أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AMEED

مســـاعد أول
مســـاعد أول
avatar



الـبلد :
العمر : 27
المهنة : انسان
المزاج : شرس
التسجيل : 28/01/2013
عدد المساهمات : 563
معدل النشاط : 813
التقييم : 46
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الخميس 25 يوليو 2013 - 17:23

من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص


عندما خرج حسن راكضًا من المخبأ، كانت طائرة الإستطلاع قد ﭐبتعدت نحو تلال العرقوب( ). فعل ذلك مراتٍ عديدةً، وكان واثقًا من نجاحه في خداع الطائرة المشؤومة التي تحلّق من دون طيّار، وكان يتوقع بعد المكالمة التي أجراها مع أحد قادة المقاومة أنَّ شيئًا كبيرًا سيحدث.
 إلتقط سمعُهُ دويًا بعيدًا متواصلًا، كان يأتي من الشمال. ونظرًا لبُعد المسافة، وشدّة الدويّ، فإن ما يحدث هناك هو شيءٌ غير معهود في قوته. إنَّه جحيم من القصف المدفعيّ والجويّ، لم يره أحد من قبل، ولم يسمع به.





حدّث نفسه قائلًا: هل من المعقول أن يقصفوا كلّ الجسور؟!


حين وصل إلى الحفرة الكبيرة الواقعة تحت شجرة زيتون فوق إحدى تلال بلدة دبّين، وجد فيها مقاتِلَيْنِ، بادرهما إلى السؤال:


- هل لاحظتما شيئًا؟


كان أحدهما يحمل منظارًا كبيرًا، قدّمه لحسن قائلًا:


- أنظر، هناك رتل من الدبابات إلى يمين مستعمرة «المطلّة»، كان الأوّل يُدعى حسينًا، والثاني جمالًا.


إلتقط حسن المنظار، وراح يُراقب، فيما بدا جمال منشغلًا بالتقاط موجة الإذاعة الإسرائيليّة عبر جهاز راديو صغير. علا صوت المذيع باللغة العِبريَّة، فترجم كلام المراسل بجملة واحدة هي: 


- «لقد أنزلوا المستوطنين إلى الملاجئ».


- هل تظنّهم سيهاجمون عبر السهل؟


سأل حسين، وهو يضع رشّاشه الأوتوماتيكيّ قرب جذع الشجرة.


ظلّ حسن صامتًا يراقب سهل الخيام، ومن ورائه مستعمرة «المطلّة»، وحين رفع المنظار عن عينيه، سأل حسينًا:


- أين العدّة؟




قفز الأخير من الحفرة الكبيرة، وخطا بضع خطوات، ثمَّ تناول من حزامه معولًا صغيرًا، وراح يحفر به الأرض. وسرعان ما سحب من بين التراب »شنطة« صغيرة، ورماها بـﭑتّجاه حسن الذي فتحها متفقّدًا محتوياتها، وقال باقتضاب:

- حسنًا، سوف أبدأ من هنا.

- إنتبه إلى «الملعونة»، قال جمال، مشيرًا بإصبعه نحو السماء.

ردَّ حسن بجديّة، وكأنَّه تلقّى نصيحة في غير محلها:

- راقبا جيدًا خطّ الحدود، يبدو أنَّهم سيعبرون قريبًا. تفقدوا هاتفكم بـﭑستمرار، لا تنسوا.

كان على حسن أن يُعيد وصل الخطوط السلكيّة التي انقطعت بفعل الغارات الجوّيّة.

وكان العدو يعلم بخطّة المقاومة الإسلاميّة التي قضت بمدّ شبكة خطوط سلكيّة تحت الأرض لحرمانه من التشويش والتنصّت، ولكنّه لم يكن يعلم شيئًا عن التجهيزات الإلكترونيّة التي أقامتها المقاومة في الأنفاق والمخابئ السرّيّة.




 كان حسن يدرك أنَّ المقاومة كسبت نصف المعركة عندما أصبحت تعرف عن عدوّها أكثر ممّا يعرفه عنها، فماذا لو عرف العدوّ أن بحوزتها أسماء كبار ضبّاطه، والألوية التي يرأسونها، والمواقع التي يخدمون فيها؟!
راح يزحف بٱتّجاه شجرة العلّيق على طريق محطّة الكهرباء، وهي محطّة تقع في الطرف الشرقيّ من بلدة مرجعيون في أسفل السفح. تذكّر، وهو يختبئ تحت الشجرة من عيون «أمّ كامل»، المعلومات التي حصلَتْ عليها المقاومةُ من أحد كبار أركان الجبهة الشماليّة. لقد تخاصم العقيد أهارون مع زوجته، وكان ينام عند عشيقته في شقّة تقع بالقرب من ساحة «كريات شمونة» الرئيسيّة، وكانت المقاومة تملك إحداثيات الشقّة، إذْ حصلت عليها من مصادرها السرّيّة، فقال في نفسه: ما أغبى هذا العدو! لقد كشفنا داخله، وبات سهلًا علينا أن نُحصي أنفاسه.



خلال ساعاتٍ ثلاث، كان حسن قد أعاد وصل خطوط الشبكة في المنطقة المحدّدة، إذْ زحف سبع مرات في أماكن مكشوفة. وفي الوقت ذاته، كان يعلم أنَّ خبراء اتّصالات آخرين يعيدون وصل الخطوط في أمكنة أخرى. كانت هذه العملية تجري بشكلٍ متواصل على إيقاع الغارات والقصف المدفعيّ، وقد تفرّغ حسن كعامل اتّصالات بأمرٍ من قيادة المقاومة، فكان واحدًا من سرية كاملة، مهمّتها حراسة شبكة الهاتف، وكان يدرك الأهمّيّة الإستراتيجيّة لتلّة دبّين المشرفة على سهل الخيام، حيث يُرابط حسين وجمال وأخوة آخرون منتشرون فوق التلة المغطاة بأشجار الزيتون.



لدى بلوغه أول منزل في مرجعيون، وكان خاليًا من سكانه، دلف إلى حديقته بعد أن وجد بوابتها مفتوحة، وكانت تضمّ بضع شجيرات، تصلح للإختباء تحتها. إستلقى على التراب، وقد عزم على أخذ قسط من الراحة بعد أن شعر بتعبٍ شديدٍ.
في المساء، كان عليه العودة إلى تلة دبّين، وقد قطع المسافة بأقلّ من ساعة، على الرغم من غارات الطيران الإسرائيليّ المتلاحقة على الخيام والمنطقة المحيطة بها، ووعورة الطريق، والظلمة الحالكة.




وجد في انتظاره ثلاثة مقاتلين من وحدة الصواريخ، يعرفهم جميعًا، فضلًا عن حسين وجمال.


فور وصوله، أعطاه أحدهم وجبة معلّبات وعلبة بسكويت. كان الظلام حالكًا في تلك الليلة، وكأنَّ الفلك كان متحالفًا سرًّا مع المقاومة. أخبره الشباب بأنَّ صليات من الصواريخ البعيدة المدى أصابت بشكل متزامن كلًّا من حيفا وصفد وكفرجلعاد، فعلّق على ذلك بقوله:


- لقد كنت نائمًا حينها، ولكن ماذا عن رتل الدبّابات؟


- ما زال يُرابط في مكانه، إذ استقدموا تعزيزات إضافيّة. آخ، لو يُسمح لنا أن نلعب قليلًا بأعصابهم، لكان ذلك مسلّيًا لنا.


قال جمال ذلك، وهو يضرب كعب حذائه بعودٍ يابس.


أجابه حسن:


- لقد تسلّينا بهم كفاية عندما استطلعنا مستعمرتهم ذات ليلة. تصوّر أنَّهم أخلوها من السكان عن بكرة أبيها.


قال أحد الشباب، ويُدعى بسّامًا:


- غدًا ينتظرنا يوم حافل، أظنّهم سيعبرون قريبًا.


علّق جمال على ذلك قائلًا:


- تقول إذاعة الجيش الإسرائيليّ: إنَّ قادة ألوية المشاة ما زالوا مجتمعين مع هيئة أركان الجبهة الشماليّة.


صاح حسن، وهو يمضغ شيئًا في فمه:


- يا شباب، يُعاني مشاتهم من مشكلة كبيرة، إنَّهم يرفضون خوض العمليَّات البرّيَّة، هل سمعتهم ماذا جرى في عيتا الشعب؟


فيما كان حسن يتحدّث، أشعل أحدهم فجأةً سيجارة، ولكنَّ ردّة فعل حسين كانت سريعة، فـﭑنتزع منه سيجارته، ودسّها في التراب بقوة. تبيّن أنَّ الفاعل هو محمَّد أحد شباب الوحدة الصاروخيّة، فصاح به مؤنّبًا:


- هل أنت مجنون؟ ماذا أصابك؟!


ردَّ بعصبية:


- لقد «خرِمت»( )، هل تعرف معنى ذلك؟


- عليك أنْ تُقلع عن التدخين طوال فترة الحرب، لا تنسَ أنَّك في الجبهة الأماميَّة.


سأل الشابّ الثالث من مجموعة الصواريخ، وكان يُدعى مرتضى:


- هل يملك أحد تفاصيل عمَّا جرى في عيتا الشعب؟


أجاب حسن، وهو يواصل طعامه:


- ماذا جرى؟ لقد فرّوا مذعورين. طاردهم الشباب إلى الحدود، وقد سمعوا عويلهم. هناك تسجيل صوتيّ مع الإخوة. لقد أسمعني إيَّاه على الهاتف..


هس، إسمعوا.. هناك أصوات!


توقّف فجأةً عن الكلام والأكل، وأصاخ السمع.


حذا الآخرون حذوه، فقال، وقد تاه بصره في الظلام:


- إنّي أسمع هدير دبّابات من بعيد.


- لديّ حدس أنّهم لن يشنّوا هجومهم أثناء الليل، كما تقتضي الضرورات العسكريّة.


قال حسين هذا، ثمَّ أردف:


- لقد فعلوا ذلك في مرات سابقة.


- هل تعتقد أنَّهم سيكرّرون فعلتهم؟ سأل مرتضى، فأجاب حسين:


- لم لا؟ إنَّ غطرستهم واعتمادهم على سلاح طيرانهم يوقعانهم في الأخطاء.


إنضمّ حسن إلى الحديث قائلًا:


- لعلّهم يديرون محرّكات دبّاباتهم لتهدئة نفوسهم الخائفة. إنَّهم يعتقدون أنَّ الهدير يُبعد رجال المقاومة. إنّها حالة نفسيّة.


وأراد أن يقول المزيد، إلاَّ أنَّ الطيران الحربيَّ الإسرائيليَّ زمجر فجأةً فوق المكان، وراح يصرّ ذاك الصرير الذي تليه عادةً أصوات انفجارات وتخلّعات تملأ الآفاق.





إنبطح الشباب أرضًا، ولكنَّهم ظلّوا هادئين. لقد اعتادوا على هذه الضربات العشوائيّة المفاجئة.


بقي القصف متقطّعًا، حتَّى لاحت خيوط الفجر.


فجأةً توقّف القصف الجويّ، وسُمع هدير من الناحية الجنوبيّة.


إلتقط حسين المنظار، فهتف، وهو يشير ناحية السهل:


- إنّهم يعبرون الحدود.


نهض الشباب، ودبّت حركة مفاجئة في الموقع، فقد كان يُسْمَعُ في البعيد دويّ قذائف، وأحيانًا صليات رشّاشة متقطّعة، وكانت هذه الأصوات تأتي من ناحية القطاع الأوسط.


أصاخ حسين السمع، وهو يلتقط سماعة الهاتف.


تحدّث، وكأنه يُدلي ببلاغ هامّ:


- لقد دخل الضبع إلى القفص.


كرّر هذه المعلومة مرتين قبل أن يردّد:


- بإذن الله، بإذن الله.


سأله حسن بلهجته العسكريّة المعهودة في لحظات كهذه:


- ما هي التعليمات؟


أجابه، وهو يضع حزامًا عريضًا حول خصره، تدلّت منه قنابل يدويّة، وحربة طويلة في غمدٍ من الجلد البنّيّ:


-  علينا أن ننتظر، سنضربهم في الزمان والمكان المناسبيْنِ.


علّق حسين المنظار في رقبته، وأمر قاذفي الصواريخ بالإستعداد. «تفركش» ( ) مرتضى بحجرٍ كبير، وهو يركض بٱتّجاه المكان الذي خُبّئت فيه منصّات الصواريخ، وكان عليه أن يطمئنَّ من رفيقيه بسام ومحمد على جهوزيّة سلاحهما، وأزاح الأوراق والأغصان عن المنصّات، ثمَّ فحصها للمرَّة الأخيرة.


- «سيفاجأ العدوّ حتمًا»، قال مرتضى، وهو يزيح جذعًا كبيرًا، كان يغطي المكان الذي وضعت فيه المنصّات.




ما هي إلَّا دقائق، حتَّى سقطت قذيفة دبابة على محطة مهجورة للوقود قُبالة موقعهم، فٱشتعلت النيران في المحطّة التي لم تكن على ما يبدو فارغة تمامًا من المحروقات. فجأةً، إنقطع خطّ الهاتف، وكان على حسن أن يُسرع لتفقّد الخطوط المارّة بالقرب من محطّة الوقود. إختطف شنطته الصغيرة، وقال على عجل، وهو يُعلّق في كتفه سلاحًا أوتوماتيكيًّا مع جعبة:

- سأنزل إلى المحطة.




كانت تفصل المحطّة عن تلة دبّين طريقٌ من الإسفلت. إستلقى حسن على ظهره بالقرب من شجرة زيتون صغيرة، وراح يُراقب طائرة الإستطلاع. إِنْتَظَرَ قليلًا ريثما ابتعدت، ولكنْ سقطت قذيفة دبابة على الطريق مباشرةً، تساقطت في إثرها أجزاء الحصى والإسمنت والتراب فوق المكان، وعبقت رائحة البارود، فَحَشَرَ جسمه تحت شجرة الزيتون، ولم يأتِ بحركة. صاح أحد الشباب من فوق التلة:


- حسن، هل تسمعني؟


أجاب فورًا:


- أنا بخير.




شعر بألمٍ مفاجئ في خاصرته، تبيّن أنَّه ناجم عن ﭐحتضانه بقوة لبندقيّته. في هذا الوقت، كان جمال يتابع تقارير الإذاعة الإسرائيليّة، فكلّ معلومة أو إشارة تصدر عن العدوّ يمكن الإستفادة منها، وقد بدا واضحًا إرتباك المراسلين العسكريّين من خلال التقارير التي يرسلونها.




بعد ساعة على مغادرة حسن للموقع، إشتدّ القصف على مرجعيون وتلّة دبّين، وأغار الطيران الحربيّ على الخيام مرّات عديدة، فسقطت قذائف مدفعيّة بالقرب من محطّة المحروقات المشتعلة، ولم تفارق طائرات الإستطلاع سماء المنطقة؛ لذا شعر المقاومون بخطرها أكثر من أيّ وقت، فٱستعدّوا للمعركة، غير أنَّهم أحجموا عن القيام بأيّ عمل بٱنتظار الأوامر.


تململ أفراد المجموعة، وقال مرتضى:


- بإمكاني إصابتها من هنا، لماذا التأخير؟


أجابه حسين، وهو يراقب بمنظاره:


- سوف ننتظر أوامر القيادة.


- لكن ما العمل فيما إذا بقيت الخطوط مقطوعة؟


سأل مرتضى بقلق.


- سنفوِّت علينا الفرصة إذا لم نبادر إلى ضربهم الآن. علّق بسام بلهجة تنم على ﭐحتجاج.


قال حسين، وهو يزيح المنظار عن عينيه:


- إذا بقي الهاتف صامتًا، سنتصرّف وفقًا للخطّة «ب».


حسمت هذه الكلمات الجدال، وكان معناها مفهومًا بالنسبة إلى الشباب.


في السابعة والربع تمامًا، كانت الدبابات قد وصلت إلى مشارف الدردارة( )، وكانت المسافة الفاصلة بينها وبين تلّة دبّين لا تزيد على ثلاثة أميال.




ضبط الرماة إحداثيّات صواريخهم المضادة للدروع، وﭐنتظروا أوامر حسين، فيما كان الأخير منشغلًا بمراقبة تحركات «الميركافا» عبر السهل، متوقّعًا في أيّة لحظة أن يسمع رنين الهاتف.

كانت الدقائق تمرّ بتثاقل، شعر الجميع بوطأتها.

سأل حسين محمّدًا:

- هل بإمكاننا إصابتها من هذا المكان؟

أجاب محمد، وكأنَّه كان ينتظر هذا السؤال:

- إنَّها في مرمى صواريخنا منذ أكثر من نصف ساعة، فماذا ننتظر؟

بدا حسين قلقًا، وكان يدرك الأهمّيّة التي تُعلّقها القيادة على الخطّة «أ» قبل الإنتقال إلى الخطّة «ب» القاضية بالتصرّف وفقًا للظروف.

فجأةً رنَّ جرس الهاتف.

هتف حسين قبل أن يلتقط السماعة:

- ما أروعك يا حسن!

كان على الطرف الآخر أحد قادة المقاومة.

راقب الشباب حسينًا، وهو يستمع بٱهتمام، إلى أن قال:

- حسنًا، نحن جاهزون.

أعاد السماعة قائلًا:

- إستعدوا، ستصدر الأوامر بين لحظة وأخرى. ستضربون في وقتٍ واحد. سنفاجئهم.

ما هي سوى لحظات، حتَّى رنَّ جرس الهاتف من جديد:

- لقد صدرت الأوامر.

كانت الصواريخ موجّهة نحو ثلاث دبّابات متمركزة وسط السهل، أطلقها رجال المقاومة دفعةً واحدة. وفيما كان حسين يراقب بمنظاره نتائج العملية، صاح بعد قليل:

- لقد أصبناها، أستطيع أن أحصي خمس دبابات تحترق.





يبدو أن الشباب قصفوها من تلال الخيام أيضًا.


أزاح المنظار عن عينيه، وأعطى أوامر صارمة للمجموعة بالتمركز، كلٌّ في حفرته الفردية.


تفرّق المقاومون، وما هي إلَّا لحظات، حتَّى أغارت طائرات الـ»  إف – 16« على موقعهم والمنطقة المحيطة به، فألقت حمولات كبيرة من القنابل والصواريخ، أدّت إلى ﭐشتعال الحرائق وﭐنتشار سحب الدخان في كلّ مكان. تقوقع حسين على نفسه في حفرته الفرديّة، وكان قد جلب معه جهاز الهاتف الموصول بسلك طويل، وكانت الخطوط لا تزال تعمل على الرغم من تواصل القصف، وﭐمتداد الحرائق إلى أماكن كثيرة.




شيئًا فشيئًا، خفّت حدَّة القصف الجوّيّ، ولم تعد تُسْمَعُ زمجراتُ الطائرات إلّا في أوقات متباعدة.

أصاخ حسين السمع إلى هدير المروحيات القادم من جهة سهل الخيام، فكانت الرؤية بواسطة المنظار لا تسمح بٱستطلاع الموقف.

إسترخى حسين في حفرته الفرديَّة، ولكنَّه وجد نفسه فجأةً يُفكّر في حسن، والمهمّة الصعبة الموكلة إليه، فتساءل:

- هل ما زال حيًّا؟



كانت كلّ دقيقة تمرّ من دون عودته تعني الكثير بالنسبة إليه، فالعلاقة التي ربطت بينهما لم تكن علاقة عابرة، وكان حسن يريد الزواج في أواخر الصيف من زينب شقيقة حسين، وهو خرّيج المعهد الفنّيّ فرع الإتصالات، وكان قد شرع في بناء منزل في بلدته بلاط( ) على الأرض التي يملكها والداه. زينب الآن في بيروت مع باقي أفراد أسرتها، لم تترك الحرب لهما فرصة من أجل التحضير لزواجهما.



أما حسين، فقد عُرف بصلابته وقدرته على التحمل وضبط النفس؛ لذا حرصت قيادة المقاومة على تسليمه المسؤوليّة في الأماكن الحسّاسة، ولكنْ على الرغم ممَّا محضته إياه القيادة من ثقة، فقد بقي متواضعًا يحسبه من يراه عنصرًا عاديًّا، إلَّا أنَّ القلق تسرّب إليه في هذه المرَّة رغمًا عنه. فكّر في أخته زينب، وتذكّر قولها له في لحظة مغادرتهما البلدة بإلحاح منه:

- أوصيك بنفسك وبحسن، وإلّا فسوف نلتقي في الجنة.



عندما نزل حسن إلى أسفل التلّة قاصدًا محطة الوقود، إنتظر أكثر من نصف ساعة قبل أن يزحف بٱتجاهها، وكان القصف المدفعيّ قد ﭐشتدّ على أطراف الخيام ومرجعيون، فأعاد وصل الخطّ، وكان مقطوعًا في أحد الأمكنة إلى الغرب من المحطة، ولكنْ حين قرَّر العودة إلى موقعه، تعرّضت الطريقُ لقصفٍ مباشر وعنيف، كان بمعدل قذيفتين في الدقيقة.





إنتظر أكثر من ساعة، عجّت بعدها سماء المنطقة بالطيران الحربيّ وطائرات الإستطلاع، فقرّر أن يزحف بٱتّجاه أطراف مرجعيون، وحين مرّ بالقرب من جبّانة البلدة، دخل إلى زقاق فرعيّ، فوجد مجموعة من المقاتلين تنتظر تحت شرفات المنازل، وهي بكامل أسلحتها، وسرعان ما عرف قائدهم الحاجّ جوادًا، فبادره الأخيرُ حين رآه قائلًا:


- كيف ﭐستطعت الوصول إلى هنا؟ الوضع ملتهب إلى أقصى الحدود.


قال حسن، وقد بدا عليه التعب:


- لقد أعدتُ وصل الخطوط. كان لا بد من ذلك، أظنهم سيأتون عبر بلدة القليعة( )، فهل توافقني الرأي؟


- لقد فعلوا العكس تمامًا. هي خدعة قديمة. نحن نسيطر على الوضع، لا تقلق، سوف تكون المفاجأة كبيرة، ولكن ما هذه الدماء التي تسيل على وجهك؟ هل أنت مصاب؟


قال بلا مبالاة:


- أظنُّ أنَّها جروح طفيفة، ليست هي المرة الأولى، ولكن قل لي: أين أصبحت خطوطهم؟


- إنَّهم يتقدّمون على محوريْنِ.


راح الحاجّ جواد يشرح الوضع مستخدماً غصنًا يابسًا في يده:


- محور باب الثنيّة – الدردارة، ومحور الدير – التلّ – مرجعيون، لقد رصدنا دخول دبّابتين إلى البلدة.


إنتفض حسن كمن لدغته أفعى:


- كيف سمعتم بذلك؟


إبتسم الحاجّ جواد، وقال:


- إليكَ هذا القاذف الصاروخيّ، هل تستطيع ﭐستخدامه؟


أجاب، وهو يتفحّص السلاح المضادّ للدروع:


- إنّني أشمُّ رائحة مجزرة على وشك الوقوع.




لم تمضِ دقائق على وصول حسن، حتّى كانت الإشارة قد أتت بالتأهّب.

رابطت مجموعة المقاتلين عند مداخل ساحة مرجعيون الرئيسيّة، وهي ساحة إشتهرت بحجارتها الرماديّة المميّزة التي عرفها الأهالي كعلامة فارقة فيها منذ عهود الإستقلال، فهنا كانت تجري إستعراضات للجيش والكشافة في الثاني والعشرين من تشرين الثاني من كلّ عام.



ما هي إلّا لحظات، حتّى أطلّت دبابة «ميركافا» من الشارع الذي توجد فيه السراي الحكوميّ. حبس المقاتلون أنفاسهم، وﭐنتظروا أوامر الحاجّ جواد، وما إن أطلّت الدبّابة الثانية، حتَّى ﭐنهمرت القذائفُ الصاروخيّة على المدرّعتين الإسرائيليّتين، فٱحترقتا خلال ثوانٍ معدودات بمن فيهما.




تزامن هذا الهجوم مع عمليَّة ضرب الدّبابات في سهل الخيام من جهتين في وقتٍ واحد، وهي الخطة «أ» التي وضعتها قيادة المقاومة، وكانت تعتمد في نجاحها على ﭐستمرار شبكة الهاتف في العمل. هذا التناغم بين مجموعات المقاومة جعل العدو يفقد أعصابه، فقد أدرك أنَّه  يواجه عدوًّا ما زال يملك حرّيّة الحركة والتنسيق بين مجموعاته المقاتلة، على الرغم من كلّ جهود الجيش الإسرائيليّ التي توخّت تقطيع أوصاله.



راحت المروحيّات تحلّق بكثافة قرب الحدود وفوق مستعمرة «المطلّة»، ولقد فرض إيقاع المعركة على العدو إعطاء الأولويّة لإخلاء جرحاه وقتلاه، وسحب ما أمكن من دبّاباته المحترقة.



رصد حسين -وهو يراقب من فوق تلّة دبّين- دبابةً مسرعة في سهل الخيام، تنفث وراءها دخانًا كثيفًا لحجب الرؤية، سارت في خطٍّ دائريّ، وغابت في وسط الدخان. بدأ الطيران الحربيّ يُحلّق على مستوى منخفض، ودخلت في الوقت ذاته قوات إضافيّة إلى السهل، وﭐنشغل العدوّ طوال ساعات بإخلاء إصاباته وآلياته.



تساءل حسين في سرّه: أين أنت يا حسن؟

لم تمضِ سوى دقائق حتَّى رنَّ جرس الهاتف. إلتقط السماعة، سمع على الخطّ صوتًا يقول له:

- مبروك، لقد هزمناهم.

قبّل السماعة، وقد ﭐغرورقت عيناه بالدموع، ثمَّ هتف كمن حصل على جائزة:

- إنَّه حسن!
ملحوظة: عنوان القصة الأصلي :عامل الهاتف"


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Syrian Armed Forces

لـــواء
لـــواء
avatar



الـبلد :
المهنة : طبيب
المزاج : علماني لمن يفهم معنى العلمانية
التسجيل : 06/08/2012
عدد المساهمات : 2382
معدل النشاط : 2390
التقييم : 238
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الخميس 25 يوليو 2013 - 22:08

قصة رائعة و تستحق التقييم
آمل ألا يفسد احدهم الموضوع
بالمناسبة شبكة اتصالات حزب الله من اهم العوامل التي ساعدته على مفاجأة العدو و التى احاطت الحزب بجدار السرية المفترض ان تمتلكه المقاومة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
AMEED

مســـاعد أول
مســـاعد أول
avatar



الـبلد :
العمر : 27
المهنة : انسان
المزاج : شرس
التسجيل : 28/01/2013
عدد المساهمات : 563
معدل النشاط : 813
التقييم : 46
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الجمعة 26 يوليو 2013 - 7:57

شكرا على مرورك وعلى تقيمك اخي الكريم 

نعم اخي الكريم كلامك صحيح شبكة الاتصالات التي اقامها حزب الله من اسباب الانتصار 

فقد ساعدت على التنظيم والتنسيق بين المقاتلين في الثغرات والقيادة 

واكبر دليل على ذلك انهم كانوا يضربوا كضربة رجل واحد 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جادن

عقـــيد
عقـــيد



الـبلد :
التسجيل : 19/01/2013
عدد المساهمات : 1202
معدل النشاط : 1413
التقييم : 41
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الجمعة 26 يوليو 2013 - 9:14

مشكور اخي على الموضوع الرائع وتقيم  وهناك الكثير من القصص التي نعرفها وعايشنها هنا في الجنوب ودعني اضيف هذه القصة لموضوعك
التمويه والخداع كان سبب رئيسي من اسباب النصر في هده الحرب
من قصص حرب تموز 2006: المقاومون اقتحموا "جل العلام" بفلسطين

لم يكتف مقاومو اللبونة بالمكوث فيها وتحصينها كخط دفاع أول بل أخذوا يعدون العدة لاقتحام موقع «جل العلام» داخل فلسطين المحتلة: «كان هناك بعض الدشم في الموقع تشكل خطراً على حرك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
AMEED

مســـاعد أول
مســـاعد أول
avatar



الـبلد :
العمر : 27
المهنة : انسان
المزاج : شرس
التسجيل : 28/01/2013
عدد المساهمات : 563
معدل النشاط : 813
التقييم : 46
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الجمعة 26 يوليو 2013 - 9:23

 الله الله على شجاعة رجال حزب الله فعلا انهم رجال في الميداااان 


وكل القصص توثق جبن الجندي الصهيوني رغم ما يمتلكه من اسلحة حديثه 


ولكنه يبقى يحب الحياة ويتمسك بها ونحن نحب الموت ونتمسك به فالموت


عندنا عزة واباء وشهادة في سبيل الله 


شكرا لك يا اخي على مرورك الكريم 
وتقبل مني تقييم على قصتك 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
red1

لـــواء
لـــواء
avatar



الـبلد :
التسجيل : 28/08/2011
عدد المساهمات : 2117
معدل النشاط : 1844
التقييم : 60
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :



مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الجمعة 26 يوليو 2013 - 17:49

ما شاء الله على القصة ووننتظر المزيد أخي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
TAHK

مشرف سابق
لـــواء

مشرف سابق  لـــواء
avatar



الـبلد :
التسجيل : 29/07/2013
عدد المساهمات : 10277
معدل النشاط : 14422
التقييم : 672
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الثلاثاء 30 يوليو 2013 - 14:45

صراحه اذكر يام حرب تموز زي اسمي .................
رجال حزب الله خلوني اشمت باسرائيل شماته ما بعدها شماته وبردوا قلبي ........
بس اكثر شي عجبني ..........مجزره الميركافا .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
cardish

مقـــدم
مقـــدم
avatar



الـبلد :
العمر : 29
المهنة : أمين مخزن
المزاج : متكهرب
التسجيل : 28/06/2013
عدد المساهمات : 1011
معدل النشاط : 1255
التقييم : 30
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الخميس 1 أغسطس 2013 - 22:55

عبقرية  حزب الله  تكمن   في نمطهم  القتالي الذي   يمزج  بين حرب العصابات و الحرب التقليدية  و ساعدتهم طبيعة الأرض على ذلك 14
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
AMEED

مســـاعد أول
مســـاعد أول
avatar



الـبلد :
العمر : 27
المهنة : انسان
المزاج : شرس
التسجيل : 28/01/2013
عدد المساهمات : 563
معدل النشاط : 813
التقييم : 46
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الجمعة 2 أغسطس 2013 - 13:12

نصروا الله فنصرهم وحموا الارض فحمتهم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
momov

رقـــيب
رقـــيب



الـبلد :
المزاج : متعصب و مستعد للحرب
التسجيل : 19/07/2013
عدد المساهمات : 299
معدل النشاط : 309
التقييم : 27
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   السبت 3 أغسطس 2013 - 18:53

كم كان العرب بحاجة إلي هذا النصر بعد قرن من الهزائم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salah_5999

لـــواء
لـــواء
avatar



الـبلد :
المهنة : مساعد قاعد
المزاج : غاضب للمسلمين
التسجيل : 27/11/2010
عدد المساهمات : 2249
معدل النشاط : 2550
التقييم : 63
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الأحد 4 أغسطس 2013 - 19:19

استمرار التواصل ما بين أكبر قائد الى أصغر جندي من اعظم الانجازات التي حققتها المقاومة في حرب تموز
بانتظار المزيد من القصص التي تشرح شيئ من أجواء تلك الحرب .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
AMEED

مســـاعد أول
مســـاعد أول
avatar



الـبلد :
العمر : 27
المهنة : انسان
المزاج : شرس
التسجيل : 28/01/2013
عدد المساهمات : 563
معدل النشاط : 813
التقييم : 46
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص   الإثنين 5 أغسطس 2013 - 20:15

من قصص حرب تموز 2006 : "حوّل معك مارون 72"
 

ا أسرده عليكم، هو قصة حقيقية رواها لي أحد مجاهدي المقاومة الإسلامية، وهو ينتقل بي من غرفة إلى أخرى، في بيت في مارون الراس، يحكي والبسمة لا تفارقه محياه .. يشرح لي كيف صوب باتجاههم بندقيته وهم مجموعة أمامه بلباسهم العسكري وعتادهم الشامل.. لم يرف له جف.. جفوني التي رفت وعيوني التي دمعت وأيقنت أني أقف أمام واحد من "أسطورة" رجال الله.. ما أسرده لكم حقيقة وإن تدخلت قليلاً في بعض التفاصيل ..

‎جلس أبو علي رضا حائرا، بين أشجار الزيتون، يحمل سلاحه، متأبطاً جعبته، وقد نال منه التعب الشديد .. ماذا يفعل؟!!.. لقد استشهد جميع رفاقه وانقطع تواصله مع المجموعات الأخرى، وها هم الإسرائيليون يتقدمون من جهة محوره!..ويطوقون البلدة، ويقطعون الطرقات بينها وبين القرى المجاورة.. فهل يطلب الدعم، وكيف يمكنه ذلك وقد انكسر الجهاز اللاسلكي..؟! وحتى لو أمكن له ذلك فمن أين سيأتون؟! هل يهرول باتجاه بنت جبيل قبل فوات الأوان؟.. هل يختبئ بين هذه الأشجار الكبيرة، وينتظر مرور الإسرائيليين بسلام، دون أن يشعرهم بوجوده؟!.."يا إلهي ماذا أفعل؟!"، تأوه أبو علي رضا، وهو يتكأ على جذع شجرة الزيتون، إنه يحتاج إلى قرار سريع، هي دقائق قليلة ويصلون ..أغمض عينيه، ترأى له أبوه أمام ناظريه يقول له :" لا سبيل أمامكم في نهاية المطاف إلا الاستسلام..لقد انتهى ما تسمونه الصراع العربي – الإسرائيلي منذ زمن، وبقيتم وحدكم في الميدان.. من سيساندكم، إذا بلغت القلوب الحناجر؟.. لا أحد يا بنى. إنه زمن عولمة الثقافة الاستهلاكية المسطحة حيث أضحت الهويات الوطنية مبدأ متخلفا وبتنا نخجل من انتماءاتنا.. وأضحى الانتماء الوحيد البراق هو الأمركة..فمن ستواجهون ..العالم؟!.. ستفشلون حتماً..".

‎نفض أبو علي رضا هذه الذكرى من رأسه .. وانتفض لمجرد فكرة الاستسلام.. ولكنّ والده محق، أو ليس الزمن هو زمن التراخي والاستسلام والخزي والعار؟!.. أو لم يكتب العرب والمسلمون ختام هذا الصراع بختم الارتهان المخزي حاملا عنوان "مفاوضات السلام"؟!.. ولكن لماذا تخطر فكرة الاستسلام على باله في هذه اللحظات المصيرية ؟!! .. إنه ليس وقت التراجع، فلقد فات الأوان بالفعل.. فهل ما يحدث معه هو رديف أخر لما يحدث مع بقية المجموعات المقاومة، هل سقطت مارون الراس فعلا؟.. فإذا لم يستطيعوا الصمود في هذه القرية المشرفة للحدود الفاصلة مع هذا الكيان الغاصب فكيف يمكنهم حماية بقية القرى ..ثم كيف يمكنهم حماية البلد كله..؟ هل سقطت عيتا الشعب المتاخمة هي الأخرى على الحدود؟!!..وعيترون وبنت جبيل؟!.. أو يعني هذا أن فكرة المقاومة كلها كانت مغامرة لم تحسب عواقبها جيداً....لا ..لا..وإن الاستسلام بات وضعاً واقعيا لا مفر منه؟!..لا..لا يمكن ذلك!!..وإن انتصار العام ألفين مجرد وهم، كبرت فيه طموحاتنا المستحيلة بأننا قادرون على المضي في ردم الهزائم التاريخية التي كبّلت وجودنا وجمدت تطورنا وجعلتنا أمة تستجدي ثقافة الأخر القوي؟!.. هل يمكن أن يكون حلم الصمود والانتصار مجرد وهم أخر لا يمكننا إنتاجه لأننا شعب امتهن الانهزام حتى الإدمان المطلق؟!..

‎دمعت عينا أبي علي رضا، صعب عليه أن يفكر بهذه الطريقة، لم يعتد ذلك، مضت ثلاث سنوات منذ التحاقه بالقوة الخاصة للمقاومة بعد تفوقه في العديد من عمليات الألفين. وهو لا ينسى ذلك الوسام الجهادي، الذي قلده إياه قائد المقاومة وسيدها. ولا ينسى طيب ذلك العطر الفائح من عباءته، فكأنه يشتم طيب الجنة.. أو عندما احتضنه وضمه إلى صدره، سعادة العالم كله لا تضاهي سعادته في تلك اللحظات .. حمله ذلك العبق النوراني طائرا سرمديا إلى السموات السبع. هام على وجهه فرأى كنوز الأرض والسماء.. ولكنه لم يشته منها شيئاً .. سوى البقاء محتضناً ليغفو بين هذه الأحضان قليلا علّ روحه تحلق في ذلك العالم البرزخي الوسطي بين الدنيا والآخرة.. وأما ذلك الهمس "أعلمْ أنك وأخوانك بمثابة روحي التي هي حبل الوريد مني فلا تقطعني، لأني بكم أحيا" يجعل قامته ترتفع فخورة وهمته تتعالى على الإرهاق والتعب مقررا مواصلة هذا التحدي...فكّر يا أبا علي رضا، لا وقت أمامك.. والزمن حاد كنصل السيف سيقطعك إن لم تقرر!!.. "آه.. آه.. رأسي ..أنا عطش جدا"، وضع أبو علي رضا يده على جبينه، حرارته مرتفعة ونبضه متسارع يسابق ثواني الزمن، رفع عينيه المتكاسلتين إلى أعلى الشجرة، فمنذ يومين لم يذق طعم النوم، فأغمض عينيه.. وبلع ريقه الجاف .. ولم يدر أنه سيغفو.. وهو ممسك بأغصان الزيتون الوارفة..

‎"هذه هي الحياة يا أبا علي رضا، لا تحتر فيها، إنها دورب وعرة وأخرى منبسطة وبعضها متعرج ولكن خطوطها المستقيمة، التي توصلك إلى الأمان، رفيعة جداً، ولا يراها إلا المستبصرون.. أفق.. هيا.. فما زال لديك درب طويل..". هو هذا الصوت يشبه ذلك الهمس ففتح عينيه ليراه أمامه بعمامته السوداء ووجهه المشرق بياضاً ... "سماحة السيد!! كيف وصلت إلى هنا؟!!..".. أنت ناديتني ..هيا اشرب .." يساعده على النهوض يقوم ويشرب من إبريق مائه تبرق كحبات لؤلؤ على قمة جبل. شرب وارتوى وسأله بشغف "سيدي أرشدني ماذا أفعل؟". نظر إليه وابتسم قائلا وهو يمسد لحيته المشيبة :"الطريق أمامك ليس عليك سوى أن تفتح عينيك".. استيقظ أبو علي رضا مذعورا على صوت قذائف الهاون والليل يلف المكان ... كم من الوقت قد نام نصف ساعة .. ساعة .. تلفت يمينا وشمالاً وهرول باتجاه البيوت .. وصورة السيد لا تفارق مخيلته وطعم ذلك الماء يبدو حقيقياً.. .. ولا يمكن أن يكون ما قد رأه حلماً.. بل هو السيد "بشحمه ولحمه" هو بشخصه من قدم إليه ...!!..
‎وارب أبو علي رضا في حركة نزوله باتجاه البيوت فقد رأى عددا من الجنود الإسرائيليين منتشرين ما يدل على أنهم قد سيطروا على القرية. ولكن هذا لم يؤخر نزوله ولم يجعله يتردد فقد أسرع يندلف في زاروب ترابي ضيق أوصله إلى أحد البيوت لاهثا دون أن يراه أحد..أخذ نفسا عميقاً وهو يقول .."مهما حدث سوف أبقى أقاوم حتى النفس الأخير.. لا يمكن أن يكون للحقيقة أكثر من صورة ..إنها جولة بين الحق والباطل.. فبئس الزمن يا أبي زمن العولمة هو هذا الذي يريدنا العالم أن نستسلم له.. لا حياة دون كيان حر ولا وجود له جذور دون هوية مستقلة، نحن نعيد صنع تاريخنا العربي والإسلامي يا أبي وإن كلفنا الدم والتضحيات.. فليذهبوا إلى الجحيم جميعاً فليكن.. نحن وحدنا في الميدان"..
‎يراهم، في نظرة مراقبة إلى الخارج عبر النافذة، أربعة جنود يتسللون إلى البيت المجاور. مشيتهم مشية الخائف المتطير ..بالكاد يتقدمون، عيونهم معلقة بين السماء والأرض، يدخلون ويبدو أنهم لم يجدوا أحدا... لم يهن على أبي علي رضا أن يراهم مطمئنين في قريته.. فقرر مباغتتهم، تفقد سلاحه ومخزنه عدّ رصاصاته..واستل خنجره وأعاده إلى غمده " إنها تفي بالغرض". خرج متسللا إلى سطح المنزل، حيث يتلاصق بسطح المنزل المجاور، وفي أقل من دقيقة كان قد أصبح في الداخل. هذا منزل أبي نبيه علوية أنه يعرفه، اقترب عدة أمتار سمع أصواتهم وقد بدوا مرتاحين.. إنه الوقت المناسب ودنا منهم على مهل وأصبح على الباب وجها لوجه، أصابتهم الصدمة وعقدت لسانهم وجمدت أيديهم التي لم تسعفهم بالسرعة المطلوبة لإطلاق النار فقد عاجلهم أبو علي رضا برشاشه الذي تكفل بهم يمينا وشمالاً. وخرج والفرحة تغمر قلبه. لقد عرف طريقه سوف يباغتهم في كل البيوت.
‎في بيت أخر رأى خمسة أخرين، ولكنه لن يستطيع مباغتتهم من هذه المسافة سوف ينتبهون له على الفور. يجب أن يستدرجهم إلى الغرفة الخلفية، كي يقضي عليهم واحدا تلو الأخر دون ضجة تكشفه. نظر من حواليه علّه يجد شيئا يرميه فيحدث ضجة تلفت انتباههم، وجد ضالته فرمى بكرة قدم باتجاههم.. وانتظر خلف الباب. تأخروا، ربما لم ينتبهوا للكرة؟!.. أو ربما هو الخوف قد جمدّ الدم في عروقهم .. أو أنهم كشفوا أمره وسيستدرجونه بدورهم ليخرج إليهم بعدما يطول انتظاره لهم.. ولكنها دقائق قليلة ويشعر بحركة خفيفة تقترب من الغرفة، وتدنو منه رويدا رويدا .. أبو علي رضا يحمل السكين ويترقب اللحظة الفاصلة للهجوم.. وفي لمح البصر يقبض على خناق أحدهم، الذي يطلق صرخة واهية فيعاجله أبو علي رضا بسكينه الحادة، ولكنه يلمح ظل الأربعة يتقدمون فيتقلد سلاحه ويفاجأهم حيث يلتف عليهم .. يسقطون صرعى قبل أن تطلق حناجرهم نداء النجدة..
‎إن لم يكشف أمره في المرة السابقة فحتما قد كُشف هذه المرة.. من المؤكد أن صوت الرصاص سمعته بقية مجموعات هذه الوحدة المنتشرة في أرجاء القرية. "لا يهم، إنها مواجهة كربلائية". ولكن مهما يكن يجب عليه الحذر الشديد في تنقلاته بين البيوت، فلن يستشهد قبل أن ينغص عليهم بقاءهم. هذا هو طريقه، وهذا هو هدفه بعدما أصبح وحيداً على أرض المعركة. ويهرع أبو علي رضا بالخروج من المنزل ليدخل أخر. يسرع إلى النافذة ليترقب المشهد التالي. كما توقع فقد استنفرت إحدى المجموعات في محيط هذه البيوت وراحت تقتحمها بيتا بيتا..ماذا سيفعل هذه المرة؟!.. "سهلة بسيطة بتنحل قول الله" هذا ما فتئ يردده وهو يكمن في إحدى الغرف، سوف أجعلهم يطمئنون ثم أباغتهم مجددا.. المباغتة هي أملي الوحيد.
‎وقع أبو علي رضا كل شيء في هذه المعركة التي قرر أن يخوضها منفردا، الأسر ربما أو الاستشهاد أو التعرض لإصابة صعبة. لكنه لم يكن يتوقع أن تصل المواجهة بينه وبين الإسرائيليين إلى هذه المسافة المعدومة تقريباً.. فقبل الألفين كان عملاء جيش لحد ساترا بشريا بين المقاومة وبين جنود الاحتلال.. ولكن اليوم أدرك متعة الالتحام معهم، خبرهم عن قرب والتقت عيونه بعيونهم .. وأدرك أن هذا هو الطريق الذي كان ينتظره هو وأخوانه منذ سنوات، الالتحام المباشر لكشف حقيقة هذا العدو. ولم يخب ظنه إنهم بالفعل كما وصفهم سيد المقاومة "أوهن من بيت العنكبوت". نصر الألفين لم يكن وهماً، بل مدماكاً بالغ العطاء ليصل بنا إلى هنا، إلى هذه المواجهة الكبرى.. لا لم يعد أبو علي رضا يعتقد أن مارون الراس قد استسلمت، هناك أمر ما يجري.. ولا يظن أن عيتا الشعب هي الأخرى قد هوت في قبضة الاحتلال..وأنهم يمكنهم الانتقام من بنت جبيل.. هناك أسود بالانتظار لتحمي قلاعها وهناك قطط تهرول بخفي حنين.

‎ولكن أنى له أن يتأكد من ذلك؟!..وسمع صوت أقدام تدخل البيت فاختبأ في علية المطبخ وردّ الباب ليبدو مغلقا، وقبع ينتظر. لم يطل انتظاره فقد تمترس الجنود في الغرفة الأمامية بعدما أعتقدوا أن لا أحد في المنزل.. نزل إليهم وهو يتمتم "إن لله رجال إذا أرادو أراد".. لقد أصبح خلفهم مباشرة وكانوا هذه المرة ثلاثة جنود وتركهم يلتفتون إليه، فهو مطئمن إلى أن المبادرة بيده ويملك ما يكفي من الوقت كي يعاجلهم برصاصاته لكنه لم يشأ أن يموتوا دون أن يروا وجه من قتلهم، لفته الخوف في عيونهم وارتباكهم من المفاجأة التي جمدت الدم في عروقهم وزادت ابتسامته ووثقته العالية وقامته الشامخة من خوفهم، وما أن أداروا بنادقهم حتى كان أسرعهم .. تمكن من تحقيق إصابات مباشرة قاتلة دون محالة.. جذب سمعه صوت صادر من أحد الأجهزة بينما كان يهم بالتفتيش عليه انتبه إلى صوت أقدام تهرول باتجاه البيت وهي تصرخ "إيغوز".. إيغوز".. عليه أن يسرع بالأختفاء ولا بد له من الحصول إلى الجهاز أيضا، يجب أن يعرف ماذا يحدث بعدما انفصل عن بقية مجموعات المقاومة في أعلى التلة.. وجده تحت قدم جندي قتيل، فرفعها عالياً والتقط الجهاز وهمّ بالخروج إلى سطح البيت، إنما لمحه جنود قادمون وبدأت المطاردة.

‎ لم يعبء أبو علي رضا أنه وحيد وقد يحاصر ويقع بالأسر، فكل ما كان يهمه فرصة لالتقاط أنفاسه وليدير الجهاز ويكتشف أخبار المعركة مع أخوانه .. وفجأة سمع صوتا يشبه صوت الانفجار وصراخا عاليا يهتف بالعبرية التي لا يفهمها.. فتوقف والتفت إلى الخلف ولم يصدق ما رأت عيناه .. إنه صاروخ "مقاوم" قد استهدفهم.. الفرحة أطلقت قدمي أبي علي رضا فأسرع يخط المسير .. إنهم الشباب .. ما زالت المقاومة على محاورها القريبة من القرية، ربما هذه الضربة من بنت جبيل أو عيترون.. أو ربما من مارون الراس نفسها!.. ولم لا ؟!.. وصل أبو علي رضا إلى أحد البيوت وجد الباب مفتوحا من ضغط القصف الجوي فدخله دون تردد وأحكم إقفاله .. فتش في مطبخ المنزل عله يجد ما يسد به رمقه، فلم يوفق حتى بقطرة ماء ..عاد إلى نافذة الصالة المطلة على الشارع العام رأى ظليّ جسدين يطلان على الشارع فعاد إلى الوراء ليختفي قليلا عن النظر مع إدراكه أنهما ما يزلان يتقدمان، توقف أحدهما بينما تقدم الثاني من النافذة بحذر شديد شيئا فشيئاً.. وضرب شباكها الخشبي صارخا بأبي علي رضا بصوت عربي مكسر " قف مكانك".. التفت إليه أبو علي رضا معاجلا إياه بطلقة اخترقت رأسه فخر صريعاً في حين بدأ زميله بإطلاق عشوائي للنار وهو يصرخ "إيغوز".. بينما ركزّ عليه أبو علي رضا وعاجله بطلقة ثانية اخترقت هي الأخرى رأسه..

‎أخذ أبو علي رضا نفسا عميقا وراح يصلي على محمد وأل محمد وهو ينتقل إلى الباب مترصدا دخول الجنود ربما...ولكنه أحس بأنه محاصر لا محالة وأن عددهم بدأ يزداد فقرر المواجهة وجها لوجه ولتكن الشهادة ..وهي التي ينتظرها منذ سنوات فمما سيخاف؟!!..رفع عينيه إلى السماء وتمتم بدعاء قصير وفتح الباب وخرج إليهم بنداء "يا مهدي" وباشر بإطلاق النار .. لم يعِ للوهلة الأولى ماذا يحدث ولكن ما راح يراه أمامه أصابه بذهول اللحظة إنما لم تمنعه من متابعة إطلاق النار على الجنود الذين كانوا يقفون قبالته وهم يصرخون من كل حدب ويكررون جملة واحدة بالعربية "استسلموا.. أوقفوا إطلاق النار".. كانوا يطلقون النار في كل اتجاه ..يصبيون كل شيء وأبو علي رضا واقف أمامهم يرشقهم بطلقاته .. فها هو أمامهم فلماذا يطلقون النار في اتجاهات مختلفة ؟؟!!.. ولماذا يخطابونه بلغة الجمع، يلتفت ذات اليمين وذات الشمال حيث يطلقون النار فلا يجد أحداً، فماذا يحدث يتقدم أمامهم وكأنهم لا يرونه !!.. يدعهم يكملون معركة وهمية مع "أشباح".. اعتمد أبو رضا على هذا الإحساس وكأن هناك من يحمي ظهره فتقدم بين الجنود الصهاينة مهرولا محاولا تخطيهم.. بعضهم لحق به والبعض الأخر ظل يطلق النار في اتجاهات فارغة ..!!!..
‎بدأت المطاردة وبدأ معها نزيف الجسد المرهق، فقد بات له يومين أيام دون طعام أو ماء .. وهو يهرول بين التلال كان يحس أنه بين اللحظة وأختها قد يخر صريعا من الإرهاق إلا أنه كان طاقة رهيبة على الصمود والمواصلة والهرولة بكل ما يستطيع من قوة... يسمع أصواتا عبرية على الجهاز وأخرى عربية تشوش عليها.. وصل إلى جل ثالث التفت خلفه لم يجد أحداً.. ماذا يقصدون ؟؟! لماذا توقفوا عن الجريان خلفه ..لم يأبه واصل دربه حتى أول فيلا في بنت جبيل كان بابها مفتوحاً من قوة القصف الذي نال المكان قربها. صعد على الفور إلى الطابق العلوي جلس يأخذ نفسا عميقاً عميقاً وهو يخفف من عدته فلقد أصابه إعياء شديد .. وهو يلهث راح يتفقد الجهاز اللاسلكي الذي حمله معه عله يعثر على دليل ما يؤكد حدسه بأن المعركة مازالت في أوجها..تناهت إلى مسامعه أصوات مختلفة اللغة مشوشة ضبابية..وأخذ يحاول أن يضبط الجهاز على موجة معينة وصل إليها وسمع صوت بعض المقاومين الذين يعرفهم فناداهم بالرموز المتفق عليها بينهم لم يسمع جواباً.. كرر النداء مرة أخرة ومرة ثالثة.. ولكن ما من صدى.. وبعدما بدا له أن لا أمل بالرد وضع الجهاز جانبا وراح يفتش عن الماء في أرجاء الغرف فلم يجد ما يسد به رمقه ولكن سمع صوتاً على الجهاز فركض إليه وسمعه يقول: "110 ينادي 72" .. ويكرر النداء. التقط أبو علي رضا الجهاز وهو يقول معك "72" ..يبدو أن سامعه لم يصدق ما سمع فأعاد النداء وكرر أبو علي رضا الجواب نفسه ولكن سامعه أكد له بطريقة مشفرة أن المجموعة كلها قد استشهدت ..قال أبو علي رضا وكأنه يعطيه دليلا على بقائه حياً" صحيح بس هينة بنتحل قول الله".. وضحك السامع عاليا "مارون !.. متل القط بسبع ارواح .. حاول التقدم .. الوضع عندك متفجر "..لم يقنع أبو علي رضا بهذا الجواب فهو على أحر من الجمر ليعرف ماذا يحدث .وأتى الجواب مشفرا بأن "يتابع التقدم".. وهو يعرف هذا المغزى ويدرك عمقه ودلالاته ..وسمع صوتا بلهجة عربية مكسرة تناديه " مارون 72" .. "مارون 72" وردّ أبو علي رضا فقال المنادي "اسمع مارون سوف نقطعك أشلاء أنت ومن معك.."، فرد أبو علي رضا بثقة عالية :" سوف نجعلكم تصرخون حتى الموت وسوف تندحرون مذلولين "... وفي اللحظة نفسها أغار الطيران الحربي وضرب بقوة فيلا بالقرب منه، فجمع عتاده ونزل إلى الطابق الأرضي بينما ترك الطابق العلوي يهوي خلفه...

‎وصل إلى أحد البيوت الكبيرة والمدخل مشرّع للهواء، دلف بسرعة ولكن هذه المرة نال منه التعب ولا بد له من راحة. صعد إلى الطابق العلوي فتح كل الغرف ولكن غرفة واحدة استعصت عليه، جلس أمام بابها وكأنه يتوسد الأمل بالانتظار عله يحدث شيء ما .. ولكن متى كان التمنى مبعثا للعمل !! وقام لتوه يحاول فتح الباب مجددا وجد إزميلا فراح يطرق به القفل حتى فتح، ازاح الباب بيديه هو يقول "يا مهدي"، وكأنه كان ينتظر الفرج أتيا في هذه الغرفة .. لقد وجد الماء وحبات من البندورة وعلبتي سردين!!.. تقدم وراح يشرب ببطء وهو يقول "الحمدلله" .. تناول حبات البندورة لا غير، كان يشعر أن الوقت يداهمه وأنه لم يعد يجب البقاء أكثر في هذه البيت .. وما إن غادر البيت حتى استهدفته الطائرات الحربية وهو يعدو بكل قوة، دخل بين جمع من السيارات ولكن عاد أدراجه ليدلف بين الأشجار في حركة تمويهية إلا أن الطيران الحربي قصف المكان فاشتعلت السيارات المتوقفة وأصبح ليل بنت جبيل نهاراً مضيئاً، ولم يعد بإمكانه التقدم .. توقف ليأخذ نفساً عميقاً، ووصوله النداء :"مارون 72 حوّل"..
‎- "معك مارون 72 ..حوّل" - بتعرف صاج أم علي ؟. - أكيد.. أم علي هي اللي بتعرفني .. - هونيك ناطرك حسون .. وغمرت الفرحة أبا علي رضا "الحسون"، ما يزال على قيد الحياة.. يا إلهي أنت كريم .. أيها الإسرائيلي انتظرني الموت أت ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

من قصص حرب تموز 2006: الضبع دخل إلى القفص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2017