إمرأة سوداء) الجد التاريخي للنبي (محمد) وفقا لكل المؤرخين العرب . كما في مصر فإن الإيمان بالحياة المستقبلية كان سائدا سلفا . لقد جرى تعظيم الأسلاف الموتى . لذا فإن كل العناصر اللازمة لإزدهار الإسلام كانت في المكان المناسب قبل أكثر من 1.000 سنة من ميلاد النبي (محمد) . إن الإسلام سوف يظهر كتطهير للسبأئية بواسطة (رسول الله) .


لذا علينا أن نفهم بأن كامل الشعوب العربية بما فيها النبي قد مزجت بالدم الزنجي . إنّ كل المثقفون العرب مدركون لهذه الحقيقة . إن عنتره البطل الخرافي في الجزيرة العربية هو نفسه هجين من مزيج (( بالرغم من أنهم إلتحقوا بسلسلة نسبهم وتفوق دمائهم فإن العرب المتمدنين أي غير الرحل لم يسلموا من الإختلاط . لقد  تسلل الدم الزنجي والذي إمتد إلى كل أجزاء شبه الجزيرة العربية وقدر له أن يغيّر الجنس بكامله  ، في أوقات مبكرة جدا من العصر القديم . لقد حدث ذلك أولا في اليمن والتي وضعها موقعها الجفرافي والتجاري في إتصال مستمر مع أفريقيا . أما في الحجاز أو نجد فقد جاء تسلل الدماء الزنجية بطيئا ومتأخرا ، غير أن ذلك حدث في وقت أسبق مما يعتقد . كان عنتره البطل الرومانسي في الجزيرة العربية قبل الإسلام خلاسيا من جهة أمه . بالرغم من ذلك فإن وجهه الأفريقي الكامل لم يمنعه من الزواج بأميرة القبيلة المتفاخرة بنبلها . لذا أصبح من المعتاد أن يحمل هؤلاء الخلاسيون تلك الخلطة . لقد جرى تقبلهم طويلا  في أعراف تلك البلاد إلى القرون التي سبقت مباشرة ظهور النبي (محمد) )) . 


على عكس (لينورمان) فإننا لم نضع تمييزا بين (الزنجي) و (الكوشي) ، ذلك أنه خارج الإفادات السابقة ليس لأحد القدرة على التمييز بين الإثنين . بناء على ذلك فإنه من المهم تغيير مفاهيمنا عن الساميين ، سوأء أكانوا في بلاد مابين النهرين ، فينيقيا ، أو الجزيرة العربية ، كونهم نتاج لإمتزاج زنجي أبيض . ربما تميّز البيض الذين تهاجنوا مع السـود في تلك المنطقة من غربي آسيا بملامح عرقية معينة مثل أنف الحيثيين . إن الطابع المختلط للغات السامية يمكن تفسيره بذات الطريقة . إنّ هناك جذور مشتركة مع اللغات العربية ، العبرية ، السريانية ، الألمانية . هذه القائمة القصيرة توحي بأن المفردات المشتركة هي أكثر إتساعا مما كان يعتقد . إن عدم وجود إتصال بين شعوب الشمال والعرب خلال الفترات التاريخية يفسر ذلك . إنها قرابة عرقية أكثر من كونها إستعارة . 

Arabic    English     German
Ain    Eye    Auge
Ard    Earth    Erde
Asfar    Far    
Beled    Land    Land
Qasr    Castle    

بالمقارنة هناك كلمات عربية معينة تبدو مصرية الأصل : 
المصرية     العربية
ناب : السيد ، سيد المعرفة     نبي
نحاس (عرفت القبائل السودانية النحاس منذ أوائل العصر القديم) .    نحاس 
را : إله سماوي     الرعد 
با – را – كا     البركة 



إنه من السخف تفسير نشأة الإمبراطورية الغانية في القرن الثالث قبل الميلاد كمساهمة سامية من اليمن ، إذ كانت اليمن في ذلك الوقت مستعمرة أثيوبية زنجية وظلت كذلك حتى ميلاد النبي (محمد) . على أي حال إذا ما بقينا في عالم الحقائق الدامغة فإنه من المستحيل إثبات أن حضارة أيّ من هذه الأقاليم كانت سابقة لحضارة مصر . إنه من غير الممكن تفسير الأخير بالأول . إن الطرق الإشعاعية الحديثة المستخدمة في تحديد تاريخ الآثار والأغراض سوف تقدم دلالة ومعنى ، فقط إذا نجحت في تحديد تاريخ عمل الإنسان على المادة وليس عمرالمادة المستخدمة . إنه سوف يكون من السهل العثور على حطام نبات في أي مكان في الأرض يعود تاريخه إلى أوائل عصر لما قبل التاريخ . إننا نشير هنا إلى الطريقة الأمريكية القائمة على الحقبة المتناقصة للكربون الإشعاعي (سي) . 

[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

حول وضع النوبة في المملكة المصرية القديمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 11انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام غير العسكريـــة :: تواصل الأعضاء-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين