أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:39


أشهر جاسوسة عربية للموساد
أحبت يهودياً . . فباعت لأجله الدين والوطن . .!!


الحلقة الاولى
فتاة من الشرق


في إحدى ضواحي عمان الراقية، ولدت أمينة داود المفتي عام 1939 لأسرةشركسية مسلمة، هاجرت الى الأردن منذ سنوات طويلة، وتبوأت مراكز سياسية واجتماعيةعالية. فوالدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها برتبة لواء في البلاط الملكي. أما أمها،فهي سيدة مثقفة تجيد أربع لغات، وذات علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي. كانتأمينة أصغر أخواتها – شقيقتان متزوجتان وثلاثة أشقاء آخرين – وتحظى بالدلال منذطفولتها، فطلباتها كانت لا ترد أو تؤجل، وضحكاتها المرحة الساحرة كانت وشوشاتالحبور في جنبات البيت الذي يشبه القصر.

وفي المرحلة الثانوية أوغلت فيها مظاهر الأنوثة، فبدت رقيقة الملامح،عذبة، شهية، طموحة، ذكية. لكنها كانت برغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من تقاليدالشرق وقيوده، وتحلم بالحب والانطلاق، والحرية.

وفي ثورة تقلباتها أحبت "بسام" الفلسطيني الأصل، وأطلقت تجاههفيضانات المشاعر المتدفقة بلا حدود، أو انقطاع. لكنها صدمت بشدة عندما هجرها الىأخرى أجمل منها، وأكثر اتزاناً، وكتب لها يقول أنها أنانية، مغرورة، سريعة الغضب،شرسة الطباع. هكذا كشف لها الحبيب عن مساوئ تنشئتها، وأسلوبها الخاطئ في فهمالحياة. لأن حبها كان قوياً، جباراً، عاتياً، عصفت بها الصدمة، وزلزلت قلبهاالصغير، وتملكتها رغبة مجنونة في الثأر والانتقام.

وكانت لكل تلك التصارعات آثارها السلبية على دراستها، إذ حصلت علىالثانوية العامة بدرجات متوسطة، دفعتها للتفكير في السفر الى أوروبا للالتحاق بإحدىجامعاتها، وهذا تقليد متبع بين أبناء الأثرياء في الأردن.

وفي عام 1957 التحقت بجامعة فيينا، وأقامت بالمنزل رقم 56 شارع يوهانشتراوس لعدة أسابيع، قبلما يفتح القسم الداخلي أبوابه لإقامة الطالباتالمغتربات.

لقد أسبغت الحياة الجديدة على أمينة سعادة غامرة، ودفئاً من نوع آخروقد جمعتها الحجرة بطالبة مرحة في نهائي الطب – وتدعى جولي باتريك - من جوهانسبرج،ذات خبرة كبيرة بالحياة الاوروبية. وفي متنزهات المدينة الساحرة، والحريةاللانهائية لفتاة من الشرق، علمتها جولي التدخين، وحذرتها من العلاقات الجنسية معالشباب حيث الحمل والاجهاض، وحببت اليها أسلوباً جنسياً خاصاً بالنساء، يرتقىبالمتعة الى ذروة الانتشاء، والأمان، فأقبلت أمينة على التساحق مع الفتاة الخبيرةبالشذوذ، وشيئاً فشيئاً أدمنت الفعل الخبيث حتى الثمالة، فقد رأت فيه انطلاقتهاوتحررها من قيود الشرق، والخجل.

ومع انتهاء العام الدراسي الأول، وعودة جولي الى وطنها، افتقدت أمينةلسعات الخدر الجميل، فتقربت من فتاة أخرى تدعى جينفيف ووترود، وسعت لإدارة الدارلكي تشاركها الحجرة الواحدة، والشذوذ الذي تزداد جرعاته العطشى يوماً بعد يوم.

هكذا مرت سنوات الدراسة بجامعة فيينا، تصطخب بالرغبة والتحرر الى أنتحصل أمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي (*) MEDICAL PSYSHOLOGY وتعود في أغسطس 1961 الى عمان مكرهة، تضج بالمعاندة والنفور، وتحمل بداخلها طبائع أخرى، وأحاسيسمختلفة، وآلام الهجرة الى القيود والرقابة.

وفي غمرة معاناتها وكآبتها، تذكرت حبيبها الأول – بسام – فجابت عمانطولاً وعرضاً بحثاً عنه، وهزتها الحقيقة المرة عندما علمت بزواجه من فتاته الجميلةالفقيرة، وحاصرها السهوم والملل والحقد، ولم تجد حلاً لأزمتها إلا السفر ثانية الىالنمسا، بدعوى استكمال دراستها العليا لنيل الدكتوراة، عازمة على ألا تعود الىالشرق أبداً.
آني موشيه


ثلاثة وعشرون عاماً ونيف هو عمر أمينة المفتي عندما عادت الى فيينامن جديد، تحمل قلباً ممزقاً، ووجهاً شاحباً، وكراهية لموروثاتها "العقيمة"، وجسداًأنهكه صمت رجفات النشوة، واصطكاكها.

لفحتها نسمات الحرية في أوروبا، وسلكت مسلك فتياتها في العملوالاعتماد على النفس، غير عابئة بما كان يرسله لها والدها من مصروف شهري. فعملتبروشة صغيرة للعب الأطفال، وساقت اليها الصدفة فتاة يهودية تدعى "سارة بيراد"،شاركتها العمل، والسكن، والشذوذ. فالتصقت بها أمينة، وسرعان ما انخرطت معها في تيارالهيبيز، الذي انتشرت أولى جماعاته في أوروبا في تلك الحقبة، متجاهلة رغبة أسرتهافي تزويجها من ابن العم التاجر الثري. وفي زيارة لأسرة سارة في وستندورف، دق قلبهافجأة بقوة لم تستطع دفعها. إنها المرة الثانية التي يخالجها ذلك الشعور الرائعالمشوق، فقد كان موشيه – شقيق سارة الأكبر – شاب لا يقاوم. إنه ساحر النظراتوالكلام، حيوي الشباب رائق الطلعة.

كانت تعرف أنه طيار عسكري برتبة نقيب، يكبرها بنحو سبع سنواتتقريباً، شاعري، مهووس بموتسارت وبيزيه، ولوع بالشعر الأسود ونجلاوات الشرق.

وفي نزهة خلوية معه حاولت أمينة ألا تنحرف، لكنها ما كانت تتشبث إلابالهواء، واستسلمت لأصابعه تتخلل شعرها، وتتحسس أصابعها المرتعشة، وتضغط ضغطاًملهوفاً على مغاليق قوتها، فتنهار قواها، وترتج في عنف مع مذاقات أول قبلة من رجل،فأحست بروعة المذاق وقالت في نفسها:

يا للغباء لقد خلقنا للرجال.


وبين أحضانه الملتهبة، تأملت جسده العاري المشعر، وأسكرتها دفقاتالمتعة المتلاحقة، وغرقت من لذائذها في نهم وجوع، واشتياق.

حينئذ . . حينئذ فقط . . أفرغت كل مشاعرها بين يديه . وبصدق، وضعف،اعترفت له بحبها.

هكذا خطت أمينة المفتي خطوات الحرام مع الطيار اليهودي . . وهيالمسلمة. وترنحت سكرى بلا وعي لتستقر في الحضيض . ولما أفاقت قليلاً . . هربت منهالى فيينا، يطاردها دنس الجسد، وغباء العقل، ورجفعة الرغبة.

وبمسكنها في شارع شتراوس حاولت أن تنسى، أن تغسل البدن المدنسبالخطايا، أن تمحو صورة أول رجل هتك ستر عفافها وأشعرها بفورة الأنثى، لكن مطارداتهالتليفونية لها كانت تسحق إرادتها، وتشتت عقلها الزائغ أمام جيوش عواطفه، فتخورصاغرة.

تعددت لقاءاتهما المحرمة وتحولت أمينة بين يديه الى امرأة لا تدخروسعاً في إسعاده، وتغلبت على ضميرها قدر استطاعتها وهي تدعي لنفسها الحق في أنتعيش، وتحيا، وتجرب، وتمارس الحب بلا ندم في بلاد لا تعترف بالعذرية والعفاف.

هكذا مرت خمس سنوات في انحلال وترد، متناسية ما لأجله غادرت وطنهاالى فيينا. وبعد جهد . . ساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراة مزورة في علمالنفس المرضي – PATHOPYCHOLOGY – وهو فرع من علم النفس الطبي، وعادت أدراجها الىالأردن في سبتمبر 1966 ليستقبلها الأهل في حفاوة وفخر، ويطالبونها بإعلان موافقتهاعلى الزواج من ابن عمها، لكنها تطلب منهم إمهالها حتى تفتتح مستشفاها الخاص فيعمان.

وبينما إجراءات الترخيص للمستشفى تسير بشكلها العادي، وقع خلاف بينهاوبين وكيل الوزارة المختص، فتشكوه الى وزير الصحة الذي أبدى اهتماماً بشكواها ويأمربالتحقيق فيها على وجه السرعة. فتتشكك اللجنة القانونية في تصديقات الشهادةالعلمية، وتطلب منها تصديقات جديدة من فيينا. وخوفاً من انكشاف التزوير وما يصاحبذلك من فضيحة لها ولأسرتها، سافرت أمينة الى النمسا متخمة بالخوف، وبأعماقها غضبيفيض كراهية لبلدها.

هناك . . أسرعت الى موشيه يعاودها الحنين، غير عابئة بانكسار وطنهاالعربي بنكسة 1967، فكانت تعلن شماتتها بلا حرج أو خجل، إذ طفحت منها الكراهية لكلما هو عربي، ولكل ما يمت للعرب بصلة.

وبين نتف الجليد المتساقطة في ديسمبر، كانا يعبران معاً جسراً خشبياًقديماً في المدينة، عندما استوقفها موشيه فجأة قائلاً:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:39

آمنة . . أتتزوجينني . . ؟


دون أن تفكر أجابت وهي تحضنه في عنف:
أوه موشيه الحبيب . . نحن زوجان يا عزيزي.

أجابها بحسم ملاطفاً:
أريده زواجاً رسمياً في المعبد.

وفي معبد شيمودت . . اعتنقت أمينة المفتى اليهودية ، وتزوجت من موشيهزواجاً محرماً شرعاً، واستبدلت اسمها بالاسم اليهودي الجديد "آني موشيه بيراد".
الهجرة الى إسرائيل


على أطراف مدينة فيينا أقامت أمينة مع زوجها بشقة جديدة رائعة، تمتدمن أمامها مساحات الزروع الخضراء الشاسعة، وتبدو أشجار الغابات من بعيد كأنها رؤوسأشباح تطاردها كلما خلت الى نفسها.

لقد رأت أن تنأى بعيداً عن عيون المخابرات العربية التي تصورت أنهاتسعى اليها، وكرهت مجرد الخروج مشياً في نزهات خلوية وحيدة أو برفقة موشيه، وتغلبتعليها هواجس الخوف الشديد كلما التفت الى شباكها أحد المارة، وعاشت تجرع التوتر فيكل لحظة، فتحيل ايامها الى كابوس يخنق حياتها، ويغرز بأظافره الحادة المستطيلة فيعنقها. وكثيراً ما استيقظت فزعة صارخة باكية، تتحسس في سرعة مسدسها المحشو وتصوبهالى أركان الغرفة.

وفي صيف عام 1972، قرأت أمينة إعلاناً غريباً بإحدى الصحف، تطلب فيهإسرائيل متطوعين من يهود أوروبا للالتحاق بجيش الدفاع، مقابل مرتبات ومزايا عديدةمغرية. وابتهجت المرأة التعسة، إذ تصورت أنها عثرت على الحل المثالي لمعاناتها،وأخذت تعد العدة لموشيه لإقناعه بالفكرة، خاصة وأنه سيحصل على جواز سفر إسرائيلي،ومسكن في إسرائيل، وأنها بمرافقته الى هناك ستودع الخوف الى الأبد.

لكن موشيه الذي كان يسعى للعمل بإحدى شركات الطيران المدنية عارضالفكرة، ورفضها، بدعوى أن إسرائيل والعرب في حالة حرب لن تهدأ حتى تشتعل، طالما أنهناك أرضاً محتلة وشعوباً عربية ثائرة.

ومع إلحاحها المتواصل ليل نهار، تقدم موشيه بأوراق الى السفارةالإسرائيلية، وفي نوفمبر 1972 كانا يطيران بطائرة العال الى إسرائيل.

حظيت أمينة – آني موشيه – باستقبال أكثر من رائع في مطار اللد،استقبال تحير له موشيه كثيراً وظن لأول وهلة أن زوجته إما أن تكون شخصية مرموقةومعروفة في عمان، أو أنها ممثلة إسرائيلية مشهورة.

وابتسم في سعادة وهو يلمح مدى بهجتها وفرحها الطفولي بالوطن الجديد،وبالمسكن المريح في ريشون لتسيون المعد من الخشب على طراز الريف الانكليزي.

استدعيت أمينة بعد أيام قليلة الى إحدى الجهات الأمنية، حيث سئلتمئات الأسئلة عن نشأتها في الأردن، وعائلتها، ووظائف أقاربها ومعارفها، وعن كيفيةتعارفها وموشيه، وزواجهما، فأجابت في سرد طويل.

سئلت أيضاً عما تمثله إسرائيل بوجدانها، وسئلت عن مشاعرها تجاهالاردن، والفلسطينيين، فأقرت بأنها تكره منظمة التحرير، وكل المنظمات الارهابيةالفلسطينية، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندما لم يقتلهم جميعاً في الأردن، فهميكرهون الأقلية الشركسية في الأردن، وضربوا بيوتهم، وأتلفوا ممتلكاتهم، ظناً منهمأن عمها – اللواء بالبلاط الملكي – كان وراء مذابح أيلول 1971، وأحد مرتكبيها.

أُثنى على المواطنة اليهودية الجديدة، وأعيدت الى منزلها على وعدبتوفير عمل مناسب لها في أقرب فرصة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينة المفتي - الحلقة الثانيه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:44

اشهر جاسوسة عربية خدمت الموساد
أحبت يهوديا فباعت لأجله الدين والوطن
الحلقة الثانية

البحث عن المستحيل


أخضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبة رائد طيار فيسلاح الجو الاسرائيلي. وفي آخر يناير 1973 طار بطائرته الـ سكاي هوك باتجاه الجبهةالسورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له، واعتبر مفقوداً منذ تلكاللحظة لأن سوريا لم تعلن عن أسر الطيار الاسرائيلي كما كان يحدث، لكنها أعلنت بأنالطائرة انفجرت في الجو وقائدها بداخلها.

لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة تصرخ صرخات هستيرية لا تتوقف. وفيعيادة "كوبات حوليم هستدروت" للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها، أو لنقل إنصدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت.

وقبعت خلف زجاج حجرتها تنظر الى السماء، تزوغ نظراتها أحياناً،وأحياناً أخرى تتبع العصافير في طيرانها ولهوها.

وبعد شهر ونصف تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك في البيان السوري، وبأنموشيه ما يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات. فهوي طيار ماهر وقدراته عاليةجداً.

وفي منزلها - وكانت برفقتها إحدى الأخصائيات النفسيات – كانت تحدثنفسها نهاراً بصوت مسموع، وفي الليل يسمع لها أنين خافت مليء بالوجع، هو مزيجمتهالك من مشاعر الحسرة والضياع.

لقد صبت جام غضبها على العرب الذين أرهقوها في الأردن، وطاردوها فيالنمسا، وضيعوا حلمها في الاستقرار بإسرائيل.

إنهم آفة مستقبلها المظلم الآن، وسبب نكبتها وفجيعتها في زوجهاالشاعري المهذب. ولأنهم هدموا حياتها كلها، تمنت لو أنها تستطيع الانتقام، فها هيوحيدة يائسة بين أناس لا تعرفهم، بل وتجهل لغتهم العبرية وعاداتهم وطقوسهم. وعمداًتناست أنها هي التي دفعت بحياتها الى مستنقع الهاوية، عندما تزوجت من يهودي، ودفعتهللهجرة الى إسرائيل خوفاً على حياتها، فقذفت به الى مصير مجهول، مماثل لمصيرها.

وقبلما يحطمها الانتظار ويعتريها الجنون، تقدمت بطلب الى السلطاتالمختصة للسماح لها بالسفر الى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها.

وما هي إلا أيام قليل حتى طارت بجواز سفرها الاسرائيلي الى فيينا،فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم عدة أيام حاولت خلالها أن تتنسم عبيرالحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً بأطراف العاصمة. وفي الشقةالتي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعد والستائروالوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه واسطواناته وأحذيته.

مجنونة تلك المرأة الملتاعة، التي لفظتها أرجوحة الثمالة الى جبالهاوية، فدوت صرخاتها تتردد في الأعماق لهفى الى الضياء والأمان، ويبث الصدى فيشقوقه ألم الإنسان وظلمه لنفسه.

وبصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغاد الشقة، وحملت أمينةحقائب حزنها وتوجهت الى المطار. وبجواز سفرها الأردني طارت على أول رحلة الىبيروت.

وشارع الحمراء – أشهر شوارع بيروت - نزلت بأحد الفنادق. وفي رحلةتجوالها تعرفت على سيدة لبنانية - أردنية الأصل - تدعى خديجة زهران، تمتلك وتديرمحلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرب اليها، ودلتها خديجةعلى شقة صغيرة بحي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها، وتسقط أخباره منالفلسطينيين ذوي الكثافة بالحي. وبعد رحلات عديدة بين بيروت ودمشق، فشلت أمينة فيالوصول الى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قتل لا محالة. وغادرت بيروت الى فييناتنخر بعقلها أحزان تقترب بها الى حافة الجنون، وتخنقها عبرات الأسى والغربة،والفزع.
في المصيدة


في شقتها بفيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفي اليوم التالياستقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون، مهمتهم إنهاء إجراءات الإرثالخص بها، دون إثارة مشاكل مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء في النمسا، أو فيإسرائيل.

كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليون دولار، مع الشقةالرائعة في ريشون لتسيون، وضمانات حماية وأمن فوق العادة.

لقد كان المطلوب منها أن تتعاون معهم لقاء ذلك، وتنفذ ما سيطلب منهابلا تردد. فبقياسات المخابرات، تعد أمينة المفتي كنزاً ثميناً لا يقدر بمال. فهيامراة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع نفسي سيء مليء بالخوف، ولا مأوى لهاسوى في إسرائيل. لكل تلك العوامل كان لا بد من استغلالها واستقطابها، بقليل من بثالكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كان يمثل لها الأمنوالحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة الى الأمن والحماية من بعده.

لقد كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة المفتي التي تحمل الجنسيةالأردنية، والنمساوية والاسرائيلية، لم تكن بحاجة الى كل هذا التخطيط والتمويهلجرها الى عش الجاسوسية، والعمل لصالح الموساد ضد وطنها وشعبها.

إنها غارقة في الضعف، واليأس، والضياع. وبعدما باعت الدين والوطن فهيلا تملك أثمن منهم لتبيعه.

يقول الكاتب الأديب محمد حسين الألفي: (هناك دراسات علمية أجريتمؤخراً، كشفت عن نتائج سوف تقلب تفكيرنا رأساً على عقب، فقد ظهر أن الخيانة فيالدم، بمعنى، أن الناس يولدون والخيانة في دمهم . . أحد مكونات الدم) (*).

ومنذ البداية – لم تعر أمينة المفتي للشرف انتباهاً، إذ خلعت ثوبالشرق المحتشم، واستبدلته بغلالة الغرب عن طوع ورغبة. نازفة دماء عروبتها،وعقيدتها، وعفتها. لذا لم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها، مستغلين ضعفهاالإنساني ووحشتها، عازفين على أوتار كراهيتها للعرب، وللفلسطينيين على وجه الخصوص. إن الجاسوسية في عرف جهزة المخابرات لا تقر بمبدأ الرحمة، ولا تستجيب بأي حاللنداءات الضمير. إنه عالم عجيب مثير، يفتقد العواطف، ولا تصنف المشاعر تحت سمائه. وفي دهاليزه المظلمة الغامضة، توجد هناك دائماً مساحة ضيقة من الطموح والجنون،وبقدر ما لدى الإنسان من رغبة محمومة في تحقيق احلامه، وتوهماته، تعميه الحقيقةالمرة أحياناً عن معالم الطريق ويتحول لمخلوق مبصر يتحسس الخطى دونما توقع لنواميسالقدر.

فالنفس البشرية ما تزال تمثل لغزاً محيراً عجزت العقول عن تفسير بعضجوانبه، ولذلك، لا نندهش أمام تقلبات البشر، وجنوح العقول، وانحرافات الأمزجةوالسلوك.

تلك هي النفس البشرية ، لغز الألغاز، سرها لا يعلمه إلا خالقهاسبحانه وتعالى.

هكذا سقطت أمينة المفتي في مصيدة الجاسوسية، وأسلمت قيادها للضباطالثلاثة، الذين أقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعة أيام في شقتهابفيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، وتشفير، وتلقط الأخبار،وكيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.

دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام، والهرب من المراقبة، واستخدامالمسدس. واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة، وتخزين المعلوماتوالأرقام دون نسيانها. فكانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلم سينمائي، ويطلبون منهاالإجابة:

كم طبقاًكان على المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة بالنجفة؟ كم عدد درجات السلم؟

أجادت آني داود دورتها الأولى في التجسس، وأصبحت أكثر إصراراً علىالانتقام والتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فقد بالقرب من الجولانوالجنوب اللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال حبها للعمل مع إسرائيل ضدالعرب. ولمتعد تزعجها كثيراً هلاوس الليل عندما تحلم به يسعى في الجبال ممزقالثياب، كث اللحية، غائز العينين، يناديها أن تنقذه. وكثيراً ما ترى جسده ممزقاً فيقطع صغيرة، تلتهمها فئران الخلاء.

وغادرت فيينا الى بيروت هذه المرة . . لا للبحث عن زوجها، وإنماللانتقام له، مهمتها المحددة تقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية، ورجال المقاومةالذين يؤرقون أمن إسرائيل، ويحيلون ليلها الى نهار لشدة القصف . . والتفجيراتالفدائية.

كانت أيضاً مكلفة بالتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة، والطرق التييسلكها الفدائيون للتسلل الى الأرض المحتلة، أيضاً - التغلغل داخلهم لمعرفة أعدادالفدائيين، وتدريبهم، وتسليحهم. ومدى مهارتهم في التخفي والمناورة، ومخازن الأسلحةوالإعاشة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:46

وليمة فسق



وفي بيروت، استأجرت شقة بإحدى بنايات الروشة، أجمل مناطق بيروت، حيثترى الشاطئ المتعرج برماله البيضاء التي يتقاذفها البحر على ضفاف اليابسة، وهوالمشهد الذي وصفه الشاعر الفرنسي "لامارتين" بقوله: إن الطبيعة هنا . . بل كل شيءحولي أسمى من الخيال. لقد حلمت بجنة عدن . . لا . . بل لقد رأيتها". من شرفة شقتهاكان أمامها البحر اللانهائي، وبقعتان من الصخور القاسية، هما صخور الروشة الشهيرةالتي تكسر تلك اللوحة الناعمة وتزيدها جمالاً. وعلى بعد خطوات منها يقع مقهىالدولشي فيتا أشهر مقاهي بيروت، حيث المكان المفضل للفنانيين والمثقفين والجواسيسوالسياح. كان الشيء الوحيد الذي يضايقها، هو انقطاع الحرارة عن التليفون. لذلك . . زارت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت منها المساعدة. في الحال اتصلت خديجةبمانويل عساف موظف التليفونات، الذي ذهب بنفسه الى أمينة في اليوم التالي، ليؤكدلها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات بالشبكة، ووعدها بأنه سيسعى فيالقريب للتوصل الى حل. منحته خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى . . منحتهجسدها أيضاً. إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لتليفونات وعناوينالقادة الفلسطينيين. لم تندم عندما باعت الدين والوطن والأهل. فلم تجد غضاضة وهيتبيع نفسها لمانويل، الذي خر مستسلماً أمام امرأة شابة بعينيها نداءات جوع، تفوح منجسدها رائحة الأنوثة والرغبة؟ لقد شلت إرادته وأذهبت بعريها عقله، وحاصرته فلم يعديملك حيلة للفرار. وأقبل عليها في شراهة ونهم، باعتقاده أنه أوقع بامرأة ظمأى. . بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بين أحضانه بدت في أقصى حالات الضعف، لكنها كانتأبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة. هكذا تفعل النساء في عالم المخابرات والجاسوسية . . فالجنس عندهن وسيلة فقط لا هدف.

صدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهومجرد موظف صغير لا يملك قراراً. فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعتنفسها بأنها فشلت في تجربة أولى . . وحتماً ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عسافالوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارونالحايك – بيده كل شيء . لذلك . . صارحه بما حدث، واصطحبه الى شقة أمينة داودالمفتي. كان مارون الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته،منشغل بالتجسس على المحادثات التليفونية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردةوالبحث عن صيد جديد. وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة منكنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت. لذلك تركته بتناول معها وليمة فسقأتخمته، وأحاطت عقله بسياج من غباء. وبينما الجسد المنهد ساكناً . . أجاب عنأسئلتها . . وأطلعها – بعد عدة ولائم – على التليفونات السرية للمنظمات الفلسطينية،ولزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم بحي الريحانة الشهير. وبواسطة صندوق بريد ميت، صبتأمينة كل ما تفوه به مارون في خطاب من عدة صفحات، تسلمه عملاء الموساد في بيروت. لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحرك دون انتظار. فالمطلوب منها هو الحصول على القوائمالسرية لرجال المخابرات الفلسطينية "رصد" في أوروبا وصفاتهم. ولن يتاح لها ذلك إلامن خلال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية – مكتب ياسر عرفات شخصياً، أو مكتب رئيسجهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم، والذي أطلقت عليهجولدا مائير لقب "الأمير الأحمر"، لأنه بطل عملية ميونيخ التي قتل فيها أحد عشرإسرائيلياً.

64
الامير الاحمر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقة الثالثه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:49

أشهر جاسوسة عربية خدمت الموساد
الحلقة الثالثة


الأمير الأحمر


كانت الحياة ببيروت في ذلك الوقت يونيو 1973 لها مذاق رائع. تماماًكالأطعمة المتنوعة من كل أنحاء الدنيا . ومع عطلة نهاية الأسبوع . . تزهو أجملفتيات لبنان داخل الفنادق والأندية، يرتدين البكيني اللاصق، ويتلوين بتدله تحت أشعةالشمس حول حمامات السباحة، أو يلعبن الجولف والتنس، ويرقصن الديسكو ويشتركن فيمسابقات الجمال. وسط جو كهذا يموج بالمرح والحسن والشباب، اعتاد علي حسن سلامة أنيعيش بعض أوقاته، يرافقه أحياناً فتحي عرفات "شقيق ياسر عرفات" . . رئيس جمعيةالهلال الأحمر الفلسطيني. ولما اختيرت جورجينا رزق ملكة جمال الكون، اختطفها سلامةوتزوجا في حدث أكثر من رائع، مما جعله مطاردا دائماً من فتيات لبنان. لكنه كانمشبعاً بكل جمال الدنيا بين يديه. ولأن المخابرات الاسرائيلية كانت تجهل صورته اوملامحه، وفشلت كثيراً في اقتفاء أثره لاغتياله، خاصة بعد عملية ميونيخ بالذات، فقدكان المطلوب من أمينة المفتي التسلل الى مخبئه، والحصول على قوائم بأسماء قياداتوعملاء المخابرات الفلسطينية في أوروبا. فقد كان علي حسن سلامة – الأمير الأحمر - كما أطلقت عليه جولدا مائير، أحد مساعدي عرفات والمختص بحراسته، ثم أوكل اليه عرفاتمباشرة بمهمة جديدة، وهي رئيس الأمن والمخابرات التابعة لمنظمة فتح وقوات الحرسالداخلي - التي يطلق عليها القوة 17 - وهي القوة التي أطلق عليها عرفات اسم "المنتمين الى قيصر روما القديمة". والحصول عى القوائم السرية للقيادات الفلسطينيةوالأعضاء البارزين في المنظمات في أوروبا، أمر هام جداً ومطلوب لتفكيك أوصالالقيادة في بيروت، وعزلها عن الآخرين في كل قارات العالم. وفي هذا إجابة عن سؤال: لماذا السطو على أوراقه بدلاً من اغتياله؟

هكذا كانت مهمة أمينة المفتي في بيروت . . مهمة حساسة للغاية . . لواستطاعت القيام بها فكل ميادين إسرائيل لا تكفي لوضع تماثيلها. وفي لقاء حميمبشقتها مع مارون الحايك، سألته عن عرفات وأبو إياد والغمري وغيرهم، فأجاب بأنهيعرفهم جيداً، ولأيام طويلة ظلت تمنحه جسدها، وتنفق عليه بسخاء عندما أكد لها أنهيعرف علي حسن سلامة، بل والفندق الذي يرتاده. فاصطحبته مراراً لفندق كورال بيتش "شاطئ المرجان" ليدلها عليه. لكن الأيام تمر والحايك يستمتع بجسدها وبأموالها دونأن يظهر لسلامة أثر.

تملكها يأس قاتم لفشلها، وفكرت كثيراً في مغادرة بيروت الى تل أبيبتتوجها الخيبة. لكن طرأت بخيالها فكرة جديدة عملت على تنفيذها بأسرع وقت. إذ انتقلتالى شقة أخرى بكورنيش المزرعة - وهي منطقة شعبية يرتادها التجار من قاطني المخيماتالفلسطينية في بيروت. وللوهلة الأولى . . أحست بتفاؤل كبير، بعدما تعرفت على ممرضةفلسطينية تدعى شميسة، تعمل بعيادة "صامد"(*) بمخيم صبرا. فقدمتها شميسة، الى مديرالعيادة، الذي أوضح لها أن العديد من الأطباء من كل دول العالم، يشاركون في علاجالفلسطينيين كمتطوعين. فعرضت عليه خدماتها التطوعية، وأطلعته على شهاداتها المزورةفطلب منها الانتظار لعدة أيام ريثما يخبر رؤساءه. هؤلاء المتطوعون في شتى المؤسساتالفلسطينية، يقابلهم ياسر عرفات، ويستعرض معهم المخيمات وملاجئ الأيتام، والمؤسساتالصحية والهلال الأحمر، وأقسام الأجهزة التعويضية والعلاج الطبيعي والمعاملالمركزية وبنك الدم. من هنا . . صادفت أمينة المفتي فرصة ذهبية للامتزاجبالفلسطينيين، وبدأت مرحلة العمل التجسسي الأوسع.
رعشة اللقاء


ومساء 22 يوليو 1973 . . دق جرس التليفون بشقة أمينة المفتي. وكانعلى الطرف الآخر مارون الحايك، الذي اسر اليها ببضع كلمات ألجمتها، فوضعت السماعةفي توتر وأسرعت تفتح التليفزيون. لقد صدمها المذيع وهو يعلن نبأ اعتقال ستة من رجالالموساد في أوسلو، بينهم امرأة، بتهمة قتل جرسون مغربي بالرصاص في ليلها مر، ظنواأنه الفلسطيني علي حسن سلامة. وقد اعترف المعتقلون بأنهم ينتمون الى الموساد،ويشكلون فيما بينهم فريقاً للقتل اسمه K IDON - الرمح – وجاءوا خصيصاً من إسرائيللتعقب سلامة واغتياله. ارتجت أمينة وتملكها الهلع على مصيرها. وتساءلت: لماذايتعقبون سلامة لاغتياله. بينما طلبوا منها خلاف ذلك؟

كانت اللعبة أكبر بكثير من تفكيرها. فأمور السياسة والمخابرات تتشكلوفقاً لمعايير أخرى . . وحسابات معقدة. ولأول مرة منذ فقدت زوجها موشيه، تشعر برغبةأكيدة في الاستمتاع بالحياة . . وحاجتهات الى مذاقات النشوة التي افتقدتها. وأسرعتفي اليوم التالي، برفقة مارون الى فندق الكورال بيتش، متلهفة الى الالتقاء بسلامة. ولكم أخذتها المفاجأة عندما أشار صديقها ناحية حوض السباحة قائلاً لها: أنظري . . إنه علي حسن سلامة.

كان حمام السباحة كبيراً، على شكل حدوة الحصان، يحيط به مبنى أبيضاللون مكون من ثلاثة طوابق، تطل كل غرفه الخمس والتسعين على الحمام. ويفضل سلامةهذا الفندق لأنه مؤمن جيداً ويكشف المخاطر الأمنية؛ التي قد يتعرض لها. ومن الأمورالعادية أن توجد ثلاث سيارات عسكرية حول الفندق لحماية الأمير الأحمر. حيث يقومحراسه بتأمين موقف السيارات ومداخل الفندق وحدائقه. أما في الحجرة المطلة على حمامالسباحة وهي بالدور الأرضي، فيكون سلامة دائماً بمفرده، يحمل مسدسه الأتوماتيكيالمحشو، ولا يتغافل عنه أبداً.

كان سلامة في ذلك الوقت في الثالثة والثلاثين من عمره، رياضي . . وسيم . . أنيق. يصادق جورجينا رزق ملكة جمال الكون. وفي فتاة عمرها واحد وعشرونعاماً، تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في بيروت لأب لبناني وأم مجرية. انتخبت فيالسادسة عشرة ملكة جمال لبنان. وبعدها بعامين ملكة جمال العالم. وكانت الوحيدة منبلاد العرب التي دخلت مسابقة "ميامي بيتش". وهكذا أصبحت جورجينا رزق أشهر امرأة فيالعالم، يحلم بها كل الرجال. وكان الجميع يريد التعرف على الفتاة ذات الشعر الأسودالطويل، والعيون الخضراء، والفم الكبير، والجسد الأسطوري. حتى "جيمي كارتر" - حاكمولاية جورجينا وقبل أن يصبح رئيساً . . تحققت أمنيته وظهرت صورة له مع ملكة الكونوهي ترتدي فستان السهرة الأسود العاري الأكتاف والصدر. لقد انشغلت جورجينا رزقبالفتى الوسيم مفتول العضلات ذو الجسد الرياضي الممشوق. وانشغل بها هو أيضا. وبرغمزواجهما إلا أنه لم يمانع من اختبار رجولته التي لا تقاوم مع نساء أخريات.

وها هي أمينة داود المفتي تقف أمامه . . ووجها لوجه بشكل لم يكنمتوقعاً . . وحيث رتبت الموائد حول الحوض تحت المظلات الشمسية، جلست تراقب سلامةبحذر وهو يستحم، وعلى مقربة منه وقف رجلان من حراسه تنتفخ أجنابهما بالسلاح. رسمتأمينة صورته في خيالها، وداومت على زيارة الكورال بيتش مرتان أسبوعياً بشكل منتظم. وكانت كثيراً ما تلتقي بسلامة الذي اعتاد رؤيتها. . وابتسامتها.. وجمالها البسيطالهادئ. وذات مرة . . وصل سلامة الى الفندق. . واتجه الى الداخل حيث حجرته، لكنهعرج فجأة الى مائدة أمينة، وانحنى على ظهر المقعد المواجه في أدب وسألها عدة أسئلة. . ثم سحب المقعد وجلس قبالتها لأكثر من نصف الساعة تقول أمينة في مذكراتها التينشرت بعد ذلك:

" في ذلك اليوم الحار من سبتمبر 1973، تشوقت لترطيب جسدي في حوضالسباحة بكورال بيتش، وبينم كنت أرفع كوب الماء البارد الى فمي، رأيته أمامي . . إنه سلامة. سرت رعشة متدفقة بأوصالي عندما جاء الى مائدتي محيّياً. وبدأ بأن عرفنيبنفسه على أنه رجل أعمال فلسطيني، ثم سألني عن نفسي. وجلس الىمائدتي بعدما اكتشفأنني طبيبة أردنية متطوعة. ومنذ ذلك اليوم لازلت أذكر رعشة اللقاء . . وحديثهالرائع الذي جذبني اليه بكل كياني ومشاعري". .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:50

في الدولشي فيتا


وبواسطة سلامة، انفتحت أمام أمينة المفتي كل الأبواب الموصدة. إذأصبحت محل ثقة الفلسطينيين، وعلاقاتها بالقادة طالت ياسر عرفات نفسه. لقد استعادتحيويتها وثقتها بنفسها، وانخرطت في صفوف المقاومة تضمد الجروح، وتبث فيهم الحماسوالاستماتة في الكفاح. وكانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين في الجنوب، تصحبهافيها مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لدخول كل المناطق المحظورة. فكانتعيونها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها. وآذانها كانت أجهزة تسجيل متطورة، وانقلبعقلها الى آلة جبارة من القوة بحيث لا يرهقها تزاحم المعلومات . . أو رسم الخرائطبدقة متناهية . . أو حفظ مئات الأسماء والمواقع . . أو تذكر أنواع الأسلحة وأساليبالتدريب. لقد أدمنت استجلاء أوضاع الفلسطينيين، مستغلة ثقتهم بها في إرسالالمعلومات عنهم يوماً بيوم الى الموساد. كان المطلوب منها هو كتابة تقارير وافية،ووضعها في صندوق البريد "الميت"، أو تركها بسيفون حمام فندق الكورال بيتش. تقولأمينة في مذكراتها: (أذكر أنني في إحدى المرات . . كنت أحمل وثائق سرية وتقاريرخطيرة. . وذهبت لمقابلة سلامة بالفندق. كانت حقيبتي مكتنزة بأربعة وعشرون ورقة منأوراق البلوك نوت الكبيرة، عندما فاجأني سلامة بمجيئه مبكراً قبلما أتمكن من الدخولبها الى الحمام. وكانت ورقة واحدة منها فقط، كفيلة بأن يفرغ سلامة رصاصات مسدسه فيصدري. لقد كنت أجلس اليه بأعصاب من فولاذ. . وعلى مقربة مني كانت زميلتي - وتحملوثائق سفر قبرصية – تكاد تموت هلعاً).

هكذا عملت أمينة داود بحرية مطلقة في التجسس على القادة الفلسطينيين. . ورجال المقاومة . ولم تدخر وسعاً في البحث عن كل ما يهم الإسرائيليين في لبنان. لقد زارت ياسر عرفات بمكتبه ثلاث مرات، لتطلعه بنفسها على العديد من السلبيات التيواجهتها في الجنوب اللبناني، واهتم الزعيم بمقترحاتها وقد أفرد لها مساحة طويلة منالوقت للاستماع اليها. وأوصى في الحال بالتحقق مما قالته، وتلافي الأخطاء التي تعوقحركة المقاومة في الجنوب. فتقربت أمينة بذلك من الزعيم الفلسطيني، وأصبح مكتبهمفتوحاً دائماً أمامها.

وحدث أن كانت في مقهى "الدولشي فيتا"، حيث شاطئ الروشة المتعرجالخيالي، حينما توقفت فجأة أمام المقهى سيارة جيب عسكرية، وتزل منها ثلاثة رجالفلسطينيين، اتجهوا مسرعين الى حيث تجلس تشرب القهوة، وقال أحدهم بحسم: نعرف أنك هنا . . وعليك مرافقتنا الآن. !

أسقط ما في يد أمينة، ولم تقدر على الوقوف. بينما الرجال الثلاثةترسل عيونهم سهاماً من توتر.
زيارة الى العبد


كانت السيارة العسكرية تخترق شوارع بيروت بسرعةمذهلة، بينما كانت أمينة المفتي متكورة الى يمين السائق، تنتفض عروقها رعباً،ويرتعد بدنها كله لهول النهاية. لم تسأل مرافقيها عن وجهتهم، أو لنقل إنها لم تجرؤعلى ذلك. إذ انحصر تفكيرها في تحين الفرصة المناسبة للبحث عن كبسولة سم السيانيد،التي خبأتها بين خصلات شعرها بواسطة شريط لاصق. فحتماً سيكتشف الجنود المدججونبالسلاح ذلك عندها سيضطرون الى تكبيلها بالسلاسل الحديدية، فتضيع منها فرصةالانتحار الوحيدة. تنبهت أمينة قليلاً وتعجبت، فالسيارة عرجت بها فجأة الى طريقمخيم شاتيلا. ترى . . هل أقام الفلسطينيون معتقلات الخومة بداخل المخيمات؟

هكذا تساءلت في نفسها، وقبلما تسعفها الإجابة انطلق صوت احد الجنودمن خلفها، يحث السائق على أن يزيد من سرعته، فالجرحى الذين جيء بهم من الجنوبكثيرون. وعند هذه العبارة أفاقت أمينة تماماً، سألت الجندي عن الأمر، فأجابها بأنهمضحايا إحدى الغارات الاسرائيلية على معسكر فلسطيني بالقرب من مفرق مخيم عين الحلوة - السيروب في صيدا. ونظراً للعجز الكبير في الأطباء المتطوعين، دلهم على مكانهامكتب المخابرات "الذي يترأسه علي حسن سلامة". فاستجمعت أمينة شتات عقلها في صرخةمدوية:

غبي .. غبي.. كلكم أغبياء وتيوس أهكذا تستدعون ضيوفكم؟

وبينما ينطلق صرخها بالسباب، وبأنها ستشكوهم لعرفات شخصياً، كانالجنود يعتذرون لها . . ويلحون في ذلك أيما إلحاح. تلك الحادثة . . لم تسقط أبداًمن ذاكرة أمينة. إذ زرعت لديها شعوراً قاتماً بالخوف في قدراتها التجسسية بين أناسيشكون في كل غريب وافد. لذلك، كان عليها أن تغسل الخوف الملتصق بها، وتتعاطى جرعاتكبيرة من الهدوء، . . والتعلم، . . والحنكة.

وما كان يتأتى لها ذلك إلا في إسرائيل. هكذا أنهت عملها في مستشفىمخيم شاتيلا، واستأذنت في السفر الى فيينا لتسجيل اسمها لدى إحدى جمعيات الطفولةالدولية. وهناك . . في شقتها الخاوية بين الجدران الصماء والفراش البارد، اهاجتهاالذكريات فضربت عمق وعيها، وأخذت تطوف بالغرف من جديد تتحسس الأرائك والأدراجوأحذية موشيه القديمة، وتقلب صفحات الألبومات تتلاحق أنفاسها في اضطراب وشجن. وبكتكثيراً بين أحضان سارة بيراد شقيقة زوجها المفقود، وسافرت معها الى حيث يقيم والديموشيه في وستندورف، يجرعان الأسى ويعتصرهما المرار.

هناك. . تخلت أمينة عن أهم قواعد الجاسوسية، وهي السرية المطلقة،وتفاخرت أمامهم جميعاً بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب، وتنتقم منهمدونما رحمة أو شفقة. قصت عليهم أيضاً الكثير من أسرار عملياتها في بيروت، وما كانتتعلم أن سارة المنخرطة في جماعات الهيبيز، تصادق شاباً فلسطينياً قتل اليهود والده،فهام يتيماً . . بائساً. . متسكعاً . . يجوب مدن أوروبا بلا هدف. . أو وطن. وبجوازسفرها الإسرائيلي، طارت أمينة الى تل أبيب تحمل جرعة هائلة من الغضب. . تدفعها بقوةلأن تستمر . . وتنطلق بكل كيانها لتثأر. . وتثأر . وفي مذكراتها عن رحلتها تلك الىفيينا قالت:
(اليوم – 18 سبتمبر 1973 – زرت شقتي بفيينا وأنا بطريقي لإسرائيلكان جسدي يرتعش وأنا أصعد الدرج، وفشلت مرات في معالجة الباب. وعندما أضأت الأنوارواجهتني صورة موشيه الكبيرة باللباس العسكري. فمسحت زجاج الإطار وقبلته، وعلقت باقةمن زهور البانسيه التي يحبها الى جواره. لقد خيل الي أن ابتسامته الرائعة تفيضبالعتاب . . بل هي كذلك. فتذكرت . . يا لغبائي . . كيف دفعته بنفسي الى نهايته،عندما شجعته على الهجرة لإسرائيل. حاولت أن أستعيد ابتسامته فلم أنجح. لحظتها. . ركعت على ركبتي أمامه وأشجهشت بالبكاء. ورجوته بألا يولمني أو يغضب مني، فأنا أنتقمله . . وآخذ بثأره. ولن أهدأ حتى أشهد بنفسي بحور الدم المراق تعلوها الأشلاءالممزقة. وأرى ألف زوجة عربية تبكي زوجها، وألف أم فقدت أبنها، وألف شاب بلا أطراف. عندئذ فقط . . لمحت ابتسامته وقد ارتسمت من جديد، وأحسست كما لو أن يداه كانتاتحيطان بي . . !!).


يا للخائنة المحشوة حقداً، لم تكفها كل تلك الخيانات للدين والوطن،فطفقت تبحث عن المزيد والمزيد، الذي تطفئ به نيران الغضب المشتعل بعروقها. ولذلك. . كانت رحلتها الى إسرائيل، لتستمد الهدوء . . والتعلم . . والخبرة. ولكي تجيد فنونالتجسس . . والانتقام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:51

التقاء الخونة


لم يكن لها في إسرائيل من أصدقاء، سوى نفر قليل من رجال الموساد،الذين فوجئوا بها وقد علتها مسحة قاتمة من الإرهاق. طلبوا منها أن تستريح بشقتهاريثما تهدأ. وحتى لا تزيدها الوحدة أرقاً، صاحبتها طبيبة نفسية يهودية من أصل عراقيتدعى زهيرة. وفي شقتها بمدينة ريشون لتسيون (1). عملت زهيرة على تهيئتها للاندماجبالمجتمع الاسرائيلي، تمهيداً لاستقرارها النهائي، بما يعني الاكتفاء بخدماتهاالسابقة كعميلة في الموساد.

لقد كانت مهمة زهيرة ألا تفاتحها في أمر إنهاء خدمتها، فهي ليستمنوطة بذلك. ولكن تنحصر في إذابة جدران العزلة النفسية التي تحيط بالعميلة، بدمجهاشيئاً فشيئاً باليهود العرب، وخلق محيط اجتماعي موسع من حولها. لقد حدثتها صديقتهاالجديدة عن المهاجرين العرب من اليهود، الذين قدموا من شتى الأقطار المجاورة، وكيفاستساغوا العيش في المجتمع الجديد المتحرر، وحدثتها كذلك عن بعض المسيحيين الذينفروا الى إسرائيل طلباً للحرية والأمن. ومن بين الذين ذكرتهم، النقيب الطيار منيرروفه – الكاثوليكي العراقي – الذي فر لإسرائيل بطائرته الحربية (2).

وعندما أبدت أمينة رغبتها في لقائه، عرضت زهيرة الأمر على رؤسائهافجاءتها الموافقة. وتم ترتيب اللقاء بمنزل روفة بين زوجته وأولاده.

كانت أمينة في شوق بالغ للقاء الطيار الهارب، ليس لأنه عربي بللتسأله عما يجول بخاطرها من تساؤلات قد تفيدها معرفة إجاباتها. وبابتسامة عريضةبباب منزلهما، رحب منير وزوجته بأمينة . . وقاداها الى الداخل. كان منير روفة فيذلك الوقت في الثامنة والثلاثين من عمره، أسمر . . واسع العينين والجبهة . . غزتهمقدمات الصلع. أما الزوجة مريم فكانت على مشارف العقد الرابع، طويلة. . ذات شعرانسيابي طويل، وفم واسع. . فجاء . . لها صوت خشن. كانت مظاهر الثراء بادية جداً علىالمنزل وأهله. وبرغم ذلك جاءت مريم بالحلوى والشاي بنفسها. ولما سألتها أمينة ممتنةعلى الخادمة، أجابتها المضيفة بأن المجتمع الاسرائيلي ما زال بحاجة الى تطور وينظرالى المرأة التي تجلب خادمةنظرة اتهام بالبرجوازية. لذلك فهي تقوم بمهام المنزلبنفسها. أما منير . . فقال لها إنه مر بحياة عصيبة في البداية. حيث كان يجهلالعبرية وبلا عمل ولا أصدقاء. ويتابعه كظله رجلا أمن في الشارع والبيت. ثم عمل لبعضالوقت بجيش الدفاع، والآن يمتلك وكالة إعلانية كبيرة خاصة به اسمها الأضواء "الحانوكا"، وتعمل معه مريم كمديرة لمكتبه وللعلاقات العامة. ولما سألته أمينة: كيفيفشل طيار محترف في القفز إذا أصيبت طائرته في الجو؟ . . وهل الطائرة السكاي هوكالأميركية تتحول الى مقبرة لقائدها قبلما تسقط . .؟

كانت تريد إجابات محددة ومنطقية، فربما استمرت في التعلق بأمل عودةزوجها موشيه، أو بنسيان الأمر نهائياً. فضباط الموساد كانت إجاباتهم مبهمة ولا تحملنفياً تاماً أو تأكيداً. وذلك ما يحيرها ويرهق عقلها - فأفاض منير روفة في الشروح . . وأوضح لها أن الطائرة سكاي هوك S KY HAWK-4H التي طار بها موشيه اعتمد تصميمهاعلى حماية الطيار، وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج، ويمكن إطلاقه من ارتفاع الصفر وبسرعةالصفر أيضاً - وهو كرسي قاذف من طراز دو جلاس أسكاباك A -C3 وكابينة القيادة بهامدرعة في المقدمة والمؤخرة والجانب الأيسر، وسمك التدريع حوالي 18 مم. وأكد لها علىأن زوجها موشيه إما أصيبت طائرته بصاروخ "سام 6"، وفي هذه الحالة ربما يكون أسيراًلدى السوريين، أو أن صاروخاً طراز ATOLL – جو / جو، أصاب به السوريين كابينة قيادتهالفقاعية فانفجرت به الطائرة في الجو.

كانت إجابة روفة - الأكثر شروحاً - تعطى ذات الإجابة التي سمعتها منقبل. فلا هو أوضح نافياً او مؤكداً. وبقي السؤال كما هو: هل موشيه بيراد ما يزالحياً في قبضة السوريين؟ أم انفجرت به الطائرة في الجو؟ . . وفي الحالة الأخيرة. . لا بد أن يعثر السوريون على بعض من أشلائه . . ومن ثم يعلنوا الخبر . . وهو ما لميحدث .!!.
الأفعى الغاضبة


عادت أمينة الى شقتها أكثر قلقاً . . وغضباً. يحفها الإصرار علىالانتقام لزوجها، لكن صدمتها كانت قاسية جداً، عندما زارها مسؤول بالموساد، وبعدحديث طويل عن فدائيتها الشجاعة فاجأها بقوله:

سيدتيبعد هذا العناء الكبير . . يرى رؤسائي في الجهاز أنه من الواجب العمل على إراحتك . . وحمايتك. وجئت اليك لأعرض رغبتهم في الوقوف على ما تريدينه، ولأطلعك على العملالجديد الذي ينتظرك، وهو بلا شك عمل مثير ويتناسب مع. .

قاطعته أمينة قائلة:
أتقصد سيدي إنهاء عملي في بيروت؟

وجاء رده أكثر حسماً:
وفي الموساد سيدتي . . وسوف تحصلين على .

لم تتركه أمينة يكمل جملته إذ انطلقت بكل الغضب الكامن بأعماقهاتقول:
لن أقبل ذلكأبداً . . فأنا ما جئت لإسرائيل هذه المرة إلا لأنني اهتززت قليلاً أمام موقفاستدعائي.

ولماذا هكذا تستغنون عن خدماتي لكم بسهولة؟، بالرغم من أنني فرصةذهبية لا يجب أن تضيعوها. فأنا جئتكم بالكثير عن أخبار المقاومة التي تهددمستعمراتكم في الشمال، وأطلعتكم على أشياء كانت غامضة لكم، كل ذلك دون أن أقبض منكمسوى ألفي دولار.

أرجو أن . .

دعنيأكمل من فضلك. هل تستطيع أن تؤكد لي أن أحد عملائكم جلس وتحدث مع علي حسن سلامة؟ أوأن أحدهم وصف لك مبنى قيادة المنظمة الفلسطينية من الداخل؟ أما أنا فقد دخلت لمكتبعرفات. . وألتقي بسلامة مرتين أسبوعياً. وبواسطة جسدي هذا – (رفعت عباءتها فكشفت عنعورتها حتى لقرب صدرها) - جئتكم بالتليفونات السرية لكل القادة الفلسطينيين، ليتنصتجواسيسكم هناك عليها. وخلعت ثيابي لكل كلب نتن الرائحة فينتهك جسدي لأجلب كلمالأسرار . . والوثائق . . والمعلومات . . وفي النهاية تقولون لي ببساطة: شكراً . . !!

سيدةأمينة . . نحن ما فكرنا إلا بحمايتك . . وما كنا سنبخس عليك حقك.

كانت أمينة ترتعد حقاً . . ويهتز بدنها كله وقد امتقع لونها . . واكفهر الوجه يغشاه اصفرار وهي تقول:

هلتستطيع أن تجيبني لماذا أنا في إسرائيل الآن؟ ألأنني لا أجد مأوى بين اهلي. أملأنني أحببت يهودياً وتزوجته؟ . . لا أقول ذلك لأنني أحسست بـ الندم.. لا .. فأنابعت الدنيا كلها من أجله.. بعت أهلي . . وديني.. ووطني لأكون معه. ولأنه مات .. فأنا لن أكف.. نعم.. لن أكف وهل أنا عبء ثقيل عليكم.

الأمرليس كما تعتقدين سيدتي . .

أردفت أمينة وصوتها كفحيح الأفعى، ينفث الغضب والكراهية كالسم:

أبلغرؤسائك أنني لن أتوقف أبداً، حتى ولو أدى الأمر لأن أغادر إسرائيل الى الأبد وعندهاقد أفكر . . وبعيداً عنكم .. بعملية انتحارية داخل مكتب عرفات شخصياً !!

انزعج الرجل .. وأسرع الى رؤسائه ينبئهم بالأمر . . وبلهجة الصدقوالإصرار والغضب في صوتها. وكان لا بد من إيجاد حل وإلا فهناك كارثة مؤكدة قد تقعبين لحظة وأخرى. ففي الحال . . صدرت الأوامر للمطار بمنع آني موشيه بيراد – أمينةالمفتي – من مغادرة البلاد.

64

الامير الاحمر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقة الرابعه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:54

أشهر جاسوسة عربية للموساد
الحلقة الرابعة

التليفون المجهول


بشارع كيريا في تل أبيب اجتمع عدد من الخبراء في مبنى الموساد،للوصول الى قرار حاسم بعودة أمينة الى بيروت من جديد، أو الاكتفاء بخدماتهاوإبقائها في إسرائيل. لقد قرأوا جميعاً تقريراً وافياً عن العميلة الثائرة . . والتي صنفت من الفئة "أ" - وهذه الفئة من الجواسيس يتدرج تحتها كل من يعملون فيالبلاد العربية بدون أي غطاء دبلوماسي يحميهم – ووصف التقرير أمينة بأنها تعاني مناضطرابات شخصية، وتمتلك القدرة التي تمكنها من الانتقال من أحد جوانب الموقف الىجانب آخر، وهو ما يعرف في علم النفس باسم الاتجاه المجرد ABSTRACT ATTITUDE،وتتنامى لديها أعراض الكآبة نتيجة لومها الدائم لنفسها، باعتبار أن ما حدث لزوجهاكانت هي السبب فيه، وعندما تزداد الأعراض حدة تصبح أكثر اكتئاباً وتخوفاً، مما ينميمشاعر "الاتهام بالذات" S ELF CONDEMINATION - لديها – والمريض في هذه الحالة فييأس خطير لأنه مهموم بالماضي، ويحس أن لا أمل ألبتة في المستقبل بسبب الفعلة التيارتكبها. هذه المشاعر القلقة المحملة باليأس والبؤس، عادة ما تعتصر المريض، وقدتقوى عنده نزوة الانتحار. وأشار التقرير الى أن حالة أمينة هذه لا ينصح فيها بعلاجالعقاقير، حيث لن تنتظر التحسن طوال مدة العلاج، بقدر ما تشعر بالتحسن والهدوء فيعملها بالموساد. ففي ذلك إقناع لها على أن ما تؤديه من عمل، يمثل لديها قمة الثأرلما ارتكبته بحق موشيه. وبناء عليه . . رأى فريق من خبراء الموساد أن أمينة، ربماتشعر بالزهو E LATION في عملها، فتتخلى عن حذرها وتنكشف. لكن الأغلبية رأت أنهاجديرة بالعمل في بيروت، ومع حصولها على دورات تدريبية مكثفة، ستكون أكثر حذراً. . وإقبالاً . . وشغفاً. وانتهى الاجتماع بالموافقة على عودتها للبنان، وذل بعد موافقةريفي رامير رئيس الموساد. هكذا تحدد لها أن تستمر وتواصل توغلها بين القياداتالفلسطينية، وجاءوا بها الى المبنى المركزي حيث جلس اليها أحد كبار الرسامين، ومنخلال وصفها لعلي حسن سلامة، استطاع أن يرسم صوراً تقريبية له. وتعهد بها اثنان منالضباط الخبراء، أحدهما تولى تدريبها على استعمال أحدث ما ابتكره العلم في مجالأجهزة اللاسلكي. وتقرر لها بث رسائلها مرتين أسبوعياً يومي الخميس والاثنين، وتلقيالرسائل من تل أبيب كل ثلاثاء في الحادية عشرة ودقيقتين مساء. كانت أمينة طوال فترةتدريبها المكثفة في حالة سعادة غامرة. فهي ستزداد خبرة تمكنها من إجادة عملها،وبالتالي يكون انتقامها عظيماً فتستريح نفسها ويهدأ بالها.

وفي الثالث من أكتوبر 1973 غادرت تل أبيب الى فيينا، حيث تسلم منهاعميل الموساد جواز سفرها الإسرائيلي، وسلمها الجواز الأردني مع تذكرة سفر الى بيروتفجر اليوم التالي. هذه المرة. . عندما دخلت شقتها في فيينا لتمكث بها عدة ساعات،لاحظت أن ابتسامة موشيه لازالت مرتسمة كما هي. بل كانت نظراته أكثر بهجةواطمئناناً. وقبلما تغادر شقتها الى المطار بثوان.. انتفضت فجأة عندما دق جرسالتليفون، وتسمرت مكانها للحظة.. ثم اتجهت صوب الكابل فنزعته.. وانطلقت في شوقللعمل .. للثأر. تحمل بين أمتعتها جهز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة، هو بالأصلجهاز لاسلكي أكثر تطوراً ولا يمكن اكتشافه. وبحقيبة يدها كانت تحتفظ بالمصحف الشريف . . وقد نزعت عدة صفحات منه واستبدلت بصفحات أخرى تحمل الشفرة.
نفيه شالوم


وما إن خطت أمينة عدة خطوات بمطار بيروت الدولي، متجهة الى حيث يتحركالسير بحقائب الركاب، حتى صدمت بشدة لمشهد شاب يقتاده رجال الأمن. وبينما تتابعالمشهد . . فوجئت بيد قوية تربت على كتفها من الخلف. فصدرت عنها صرخة مكتومة هلوعة،وسقطت في الحال حقيبة يدها على الأرض. وأوشكت هي على السقوط. لكنها بكل ما تملك منقوة - تماسكت .. واستدارت لتصطدم بوجه صديقها مارون الحايك، تغطي وجهه نظارتهالشمسية السوداء. . وينسدل شعره اللامع لقرب كتفيه. تنفست الصعداء . . وودت لو أنتصفعه بقوة . . وتظل هكذا تصفعه حتى ينقشع الخوف الذي حل بأعماقها من جديد، وأعادهاالى تلك الحالة الأولى التي غادرت بسببها بيروت الىتل أبيب. وفي بشاشة مصطنعةسألته.

أوه . . أيها الماكر . . أكنت معي على اللوفتهانزا قادماً من فيينا . .؟

خلع نظارته مبتسماً وهو يضغط على كفها ضغطاً ذا مغزى وأجاب:
بحثت عنك كثيراً في بيروتفلم أجدك . . وكنت أمني نفسي بأن نمضي معاً أسبوعاً خيالياً في نيقوسيا.

نيقوسيا . .؟ نطقتها وقد كست وجهها بالدهشة.

سألت عنكمانويل وخديجة وحارس البناية . .

ضاربة صدره بيديها وقد افتعلت التحسر:
مجنون . . مجنون . . (!!) لماذا لم تخبرنيقبلها بوقت كاف. .؟ كم كنت مشوقة لرحلة كهذه معك.

غمز بطرف عينيه ضاحكاً وقال:
سنتدبر الأمر عما قريب أيتها الأنثى الشقية. أنظري .. ها هي حقائبي وصلت الآن.

ولأن لبنان بلد سياحي حر . . فأمور التفتيش في المطارات والموانيشكلية جداً. ولا تخضع لرقابة صارمة كما في سائر البلاد العربية، على اعتبار انالتدقيق الزائد يسيىء الى السواح .. الذين هم عماد الاقتصاد وأحد أسباب الرخاء. لذلك . . لم ينتبه رجال الجمارك لجهاز اللاسلكي المدسوس بحقيبة أمينة. فبيروت كانتفي تلك الفترة في أوج انفتاحها. . وسوقاً رائجة لتجارة السلاح . . والمخدرات. . والرقيق الأبيض . . والجواسيس.

وفي الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر 1973، أطلقت أمينة أولى إشاراتالبث اللاسلكي الى تل أبيب: (آر. كيو. أر. وصلت بسلام. الأمير الأحمر في أوروبا. تعرفت بضابط فلسطيني يدعى أبو ناصر. وعدني مارون بأن يأخذني معه الى مبنى الهاتفالمركزي. غادر جورج حبش الى تونس سراً. رجاله يقاتلون سبعة من رجال حواتمة. أبوعمار بالبيت مصاباً بالبرد. شحنة أدوية وصلت سراً من رومانيا للقيادة. يوجد نقصكبير في الأنتي بيوتكس. تحياتي. نفيه شالوم "واحة السلام").

استقبلت الموساد رسالة أمينة بشيء من الاطمئنان والفرح. فالرسالةكانت واضحة الشفرة بلا أخطاء. والأخبار التي حوتها هامة جداً استدعت دخولها الىغرفة التحليل والمتابعة على الفور. وسرعان ما تسلمت أمينة أول رسالة بثت اليها منإسرائيل: (تهانينا بالوصول. اهتمي بتحركات الأمير. أبو ناصر خبيث جداً فاحذريه. لاتهتمي بمارون الآن. من يطبب أبو عمار "عرفات". ماذا ببطن الباخرة كيفين في صيدا. نريد معلومات عن مخازن الأسلحة بمخيم البداوي في طرابلس. ومراكز التدريب الجديدة فيقلعة شقيف).. وبينما تهيأت العميلة الاسرائيلية للتحرك . . مدفوعة بشوق جارف الىالعمل. انطلقت شرارة الحرب وعبر المصريون خط بارليف المنيع، وعمت مظاهرات الفرحبيروت. وكما بكى رأفت الهجاء بكاءً مراً في إسرائيل إثر هزيمة 1967، انهارت أمينةالمفتي في 1973. تناقض عجيب بين الحالين. فتلك هي النفس البشرية في اندفاع الوطنيةأو الخيانة، الحب الجارف – أو الكره المقيت.
الحية الشوهاء


نشطت أمينة المفتي في عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوب أنحاء لبنان،وجاسوسة إسرائيلية تمد الموساد بالمعلومات الحيوية عن تحركات الفدائيين في الجنوب،الذين شحنتهم انتصارات الجيوش العربية فازدادوا استبسالاً وضراوة. وعاد علي حسنسلامة من أوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة. فالعدو فقد السيطرة على نفسه . . وعلى اتزانه . . والضربات القوية تترك آثارها بوضوح على وجهه المشوه.

هكذا انطلق رجال المقاومة في الجنوب اللبناني يضربون في العمقالاسرائيلي بلا كلل . . واستدعى ذلك من أمينة أن تترك بيروت الى صور. . ومعها جهازاللاسلكي الخطير، حيث عكفت على بث رسائلها يومياً. . والتي وصلت في أحيان كثيرة الىخمس رسائل مهددة حياتها للخطر. واضطرت الموساد أمام سيل رسائلها الى فتح جهازالاستقبال على التردد المتفق عليه، لساعات طويلة على مدار اليوم.

هكذا كانت أمينة المفتي تنتقم . وتفرغ شحنات غضبها في رسائل يوميةمبثوثة قد تعرضها للانكشاف والسقوط. لكنها لم تكن تستمع لنداءات الخوف أبداً. إذاندفعت بجرأة أكثر، وحملت جهاز اللاسلكي في جولة لها بمنطقة بنت جبيل على مسافةخمسة كيلو مترات من الحدود الإسرائيلية، هناك فوجئت ببعض زعماء الجبهات الفلسطينية،برفقة أبو إياد (1) يتفقدون جبهة القتال ويصيحون في الجنود فيثيرون حماستهم. لحظتها .. تملكها الحقد والغضب .. وبمنتهى الجرأة اختلت بنفسها داخل أحد الكهوف.. وبثترسالة عاجلة الى الموساد . (أي. كيو. أر. عاجل جداً وهام. أبو إياد وقيادات الجبهاتفي بنت جبيل. موقعهم مائة وخمسون متراً شرق القبة العلوية بجوار فنطاس المياه بينشجرتي الصنوبر. اضربوا الموقع كله ودمروا السيارات الجيب والليموزين. سأكون على بعدمعقول منهم. سأفتح الجهاز لأربعة دقائق. نفيه شالوم).

وجاءها الرد قبل ثوان من انتهاء المهلة: (ابتعدي عن الرتل وانبطحيأرضاً عند ظهور الطائرات). أغلقت أمينة الجهاز بعدما ترجمت الرسالة. واستعدت لتشهدبنفسها المجزرة. لكن يا لحظها السيء.. لقد لعب القدر لعبته وتحرك رتل السياراتباتجاه الشمال. بينما وقفت عميلة الموساد تتحسر .. وتقلب عينيها في السماء بانتظارالطائرات. خمس دقائق تمر.. عشر دقائق.. عشرون دقيقة. لم تستطع الصبر ففتحت جهازاللاسلكي وهي تلعن الانتظار وبثت رسالتها (آر.كيو.آر. تحرك الهدف الى الشمال طريقتبنين منذ 21 دقيقة. سيارة أبو إياد سوبارو سوداء. نفيه شالوم) وما إن بثت رسالتهاوأغلقت الجهاز، حتى لمحت طائرتي ميراج تطلقان صواريخ السيد وندر، والقنابل زنةالألف رطل. ورأتهما ترتفعان الى عنان السماء ثم عادتا للانقضاض من جديد وهذه المرةبفتح خزانات النابالم الحارقة. كل ذلك وهي ما تزال بالكهف ترقب تناثر الأجسادالبشرية كالشظايا في الهواء، فيصدر عنها فحيحاً رهيباً كحية شوهاء، وتضحك فيهستيريا مجنونة مشبعة بالحسرة والشماتة. حسرة انعتاق أبو إياد ورفاقه، وشماتةالهزيمة لبضع جنود امتزجوا بالتراب والدم والسلاح.


عدل سابقا من قبل الامير الاحمر في الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:02 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:55

هكذا حملت أمينة جهاز اللاسلكي بحقيبتها في تجوالها بالجنوباللبناني، طوال معركة أكتوبر 1973، متنقلة بين المستشفيات الميدانية والمواقعالعسكرية. . تسعف الجرحى من المصابين بداء وشاياتها. . وتستمد من الحقد جرأتهاوقوتها. وكانت بذلك أول جاسوس للموساد يعمل بجرأة اسطورية داخل بلد عربي. لم يفعلهاإيلي كوهين الذي زرع في سوريا قبلها بسنوات قليلة، وكان مرشحاً لمنصب نائب رئيسالجمهورية السورية، برغم تجواله بين شتى الوحدات العسكرية والقواعد السرية فيالجولان، وإقامته المطولة بمنطقة الجبهة، بل إنه برغم حجم الثقة في نفسه، لم يحملأبداً جهاز اللاسلكي خارج المنزل. كان فقط يبث رسائله بشكل يومي الى الموساد. لميفعلها أيضاً المقدم فاروق ابراهيم الفقي، الضابط المخابراتي العسكري المصري الذيجندته هبة سليم، وتسبب في تدمير كل قاعدة عسكرية جديدة كان يتم بناؤها بمنطقةالقناة.

إذا كان يحتفظ بجهاز اللاسلكي بمنزله، ويبث للموساد أولاً بأول عنمواقع الصوراريخ والرادارات، والمطارات، لم تفعلها انشراح التي أنقذها السادات منالإعدام أيام كامب دايفيد، وكانت تجوب منطقة القناة مع زوجها وأولادها كل يوم بحثاًعن الجديد. كانت أمينة المفتي أجرأهم جميعاً قلباً وأعصاباً. مدفوعة برغبة مجنونةفي الانتقام والثأر، لا برغبة المغامرة.

تقولأمينة في مذكراتها التي بلغت صفحاتها ستمائة صفحة:

(منذ حملت معي جهاز اللاسلكي لأول مرة الى الجنوب، وشاهدت بنفسي هجومالميراج الإسرائيلي على الموقع الفلسطيني، بغرض تدميره وتصفية أبو إياد وأعوانه،وقد تملكني إحساس رائع بعملي. . إحساس بالزهو وجدت فيه لذة كبرى تفوق كل لذة. ومنذتلك الحادثة في 11 أكتوبر 1973، وأنا أحمل الجهاز الصغير بحقيبتي، بجواره المصحف ذيالجراب والشفرة. كنت أكتب رسالتي أولاً على ورقة منزوعة من بلوك نوت، ثم أقفبسيارتي في مكان أطمئن فيه من العابرين، وأسحب هوائي الجهاز وأقوم بالبث لدقائق. أحياناً كثيرة كنت أبث الرسالة الواحدة مرتين للتأكيد، وأحرق الورقة وأعاود القيادةالى مكان آخر. وبفضل تصريح المرور الموثق، الذي وقعه عرفات شخصياً، كنت أجوب بأمانشتى المواقع العسكرية الفلسطينية في الجنوب. وأطلع بنفسي على أنواع الأسلحة وكمياتالذخائر بالمخازن، ومعسكرات التدريب السرية. لقد حالفني الحظ كثيراً عندما وثق بيالقادة الفلسطينيون، لأنني كنت أبدو متحمسة جداً لقضيتهم، وحقهم في الكفاح لاستردادالأرض المغتصبة. للدرجة التي دعت أبو إياد لأن يطلب مني إلقاء خطبة حماسية فيالجنود المعسكرين بالقرب من مخيم البرج الشمالي في الجنوب من صور. يومئذ . . ألقيتخطبة رائعة . . تتدفق منها الوطنية ومعاني العروبة. لقد أجدت تماماً عندما صعّدت منانفعالي فبكيت .. بكيت وأنا أصف مشاهد القتل والقصف والانكساب على وجوه الأطفالاليتامى، بكيت حقيقة وأنا أحثهم على الانتقام والثأر والكفاح . . وما كنت أبكي إلالفقد موشيه الحبيب . . وبرودة الحياة من حولي بدونه. والثورة المصطحبة بالغضب فيأوردتي وشراييني. . ونبضي . . ضد هؤلاء الأوغاد الذين أذلوني . . وأترعوني كئوسالوحدة . . والصمت . . والعدم . كان انفعالي مثالياً، ظن الجنود والقادة أنه إيمانمني بقضيتهم . . فبكوا . . وعندما بحثت عن منديل بحقيبتي اصطدمت يدي بجهاز اللاسلكيالمغلق. . !!).
قانون العنف


انتهت حرب أكتوبر 1973 بوقف إطلاق النار، إثر مفاوضات شرسة ورحلاتمكوكية قام بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي. وانعقد مؤتمر القمة العربي فيالجزائر، وتم التوصل الى صيغة رسمية تقدم بها السادات كانت مفاجئة للجميع، وهي أنمنظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وموافقة مصروسوريا – دولتا المواجهة - على قرار مجلس الأمن رقم 328 الذي ينص على عودة السلامالدائم والعادل في الشرق الأوسط. ولم يرتح الجناح العسكري لمنظمة التحريرالفلسطينية لذلك على الإطلاق. وأقرت المنظمة مواصلة الكفاح المسلح بناء على رغبة "الثورة الفلسطينية". وفي 25 نوفمبر بدأ أول عمل فدائي فلسطيني، حيث تم اختطافطائرة جامبو نفاثة تابعة للخطوط الجوية الهولندية KLM، كانت في طريقها من بيروت الىطوكيو مروراً بنيودلهي. تحمل على متنها 244 راكباً وثلاثة من الفدائيين الفلسطينيينالذين طالبوا بإطلاق سراح سبعة من زملائهم في قبرص، وألا تمنح هولندا تراخيص مرورلليهود السوفييت الذين في طريقهم لإسرائيل، ووعدت الشركة KLM - بألا تنقل سلاحاًلإسرائيل وانتصر الفدائيون انتصاراً مذهلاً، وتكررت عملية اختطاف طائرة أخرى لنفسالشركة بعدها بأيام. وفي 17 ديسمبر 1973 في مطار روما أطلق عدد من الفدائيين نيرانمدافعهم الكلاشينكوف بصورة جنونية داخل صالة المطار المزدحمة. ويختطفون طائرة 707تابعة لشركة بان أمريكان كانت راسية على الممر، وفجروا قنابلهم الفوسفورية بالطائرةفاحترق عدد كبير من الركاب، ثم جرى الفدائيون ومعهم بعض الرهائن واختطفوا إحدىطائرات شركة لوفتهانزا - بوينج 737 - والتي كانت على وشك الاقلاع، وحطت بهم فيأثينا. . وكانت مطالبهم الإفراج عن زملاء لهم من منظمة أيلول الأسود. ومع بداياتالعام الجديد 1974 - شكلت عدة منظمات فلسطينية ما يسمى بجبهة الرفض. وكان المتحدثالرسمي باسم الجبهة هو الدكتور جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية، وبطل عمليات خطفالطائرات الإسرائيلية الأول.

كانت الضغوط شديدة جداً على أمينة المفتي خلال تلك الفترة. فالعملياتالفدائية الفلسطينية أربكت إسرائيل وزعزعت أمنها تماماً. بل وأصيبت بالعدوان غالبيةدول أوروبا المساندة لإسرائيل. فالفلسطينيون أرادوا الإعلان عن وجودهم بشتى الطرق،بما فيها العنف من خطف وتفجير. فالعدو لم يكن يملك سلاحاً أبداً سوى العنف. وإذاكانت إسرائيل اعتمدت العنف قانوناً لها، فالفلسطينيون أيضاً رأوا الحل في ذاتالسلاح. . دون غيره. . وكان لتسارع الأحداث والعمليات الفلسطينية، الأثر البالغ فيانتشار سحب الخوف السوداء فوق رؤوس الاسرائيليين. وفقدت الموساد بذلك خاصية مهمةطالما التصقت بها، وهي أنها حامية الدولة. وسخر الجميع من هيبة الموساد التي سقطت . ومن الدكتور "إبريش فولات" صاحب كتاب "ذراع إسرائيل الطويلة" الذي قال: "إن الموسادأسطورة من الأساطير الخفية، إنها تجعل العدو يرتجف . . وتمنح الاسرائيليين القدرةعلى النوم في هدوء". "لقد انعكس الوضع الآن. . وأصبح الشعب الإسرائيلي كله يرتجفعند سماع أزيز طائرة، أو عند فرقعة إطار سيارة، أو انفجار عادم دراجة بخاريةمسرعة". وانتقل الضغط العصبي الى أمينة المفتي في بيروت . . فالأوامر كثيرةوالمطلوب منها كثير ويفوق الوصف . لذلك اضطرتللانتقال تماماً الى الجنوب اللبناني،واستأجرت شقة بمنطقة الشجرة في صور - على مسافة عشرين كيلو متراً من الحدودالإسرائيلية - اتخذت منها مركز انطلاق لاستكشاف تحركات الفلسطينيين. واتصلت بأبوناصر الضابط الفلسطيني الذي سبق أن حذرتها الموساد منه في أولى رسائل البثاللاسلكية.

لقد استخدمت معه أسلوب "الإثارة". وهو أسلوب يدفع المرء لأن يخرج ماعنده دون أن يطلب منه ذلك. واستطاعت أن تدفعه دفعاً لأن يفصح عن عملية فدائية ستتمفي اليوم التالي داخل الأراضي الاسرائيلية.

صرخت وهي متهللة بالفرح: كيف؟ . . إنكم لشجعان حقاً عندما تنقلونعملياتكم الى قلب الدولة اليهودية . . لكن . . في ذلك خطر جسيم على رجالكم. أجابهامزهواً بأن كل شيء معد، وتم التخطيط لكل احتمالات الطقس بدقة متناهية. حاولت أنتعرف مكان الهجوم وكيفية التسلل، لكن الضباط الفلسطيني الحذر لم يتفوه بأكثر منذلك.

ولم تلح هي فربما يتشكك بها. وبثت رسالتها في الليل الهادئ الىالموساد: (آر. كيو. أر. عملية فدائية ستنفذ غداً داخل الأراضي الاسرائيلية. التسللبطريق البحر. نفيه شالوم).

وفي اليوم التالي - 11 من أبريل 1974 - اقتحمت وحدة من رجالالكوماندوز مدينة كريات شمونة الاسرائيلية، وفتحوا نيران مدافعهم بكثافة فقتلواثمانية عشر إسرائيلياً وأصابوا أكثر من 48 بجروح، وصرح مسؤول فلسطيني: أن هذه ما هيإلا بداية حملة للقوى الثورية داخل إسرائيل، لإعاقة الحل السلمي العربي. كانتمفاجأة مؤلمة لأمينة وللموساد معاً. فالعملية الفدائية كانت ضربة شديدة في رأسإسرائيل. وتخوفت العميلة من أبو ناصر الخبيث الذي ضللها. . فاتصلت به لتهنئه بنجاحالعملية، وتلح عليه في الإكثار من مثلها. فطمأنها بأن هناك عمليات قادمة ستكون أكبر . . وأشرس.

وظلت تطارده مستخدمة أسلوبها في الإثارة الى أن نجحت في دعوته لقضاءسهرة ببيتها. وهيأت له نفسها وأنواعاً عديدة من الخمر، حتى إذا ما تمكن السكر منهانطلق لسانه متباهياً بعبقريته العسكرية . . وكيف أنه جهز فريقاً من أكفأ رجالالكوماندوز، للتسلل الى داخل الحدود الاسرائيلية، لضرب مدينة نهاريا الساحليةبالصواريخ. التقطت أمينة الخبر دون تعليق. وكل ما فكرت فيه لحظتئذ هو كيف تحتويهأكثر وأكثر فيزداد انطلاقاً. . وجوعاً. . فتتبعثر منه الأسرار وتندفع بعنف كالشلال. وما كان بيدها إلا أن تمثل دور العشيقة القلقة. واستحضار نبرة الدفء المصطنعةوالمشوبة بالخوف. لكنه . . وهو الغارق حتى نهايته في بحور اللذة . . لم تنفك عقدانطلاقه كلها فيعلن عن خباياه. . أو عملياته المرتقبة بالتفصيل. فكان حديثه المتقطعغامضاً.. مبهماً.. يفتقر الى معلومة واحدة مؤكدة.

هكذا تعلم أبو ناصر وتدرب في المخابرات العسكرية . . وأجاد الاحتماءبالحس الأمني العالي حتى في أقصى حالات ضعفه الانساني. واستشاطت العميلة غضباً. . فالخبر هكذا يبدو ناقصاً جداً ومبتوراً وهي لم تعتد على ذلك. فقد اعتادت جلبالمعلومات والأسرار من مصادرها بدقة. لكنها صادفت رجلاً محصناً. . منيعاً . . يبخلبالكلام والكشف عن عمله. لذلك . . ما إن غط في نوم عميق حتى قامت الى حيث ملابسه فيحذر بالغ . . وفتشت جيوبه حريصة على ترتيب محتوياتها. فمثل هذا الرجل الدقيق فيعمله، يكون دقيقاً أيضاً في ترتيب مكتبه وملفاته. . وما بداخل جيوبه. وبينما تقلبأوراق محفظته الجلدية، استوقفتها وريقة كتب بها عدة كلمات مرعبة، أخرجتها عن حرصهافصدرت عنها صرخة سرعان ما حبستها بحلقومها . . وارتعشت يدها غصباً عنها وهي تكتب ماقرأته بورقة أخرى دستها بمخبأ سري داخل حذائها. وتمددت الى جوار النائم المكدود . . تردد كلمات الوريقة في أعماقها: "تل أبيب من 9 الى 25 مايو / 500 كيلو TNT / شبلفور، ش كيديم / ش أرليخ وأكليتوس / ثم اليركون ورعنان / عدد "5" فرق 17 فولكسسوبار وشفر / يافا".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:56

اليوم المرير


وفي مبنى الموساد . . كانت الوجوه مرهقة . . خائفة . . متوترة. فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها . . والمعومات المتاحة بعيدة عن التفاصيل. ومنذصدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانت رسائلها تجيء مشوهة . . بخيلة . كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أن العميلة وقعت تحت بؤرة الشك . . أو أنها انكشفت فعلاً . فخبر التسلل الأخير عبر البحر كان حقيقياً من حيث التوقيت. . لا المكان. أما خبر عملية تل أبيب . . فكان أكثر شكاً . . وغموضاً. . ورعباً. بلهو الرعب نفسه . . والدمار كله لإسرائيل.

هكذا يمر الوقت ثميناً. . يحمل بين دقاته انفجارات الموت البطيء. ورجال الموساد يقلبون الأمر في ارتباك، ويخضعونه للتحليل الدقيق. لكنهم عجزوا عنالوقوف على إجابات مقنعة. . وحاصرتهم تساؤلات محيرة أزادتهم إرهاقاً. . وجنوناً. . وإمعاناً في مزيد من الحرص . . صدرت الأوامر لأمينة بمغادرة صور الى بيروت فوراً. والتوقف نهائياً عن جلب المعلومات أو بث الرسائل. لكن العميلة الغاضبة العنيدة . . بثت رسالة اليهم قلبت الموازين كلها . . وأذهبت بعقول الكبار قبل الصغار فيالموساد. إذ زفت اليهم أمينة خبراً عن تسلل سبعة فدائيين في غبش الفجر، يحملونأسلحة الـ آر.بي.جيه، ومدافع الكلاشينكوف القاذفة، والقنابل الهنغارية، وكميات منعجائن المتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستة كيلومترات شمالينهاريا) بمناسبة عيد إسرائيل القومي. فانطلقت قوات الأمن تطوق المستعمرة، وانتشرتنقاط التفتيش بكل الطرق، ومع أولى تباشير الخامس عشر من مايو 1974، كانت المعركةالشرسة قد بدأت، ولكن بمنطقة أخرى أبعد عن تصورهم . . وتوقعهم.

وكانت العملية هذه المرة في قرية معالوت. حيث حاصر الفدائيون السبعةالقرية، وأمطروها بوابل من قذائفهم الصاروخية، وسيطروا تماماً على سكانها والطرقالمؤدية اليها، كما دمروا عدة سيارات عسكرية حاولت الالتفاف لعزلهم عن القرية. وبعدستة ساعات ونصف أسفرت المعركة عن إصابة 117 إسرائيلياً بينهم 25 قتيلاً . . ووقفتجولدا مائير أمام كاميرات التليفزيون في الكنيست وهي تكفكف دموعها وتقول:

"اليوم . . عيد ميلاد دولتنا الخامس والعشرين . . وقد أحالهالإرهابيون الى يوم مرير بالنسبة لإسرائيل".

لم تنصت أمينة المفتي لأوامر رؤسائها في الموساد بالتوقف - مؤقتاًعن العمل. فما كان ذلك إلا لأجل حمايتها، لكنها كانت ككتلة الثلج التي ذاب ماحولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها . . أو التصدي لها. كانت تحمل روحهاعلى كفها. ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً. وفي لحظة . . استجمعت جرأتها في عنف . . وطلبت من مارون الحايك أن يزورها بشقتها في بيروت. فأسرع اليها يمني نفسهبوليمة فسق مثيرة، لكنه ما إن دلف الى الصالون، حتى وقف مذهولاً . . وقد تجمدتالدماء في عروقه . . وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء على الحائط.
الشركاء


إجلسأيها الأبله . . (!!) قالتها أمينة في لهجة حاسمة ، مرعبة.
أنتِ . .؟!!

نعم . . إسرائيلية.

تلفت الرجل الهلع حواليه وهو يرتعد:
ماذا تريدين مني . . ؟

بدأناالمشوار معاً . . ولا بد أن نكمله معاً حتى النهاية.

مشوار . . ؟ معاً. . ؟ أنا لم أبدأ . . أنا لا أعرف . . أنا . . أنا . .

لا تكنمراوغاً أنها النتن، فأنت تعلم جيداً أنك تعمل معي لصالح الموساد. وحياتك وحياةاسرتك رهن إشارة واحدة مني.

يا يسوع . . انقذني . . خلصني. .

وبينما جسده ينتفض كالطير المذبوح . . كانت تنثر أمامه عشرات الصورالتي تجمعهما معاً في أوضاع فاضحة، وتفتح جهاز التسجيل ليجيء صوته وهو يدلي بأرقامالتليفونات السرية للقادة الفلسطينيين، فاقشعر بدنه وتصبب عرقاً. . وقال خاضعاً فيصوت يسيل منه الرعب:

وماذابيدي يا سيدتي . . ؟

الموسادتريد منك تعاوناً أكثر.

كيف . .؟

سأعرّفك.

أن لاأفهم بالسياسة.

ولكنكتحب الخمر والجنس والمال.

أنا غبي . . تعس.

ستدفع لكالموساد مائتين وخمسين ليرة كل شهر.

أرجوكسيدتي . . الموساد . .؟

كلب مثلكيجب أن يكون وفياً لأسياده.

انفتح على حين فجأة باب إحدى الغرف . . فالتفت مارون وهو يرتعد . . وصدر عنه صرخة تفيض هلعاً عندما رأى ثلاثة رجال ذوي نظارات سوداء ووجوه جامدة . . كانوا وقفوا متجاورين وأيديهم الى الخلف كالتماثيل. مرت ثوان كالدهر لم ينطق أحدهمبكلمة . . بينما مارون يتمتم بما يشبه البكاء.

ماذاتقول يا مارون . .؟ قالت أمينة بلهجة كالأمر.

ماذاتريدون مني؟

أتكرهإسرائيل؟

أنا لاأكره أحداً . . لا . . لا .. بل أكره عرفات . . نعم . . أكره عرفات ورئيسي في العمل . . ماذا تريدون؟

أولاً . . وقّع هنا . . إنه إقرار بالصداقة والتعاون.

تناول مارون الورقة وأراد قراءتها . . لكنها صرخت فيه بعنف، وقدانتهزت فرصة وقوعه تحت السيطرة والشلل العقلي الفجائي الذي أصابه، صفعته بشدة علىوجهه والشرر يتطاير من عينيها، فتملكه الفزع وقفز واقفاً يتحسس وجهه، فأطبقت على كلما بقي لديه من إدراك وهي تهدده بأن فريقاً من الموساد يحاصر بنته . . ورصاصالفلسطينيين يتهدد صدره، وبحسم صرخت فيه أن يوقّع . . فوقّع على الورقة والقلميرتعش كالبندول بين أصابعه . وأردفت:

أريدزيارة الغرفة السرية بالسنترال المركزي التي حدثتني عنها. وسوف أقوم بالتناوب – أناوأنت – بتسجيل المكالمات بين القيادات الفلسطينية ..!!

تسجيل . .؟

نعم. . ألم تسمع أيها الغبي عن العمليات الفدائية داخل إسرائيل. . ؟

أنا لاأقرأ في السياسة . .

ولن تقرأعلى قبرك: "طوبى للذي تختاره يا رب". بإمكانيالتنصت أثناء نوبات عملي ولكن . .
ستتعلم جيداً كيف تسجل المكالمات أنت ومانويلعساف.

مانويل . .؟

ألا تكفيمائة ليرة؟

مائةليرة . . ؟

هو يبيعامرأته بليرة.

. . . . . .

هذهمهمتك أنت . . ولا دخل لي بها.

كان المسكين كالفأر المذعور الذي وقع في المصيدة، سنوات طويلة منحياته مرت به وهو يستمرئ المغامرة ويستلذ اصطياد الفرائس. ولم يتوقع يوماً أن تجيءلحظة ينقلب فيها حاله، ويصبح هو الفريسة المرتجفة، بين يدي امرأة كانت الى عهد قريبناعمة . . مثيرة . . رقيقة . . انقلبت فجأة الى وحش مسعور، تنبعث رائحة الموت فيلفتاتها . . ويسمع له وقع في صوتها الشيطاني الرهيب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينة المفتي - الحلقه الخامسه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:58

الغضب الهادر


أسفرت عملية تجنيد مارون الحايك عن فائدة عظيمة لإسرائيل . . إذ أنالتجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشف نواياهم تجاهالدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة. ولم تكن الأحاديثالتليفونية المتداولة من خلال التليفونات السرية أحاديثاً مكشوفة تماماً، يستطيعالمتنتصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرةالكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها. وثقة في اللبنانيين، كان زعماء الجبهاتأحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناًمنهم - وهذا خطأ كبير - أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل. فالدوائر التليفونيةالمغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى في بيروت نفسها يتمبواسطة خطوط شبكة المدينة. وكذا الاتصال بخارج المدينة، وكانت السرية خاضعة للخدشعن طريق زرع أجهزة التنصت . . أو استراق السمع بأسلوب مارون الحايك، من خلال الغرفةالسرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسس على المسلمين . . وعلىالفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان بمثابة عاصمةفلسطينية وسط بيروت وجنوبها. فبالحي الذي يقع بالقرب من مخيمي صبرا وشاتيلا، أعدتمنظمة التحرير مكاتبها بطريقة عشوائية حول مبنى جامعة الدول العربية. وأقام قادتهافي مبان مجهولة تحت حراسات مشددة. فالمنظمة التي أسسها عرفات - خريج هندسة القاهرة 1956 - أكثر من مجرد مقاومة شعبية . . بل جيش مسلح مدرب، يتربص بإسرائيل لضربها فيالأعماق.كانت أمينة المفتي تدرك ذلك جيداً . . وترى بنفسها الرقابة القويةالصارمة التي تفرضها كبرى المنظمات الفلسطينية - فتح - على منشآتها في حي الفكهاني. . والحراسة المكثفة التي حول مقر عرفات كلما ذهبت لمقابلته. وعندما اتصل بها مارونالحايك قبل الفجر بقليل، فتحت على الفور جهاز اللاسلكي صباح يوم 23 مايو 1974، وبثتالى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن - سيهاجم ثمانيةمن الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت . . تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم/ م.د. نفيه شالوم) وبالفعل . . صدقت المعلومة تماماً . . وأطبق الاسرائيليون علىالفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. وعندما كانت أمينة المفتي تتجسسبنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبش (1). لاحظت بعد عدة مكالمات له، أن هناك ترتيبات عسكرية يتم إعدادها بشكل سري، حتىانفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا. حيث بدا جورج حبش منفعلاًأشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو. وفي غمرة انفعاله نطقاسم كيبوتز شامير (2) سهواً. لم تهمل عميلة الموساد الأمر. وأبلغت رؤسائها علىالفور بما سمعته. وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة من الفدائيين القتلى على مشارفقرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبلما يستعملوا رشاشاتهم الآلية. وفي 27 يونيو 1974 - لقى ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة من الجنود الإسرائيليين فينهاريا.

لقد كانت الطائرات الاسرائيلية ترد بوحشية إثر كل عملية فدائية. فتدكالمواقع الفلسطينية في الجنوب، من معسكرات ومخيمات ومحطات تموين ومراقبة. وتضرب كلما هو فلسطيني على أرض لبنان. وكانت المعلومات التي أمدت بها أمينة الموساد، تلكالتي تكشفتها من خلال غرفة السنترال السرية، هي بلا شك معلومات حيوية للغاية، لاتحتمل التأويل أو الشك. . تجيء عبر أحاديث صاعنعي القرار أنفسهم . . من أعلىمستويات القيادة الفلسطينية. إنها سلسلة طويلة من التبليغات التي أودت بحياةالعشرات من الشباب الفدائي المكافح أشعرت أمينة بأهمية دورها . . وقوة مركزها، دونإحساس ولو ضئيل بالندم . . بل ازدياد مستمر في حدة الغضب . . لضراوة الثأر لفقدزوجها الحبيب موشيه.

الأصدقاء الجدد

كانت الحكومة الاسرائيلية مصممة على تدمير البنية العسكريةالفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشمل دبلوماسيةسرية. فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنان المسيحية - الكتائب - منذذلك العام - 1974 - حين كان الزعماء المسيحيون يخشون فقدان السيطرة التي يتمتعونبها، عندما شكل منافسوهم المسلمون اللبنانيون ائتلافاً مع الفلسطينيين الكثيرين فيلبنان، فزادوا بذلك قوة . . ونفوذاً. وبدأوا يطالبون بنصيب أكبر في الفطيرةالسياسية. لكن السياسيين المسيحيين رفضوا أية إصلاحات في نظام يناسبهم كثيراً (1). من هنا .. تم إقناع زعيمي الميليشيا المسيحية، كميل شمعون وبيار الجميل، بالدخول فياتصالات سرية مع الدولة اليهودية. وقد عقد شمعون - الذي كان رئيس جمهورية سابق،والجميل - وكان وزيراً - محادثات سرية مطولة مع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل،بغية الحصول على مساعدات عسكرية وتدريبية لميليشيات الكتائب، للوقوف أمام قوةالمسلمين والفلسطينيين.

ومنذ منتصف ذلك العام - 1974 - دعمت الموساد الاتصالات مع الكتائبعلى اعتقاد بأنها ستوفر مزايا هامة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومة الفلسطينية فيجنوب لبنان، والتجسس على الجيش السوري. لذلك .. كانت صفوف طويلة من عملاء الموسادتعمل في لبنان باطمئنان، وبلا خوف من السلطات اللبنانية. لكن الخوف كان منبعه جهازالمخابرات الفلسطيني برئاسة علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشف أكثر من عشرينعميلاً للموساد بين صفوف المقاومة . . أعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريب بدوائر منالشكوك والريب.

وقد كان من الطبيعي أن يصبح زعماء الميليشيا المسيحية في لبنانأصدقاء إسرائيل، وذراعها القوية لضرب الفلسطينيين بعد ذلك . . وارتكاب أبشع المذابحبحق الشعب المقهور.

انتهزت أمينة المفتي هذا التقارب اللبناني / الإسرائيلي، وسعت خلفبشير الجميل - ابن بيار - الذي كان محامياً في بلد لا قانون فيها، فجمعت عنه حصيلةهامة من المعلومات أمدت بها الموساد.

وعرف عن بشير أنه جريء . . وماكر . . وإجرامي. فرغم كونه أصغر ستةأبناء لبيار، تقدم بسرعة . . ولم يبد أي تردد في قتل حلفائه المسيحيين - أفرادأسرتي شمعون وفرنجية - حتى أصبح مسؤولاً عن أكبر ميليشيا مسيحية في لبنان.



رأس الحية

وفي الأول من أكتوبر 1974 عندما كانت بغرفة المراقبة السريةبالسنترال، صعقت وهي تستمع الى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه، وأدركتأنها النهاية المؤكدة للملك حسين. بل ولمؤتمر القمة العربي في الرباط. ولنقرأ معاًما كتبته في مذكراتها عن أحداث ذلك اليوم. تقول أمينة:

(كنت بالغرفة السرية منهمكة في عملي، تمتد أسلاك جهاز التسجيل الىجواري، وعلى كرسيه يقبع خلفي مارون الحايك، تلفح جسدي نيران نظراته برغم هواءالغرفة المكيف اللطيف. كان الغرفة الواسعة ذات بابين، أحدهما مغلق دائماً ولا يفتحإلا بإذن خاص وهو يؤدي الى الممر الرئيسي، أما الباب الآخر فسري ويشكل جزءاً مندولاب حائط كبير، ويتصل بسلم خلفي صاعد. كنت أنصت الى حوار هادئ بين عبد الوهابالكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمد جبريلزعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إسرائيل منذ فترةوجيزة. وأصابني الملل لتفاهة الحوار بينهما، فالتفت الى مارون الذي انتبه اليّوسألته عمن يعرف سر هذه الحجرة المثيرة، فأجابني بأنهم نفر قليل، وإجراءات دخولهاتخضع لتعقيدات وقيود كثيرة. وأنه لولا الأربعين ليرة التي دفعها للحارسالخاصللغرفة، ما استطاعا الدخول أبداً. كان مارون يحدثني بنبرة مليئة بالثقة بما يدل علىأنه قام بعمل بطولي لأجلي، لذلك ترك مقعده واقترب مني مبتسماً، فقبلته . . وأحسستوهو يخاصرني بأنه هدأ كثيراً من ناحيتي .. ويريد مني الكثير فنهرته بلطف، واقتحمتخطوط عرفات وحواتمة وأبو إياد فوجدتها مغلقة. وحينما فكرت في إيقاف جهاز التسجيلطرأة ببالي فكرة التجسس على تليفون سلامة.

لقد كان الوقت قبل منتصف الليل بقليل، وسلامة يتحدث مع أحد رفقائهويدعى أبو نضال (1). ضغطت على زر التسجيل وأحكمت السماعتين فوق أذني وانتبهت للحواربينهما. كان مارون ما يزال ملتصقاً بي من الخلف يثيرني بقبلاته المجنونة حول رقبتي،عندما اقشعر بدني كله وبدأ شعر رأسي كأنه يتصلب . . وينتصب، وأنا أستمع الى سلامةيقول في ثورة (التل (2) وحده لا يكفي . علينا برأس الحية صديق اليهود، ومؤتمرالرباط فرصتنا الأكيدة فلنكن حذرين . . وشجعان . الله معك يا أبو نضال). هناك إذنتخطيط لاغتيال الملك حسين في الرباط . . وتبنت العملية منظمة أيلول الأسود.

وحين نزعت الأسلاك كانت رأسي تدور وتدور يد مارون المثار حول مؤخرتي،فسألته أن يؤمن الطريق لأخرج. وفي شقتي لم أقو على الانتظار لأبدل ملابسي، فأرسلتعلى الفور برسالتي الخطيرة الى الموساد. وبعد ست وثلاثين دقيقة جاءتني رسالة تطلبمني إعادة البث. فأيقنت أن القلق ركب رؤوس القيادة في إسرائيل، خوفاً على صديقهمالعربي الأوحد. . الملك حسين. . ومرت ثلث الساعة إلا دقيقة واحدة، وجاءتني رسالةأخرى تحمل أمراً هو غاية في العجب. . والدهشة. إذ أمرت بالبحث عن وسيلة لدخول شقةعلي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله. فحتى تلك اللحظة. . لم أكن أعلم أن لسلامة أولاد . . وزوجة أخرى تمت بصلة قرابى لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني. وقلت في نفسي: أترضىملكة جمال الكون - جورجينا رزق - بدور الزوجة الثانية؟؟ يا لسلامة المحظوظ . . الهانئ . . السعيد. . !!


عدل سابقا من قبل الامير الاحمر في الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:02 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:58

شبكة الأربعة


لم تكن فكرة اغتيال الملك حسين ناشئة من فراغ. فالفلسطينيون رأوا منهأكثر مما تصوروا. . فمنذ عام 1970 وهو مرتبط بعلاقات وثيقة بالإسرائيليين خوفاً علىعرشه. واجتمع بموشي ديان لمرات عديدة في محادثات سرية، في ذلك الوقت كان اللاجئونالفلسطينيون يشكلون نحن نصف سكان مملكته، ويشكلون أيضاً مصدر إزعاج متزايد له،بقيامهم بعمليات فدائية داخل الضفة الغربية انطلاقاً من الأردن، يرد عليهاالإسرائيليون بالمثل، ويضغطون على الملك لوقف تلك العمليات، بتوجيه ضربةللفلسطينيين تفتت قوتهم وقواتهم.

وقد كان . . ومات عشرات الآلاف من الأبرياء فيما سمي بأيلول الأسودعام 1970. وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات، والتي يترأسعملياتها علي حسن سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثم توالتالعمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين. وبعد حرب أكتوبر توصل العرب في الجزائرالى صيغة رسمية وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعبالفلسطيني. وشكل هذا الأمر خلافاً جوهرياً مع الملك حسين، الذي كان يدعي لنفسه هذاالحق. حتى جاء شهر يوليو 1974، ومعه خطوة هامة، عندما اتفق الملك حسين والسادات علىصيغة أخرى تحفظ ماء وجه الملك. وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعيللفلسطينيين، باستثناء الفلسطينيين الذين يعيشون في المملكة الهاشمية. فأثار البيانمنظمة التحرير، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملك حسين.

وحالف الحظ الملك، عندما تمكنت السلطات المغربية من إلقاء القبض علىوحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من أسبانيا لاغتياله، وتم التعتيم على الأمر خاصةوقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول على أكبر دعم عربي لشرعيةمنظمة التحرير. وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمة مسؤولة عن وضعالاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين، أي أنالمنظمة مطالبة باتخاذ مواقف محددة وواضحة: هل هي تريد تحرير فلسطين كلها أم جزءمنها تقام عليه الدولة الفلسطينية. . ؟

وفي هذه الحالة . . كيف تستطيع إعداد الوسائل التي تمكنها من الوصولالى هذا الهدف؟. وهل هي تريد الوصول اليها بجهدها الخاص أو بالتنسيق بيناستراتيجيتها والاستراتيجية العربية، وعلى وجه التحديد بين استراتيجيتهاواستراتيجية مصر وسوريا - اللتين تعملان تحت قيادة عسكرية موحدة - باعتبارهما أقوىدول المواجهة في المنظمة. أو هل تريد المنظمة العودة الى قرار التقسيم الصادر عنالأمم المتحدة عام 1948؟ . . أو تريد إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاعغزة؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للاعتراف بقرار مجلس الأمن رقم 242 إذاما عدلت الفقرة التي تتحدث عن "اللاجئين الفلسطينيين" الى "الشعب الفلسطيني"؟ . . وفي هذه الحالة . . هل هي مستعدة للذهاب الى مؤتمر جنيف؟ . . وإذا ما قررت الذهابالى جنيف كيف يمكن حل مشكلة اعترافها بالوجود الإسرائيلي في فلسطين؟ . . او باعترافإسرائيل بها؟. . أي الاعترافين يجب أن يسبق الآخر؟ . . عشرات الأسئلة طولبت أمينةالمفتي بالتجسس على أعضاء اللجنة التنفيذية العشرة لتكشف نواياهم. والأعضاء هم خليطلكافة التيارات الفلسطينية، فهناك التيارات اليمينية المتطرفة، واليساريةوالمحايدة، والمتعصبة، بعضهم شيوعيون وآخرون معارضون لهم وللماركسيين، وهناكديموقراطيون و . . و . . الخ.

كل هذه التيارات المختلفة، متفقة فيما بينها على الاستراتيجيةالعامة. فالهدف - هو تحرير فلسطين، وإن كان هناك اختلاف في التكتيك طلب منها أيضاًمعرفة المصادر المالية للمنظمة ومخازن السلاح في سوريا، ورأي القيادة العليا فيمسألة القدس (1) لذلك . . انشغلت أمينة بشكل لم يسبق له مثيل. . وساعدها مارونومانويل في نوبات التنصت على تليفونات القيادات الفلسطينية، بل إنها استطاعت تجنيدصديقتها خديجة زهران التي طُلقت من زوجها اللبناني، فتزوجت بغيره وطلقت منه أيضاً،وسقطت في شبكة أمينة المفتي في أحلك لحظات ضعفها وحاجتها الى النسيان . . والمغامرة. . والثراء. رباعي عجيب انطلق في مهام تجسسية صعبة، لإمداد الموساد بأخطرالمعلومات عن الفلسطينيين الذين كانوا يستشعرون وجود مؤامرات لبنانية لتصفيتهم،وقالوا للبنانيين: إنكم لن تستطيعوا تصفيتنا لأنكم لا تملكون القوة الكافية لذلك. ونحن لا نريد منكم إلا تمهيد الطريق لنا الى فلسطين. والطريق الى فلسطين يمربعينطورة وجونية، وهما منطقتان لبنانيتان مسيحيتان، إحداهما في الجبل والثانية علىالساحل. فتساءل اللبنانيون: ماذا يفعل الفلسطينيون في الجبل وهو يبعد عن طريقفلسطين بأكثر من مائة كيلو متر؟ . . والحقيقة. . أن الطرفين كانا على حق. وتلك كانتمقدمة للحرب الأهلية اللبنانية.

الخطأ المدمر

وفي يوم 22 نوفمبر 1974، دخل ياسر عرفات لأول مرةمبنى الأمم المتحدة في نيويورك، مطالباً بإلغاء دولة إسرائيل، وإقامة دولةديموقراطية تتكون من العقائد الدينية الثلاثة - الاسلام والمسيحية واليهودية، والافليس أمامهم سوى الكفاح المسلح. ويخرج وفد إسرائيل غاضباً ليصرح السفير الاسرائيليبأن عرفات الذي قتل الأطفال اليهود، يحاول أن يقهر الدولة اليهودية بحجة فلسطينالديموقراطية.

وبعد أسبوع من لقاء نيويورك، بثت أمينة المفتي رسالة خطيرة الىالموساد، تتضمن هجوماً فلسطينياً مسلحاً سيتم بعد عدة ساعات على إحدى مدن الشمال. وقبلما تتخذ السلطات الاسرائيلية التدابير الأمنية الكافية كان ثلاثة من فدائيالجبهة الديموقراطية قد هاجموا مدينة بيت شين BET SHEAN انطلاقاً من الأراضيالأردنية على غير المتوقع، وقتلوا أربعة إسرائيليين ثم جزوا رؤوسهم تماماً وكتبوابدمائهم: "فليرحل أبناؤكم قبلما يلقوا مصيرنا. وبعد يومين تسلق أربعة فدائيين سورمطار دبي الدولي، وفتحوا نيران مدافعهم على الطائرة البريطانية التي كانت تتزودبالوقود في طريقها الى كلكتا وسنغافورة، فأصابوا أحد الهنود واحتجزوا 47 شخصاًكرهائن وصاروا بهم الى تونس، في ذات الوقت الذي أقر فيه السكرتير العام للأممالمتحدة حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعودة الى وطنهم، والموافقة على اختيارمنظمة التحرير مراقباً في الأمم المتحدة.

وفي نهاية شهر يناير 1975 قال أبو إياد - مساعد عرفات - في تصريح لهكالقنبلة: "إنني أعد بأن هذه الحادثة العارضة ستكون الأخيرة". وبهذا التصريح، لميعد هناك وجود لمنظمة أيلول الأسود. إذ غطت الحرب الأهلية اللبنانية على كل شيء. وأصبح مقاتلو أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى. وعندما طلبت أمينة الإذنبمغادرة بيروت الى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصة مناسبة لدخول شقة علي حسنسلامة ومحاولة الحصول على القوائم السرية لرجال مخابراته في أوروبا، وخطط العملياتالمستقبلية المطروحة. وعلى ذلك انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة في الكورال بيتشكالمعتاد، وسألته في خطأ فادح عن أولاده. فدهش الرجل الذي لم يحدثها عنهم من قبلمطلقاً. وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها، وقرر البحث عن ماضيها وطلب منرجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عن الطبيبة الأردنية أمينة داود المفتي، التييعيش اهلها بحي صويلح أرقى وأروع أحياء عمان.

فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنها الى النمساللدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا تعيش بعمان. اطمأن سلامة لتحريات رجاله. . وتجددت ثقته بأمينة، لكن بلاغاً سرياً من أوروبا وصل الى مكتب المخابرات، قلبالأمور كلها رأساً على عقب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 18:59

الرسالة الأخيرة


أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في فرانكفورت، صرح لأحد المصادرالسرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد عدة لقاءات بينهما في حاناتالمدينة ومقاهيها، أخبره بأن له صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثر تعاطيها جرعة زائدةمن عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربت معه الى إسرائيلخوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها. وأن الفتاة كانت تدرسالطب في النمسا، وانتقلت الى لبنان بعدما أسقط السوريون طائرة زوجها، الذي اعتبرمفقوداً.

كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلو أن الأمر صحيح إذن فهناكجاسوسة عربية بين الفلسطينيين. وطلب سلامة إعادة استجواب الشاب في فرانكفورت، ولواضطروا لأخذه الى النمسا ليدلهم على الفلسطيني الآخر. وذيل سلامة أوامره بضرورةالسرعة، والى حين تصله معلومات آخرى، طلب حصر كل الطبيبات العربيات المتطوعات فيالمستشفيات الفلسطينية. . واللبنانية أيضاً.

كان علي حسن سلامة شاباً ذكياً . . خارق الذكاء. شاهد بنفسه مقتلوالده بيد اليهود وهو في الخامسة عشرة من عمره. ففرت به أمه من الرملة الى نابلس فيالأردن. وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر الى المياه والكهرباء. وفينابلس أكمل تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، لا يأبه بمطاردات الفتيات له برغموسامته وجسمه الرياضي. فقد كان لا يهتم إلا بالسياسة فقط. وبعدما حصل على الثانويةالعامة بتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت، التي كانتمجمتعاً لكبار المثقفين الفلسطينيين.

واكتسب في الجامعة سمة الزعيم السياسي، حيث جمع من حوله الطلبة وألقىفيهم الخطب الثورية، وكان تأثيره يتزايد بينهم بعدما عرف لدى الجميع أن والده ماتبين الإسرائيليين.

وكان يقول دائماً "لقد نسونا وإذا لم نفعل شيئاً سنبقى دائماً فيالطين والوحل . . أذلاء. . بلا وطن". وتخرج من الجامعة مهندساً ليلتقي بياسر عرفاتالذي كان قد أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلت حياته كلها، إذشغل منصب قائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية - رصد - ورئيس العملياتبمنظمة أيلول الأسود التي دوخت إسرائيل بعملياتها الفدائية المذهلة.

استغل علي حسن سلامة ذكاءه الشديد في تعقب الخونة والجواسيس، الذينيتم زرعهم بين صفوف المقاومة وتمكن من كشف عشرين منهم خلال فترة وجيزة، وحصل علىدورات تدريبية على أيدي رجال المخابرات المصرية. إذ استهواه العمل الفدائي والكفاح،وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا. وأفلت مرات ومرات من محاولات فاشلةلاغتياله، حيث كان يجيد التخفي . . ماكر كالثعلب. . جسور كالأسد. . صلب كالفولاذ. وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوعة تعمل لصالح الموساد في بيروت، اكنتأمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضم أسماء 37 طبيبة. . أربعة منهن فقط حصلن علىشهاداتهن العلمية من جامعات النمسا. وكن جميعاً آنسات . . إحداهن بالطبع كانت أمينةداود المفتي.

وفي انتظار التقرير الحاسم الذي سيجيء من أوروبا . . أمر سلامة بوضعالأربعة تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة. لقد كان السباق محموماًللوصل الى الحقيقة بأسرع ما يمكن . . وبينما الطقس مشحون بالشكوك والترقب، أحستأمينة بعيني الجاسوسة المدربة، بأن هناك عيوناً ترصدها. . ولا تترك لها مساحة منالحرية لتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً. وأول ما فكرت فيه هو التخلص من جهازاللاسلكي، دليل الإدانة الذي سيقدمها الى حبل المشنقة. فبثت رسالتها الأخيرة الىالموساد : (آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس. أنا خائفة ومرتبكة. سأموت رعباً. أفيدوني. نفيه شالوم).

خبراء المخابرات دائماً يشفقون على العميل الخائف، خاصة إن كانمزروعاً ببلاد الأعداء. ويدركون جيداً حجم المعاناة النفسية الرهيبة التي تغشىتفكيره، وقد تقود مسلكه الى نقطة النهاية والسقوط، بسب وقوعه في حالة ضعف تدمرأعصابه، وتعصف بجرأته وبثباته. وهم في تلك الحالات يفضلون أن يفر عميلهم بحياتهوبأي ثمن. لذلك ردوا على أمينة بعد أقل من نصف الساعة: (ضعي الجهاز بسلة قمامةالشقة العلوية. إحرقي الشفرة. غادري بيروت بهدوء الى دمشق بطريق البر. ستجدين رسالةبمقهى "الشام".). تنفست أمينة الصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامر رؤسائها.

لقد كان عليها ألا تلتقي بأحد أفراد شبكتها. . لكن يجب تحذيرهم منالسعي اليها. لذلك اتصلت من الشارع بخديجة زهران وأخبرتها أنها في طريقها الى دمشقللسياحة

ألقت بظلالها

يعصف بها الخوف والهلع، حملت أمينة حقيبة يدها الصغيرة وغادرت شقتها،لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروب ومطاردة بين الجاسوسة الخائفةومطارديها. وفي موقف السيارات المتجهة الى دمشق اعتقدت بأنها أفلتت من المراقبة،حتى إذا ما صعدت الى الباص واطمأنت في مقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان الى جوارها،فألجمها الخوف وانخرست . . واعتقدت بأنها النهاية الحتمية لمشوار خيانتها، فقررتبألا تموت على أيدي الفلسطينيين. وبلا وعي . . انطلقت أصابعها في لحظة كالبرق، تبحثعن كبسولة سم السبانيد بين خصلات شعرها. لكن أيدي رجلا الأمن كانت الأسرع، إذاانقضت عليها كما تنقض حية الكوبرا على فريستها، واقتيدت الى سيارة بيجو استيشنمفتوحة الأبواب كانت تنتظر خلف الباص، يقف الى جوارها رجلان آخران جامدي الملامح. وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت ساقاها عن حملها، فاضطر الرجلان الى رفعها عن الأرضرفعاً، وألقيا بها الى داخل السيارة التي انطلقت كالريح الى حي الفكهاني، تسبقهاسيارة أودي - 80 - إل إس نقل أربعة رجال مدججين بالسلاح.

وأمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحب الرجال العميلةالمغماة الى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيقة تحت الأرض، تكبل يديها من الخلف سلسلةحديدية طويلة ربطت الى الحائط. لم يكن لدى المخابرات الفلسطينية - رصد - حتى وهميراقبونها دليل واحد ضدها. فالتقرير لم يصل بعد من أوروبا ليؤكد براءتها من عدمه. لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلها تنطق بالخوف وتضج بالرعب، ولأنهماعتادوا تلك الملامح التي ترسم عادة على وجوه الخونة، أيقنوا بأن الأمر جد خطير . . خطير جداً. وأن الطبيبة المتطوعة متورطة في جرم ثم خاصة . . بعدما تعرضت المادةالسائلة بالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السبانيد الذي تكفي نقطة واحدة منه لقتلفيل بالغ.

لقد كان لا بد من تركها هكذا لعدة أيام بدون استجواب، حتى تنهارإرادتها الى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى. وعلى ذلك . . قام فريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً غاية في الدقة. . ولعدة مرات فشل فيالعثور على دليل واحد يدينها، فالعميلة المدربة . . وبرغم خوفها الشديد، وجدتأمامها الفرصة الطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها الى الموت. ولم تترك خلفهاسوى المصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه عدة صفحات، هي في مجملها كل سورة "بنيإسرائيل"، وصفحة ونصف من سورة "الكهف" وكان هذا الأمر يمثل لغزا محيراً لرجال رصد،الذين فشلوا في "رصد" العميلة دون أن تلقي بظلالها عليهم .

كان جهاز الأمن والمخابرات - رصد - يعمل في تلك الفترة تحت قيادة أبوإياد "صلاح خلف" الأب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمة أيلول الأسود، برئاسةعلي حسن سلامة رئيس العمليات والدينامو المحرك والعبقري الفذ. ويعد الجهاز أكثرالعناصر المكونة سرية داخل منظمة التحرير الفلسطيني، فهو جهاز الاستخبارات الأولية،وعمليات مكافحة الجاسوسية، وبه وحدة سرية لعمليات الخاصة، وله مكاتب في كل من لبنانومصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسوريا. ويصعب تقدير عدد أعضائهعلى وجه الدقة. وأبو إياد (1) هو معلم الجواسيس الأول في منظمة التحرير الفلسطينية،والمسؤول عن أمنها وجهازها السري، وهو أيضاً حلقة الاتصال الرئيسية بينها وبينالجبهات المعارضة، وأحد العناصر الضالعة في تخطيط وتنفيذ عملية ميونيخ، وكان هوالذي أمر في 1973 بالاستيلاء على السفارة السعودية في الخرطوم وقتل السفير الأميركيونائبه، كما لعب دوراً رئيسياً في حادث مقتل السفير الأمريكي فرانسيس ميلوي فيبيروت عام 1976، وكذلك في عشرات العمليات المسلحة الأخرى. وما إن وضع أمام أبو أيادتقرير كامل عن أمينة المفتي، حتى ذم شفتيه ملقياً برأسه الى مسند كرسيه، ينظر الىحلقات دخان سجائره المتشابكة في صمت طويل . . وقال لسلامة في وجوم: يجب ألا نعاقبامرأة عربية دون أدلة قطعية قوية تؤكد إدانتها. فلننتظر تقرير رجالنا في أوروبا. وحتى يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب.

هكذا قبعت أمينة في زنزانتها المظلمة بباطن الأرض تترقب الموت ببطء،وتنسل من عروقها نبضات القوة رويداً رويداً، حتى استحالت الدقائق عندها الى جحيم مابعده جحيم . وانقلب الانتظار الى وحش مسعور يفتك بعقلها . . وبوجدانها.

وكأنه العواء

كان رجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلف الشاب الفلسطينيالعابث، يرفقهم الشاب الآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه من فرانكفورت رأساً الىفيينا. فهو الوحيد الذي يمكنه التعرف عليه بسهولة. هكذا جابوا شوارع فيينا وحدائقهاومواخيرها دون جدوى، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته. ولم يكن أمام الرجال إلا طريقةواحدة - غاية في الخطورة – لاستجلاء الحقيقة من مصادرها الرسمية، وهي البحث عنسجلات مكتب "الزواج من أجانب". وكان الخوف كل الخوف من لفت انتباه رجال الموساد فيالنمسا الى ما ينقبون عنه، لذلك كانت عملية البحث تتم تحت ستار كثيف من السرية. . والتكتم . وبواسطة خطاب مزور صادر عن السفارة الأردنية في فيينا، يخاطب إدارة مكتبالزواج من أجانب، أمكن الوصول الى عنوان شقتها والى حقيقة الزواج المحرم. وفي الحالطار أحد الضباط الى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج، في ذات الوقت الذي اقتحمفيها رجال رصد شقة أمينة المفتي بفيينا، حيث عثروا على أجندة متوسطة الحجم، سجلتبها أمينة مذكراتها وتفاصيل عمليها في بيروت قبل رحلتها التدريبية الأولىلإسرائيل.

هكذا انكشف الأمر دون أن يلاحظ رجال الموساد المنتشرون في النمسا أيشيء، أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاء ينقبون عن ماض غامض لعميلتهم المدربة. تجمعت كل الأدلة على مكتب أبو إياد الداهية، ولم يكن أمامه سوى محاصرة أمينةوالسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغته للموساد، ودورها الحقيقي في ترصد حركةالمقاومة، خاصة بعد فشل عدة عمليات فدائية كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً. . لترشدعن بقية أعضاء شبكتها في بيروت أو خارجها.

كانت هناك خطط عديدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتبعها رجالالمخابرات الفلسطينية. أما والحالة هنا لامرأة عربية خائنة فالوضع يختلف. إنها إحدىالحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله. لذلك، اقترح علي حسن سلامة الاعتمادعلى خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراً لدىالسوريين، وقد أُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية مبادلة نشرت عنهاالصحف. وكان الغرض من كل ذلك إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحس بالندم الشديد علىما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب. وعلى ذلك . . . سربوا اليها إحدى الصحفاليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة زوجها الأسير وسط العديد من زملائه، قبلمايغادرون سوريا الى اسرائيل برفقة رجال الصليب الأحمر. كانت هناك بالطبع نسخة وحيدةلتلك الصحيفة طبعت خصيصاً لأجل المهمة المحددة. وما إن قرأت أمينة الخبر، حتى لفهاصمت غمس بالذهول، وقد جحظت عيناها لهول الصدمة والمفاجأة، وانطلق من جوفها صوت نحيبرتيب كأنه العواء. وليس هناك أبلغ مما كتبته بنفسها عن تلك اللحظة الخطيرة منحياتها:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقه السادسه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:05

الأشباح في الزنزانة



تقول أمينة في مذكراتها (وفي السادس من سبتمبر عام 1975 (!!!)، كنت أحاول أن ألملم ذاتي المبعثرة داخل زنزانة ضيقة حقيرة، مقيدة بالجنازير الى الحائط، عندما انفتح الباب في الصباح، ودخل الحارس المسلح ذو الشارب الكثيف يحمل فطوري المكون من رغيف وشريحة جبن مطبوخ، وجلس أمامي كالمعتاد يتصفح جريدته، ويناولني قضمة بعد قضمة، عندما لمحت الخبر بالصفحة الأولى:

يا الهي . . إنه موشيه . . نعم موشيه . . صورته تتصدر الصفحة ومن تحتها اسمه كاملاً. خيل ألي انني أحلم . . أطير الى الأفق وأكبو – حلقومي يتشقق ورأسي تتأرجح غصباً عني. وكأنني أفيق من غيبوبة الموت، رجوت الحارس أن يقرأ على ما كتب فنهرني ساخراً . . لحظتئذ . . صرخت متوسلة اليه أن يقرأ. فأغلق فمي بالرغيف ولطمني بقسوة على وجهي وهو يردد: مالك والصحيفة أيتها المومس الحقيرة. . ؟ لفظت الرغيف وابتهلت اليه فبسط الصفحة أمامي على الأرض. . فانحنيت أقرأ لا أصدق، حتى انكفأت على وجهه كالمنومة، أعض البلاط . . وألعق الحسرة . . والفرحة، وألعن عمراً ذاب في الإرهاق والغضب.

لست أدري بالضبط كنه تلك الأحاسيس الجياشة التي اجتاحتني، خليط عجيب من المشاعر تكاد تعصف بي، وتفتك برأسي. كم كنت في شوق لأن أصرخ . . وأصرخ . . وأصرخ . . وأمزق وجهي بأظافري حتى يدمى، لكن يداي مشدودتان بالسلاسل، ولا قبل لي إلا بالصراخ، فصرخت . . صرخت من أعماق شراييني وأنسجتي، وجذبت قوة صرخاتي من قلبي وأعصابي، إذ جثم على صدري حمل ثقيل من الندم . . ينزف منهم الدم في فورة كالبركان، وينزلق على أرض الغرفة فأحس به ساخناً لزجاً، يا إلهي . . إنها أشباح عشرات الضحايا الذين قتلتهم بغبائي . . وقذارتي. تطوف الأشباح من حولي في حلان مرعب، ينبعث منها صوت هدير مخيف، فأضحك . . ثم أصرخ. . وأضرب رأسي في الهواء لأصرف الأشباح عني، وأفيق على موشيه الحبيب . . جاء لينقذني من عذاباتي . . وانحناءات عمري القاتلة).
مدرسة أبو داود


وفي الثامن من ستبمبر 1975، بعد تسعة أيام من اعتقالها، اقتيدت امينة داود المفتي الى مكتب أبو داود (1) حيث جرى استجوابها بذات الأسلوب الذي استخدمه جهاز المخابرات الألماني – الجستابو – مع الأسرى والجواسيس أيام الحرب العالمية الثانية. وهو أسلوب يعتمد على التوسل بعلم النفس في كسر حدة الخوف لدى الجاسوس، دون اللجوء الى أي وسيلة من وسائل الضغط أو التعذيب، مع محاصرته بوابل من المعلومات التي تم جمعها عنه وعن رؤسائه، فيضطر مذعناً الى الاعتراف بكل ما لديه حيث يرى أنه لا ضرورة للإنكار، طالما انكشفت كل الأسرار التي كان يعتقد أنها مجهولة. ولكي نشرح أسلوب أبو داوود في استجواب العميلة، علينا أن نقرأ الشهادة الرسمية التي أداها الملازم "سكراف" من المخابرات الألمانية، أمام هيئات التحقيق الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا. فقد شكلت في أمريكا هيئة للتحقيق مع بضع مئات من الطيارين الأمريكيين الذين أسروا في ألمانيا النازية، وكانوا متهمين بالخيانة وإفشاء الأسرار الحربية عقب أسرهم، ولكنهم نفوا جميعاً أنهم تفوهوا بأي سر، كما أكدوا أن أحداً لم يضربهم أو يمتهنهم، وبالتالي لم يحاول أي إنسان أن يرغمهم على الإدلاء بأي أقوال، وقد استدعى الأمر إحضار سكراف للمثول أمام إحدى هيئات التحقيق الأميركية، لاستجوابه في شأن التقارير التي كان يرفعها بعد استجوابه لكل طيار أسير.

وقد كان لشهادته هذه أكبر الأثر في تبرئة ساحة هؤلاء الطيارين. يقول سكراف:

خلال سني الحرب الطويلة المريرة، قمت منتصباً في وضع الانتباه ضارباً كعبي أكثر من خمسمائة مرة، مؤدياً التحية العسكرية في أصح أوضاعها لضابط طيار أميركي، شاء حظه أن يقع أسيراً في أيدي قواتنا. وكنت أقدم نفسي للأسير قائلاً في أدب وبشاشة: سيدي . . أنا الملازم سكراف . . وأنا مكلف بسؤالكم بضع أسئلة، هل لسيدي أن يجلس؟ . . من واجبي أن أذكرك بحقوقك التي تكفلتها لك اتفاقية جنيف لمعاملة أسرى الحرب، فلك أن تجيب على الأسئلة الثلاثة : اسمك . . ورقمك . . ورتبتك فقط ولا شيء خلاف ذلك . . سيجارة سيدي. . ؟ ويضيف الضابط الألماني: مر على مكتبي جميع طياري المقاتلات الأميركية والبريطانية الأسرى، وكالمعتاد فقد أجابوا على الأسئلة الثلاثة عند بدء أسرهم، ثم أرسلوا الى بعد ذلك للحصول منهم على المعلومات اللازمة، وأستيطع أن أقرر أن كل فرد من الخمسمائة ضابط الذين مروا بغرفتي، قد أدلى بكل المعلومات التي طلب مني أن أحصل عليها منهم، دون إهانة أو تعذيب، ذلك أنهم لقنوا عن الطريقة التي يتصرفون بها إذا ما وقعوا في الأسر، واحتمال التعذيب الشديد حتى يرغموا على الكلام.

لكن . .غاب عنهم الحالة النفسية التي يكون عليها الأسير بعد اكتسابه لهذه الصفة، لمجرد شعور المرء بأنه أسير تتولد عنده ضغوط شديدة تشعره بعدم راحة الضمير كأنه المذنب، حتى ولو كان أسره خارجاً كلية عن إرادته، فيظل موطناً نفسه على مقاومة كل وسيلة لاستجوابه، وكان علينا أن نستغل هذه الحالة في عملنا، بأن نتصرف في معاملة الأسير على العكس تماماً مما يتوقع.
الحية الناعمة


كان أبو داود ضابطاً من ضباط المخابرات الفلسطينية القلائل الذين تميزوا بأسلوب المهادنة في استجواب الجواسيس، وكان يرى أن تلك الطريقة هي الأنسب لمعاملة هؤلاء الخونة لإشعارهم بمدى فداحة الجرم الذي ارتكبوه. ومن خلال المعاملة الحسنة، بدلاً من التعذيب الذي يتوقعونه، يمتلكهم الإحساس بالذنب فيعترفوا. لكن يبدو أن فلسفة الألمان أيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن ذات نفع مع جاسوسة محترفة مثل أمينة المفتي، التي دربت على كيفية مواجهة المواقف الصعبة، وترتيب الأفكار بحيث لا تخطئ إذا ما اضطرت الى سرد رواية ما مرتين.

وكانت تمارين الذاكرة التي أجادتها تماماً خير وسيلة لها للتمسك بأقوالها دون تغيير، وبرغم نفاذ صبر أبو داود الذي واجهها بمذكراتها التي كتبتها بخطها وخبأتها في شقتها في فيينا، إلا أن الجاسوسة أنكرت كل شيء. وعللت كتابة مذكراتها بما تحويه من تفاصيل غاية في الدقة، بأنها مريضة بالتوهم Delusion وبأحلام اليقظة، وقد تخيلت نفسها بالفعل عميلة إسرائيلية في بيروت نظراً لخيالها الخصب الجامح، ولتأثرها الشديد بقصة حياة الجاسوسة الهولندية الشهيرة مارجريت جيرترود "ماتا هاري"، وابنتها الجاسوسة باندا ماكلويد. هذا فضلاً عن رغبتها في الانتقام من العرب لفقد زوجها موشيه، وعجزها عن تحقيق ذلك، مع شعورها المتزايد بالغربة والكآبة، وإحساسها بالاضطهاد Persecution . كانت إجابتها المرتبة، وبكاؤها المستمر وتشجنات عضلات وجهها، أمر يدعو الى الاحساس بالأسف، فهي تخرج من مأزق تلو الآخر وكأنما أيام الاعتقال الانفرادي التسعة، كانت بالنسبة لها الفرصة الذهبية لترتيب الأفكار استعداداً للمواجهة المصيرية . لذلك . . كانت شكلاً – في غاية الثبات أمام المحقق. .

أما بالداخل . . فهناك عمليات عقلية معقدة تتفاعل . . وتحلل . . وتستنبط . . وتختزن . . وتتوهج. فتطلب المزيد من الماء بالسكر لتمنح بدنها المزيد من القوة Energy واليقظة. لكن ضابطاً كفئاً مثل أبو داود لم يكن من السهل أن يقنع بصدق إجابتها، فهو رجل حاد الذكاء عظيم الخبرة في تخصصه، حصل على دورات تدريبية عديدة على أيدي رجال المخابرات المصرية في تعقب الجواسيس، وقرأ كثيراً في علوم النفس والمنطق والطب العقلي، وتصنيفات الأمراض النفسية، وبرع في كيفية التعامل مع مرضى الخيانة والكذب، واستخلاص النتائج بعد تحليل دقيق للألفاظ والمدلولات، حتى اشتهر عنه امتلاكه لحاسة شم قوية تجاه الجواسيس، وقدرته الخارقة على اختراقهم والحصول على اعترافاتهم بسهولة، وإن اضطر في بعض الأحيان الى تغيير منهجه في الاستجواب، بما يتناسب وثقافة المتهم وذكائه وقدرته على المقاومة. فهو يستطيع أن يلعب بكل الكرات في تناسق وتتابع كأنه فريق كامل في ملعب شاسع.

هكذا تدرب أبو داود وأجاد . . وكان عليه أن يحاصر أمينة بأسرع ما يمكن، لكي لا يحس أعضاء شبكتها باختفائها الغامض فيفرون الى خارج البلاد. لكنه وقف حائراً أمام تلك المرأة الماكرة، التي استجمعت كل قواها دفعة واحدة وقاومته بشراسة لم يعهدها. . كانت تدافع عن مصيرها باستماتة من يوشك على الغرق. فهي تعلم في قرارة نفسها أن مستجوبها أشد منها ذكاءً وحدة . . وأشرس منها صلابة وقوة. ندان متضادان كل منهما يسعى الى هدف مغاير للآخر. ثمانية عشرة ساعة متصلة وأمينة لا زالت كما هي . . لم تضعف أو تنهار. . أو حتى تبدل كلمة واحدة من أقوالها. . وأبو داود يسألها السؤال نفسه عشرات المرات في دهاء وحنكة، وهي تجيب في مراوغة واستبسال. فكانت إجاباتها كلها متناسقة ماعدا نقطة واحدة لم تكن أبداً مقنعة، ألا وهي سم السيانيد، حيث بررت وجوده معها بأنها مصابة بالجنون الدوري Cyclothynia ، وهذا الأمر يسبب لها مضايقات وتشنجات تدفعها للتفكير بالانتحار.

ولما كان سم السيانيد غير متواجد بالأسواق أصلاً، وتستخدمه فقط أجهزة المخابرات للتخلص من ضحاياها، فقد كان الأمر مثيراً للشك ولا يقبل تأويلاً هشاً كالذي جاء على لسان أمينة. ومن هنا . . لم تكن أمام أبو داود سوى أساليب الاستجواب المعتادة، بعدما فشل في انتهاج نظرية الجستابو معها، وهي اللجوء الى العنف والتعذيب، وقد كان كارهاً لذلك جداً إلا أنه اضطر الى ذلك غصباً عنه، فهو كما قال يتعامل مع حية ناعمة الملمس. . كلما حاول الإمساك بها انزلقت من بين أصابعه هاربة. وأناب عنه زميله "أبو الهول" للتحقيق معها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:19

قنبلة من الغضب


كان رجال الموساد في غاية القلق والتوتر، فأمينة اختفت في بيروت قبل أن تتمكن من الهرب الى دمشق. لقد كانت غارقة في الذعر والهلع، وهو الأمر الذي يجعل الجاسوس في قمة حالات ضعفه وتفككه، فتسهل بذلك السيطرة عليه أثناء التحقيق، ومهما حاول التماسك واستجماع جرأته، فهو حتماً سينهار في النهاية ويعترف بكل شيء، ويرشد بسهولة عن أعضاء شبكته. وعندما أكد عملاؤهم في بيروت أن مانويل ومارون وخديجة طلقاء ولم يتم اعتقالهم، كان الأمر بالنسبة اليهم يعني إما أنها لم تعترف بعد، أو ان الثلاثة تركوا كشرك لاصطياد كل من يحاول الاتصال بهم. وربما كان الأمر برمته مجرد خطة خداعية متعددة الأطراف.

هكذا وقع رجال الموساد في تل أبيب في حيرة بالغة، وأمروا عيونهم في بيروت بالابتعاد تماماً عن الثلاثة الطلقاء مهما كان السبب. فهم يعلمون مدى شراسة المخابرات الفلسطينية في معاملة الجواسيس الأجانب حين استجوابهم، فما بالك والحالة هنا لجاسوسة أردنية خدعتهم وامتزجت بقادتهم، وتجولت بكل الأماكن العسكرية المحظورة في لبنان؟؟

كانت المشكلة عند الموساد أكبر بكثير من مجرد سقوط إحدى عميلاتها، المشكلة الحقيقة تكمن في حالة الهلع التي ستصيب بقية عملائهم في لبنان إذا ما نشر الخبر في الصحف، ساعتئذ فقط قد ينكشف آخرون أفلت منهم زمام الجرأة وانكسرت صلابتهم. . وباتوا عرضة لهدم شبكات إسرائيلية عديدة في بيروت تعمل في امان بعيداً عن الخوف . . الذي هو داء الشجاعة وقاتها. إذ عادة ما تكون الشجاعة التي يتحلى بها الجواسيس شجاعة هشة مصطنعة لا أرض صلبة لها أو جدران. تماماً هي كالسراب الذي تراه أيام القيظ في الصحراء . . مجرد وهم خادع. (!!).

أما أمينة المفتي . . فيالها من امرأة عجيبة . . متماسكة. فبرغم ابتلاعها طعم بقاء موشيه حياً ومبادلته بأسرى سوريين، إلا أن إحساسها بالذنب لم يطغ عليها أو يفتك بضميرها. لقد تقمصت شخصية أخرى أمام المحقق، وبدت بريئة مريضة بالوهم، وما كانت في حقيقتها إلا متخمة بالخيلاء Conceit والعظمة، فسيطرت عليها أوهام الانتصار، وترقبت مظاهر البطولة التي تنتظرها في إسرائيل، وستراها جلية في عيني زوجها العائد من الأسر. كانت تريد أن تؤكد له أنها امرأة أحبت . . وزوجة أدمنت العشق حتى الثمالة . . ومزقها غيابه الى ألف قطعة، تحولت كل واحدة منها الى قنبلة من الغضب . . ستنفجر حتماً في جسد العرب. أما قلبها . . فكان بركان ينفث حممه في وجه البشر . . وصراخ لوعتها عليه يصم أسماع الكون ويمزق سكونه.

وفي حبسها الانفرادي كانت تستعد للمعركة القادمة . . وتشحن ذاتها بكل ما تبقى لديها من قوة ومناورة، وتعيد تنظيم خطوط دفاعها أملاً في الإفلات. فقد كانت تعلم بأن أدلة إثبات خيانتها هشة ومن السهل تفنيدها. كذلك لم يضبط بعد أحد أعضاء شبكتها فيعترف عليها. لذلك وطنت نفسها على المقاومة والاستبسال في الإنكار والدفاع. فحتماً . . سيضيقون بها ولن يكون أمامهم سوى طردها خارج بيروت. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد مطلقاً، أن سلطات الأمن اللبنانية تدخلت، وأجبرت الفلسطينيين على الإفراج عن المعتقلة لتقوم هي بالتحقيق معها.
لقاء في عالية


هكذا خرجت أمينة المفتي – وكما توقعت - منتصرة من حبسها، وتتسلمها السلطات اللبنانية التي رأت أنها بريئة، وأن الشكوك التي طالتها باطلة مجحفة. وأنها طبيبة عربية مخلصة لوطنها العربي أيما إخلاص. وكان أن خيرتها ما بين البقاء في بيروت أو مغادرة لبنان مع وافر الشكر ، فاختارت أمينة أن تغادر الى فيينا، وطالبت بوثيقة سفرها التي احتجزها الفلسطينيون.

لقد رأى أبو إياد وعلي حسن سلامة وأبو داود، أن يسلموا أمينة للبنانيين احتراماً لسيادة الدولة اللبنانية، لكي لا تزداد الخلافات حدة، وتتصاعد في وقت كانت فيه الحرب الأهلية مشتعلة وفي طريقها لأن تدمر العلاقات الطائفية تماماً. لكن . . كانت لقاءات عديدة ومطولة قد تمت في عالية بين أبو إياد والشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني، لمحاولة الاتفاق على التعاون الأمني بينهما للحد من جيوش الجواسيس التي تجوب لبنان دون خوف. وفي اللقاء الأخير كان الوزير يجلس على الأرجوحة في حديقة منزله الصيفي وبيديه مسبحة طويلة يلعب بحباتها في هدوء، وهو يستمع بانتباه كبير الى ما يقوله أبو إياد:

إذا لم نتعاون يا شيخ بهيج فهناك خطر يهددنا ويهددكم معنا. إن التنسيق بين أجهزة الأمن اللبنانية وأجهزة أمن المقاومة أصبح أكثر من ضرورة . . لقد أصبح واجباً وطنياً.

ويوافق الوزير على كلام القائد الفلسطيني . . ويتابع القائد:

نحن على استعداد يا شيخ بهيج أن نضع معلوماتنا بتصرفكم. إن أجهزة رصدنا في الخارج وخاصة في أوروبا قوية، ونستطيع إذا تعاونا معاً أن نفسد أكثر من مخطط. فنحن لا نستطيع أن نعمل بمفردنا في لبنان، وأنتم لا تستطيعون العمل بمفردكم. علينا أن نتعاون.

ويوافق الشيخ بهيج مرة أخرى ويتابع أبو إياد:
أعذرني على صراحتي سيادة الوزير، فالقضية خطيرة . . خطيرة جداً وأخطر
مما تتصور. فنحن عندما قبضنا بعد عملية فردان 1973، على الفرنسي إيف رينيه دي توريس صاحب مطعم – إيف لي ميشو - كانت معلوماتنا تؤكد بأنه ضالع في العملية، وأنه يعمل لحساب إسرائيل في لبنان. وبالصدفة . . كان ببيروت مخرج جزائري من المتعاطفين مع حركة المقاومة اسمه محمد بوضياء. ولأن بوضياء يتقن الفرنسية فقد طلبنا منه أن يساعدنا في التحقيق مع الفرنسي. وبعد أن كاد الفرنسي أن يعترف قامت علينا القيامة، واشتد الضغط واتهمنا بأننا نمارس سلطات الدولة اللبنانية. فاضطررنا الى إطلاق سراحه، وسلمناه الى السلطات اللبنانية مع ملفه الكامل لكي تتابع التحقيق معه، لكننا فوجئنا بإطلاق سراحه بعد 24 ساعة من تسليمه، وبالسماح له بمغادرة لبنان الى فرنسا. وبعد شهر واحد . . تسلمنا رسالة من بوضياء يقول فيها بالحرف الواحد (ليس من قبيل الصدفة أن أصطدم بالفرنسي دي توريس الذي حققت معه في بيروت، في كل مكان أذهب اليه في باريس . . ). وبعد يومين من تسلمنا الرسالة، أغتيل بوضياء في باريس بعبوة ناسفة في سيارته. وقبل أيام . . ألقينا القبض على طبيبة أردنية تؤكد معلوماتنا أنها تتعامل مع الموساد، ومن جديد . . قامت القيامة فسلمناها مع ملفها الى السلطات اللبنانية، ومن جديد . . سمح لها بمغادرة بيروت الى فيينا. لكننا . . سيادة الوزير الموقر. . . . نطلب منكم مهلة للتحقيق معها مرة أخرى. . مهلة بسيطة لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام سنطلعكم بعدها على ما انتهينا اليه.

لقد كان هناك رجل يحمل الأوراق المغربية، اعترف لنا اعترافات كاملة بأنه عميل لإسرائيل وجاء للبنان أكثر من مرة للتجسس على أخبار المقاومة. ولدينا ملفات عن أكثر من عشرين عميلاً يحضرون الى لبنان وينزلون في أفخم الفنادق على أنهم رجال أعمال، نحن نعرفهم واحداً واحداً، واسماً اسماً، ونعرف أنهم عملاء، ولا نطلب منكم أن تعتقلوهم أو تحققوا معهم، ولكن نطلب فقط منعهم من دخول البلاد. إنه إجراء بسيط سيدي الوزير، فنحن أيضاً لا نريد اعتقالهم حرصاً على السيادة اللبنانية، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي وحياتنا مهددة بالخطر.

كان الشيخ بهيج تقي الدين يستمع الى أبو إياد في ذهول. وما أن أنهى القائد الفلسطيني كلامه حتى وافق الوزير فوراً على مطلبه لخاص باعتقال أمينة المفتي مرة ثانية، والبحث في أمر العملاء الآخرين تمهيداً لمنعهم من دخول لبنان.

وهكذا . . عادت أمينة داود المفتي الى الجانب الفلسطيني، دون تدخل لبناني تحت أية ظروف في التحقيق.
كهف السعرانة


حبست أمينة مقيدة بالجنازير داخل زنزانتها الأولى بباطن الأرض، تمهيداً لاستجوابها بأسولب مغاير، يدفعها لأن تعترف بالحقيقة كاملة، وترشد عن شركائها في شبكة الجاسوية. لكن . . كانت هناك رؤية أمنية تحبذ نقلها الى خارج بيروت، بعيداً عن رحى الحرب الأهلية المشتعلة، وتحسباً لأية نوايا إسرائيلية خاصة بعد عملية فردان المشؤومة، واستغرق التفكير في مكان حجزها ساعات طويلة من الليل، ضمت أبو إياد، وعلي حسن سلامة، وأبو داود، وأبو الزعيم - في اجتماع خطير لتحديد مصير العميلة الاسرائيلية. لقد جلس أبو إياد صامتاً كعادته يشعل سيجارة من أخرى، تنتقل عيناه بين الرجال الثلاثة وهم يتجادلون، ويستعرضون الأماكن التي تصلح لإخفاء العميلة الماكرة. كان علي حسن سلامة يرى أن إبقاءها في المكان نفسه هو الأصوب، حيث تحيط بالمبنى الأسوار العالية، ومباني منظمة التحرير الفلسطينية في حي الفكهاني، لكن أبو الزعيم تشكك في كون المكان آمناً بالدرجة الكافية، فقد تخطط الموساد لاختطاف أمينة لرفع معنويات جواسيسها في لبنان، وللانتقام من علي حسن سلامة - الأمير الأحمر الذي أمرت جولدا مائير بإعدامه ثأراً لعملية ميونيخ، وأيضاً . . لاغتيال الفدائيين الثلاثة - عدنان وجمال الجاشي، وأبو العيسى - أبطال مذبحة ميونيخ الذين بقوا على قيد الحياة، ويقيمون تحت حراسة مشددة بمقر الجبهة الديموقراطية المحاور. أما أبو داود فقد اقترح أن يتم نقلها فوراً الى وادي البقاع حيث لن تستطيع الموساد التوصل الى مكانها، ويكون الأمر محاطاً بالسرية المطلقة تحسباً للوشايات، وبعيداً عن الخونة الذين يضعفون أمام الاغراءات الاسرائيلية من بين صفوف الفلسطينيين أنفسهم. وعند هذا الحد من الحديث نطق أخيراً أبو زياد وقال إن الأمر لا يستدعي كل هذا الخلاف، فعملية نقل أمينة من حسبها الآمن في بيروت الى مكان آخر ليس الغرض منه الخوف من الاسرائيليين، فهم لن يجرأوا على القيام بعملية كوماندوز أخرى مشابهة لفردان، لعلمهم بأننا اتخذنا شتى التدابير الأمنية لحماية منشآتنا ومقار إقاماتنا، وعيونهم التي تجوب شوارع بيروت بمختلف الجنسيات تنقل اليهم تلك الحقيقة وتؤكدها. إنما التفكير في عملية نقل أمينة لجهة أخرى يرجع الى كونها امرأة استشعرت الأمان في محبسها الحالي، ووضعت خطط دفاعها أمام مستجوبيها، ونقلها لمكان آخر أمر في حد ذاته محير بالنسبة لها: وسيشعرها بالخوف لأنها تجهل ما سيحدث معها وطالما هي خافت فقد فقدت تركيزها. وأرى أنه للوصول الى اعترافات سريعة منها، يجب نقلها الى مكان موحش وليكن كهف من كهوف الجنوب، فالتمسك بالحياة حتماً يدفع المرء لأن يضحي بكل ثمين. واعترافها بالتجسس لصالح الاسرائيليين لن يكون أبداً أثمن عندها من حياتها. ففكروا معاً في أي كهف ستأخذونها اليه.

عندئذ . . تهللت الوجوه استحساناً لرأي القائد، وجيء بخارطة كبيرة للجنوب اللبناني انكبوا عليها يفحصون عدة مواقع، الى أن انتهوا الى موقع كهف يقع الى الشرق من جسر القاسمية بين صيدا وصور، يبعد عن ساحل البحر المتوسط حوالي تسعة عشر كيلو متراً. أطلق عليه سكان المنطقة اسم "كهف السعرانة"، وتقع بالقرب منه بعض معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:20

مقابل شربة ماء . . !!


لمسافة ثمانين كيلو متراً أو يزيد، انطلقت في الليل السيارة الجيب التي تقل أمينة المفتي الى محبسها الجديد. كانت الأسيرة المغماة متهالكة تماماً لحرمانها من الطعام طوال يوم كامل، وما إن غادرت السيارة يتأبطها جنديان مفتولا العضلات، أحست بقشعريرة مخيفة تسري بأوصالها. فالمكان شبه خاو بلا حركات، صوت الأقدام الصاعدة وهي ترتطم بالصخور والحصى يزيدها هلعاً. قالت في وهن أنها جائعة فقيل لها أن لا طعام لديهم. كان الصعود شاقاً والأعصاب مرهقة تنبض بالتوتر، ونادراً ما تنامت الى مسامعها أصوات غريبة.

لكن هيئ لها أن هناك أياد أخرى عديدة ساعدت في صعودها الى المرتفع. حتى إذا ما وصلت الى نقطة ما. . أزالوا الكيس الأسود عن وجهها، لتصطدم بعدد جرار من الضباط والجنود واقفين في جمود وامتعاض تتدلى الرشاشات من أكتفاهم. وعندما اقتادوها الى الداخل أدركت رغم الإضاءة الباهتة أنها بداخل إحدى المغارات. لكنها فشلت في تخمين موقعها . . أفي الشمال هي أم بالوسط أو بالجنوب؟ كانت تحس بدوار عنيف كمن فقد اتجاهه واتزانه، واستسلمت للأيدي التي تدفعها بقسوة الى عمق الكهف الممتد بباطن الجبل تتدلى صخوره كالأشباح المعلقة، وتبدو نتوءاته في ظلال الضوء المتحرك كجنيات الأساطير المرعبة. . وفجأة . . شق الصمت القاتل المحيد بوقع الأقدام صراخاً مريراً. . كأن هناك من يقد اللحم من جسد حي. وكلما اقترب مصدر الصراخ ابتعدت إرادة الأسيرة وذهب عقلها. فتصبب منها العرق المالح . . وارتعد الجسد الناعم المنهك السخي بالأنوثة . . ففقدت الى الأبد بصيص أمل في النجاة، وبينما يتشقق حلقومها الجاف المر الرضاب، انطلق بولها غصباً عنها ساخناً يزيد الجسد جفافاً وانطفاء، ويولد لديها أقصى مشاعر الرعب والهلع، عندما وقفت أمام مشهد مروع أطلقت المرأة صرخة سحبتها من جذور أظافر أصابعها حتى شعر رأسها. مشهد هو بحق أفظع من وصف مذبحة بشرية حية. فقد رأت أمينة المفتي فتاة علقت من ساقيها الى الحائط، تمتد خيوط الدم من كل موضع في جسدها لتتجمع في النهاية في بقعة متجلطة أسفل رأسها، وشعرها الطويل المدلى يصل حتى لقرب البقعة تفور منه صنابير الدماء المتفجرة. . وأفاقت أمينة على صوت القائد كأنه الصاعقة:

أيتها العاهرة . . ارتدي البنطلون والسترة. "هكذا ترتدي النساء المعتقلات، لكي لا تظهر عوراتهن أثناء التعذيب" وأشار الى أحد الجنود: حل قيودها حتى تبدل ملابسها.

سخرت أمينة في حسرة من نفسها . . فقد كان جسدها العاري لوقت قريب يذيب العقول. الآن تقف عارية وعشرات الأعين ترقبها، لكنها تنظر اليها باختلاف عما اعتادته هي من نظرات الجوعى. يالكم من رجال أغبياء لا تدركون لسع أنوثتي . . وجحيمها. لو أنكم مائة رجل لأسلمت لكم نفسي . . طواعية . . طواعية . . مقابل شربة ماء. . وشريحة خبز صخري أسود". هكذا قالت في داخلها . . وهي تقف مسلوبة الإرادة بالملابس العسكرية التي ارتدتها، ترمقهم في انكسار وهم يدقون الحلقات الحديدية بالجدار ليعلقوها كزميلتها. لكن القائد الصارم الوجه قال بحسم:

كبلوا يديها ورجليها على خلاف حتى يجيء أبو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترف ترأس بعد ذلك مخابرات فتح".

سخرت أمينة في حسرة من نفسها . . فقد كان جسدها العاري لوقت قريب يذيب العقول. الآن تقف عارية وعشرات الأعين ترقبها، لكنها تنظر اليها باختلاف عما اعتادته هي من نظرات الجوعى. يالكم من رجال أغبياء لا تدركون لسع أنوثتي . . وجحيمها. لو أنكم مائة رجل لأسلمت لكم نفسي . . طواعية . . طواعية . . مقابل شربة ماء. . وشريحة خبز صخري أسود". هكذا قالت في داخلها . . وهي تقف مسلوبة الإرادة بالملابس العسكرية التي ارتدتها، ترمقهم في انكسار وهم يدقون الحلقات الحديدية بالجدار ليعلقوها كزميلتها. لكن القائد الصارم الوجه قال بحسم:

كبلوا يديها ورجليها على خلاف حتى يجيء أبو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترف ترأس بعد ذلك مخابرات فتح".

هكذا ربطت أمينة بالجنازير الى الحائط، وحمل الجندي في تأفف ملابسها الداخلية المبتلة، في ذات الوقت الذي وصل فيه الطبيب لتضميد جروح زميلتها. وما هي إلا دقائق حتى انصرف الجميع، وخيم الصمت والظلال على المكان الموحش فازداد وحشة. وكان أنين الفتاة الأخرى هو مرآة الرعب بعينيها، وصدى الخوف في كهف السعرانة الذي تحال من حوله قصص خرافية، عن امرأة عقرها كلب مسعور فطفقت تجوب الوديان والجبال مسعورة، يطاردها الناس بالعصى والحجارة حتى التجأت الى الكهف الذي سُمي باسمها ووجدت به ميتة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقه السابعه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:21


السقوط في الفخ


كان الوقت قرب الفجر عندما أفاقت الفتاة، وأخذت تهذي باللغة الفرنسيةالتي كانت أمينة تجيدها فانتبهت الأسيرة اليها وقد خرجت عن محيط الهلع الذي غلفها،لقد حاولت أمينة طوال ساعتين أن تتحدث مع الفتاة دون جدوى. وما إن نطقت الأخيرةببضع كلمات حتى صاحت أمينة بالفرنسية.

أو . . يا عزيزتي . . حسبتك عربية مثلي.

كان الظلام شديداً جداً بداخل الكهف. وبرغم ذلك كانت أمينة تتجهبوجهها ناحية الفتاة وتبحلق في انتباه، وجاءها صوت ضعيف واهن تمتزج به حشرجة تتأرجحعلى اللسان في صعوبة:

أأنت عربية. . ؟n

نعم . . من الأردن . . لماذا يفعلون بك ذلك . . ؟

حظي المشؤوم يا عزيزتي . . حظي هو الذي جاء بي الى هنا.n

فرنسيةأنت؟

من شيربورج على بحر المانش.n

لماذاأنت هنا. . ؟

قصة طويلة لن أستطيع سردها. كل ما أطلبه منك أن تحفظي هذا الرقمnجيداً، ولا تنسيه أبداً إن أطلقوا سراحك. إنه تليفون أمي في فرنسا.

أولنيطلقوا سراحك؟

لا أظن . . فهم أناس متوحشون لا يعرفون الرحمة.n

أرجوك . . ساعديني وقصي علي حكايتك قبلما يجيئون . . ما اسمك أولاً يا أختاه . . ؟

سيمون . . سيمون دوابرفيه . . وأنت . .؟n

أناأمينة . . أمينة المفتي. طبيبة متطوعة في لبنان. اعتقلوني بتهمة التجسس لحسابالموساد.

أوه . . يالحظك السيىء . .هل فعلوا معك مثلي؟n

من . . ؟

رجال الموساد هؤلاء الأوغاد الأغبياء. طلبوا مني أثناء سياحتي فيnإسرائيل أن أصور لهم ميناء صيدا ومخيمات اللاجئين، ومنحوني خمسمائة دولار مقدماًوكاميرا تلسكوبية. وبينما أقوم بمهمتي اعتقلني الفلسطينيون وعذبوني لأرشدهم عن بقيةأعواني في لبنان مقابل إطلاق سراحي.

أوأرشدتهم. . ؟

أقسمت لهم ألف مرة بأنني لا أعرف أحداً بلبنان لكنهم لا يصدقون.nعشرة أيام هنا في الكهف اغتصبني أثناءها ثلاثون كلباً منهم، وماذقت سوى الخبز الجافوالماء العطن. لقد ضيعت نفسي بغبائي وحماقتي وحتماً سيقتلونني هنا. "انفجرت في بكاءهستيري" – أرجوك . . أمي ستموت حزناً لأنني وحيدتها . . اتصلي بها واخبريها بما حدثلي "وذكرت رقم الهاتف".

أنا لاأضمن لك ذلك "بيأس" فمصيري أنا الأخرى مجهول. . ومظلم كهذا الكهف الكريه.

هل يشكون بك أيضاً. . ؟ إنهم أناس مرضى بالشك.n

نعم. . يشكون بي ولا دليل واحد لديهم.

بهمس . . أخدعك رجال الموساد مثلي. . ؟ لقد أقنعوني بأنnالفلسطينيين أغبياء . . وفي حالة انكشافي فلن يتركوني بين أيديهم أبداً، وسيخطفوننيكما خطفوا إيخمان النازي من الأرجنتين.

هم قالوالي أكثر من ذلك "هكذا سقطت أمينة في الفخ" ووعدوني بألا يمسني أحد مهما كانت ظروفاعتقالي .

بهمس: لا تعترفي بأي شيء لهم فكلما اعترفت طلبوا المزيد ...والمزيدnواطلقوا كلابهم تفتك بك في ضراوة .

أخشى ألايرحموني.

سيعدونك بإطلاق سراحك: لأنك أجنبية، إذ أرشدتهم عن شركائك. لكنهمnلن يفوا بوعدهم . . لن يفوا أبداً.

أوه . . يا الهي . . لقد جاءوا ليقتلوني.

فجر الحياة

قطع الحوار بينهما وقع أقدام ثقيلة تقترب، وسرعان ما ظهر ثلاثة ضباطيتبعهم عدد من الجنود يحملون الكشافات المبهرة، تجاهلوا أمينة واتجهوا الى الفتاةالفرنسية على بعد أربعة خطوات منها، وكانت المسكينة ترتجف في رعب، تلهث عيناهاالزائغتين بحثاً عن شعاع أمل لإنقاذها، لكن الضابط الكبير الذي كان يبدو متبرماًعجولاً، أمر أحد مرافقيه أن يسألها لآخر مرة عن أعوانها في لبنان، ولما أجابتبالنفي أشار بيده في حركة ذات مغزى، فاصطف أربعة جنود يحملون بنادقهم الآلية،واتخذوا وضع الاستعداد وقد جذبوا أجزاء الرشاشات. وانطلقت الرصاصات الى صدر الفتاةفافترشت الأرض كومة من حطام. وامتد صراخ أمينة يشرخ جدران الكهف الصخرية، ويتموجملتاعاً في جوف الليل الى عنان الفضاء، صراخ هيستيري متواصل يحمل أبشع مشاعرهارعباً وهي التي تعودت التوحش والسادية، وانتزعت ما بداخلها من نبضات رحمة وحنان. عندئذ قال أحد الضباط لقائده:

سيادةالعقيد أبو الهول . . ألا نعدمها هي الأخرى؟

أجاب أبو الهول على الفور:
لو لم تتكلم قبل منتصف النهار، فلن نجد حلاًآخر.

ومشيراً الى الجنود في قرف:
إرموا الجثة خلف الجبل، ودقوا رأسها بالصخور.

غمرت الكشافات جثة الفتاة الغارقة في دمها، وهنا . . هنا فقط . . عندما سحبوها من ذراعيها الى الخارج، ووقعت عينا أمينة على المشهد المروع، انهارتتماماً . . وفقدت آخر قلاع دفاعاتها، وصرخت في ذلك وضعف تستغيث:

سأتكلم . . سأقول لكم كل شيء . . أخرجوني من هنا لأنني خائفة من الدم . . أخرجونيلأتكلم.

وبصوت أجش صاح فيها أبو الهول:
أنت كاذبة . . ومخادعة . . وستضيعين وقتناهراء.

وبحسم قال آمراً:
علقوها من ساقيها واضربوها بالكرباج. وتحرم من الماء والطعام حتى أعودقبل الظهر.

وعند مدخل الكهف. . كانت الفتاة الفرنسية تقف في زهو، وقد علت وجههاابتسامة رقيقة تتخلل الدم المستعار، وعندما أدركها أبو الهول ، ربت على كتفها وقالوهو ينظر بعيداً حيث الفجر الوليد:
انظروا الى صديقتنا فرانسواز (*) . . إنها حقاًقامت بمعجزة. ونحن جميعاً نجلها لإخلاصها لنا. إنه إخلاص نقي بريء. . يشبه الفجر . . فجر الحياة . ونطقها بالفرنسية L’autre de la vie .

طريق الخلاص

وبينما يغادر العقيد أبو الهول كهف السعرانة ترافقه فرانسوازكاستيمان، كان صراخ أمينة لا يزال يتردد عالياً عبر الجنبات موشم بالهلع: أخرجوني . . سأتكلم . . سأعترف.

لكن الجنود كانوا قد شرعوا في تنفيذ أوامر قائدهم، إذ كبلوا قدميهابحزام عريض من الجلد، وعلقوها كالشاه الى سقف الكهف بواسطة سلسلة حديدية، وانهالواعلى جسدها ضرباً بالكرابيج.

هكذا رسم الضابط الذكي خطته المحبكة لانتزاع اعترافاتها بأسرع مايمكن، معتمداً أولاً على المتطوعة الفرنسية المخلصة في بث الرعب بقلب أمينةلتطويعها، واللجوء الى التعذيب الشديد ثانياً لتخور تماماً . . وفي خلال ساعاتمعدودة. فقد كان هناك وعد، أبو اياد لوزير الداخلية اللبناني الشيخ بهيج تقي الدين: بإنهاء التحقيق مع أمينة خلال ثلاثة أيام فقط، تسلم بعدها الى السلطات اللبنانية،وها هي الساعات الحرجة تمر سراعاً، ولم يتبق من المهلة سوى خمسين ساعة، بعدها لنيسمح بإبقائها رهن التحقيق لحظة واحدة، إذا لم يكن هناك اعتراف منها صريح، وواضح . . وعندئذ . . ستغادر لبنان في بجاحة المنتصر وهي تخرج لسانها للفلسطينيين.

لذلك . . عمد أبو الهول الى تجاهل رغبتها في أن تعترف، فهو يدركلسابق خبراته الطويلة، أنها ستلف وتدور وتحيك الأكاذيب إذا ما أنصت اليها فوراً. . ولكي لا يضيع الوقت هباء . . رأى أن التعذيب بتلك الوسيلة سيختصر المسافة والوقت،خاصة وأنها تنطلق بشدة الى قمة لحظات الضعف الانساني، خوفاً من الاعدام. وهيالمتمسكة والراغبة في الحياة، لقد كان الاقتتال عنيفاً مع عقارب الزمن، ومع تلكالمرأة الخائنة الذكية، التي دربت في الموساد على المراوغة والدفاع. لذا فالتعذيبالمؤلم سيصيب إرادتها بالشلل، ويقضي على تفاعلات عقلها وشحنات المقاومة به، بل إنهسيجتث فيها الكذب والخباثة، ويحيلها الى مجرد امرأة لا تفكر سوى في إنقاذ حياتها،مهما كانت التضحيات والخسائر، متجاهلة كل وعود الموساد بحمايتها، فالألم المصحوببالهلع طريق سهل أحياناً للسيطرة على نوعية معينة من الجواسيس، إذا ما اغلقت أمامهمأبواب النجاة والأمل، والعقيد أبو الهول لم يعتمد على هذين الأسلوبين فقط، بل نشطفي استغلال كافة ما لديه من معلومات ، حصل عليها رجال رصد في فيينا، لإخضاع العميلةإخضاعاً تاماً لا شك فيه ، وظهر ذلك جلياً في أسلوب الاستجواب المعقد الذي انتهجهبعد ذلك.

كانت الدقائق تمر رهيبة الوقع على العميلة الاسرائيلية، التي آمنت منقبل بأكذوبة الموساد الأسطورية، بأن الفلسطينيين لن يكشفوها أبداً، لأنهم رتبوا كلشيء لحمايتها في حالة كشفها، فرجال الكوماندوز الإسرائيليين، خاصة فريق العملياتالخاصة المعروف باسم السايريت ماتاكال سيعثرون عليها وسيخطفونها الى إسرائيلبالقوة، كما فعلوا مع النازي أدولف إيخمان الذي خطفوه من الأرجنتين عام 1960وأعدموه في تل أبيب، ومع الطفل يوسيل شوماخر الذي اختطف من إسرائيل عام 1959 وعثرتعليه الموساد في نيويورك عام 1962 لكن العميلة الواهمة وقد أفاقت على الحقيقةالمؤلمة، لفظت إيمانها العميق بالموساد، وآمنت – لحظة صراخها أمام مشهد الاعدامبأن الاعتراف بصدق هو طريق الخلاص الوحيد من النهاية المرعبة. أما وقد علقوها الىالسقف وتناوبوا ضربها بالسياط، فقد اشتد إصرارها على الاعتراف ليكف الجنود عن تمزيقجسدها، لكن الجند لم يرحموها . . واستمروا في تعذيبها دون اكتراث بصراخها، أو الىحقيقة أنهم يضربون امرأة . . كانت عربية !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:21

شهقة المصدوم
وقرب الظهر . . توقف أسفل مدخل الكهف سيارة جيب، ترجل منها ضابط برتبة مقدم وجنديان يحمل أحدهما حقيبة متوسطة الحجم، تحمل جهاز تسجيل متطور ذا سعة عالية. وضعها بعناية فوق قطعة صخرية مستوية بالقرب من أمينة، وانهمك الآخر في شد الأسلاك الكهربائية الى بطارية السيارة الجيب بينما وقف الضابط يقلب بعض الأوراق بين يديه، متجاهلاً الالتفات الى أمينة المفتي وسألها في صوت حاد أجش:
من هو رئيسك المباشر في الموساد؟ "ويطلق عليه ضابط الحالة". وبصوت كأنه همس الموت أجابت في وهن:
سأموت عطشاً . . اسقني و . . .
وقبل أن تكمل الجملة رفع الضابط إصبعه، فهوى على ظهرها سوط ثقيل، ذات صداه وسط صراخها الشديد، وأجابت على الفور:
أشيتوف . . إيرييل أشيتوف.

فقال وهو لا يزال ينظر الى الأوراق بين يديه: أين جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة؟
أجابته في سرعة مذهلة وهي ترمق الجندي ذي الكرباج بخوف:
أمروني أن أضعه بصندوق القمامة أعلى شقتي ببيروت وأن أحرق أوراق الشفرة التي كانت بالمصحف.

كم تقاضيت من الموساد مقابل التجسس علينا؟
لم آخذ سوى أربعة آلاف دولار، وكنت أنفق من أموالي الخاصة لأنهم صرفوا لي تعويضات زوجي المفقود.
هذه المرة التفت اليها الضابط وهو يصيح في انفعال: أتعودين الى الكذب ثانية أيتها المومس، وتدعين بأنك تنفقين من جيبك على الموساد؟
صرخت أمينة في رعب: سيدي الضابط . . إنها قصة طويلة . . "أجهشت بالبكاء" وأنت لم تسألني عن البداية . . أرجوك . . اسقني وسوف أدلي باعترافي منذ بدأت القصة.
صاح فيها الضابط محتداً وهو يلوح ناحيتها بمسدسه: عندي أوامر صارمة بأن أقتلك فوراً بالرصاص، إن تأخرت في الإجابة على أسئلتي، فكوني حذرة في اختيار ألفاظك وإياك والكذب. أنبهك ثانية: إياك والكذب أيته العاهرة، فنحن نعرف عنك كل شيء. . كل شيء بالتفصيل منذ خدعك موشيه وتزوجك . . وهاجر الى إسرائيل تنفيذاً للخطة المرسومة، أفكنت تعتقدين بأنه أحبك حقاً؟ خرقاء أنت إن كنت صدقت ذلك فيهودي مثله لن يعاف حسان قومه ليقترن بدميمة مثلك.
هكذا كانت خطة الخداع الفلسطينية التي تعتمد على زرع الشك في صدر أمينة، والتلويح بوجود قصة كذب محبوكة جيداً وراء عملية تجنيدها . . ولكي يسيطر عليها الشك تماماً وهي في حالة الضعف تلك، مسلوبة الإرادة والتفكير النقي، استمر الضابط في سرد بعض التفاصيل المأخوذة عن مذكراتها.
لقد وقعت أيتها الغبية في شبكة خداع متقنة أوقعتك بها "سارة" التي هي في الأصل عميلة للموساد، واستطاع رجالنا الإجهاز عليها في فيينا، وفي إسرائيل خدعوك مرة ثانية، عندما ادعو بأن موشيه انفجرت به الطائرة فوق سوريا!
ولأنها كانت أضعف من أن تفكر . . أو تحلل ما قاله الضابط الغليظ القلب، شهقت شهقة المصدوم، وهزت بعنف رأسه المدلاة وهي تئن في غير وعي:
مستحيل . . مستحيل أن يفعل موشيه ذلك. أنا لا أصدق . . "النفي هنا مشبع بالاستسلام والرفض معاً" كالدهر كانت تمر اللحظات القليلة، التي تذكرت أمينة أثناءها قصته منذ البداية مع سارة، وكيف شاركتها الشذوذ وجرتها الى حياة الهييبيز البوهيمية، حتى أخذتها معها الى وستندورف في زيارة لأسرتها بلا موعد.

فهناك التقت بشقيقها موشيه الضابط الطيار، فانجرفت معه بلا عقل في قصة حب مجنونة . .محرمة، تخللها الجنس الذي عشقته معه حتى أدمنته، وأسلمت اليه قياد نفسها طائعة . . بلا إكراه.
وتساءلت أمينة في نفسها، برغم رائحة الموت التي تزحف من حولها: ترى . . هل كان موشيه صادقاً في حبه . . أم أن القصة كلها مجرد خدعة لذيذة . . تقودها الى الاعدام. . ؟.
كان حديث الضابط الفلسطيني ذي الوجه الجامد يفتك بمجامع عقلها المنهك . . ويغوص بها في محيط لا آخر له من الشك. . والخيبة . . والاندحار . .ورددت في نفسها غاضبة . . "إذاً . .خدعتني سارة . . وأحكم موشيه حلقة الخداع حول رقبتي". هنا . . هنا فقط . . نجحت تماماً خطة أبي الهول في زعزعة ثقة العميلة في قصة حبها، وفقدت بذلك السيطرة على عقلها. كذلك فقدت الهدف الذي من أجله خانت وقتلت . . ودمرت، وباعت من أجله دينها ووطنها. وبضياع الهدف الرئيسي من وراء تجسسها، انقلب إيمانها بالانتقام من العرب الى هدأة رفض هي مزيج من الحسرة . . والندم. لكنها – فيما بعد – أوجدت مبررات أخرى لفعلتها، في محاولة لتسكين لسعة المرارة التي التصقت بعقلها.

رائحة العذاب والموت
كان الموقف عصيباً جداً عند أمينة المفتي. فقد أجاد العقيد أبو الهول التعامل معها بتدرج حتى أوصلها الى مرحلة الشك. . فالترنح . .وليس هناك من شيء بعد الترنح سوى السقوط. وعند السقوط يكون المرء في أقصى حالات ضعفه . . ويأسه . . وقهره . .فلا عقل لحظتئذ أو إرادة، إنما انصياع للآخرين يغلفه الخوار. وفي مذكراتها تصف أمينة بتلقائية شديدة تلك اللحظات الحاسمة من حياتها، التي عاشتها في كهف السعرانة، وجاء وصفها لتفاعلاتها الداخلية في سرد رائع صادق، يحمل كل صراعاتها من أجل الحياة. مذكرات حوتها صفحات طويلة لا يستوعبها مجلد ضخم. ضمنتها خلجات نفسها بصراحة، معتمدة على أسلوبها الشيق في الوصف والتحليل بلغة عربية بسيطة. ولنقرأ معاً ما كتبته عن مرحلة الترنح. تقول أمينة المفتي: "عشت أسوأ لحظات حياتي بعدما أطلقوا الرصاص على الفرنسية أمامي. كانت الفجيعة على عمري قاسية، والألم النازف أقصى . . وقلت في نفسي: هكذا يموت الخونة، وتصورت أنني سألقى ذات المصير، وكأنني كلب عقور لا ذكر لي . . ولا اعتبار. وتعجبت من الضابط الشرس – أبو الهول – الذي أرعبني اسمه، فهو لا يريد أن يسمع اعترافي. كان لا يثق بي بالطبع فزميله أبو داود ضج مني وفشل معي من قبل. لقد كان أبو داود طيباً ومريحاً . .أما أبو الهول فحروف كلماته طلقات رصاص. ارتعد بدني وأنا أستعيد ملامح وجهه، ووددت لو أنه جاء ثانية لاستجوابي بنفسه. فساعتئذ لن أنتظر منه سؤالاً واحداً، نعم . . قررت ألا أتركه يسألني، لأنني سأقول له كل شيء . . وبسرعة . . قبلما يثور فيأمر بإعدامي. لكن . . لم يجيء أبو الهول . . أرسل بدلاً منه ضابطاً آخر يماثله في الشراسة والقسوة. ضغط بعنف على اعصابي، أشعرني بتفاهتي . . وحقارتي ورأيت الموت يتربص بي بين أصابعه. بل كنت أراه متحفزاً في ماسورة مسدسه. كنت لا أنوي خداعه أبداً أو مراوغته، فلا حيلة أمام سهام الموت المصوبة تجاهي. لكنني . . تمنيت للحظة ألا أموت ويلقى بجسدي في العراء، وكان ذلك عندما اكتشفت أنني ضحية مؤامرة قذرة، بطلها زوجي موشيه . . وسارة والموساد. في تلك اللحظة تمنيت ألا يقتلونني . وتضرعت الى الله نعم . . الى ربي الذي عصيته وكفرت به – أن ينقذني . . لأرى موشيه – موشيه الرومانسي الرقيق الحنون الذي خدعني . . وأضاعني. كنت في حالة صراع قاسية. . صراع بين حبي لموشيه الذي بلا حدود وبين الحقيقة التي تفتك بي. واسترجعت شريط حياتي كلها في لحظة، ووقفت عند حكايتي مع موشيه. وتساءلت . . ماذا سأفعل معه لو أنه كان حياً بالفعل في إسرائيل . .؟ هل سأنتقم منه أم سأضعف أمامه وأصفح. . ؟!
سيطر الضابط المحقق على أمينة المفتي، فخضعت له في استسلام وقد خارت عزيمتها، وهوت صريعة الرعب في كهف موحش وسط الجبال . .تنبعث منه رائحة العذاب . . والموت. وفاجأها الضابط بسؤال صاعق:
مع من مارستِ الجنس في لبنان . . ؟
بصوت مرتعش أجابت بعد لحظة تفكير قصيرة . .تسعة . . !
وكأنما أرادت تأكيد صدق إجابتها أضافت . . لبنانيان يعملان معي هما مارون الحايك ومراون عساف الموظف بشركة الهاتف، وضابط فلسطيني فشلت في تجنيده اسمه أبو ناصر وخمسة أجانب.
هؤلاء ثمانية فقط، مَن التاسع؟
أجابت بنبرة خجل شديدة . . خديجة زهران . . !! وهي أول من عرفت في لبنان وتملك محلاً للملابس اسمه اللوار L OIRE .
كانت تمطر دما
في كتابه الشيق "قبل الإفاقة" يقول ضابط سوفييتي اسمه ليونيد يوكوف، وهو خبير بشؤون المخابرات ومتخصص في استجواب الجواسيس والخونة.
عندما ينهار العميل المعتقل ويعترف بأول معلومة بعد جهاد، يكون كالكهل الذي يرتقي الجبل، ويجر خلفه سلسلة طويلة متصلة الحلقات تمتد بين الحصى والصخور، كلما جلس ليستريح دق بعض حلقاتها ليسهل عليه الجر.
وقد يعتقد البعض أن اعترافات أمينة المفتي التي أدلت بها لا تفي بالغرض. فالضابط الفلسطيني لم يسألها سوى خمسة أسئلة فقط. وأقول: لقد حملت إجاباتها اعترافاً صريحاً بالتعامل مع الموساد، وكذا أسماء شركائها في شبكة الجاسوسية، وعند هذا القدر الهائل من المعلومات في الاستجواب الأول. ظهر فريق من رجال المخابرات الفلسطينية يترأسهم العقيد أبو الهول، لمهمة مباشرة التحقيق مع الجاسوسة المنهارة، دون منحها فرصة واحدة للراحة أو لاسترداد أنفاسها، إنه التوقيت الذهبي لاستجلاء خفايا الأسرار التي يحملها الجاسوس المعتقل، حيث يكون واقعاً تحت ظروف نفسية وجسدية مرهقة. ومنحه فرصة – ولو قصيرة – للراحة، معناه خسارة فادحة لا تعوض، لأنه بذلك سيرتب أفكاره ويتحصن بالأكاذيب التي درب عليها واسترجعها لحظة عمل العقل المعطل.
وكان لوصول أبو الهول وقع الصدمة عند أمينة، فهو رجل بدا بلا قلب أمامها عندما أعدم الفتاة الفرنسية، وأمر برميها خلف الجبل وتحطيم رأسها بالصخور.
صرخت الواهنة المدلاة من سقف الكهوف عندما لمحت الرجل المتجهم يقترب منها، ويأمر أحد الجند بأن يعري ظهرها.
تأوهت المرأة ألماً والجندي يرخي سترتها، ولما انكشف الظهر بدت خطوط السياط الحمراء المتقاطعة في كثافة، فصرخ في جنوده بصوت جهوري أجش:
أكنتم تدللونها يا أولاد الـ . . . ؟ أما زلتم في مرحلة الحضانة؟ .
وانهال ضرباً على الجنود الذين تناوبوا تعذيبها وهو يسبهم ويقول:
كانت الفرنسية تمطر دماً . . أين دم هذه الـ . . . يا أوغاد؟.
ثم اتجه بوجهه ناحية الضابط الذي حقق معها وسأله:
هل اعترفت بكل شيء؟

أجابه الضابط على الفور وهو يقف منتصباً في انتباه:
لم تعترف بعد سيادة العقيد إنها كاذبة.
هنا . . أدركت أمينة أن النهاية قد قربت . . فاستجمعت ما بقي لديها من قوة وقالت للقائد في هلع ووهن: اعترفتُ . . اعترفتُ . . حتى بأسماء شركائي . . اسألوني وسأجيب بصراحة. لا أريد أن أموت . . أن أموت. فصمت أبو الهول للحظات مرت بطيئة . . مرعبة، ثم نطق آمراً في حسم:
أنزلوها. .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي -الحلقه الثامنه   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:24

الإستجواب المرير

وبداخل كهف السعرانة، شرع العقيد أبو الهول في استجوابها.
ورصت عدة مقاعد خشبية على شكل نصف دائرة يتصدرها القائد، بينما جلست أمينة على الأرض بلا قيود في وضع القرفصاء، حيث بدأت تعترف بقصة جسقوطها في شرك الجاسوسية منذ البداية . . البداية الأولى في فيينا. وكانت خائرة تماماً لا تملك إلا قول الصدق . . كل الصدق أملاً في النجاة.
وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 16 أيلول "سبتمبر" 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكان استجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة " أبو داود" كما يلي:
اسمك بالكامل. . ؟
أمينة داود محمد المفتي.n
جنسيتك . . ؟
أردنية.n
تاريخ ومحل ميلادك . . ؟
بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.n
والدكتوراة . . ؟

مزورة . . فأنا لم أكمل دراساتي العليا.n
أين ومتى تم تجنيدك في الموساد . . ؟
أنا لم أجند . لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.
كيف . ؟ نريد كل التفاصيل.
كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراة في فيينا. ولما فشلت في ذلكn تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبر لصديقتي النمساوية سارة، وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.
تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة . . ؟
كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه، ولم أكن أعلم أن ذلكn حراماً لأنني غير متدينة.
ألم تشكين في نواياه وهو يلح في الزواج منك . . ؟
لا . . مطلقاً . . فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعادي .n
هل يعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي . . ؟
لا . . فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي في الزواج منn نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك . . هربت مع موشيه الى إسرائيل خوفاً من أن تطاردني أسرتي.
وما هي قصة هروبكما هذه . . ؟
جائني موشيه ذات يوم - وكنا نعيش في وستندورف قبلما ننتقل الىn فيينا – وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن. ولما قرأت الصفحة لفت انتباهي إعلان بارز الى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريين أوروبيين من اليهود للهجرة الى إسرائيل. وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة، فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرف مدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار، وكلما وجدته كذلك ازدتت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويل كان قد حدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.
وبعدها بأيام انتقلنا الى شقتنا الجديدة بفيينا، إلا أنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة، وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق على مناقشة فكرة الهجرة لإسرائيل، سألني عن قناعتي فأجبته بأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلب الهجرة لأنني مسلمة . . وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟
فقال بأن تتهودي . . ولما وافقت اصطحبني الى معبد شيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية.
قد استدل عليه
هل كنت تكرهين كونك عربية . ؟
كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.n
هل عدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن. . ؟
ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر . . أو أنه كان يرغب العملn كطيار مدني .
هل موشيه كان يهودياً متديناً . . ؟ وهل كان يحب إسرائيل. . ؟
لا . . لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب الى المعبد. لكنه كانn يحب إسرائيل ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها.
وسارة . . ؟
كانت مجنونة بإسرائيل، وتصطاف بها كل عام.n
هل استدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما لإسرائيل . . ؟
لا .n
وهل حدث نعم . اصطحبني ضابطان الى جهة أمنية لا أعرفها في تلnذلك في إسرائيل . . ؟ أبيب.
ماذا حدث معك هناك . . ؟
برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهم ولا يبغونn عدواناً على أحد، وأنهم يسعون الى السلام.
هل اقتنعت . . ؟
كنت أقول لهم ذلك . . لكنني لم أكن مقتنعة بما يقولون. "كانت تكذبn . . فهي نسيت عروبتها وتحولت الى يهودية قلباً وقالباً . . ".
كم مرة استدعيت لمكتب الأمن . . ؟
مرة واحدة . . لكن ضابطاً اسمه أبو يعقوب كان يزورنا دائماً ويجلسn معي كثيراً ليؤكد تبريراته.
ما هو اسمك الرسمي في أوارقك الإسرائيلية . . ؟
آني . . آني موشيه بيراد.n
متى خبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيراد . . ؟
في 11 أبريل 1972.n
من أخبرك . . ؟
أبو يعقوب.n
هل قال لك أنه مات . . ؟
لا . . أخبرني أن السوريين أسقطوا طائرته، ولم يعلنوا بعد عن أسره،n بما يعني أنه ربما هرب.
هل طلبوا منك التوجه الى سوريا ولبنان للبحث عنه . . ؟
ليس صراحة . . لكنهم أوحوا إلي أنه ربما التجأ الى أحد الكهوفn الجبلية بسوريا في انتظار النجدة، أو أن إحدى المنظمات الفلسطينية المنشقة عن منظمة التحرير تحتفظ به سراً للمساومة عليه. ولما أنبأوني بأنهم يبحثون عمن يتقصى أخباره، طلبت منهم أن أقوم بنفسي بالمهمة، وعلى ذلك سمحوا لي بمغادرة تل أبيب الى فيينا بجواز سفري الإسرائيلي، والسفر الى بيروت من هناك كأردنية.
هل دربت على كيفية تقصي المعلومات للبحث عن زوجك . . ؟
لا . . هم فقط طلبوا مني الاحتراس والحذر.n
وكيف جندت بعد ذلك . . ؟
أنا لم أجند . . فقد استدعوني الى فيينا وتقابلت مع ثلاثةn إسرائيليين من جهاز المخابرات، أقنعوني بأنهم جاءوا لتسهيل إجراءات إرث زوجي والتعويض الذي تقرر له.
صرف تعويض يعني أنه مات بالفعل. فعلام كان سفرك إذن لبيروت . . ؟
لم أكن أعرف ذلك بالضبط . لكنهم نصحوني بتقصي أخبار المنظماتn الفلسطينية في بيروت فقد أستدل عليه.
تستدلين عليه في بيروت أم في دمشق . . ؟
من خلال المنظمات الفلسطينية في بيروت.n
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:24

ضمانات الولاء

وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة. . ؟
لمدة شهر وأربعة أيام في فيينا علموني كيف أكتب الرسائل بالحبرn السري، وأظهر الرسائل الواردة الي منهم، وأساليب التشفير والتصوير، وتلقط الأخبار والالتزام بالحس الأمني، وتحميض الأفلام والهرب من المراقبة، والتمييز بين الأسلحة وأساليب إثارة المتحدث ليفشي أسراره. واستقدموا لي من إسرائيل أحد الضباط المتخصصين في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام والأسماء والصور "الاعتراف بالتجسس واضح جداً هنا . . ".
إذن كان المطلوب منك تقصي أخبار الفلسطينيين وليس تقصي أخبار زوجك . . ؟
تقصي أخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات منهم عن موشيه. "وهناn كانت تحاول المراوغة".
هل حددوا لك مهام بعينها . . ؟
نعم . . طلبوا مني التحري عن مقار إقامة القادة الفلسطينيين،n والتغلغل داخل رجال المقاومة لمعرفة أخبارهم.
ماذا كانوا يريدون بالضبط . . ؟
كانوا يريدون معرفة الطريق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الىn إسرائيل، وأعدادهم، وتدريبهم، وأسلحتهم، ومواعيد هجماتهم المرتقبة، وكذلك مخازن الأسلحة والإعاشة.
قلت إنهم هددوك في فيينا في مايو 1972 . . كيف . . ؟
قال لي أحدهم إنني الآن وحيدة لا حول لي، وأن المخابرات الأردنيةn تسعى ورائي، ولأنني أصبحت يهودية ومواطنة إسرائيلية، فهم سيعملون على حمايتي مهما كلفهم الأمر. فكان المطلوب مني أن أستغل هويتي الأردنية للسفر الى بيروت حيث لن يشك الفلسطينيون بي.
فوافقت على التعامل معهم من أجل حمايتك أم لإنهاء موضوع الإرث والتعويض . . ؟
من أجل حمايتي . . فقد كنت خائفة من المخابرات الأردنية. "!!"n
لذلك تسلمت أربعة آلاف دولار فقط من الموساد وتنفقين من جيبك كل تلك المدة . .؟
. . . . . (!!).n
أين تدربت على استعمال اللاسلكي . . ؟
في تل أبيب.n
متى . . ؟
في الفترة من 20 سبتمبر الى 3 أكتوبر 1973.n
من قام على تدريبك . . ؟
ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات.n
هل 13 يوماً تكفي لتدريبك على استعمال اللاسلكي . . ؟
كان الجهاز تقنياً متقدماً جداً . . وبسيط في طريقة بثهn وإرساله.
ما سر صفحات المصحف الناقصة . . ؟
كانت توجد مكانها أوراق الشفرة.n
كيف تعرفت بمارون ومانويل . . ؟
عرفتني عليهما خديجة زهران.n
وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك . . ؟
تعرفت أولاً بمانويل ثم جائني بمارون بعد ذلك . .n
هل مارسا الجنس معك . . ؟
نعم . . وكان ذلك قبل أن يعملا معي.n
هل نصحك ضباط الموساد بذلك . . ؟
لا . . فعلت ذلك لأضمن ولاءهما لي.n
هل خديجة زهران شريكة لك منذ البداية . . ؟
لا . . لم تكن تعرف بمهمتي إلا منذ فترة وجيزة. لكنها ساعدتني قبلn ذلك عن غير قصد.
كم أنفقت على شركائك الثلاثة من أموال . . ؟
لا أدري كم بالضبط. لكن مارون تسلم مني ما يزيد عن الثلاثة آلافn ليرة قبلما ينضم لي.
تقصدين قبل أن يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد. وماذا قدم لك مارون . . ؟
عرفني بـ علي حسن سلامة، وجاءني بأرقام التليفونات السرية للزعماءn الفلسطينيين.
ومانويل كان يشاركه . وكان مارون مسؤولاً عنه.n. . ؟
وما دور خديجة معك . . ؟
كانت تمدني ببعض المعلومات التي تجلبها من زوجات الضباطn الفلسطينيين من المترددات على محلها.
امرأة بلا وطن
هل طلب منك رجال الموساد اغتياله . . ؟
لا . . مطلقاً. لم يطلبوا مني ذلك . لكنهم أمروني أن أوطد علاقتيn به وأقوم بتصويره.
وهل فعلت ذلك . . ؟
نعم . . فهم كانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون في ذلك.n
كم تقاضى منك أبو ناصر . . ؟
أبو ناصر . . ؟ إنه لا يعرف أي شيء. كنا أصدقاء فقط.n
هل مارس معك الجنس . . ؟
ثلاث مرات فقط ثم اختفى وعلمت بعد ذلك أنه سافر للعمل في قبرص.n
من هم الأجانب الخمسة الذين ضاجعتهم . . ؟
إنهم رجال من جنسيات مختلفة يعملون للموساد، وكانوا يجيئون إليn ليتسلموا الأفلام والخرائط التي بحوزتي.
هل تدلينا عليهم . . ؟
أنا لا أعرف أسمائهم الحقيقية، فهم يتعاملون معي بأسماء حركية،n ويتصلون بي دون أن أعرف مكانهم.
وأين كانت تتم لقاءاتكم الجنسية . . ؟
في شقتي ببيروت.n
هل بينهم عرب . . ؟

مغربي قال لي إن اسمه عازار وكان يعيش في تطوان.n
هل زرعت أجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات . . ؟
كانوا يفكرون في ذلك عندما كنت بإسرائيل . . لكنني لم أفعل.n
ما الدور الذي قمت به لمحاولة اغتيال القائد أبو إياد في أكتوبر 1973؟
أبلغت الموساد عن الموقع العسكري الذي كان يتفقده، وقد كنت أحملn يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي، وأتابع عن قرب الطائرات الإسرائيلية وهي تضرب الموقع. "أجهشت بالبكاء" سيدي أبو الهول . . كنت لم أزل بعد غبية حمقاء، أجرمت في حق وطني وعروبتي . . وديني. وارتكبت أفظع الجرائم لأنني كنت مهددة . . شريرة لا وطن لي. لقد صدقتهم وآمنت بما كانوا يقولونه دون أن أحترز أو أفكر . . وأتحسس الطريق الصواب، ولم يكن أمامي سوى الانصياع لأوامرهم خوفاً على حياتي. فهم زرعوا الخوف بداخلي من المخابرات الاردنية . . لا . . بل ومن أجهزة المخابرات العربية كلها التي تطاردني لتغتالني، ولم يكن لي مأوى سوى في إسرائيل. هكذا أوهموني وأخافوني . . وكنت مغيبة الوعي لا أدري أين هي الحقيقة، أو لأي طريق أقاد.
سيدي . . لقد كنت أمدهم بالمعلومات ليس حباً في إسرائيل أو كراهية بالعرب، بل لأجل أن أضمن وطناً يأويني ويحميني، بعدما ضيعت نفسي بغبائي . . ووقعت أسيرة مؤامرة أحبكت إسرائيل حولي شباكها بمساعدة سارة وموشيه. "أمينة هنا تحاول كسب عطف المحقق ليس إلا".
. . كان هذا ملخصاً شديداً ومختاراً لملف استجواب أمينة المفتي، الذي احتوى على اعترافات تفصيلية بعملياتها في بيروت، وبأسماء رؤسائها في الموساد، ودور كل منهم في إعدادها وتوجيهها، وكذلك عن دور أعضاء شبكتها المحليين الثلاثة الذين عاونوها في مهمتها التجسسية. حيث انتهى التحقيق المبدئي معها الذي استمر ستة عشرة ساعة متواصلة، قبل انتهاء المهلة المتفق عليها بين أبو إياد ووزير الداخلية اللبناني بواحد وعشرون ساعة.
وفي صفحة منفصلة بمستهل الملف كتب العقيد أبو الهول : "الجاسوسة أمينة المفتي أُخضعت تماماً لسيطرة كاملة وقانعة بوجود زوجها موشيه حياً، وأنه أقدم على خداعها قصداً خمة للموساد".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:25

لسعة الخوف


حمل العقيد أبو الهول ملف استجواب أمينة المفتي الى قائده أبو داود، الذي خطط بمهارة للإيقاع بها، وبدوره وضع الملف الساخن أمام ياسر عرفات ومساعده الأول أبو إياد لتقرير مصيرها . . امتعض أبو إياد أسفاً وقال:
يا لها من امرأة شريرة، لم تكتف بما فعلتهبنا فأرادت قتلى.
وربت على كتف رئيس مخابراته – علي حسن سلامة – وهو يقول:
نشكر الله على أنك وفقت في كشفها، فوجود حية كهذه بيننا كان سيكلفنا الكثير.
أما ياسر عرفات – أبو عمار – فقد علق قائلاً:
لن تكف إسرائيل عن زرع الخونة بين صفوفنا، فلا تأمنوا كل متطوع وافد، ولا تغرنكم حماسة الغرباء ، وقبل أن يشرق صباح الثالث عشر من سبتمبر 1975، كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف تخترق شوارع بيروت، بداخل كل منها خمسة مسلحين أشداء من رجال المخابرات الفلسطينية – رصد – في مهمة جد خطيرة. تتجه السيارة الأولى الى شارع الخرطوم حيث يقيم مارون الحايك، وتتجه الثانية الى شارع أرواد عند سوق الطويلة حيث مانويل عساف أما الثالثة فكانت تقصد منطقة باب إدريس لاعتقال خديجة زهران. لقد استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الإسعاف بغية إتمام مهامهم بسلام، في وقت كانت فيه بيروت أشبه بساحة حرب شاسعة، تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كل بقعة فيها، إذ تحولت بيروت من الحب الى الحرب، وصار وطن الجميع مذبح الجميع. وامتلأ وجه المدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة، التي بلغ عددها ما يزيد عن 39 تنظيماً. ففي بيروت الشرقية يتواجد الكتائب، ونمور الأحرار، وحراس الأرز، والطاشناق، والمردة. . الخ
وفي بيروت الغربية هناك المرابطون، ونسور الثورة، وحركة التحرير، وحركة صلاح الدين ، و . . طابور طويل من القبضايات المسلحة. لقد بدا أن التعايش الطائفي لم يكن سوى نزاع مستمر وتراكم خفي للأحقاد، انفجر بشكل مذهل، وجرى التسابق بين الطوائف من أجل السيطرة السياسية للعائلات الروحية. واستمر الخلط بين السياسة والدين في ذهنية الفرد والجماعة، وتحولت لبنان الى مارونية عند الموارنة، وشيعية عند الشيعة، وسنية عند السنة، ودرزية عند الدروز، وحتى آخر طائفة صغيرة في لبنان. أما الفلسطينيون . . فقد ظلوا بعيداً عن رحى الحرب الأهلية، وتشغلهم المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وتنظيم صفوفهم من أجل استمرار الكفاح، والبحث عن خونة استباحوا أسرارهم وباعوها لليهود.
وعندما وصلت السيارة الأولى لمنزل خديجة زهران، كانت هناك مفاجأة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة، إذ عثروا عندها على مانويل عساف عارياً في فراشها، لم ينتبه لصوت فتح الباب بخفة ووقوفهم على رأسه، بينما كانت سيدة البيت في الحمام، شغلها انسكاب الماء المنهمر على جسدها في البانيو عن معرفة ما يدور وراء الباب. لقد انهار مانويل لمرأى الرجال الخمسة، وأدرك في الحال ما جاءوا لأجله، أما خديحة فقد صرخت عندما فوجئت بأربعة منهم يسحبونها من حمامها الدافئ، ويسترون الجسد العاري بشال أحدهم. ويأمرونها بارتداء ملابسها على عجل. انتهز مانويل عساف انشغال الأربعة، وعرقل زميلهم الخامس وجرى مسرعاً الى شباك الغرفة، وقبل أن يتمكن من الإمساك به قذف بنفسه من الطابق الخامس.
ووجد بجوار المنزل منكفئاً على بطنه، يرتدي روباً أحمر بلا أزرار . . وجورباً قطنياً (!!) هكذا نأى بنفسه عن المصير الذي كان ينتظره . أما رفيقة مارون الحايك فقد استسلم خائراً وهو يرتجف رعباً وهلعاً، واقتيد مع خديجة زهران الى الجنوب بعيداً عن الحرب الأهلية، حيث الجوع والعطش . . وصراخات الخوف والندم بكهف السعرانة الموحش . . الرهيب.
عالم
غريب . . غريب


انكمشت أمينة المفتي في ذعر عندما علق رفيقاها في الخيانة – مارون وخديجة – بسقف الكهف على مقربة منها، تنهال على جسديهما الكرابيج كالمطر، فيملأ صراخهما جوف الكهف، ويتموج صداه في تداخل يصم الآذان. لقد كان تعذيبهما بشدة أمراً حتمياً لقتل إرادتيهما، وللنأي بهما عن الكذب والمراوغة عند الاستجواب. فالمطلوب منهما هو الإفصاح عما نقلاه الى أمينة من معلومات، والاعتراف على آخرين تعاونوا معهما. سواء أكان ذلك عفوياً، أم بنية القصد والتعامل بأجر. أما أمينة التي تهتك جسدها بفعل التعذيب، فقد رأى القائد أبو داود حرمانها من النوم والطعام، ومنحها قطرات قليلة من الماء تبلل بها حلقومها المتشقق، لتعترف خلال الاستجواب الثاني المفصل، بكل ما نفته من أسرار ومعلومات الى الموساد، ليتمكن الفلسطينيون من تعديل خططهم واستراتيجيتهم على ضوء ما تم نقله للإسرائيليين، وكذا . . تحليل نوايا العدو ومقاصده. فالمتعارف عليه أن أجهزة المخابرات في العالم أجمع، تعيد استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات، دون الاكتفاء بمرة واحدة، إذ إن القصد من ذلك عصر العملاء وتفريغ ما بعقولهم، اعتماداً على الإرهاق البدني والمعنوي. فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عن الكثير من الأسرار والخبايا، ويظهر صدق الاعتراف من عدمه بتكرار الإجابات نفسها. فالعقل البشري مهما لقن من معلومات مكذوبة لن يستطيع ترديده مرات ومرات دون خطأ، لكن هناك حالات شاذة جداً لجواسيس استطاعوا التماسك، والإصرار على صدق ما ادعوه حتى النهاية.
أشهرهم على الإطلاق جاسوس الموساد في القاهرة "وولفجانج لوتز" الذي اعتقل عام 1965 هو وزوجته وأخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانه من الإحساس وبلوغه حد الجنون، لكنه صمد وأصر على القول إنه ألماني، ولم تتكتشف حقيقته إلا بعدما عرضت إسرائيل مبادلته بأسرى مصريين عام 1967. لقد كان من المهم إعادة استجواب أمينة المفتي، خاصة بعد إخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق. فهي عميلة من نوع خاص، درست علم النفس وقرأت في فروع الفلسفة، بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراط التي كتبها أفلاطون، وتحفظ مقاطع كاملة من محاوره أقريطون، وضبطت لديها كتب لسارتر، وديكارت، وفريدريك نيتشه وآخرين غيرهم . . فكانت قراءاتها التي هي مزيج من الثقافات والاتجاهات، أداة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاء الألفاظ. لكن "أبو داود" الذي استعد لها جيداً، لم يكن ليصدق أبداً بعد ذلك، أن عميلة الموساد المدربة، والأكثر ثقافة وقدرة على الإقناع والمحاورة، استحضرت كل ما بجعبتها، وقذفت به أمامه دفعة واحدة، دون أن تدخر وسعاً لإخفاء أي شيء ولو كان تافهاً. ذلك لأنه أجاد بدراسته لشخصيتها، واختياره للأسلوب الأمثل هو ورجاله في التعامل معها، ألا وهو أسلوب الاقتناص الذي يعرف في عالم المخابرات بالمباغتة، ويعتمد على دراسة علم الأسباب اعتماداً كلياً وهذا المنحى في خطط استجواب الخونة الذي اتبعه أبو داود ورجاله في المخابرات الفلسطينية، يدل دلالة قوية على عمق وعي رجال مخابراتنا العربية، وقدرتهم الفائقة على استغلال العلوم النفسية المعقدة في عملهم الشاق، للتعامل مع شتى أنواع الخونة، والعملاء المهرة الذين تدربوا في أكاديمية الموساد. وبينما كانت خديجة زهران تدلي باعترافاتها، تفجرت مفاجأة عجيبة أدهشت ضباط رصد، عندما وقفوا على سر سقوطها في شبكة أمينة التجسسية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقه التاسعه و قبل الاخيره   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:28

نساء أوروبا


وجاء في محضر استجواب خديجة زهران.
اسمك بالكامل . . وعمرك . . ؟
خديجة عبد الله زهران – 38 عاماً.n
جنسيتك . . ؟
أردنية الأصل وأحمل هوية لبنانية. صاحبة محل لوار للملابس فيn بيروت.
كيف تعرفت بأمينة المفتي . . ؟
تعرفت عليها عندما جاءت لتبتاع ملابس لها، ومن لهجتها عرفت أنهاn أردنية مثلي.
كيف توطدت علاقتكما . . ؟
كانت تزورني دائماً بالمحل وتحولنا الى أصدقاء.n
هل تعرفت من خلالك بالمدعو مارون الحايك . . ؟
لا . . بل بمانويل عساف وهو الذي عرفها بالحايك.n
وما سبب ذلك. . ؟
كانت بحاجة الى تليفون بشقتها، فطلبت من مانويل مساعدتها لأنه موظفn بالمصلحة.
هل كان مانويل عشيقاً لك وقتها . . ؟
لا . . كانت زوجته زبونة لمحلي . . وكان يجيء معها أحياناً فتعرفتn عليه.
وكيف تطورت بينكما العلاقة الى جنس . . ؟
طلبت مني أمينة ذلك لإسكاته عنها.n
كيف ذلك . . ؟
كان يغار من الحايك ويغتاظ لأنها فضلته واتخذته عشيقاً.n
هل كنت على علم بنشاط أمينة التجسسي منذ البداية . . ؟
لا . . لم أكن أعرف . . ومانويل هو الذي أخبرني بذلك أثناءn سكره.
لماذا لم تبلغي السلطات الأمنية بالأمر . . ؟
أردت استغلال أمينة مادياً لأنني كنت مدينة بمبلغ كبير للبنك.n
وكيف حدثت المواجهة بينكما . . ؟
كنا بشقتي عندما فاتحتها بما قاله مانويل، ولأنها تعلم جيداًn بتعثراتي المالية . . أنكرت، وأخرجت دفتر الشيكات وأعطتني شيكاً بثلاثة آلاف ليرة على سبيل القرض.
كم كانت ديونك للبنك . . ؟
حوالي ستة عشر ألفاً.n
وهل ثلاثة آلاف ليرة تكفي لإسكاتك . . ؟
وعدتني بخمسة آلاف أخرى، وعرضت علي الشراكة دون الإدارة.n
قالت أمينة أنك مارست معها الجنس مرات كثيرة.
لا . . لا . . هي التي جرتني لأفعل معها ذلك لكي تضمن سكوتي.n
كيف ولماذا. . ؟
قبلما أطلق من زوجي الثاني كنت أشكو لها عدم ارتياحي معه. وذات يومn طلبت مني أن أزورها بشقتها، ولما ذهبت اليها تكلمنا عن الجنس، وأخذت تغريني بأن نفعل معاً كما تفعل النساء في أوروبا. وبعد عدة لقاءات في شقتها فوجئت بها تهددني بأفلام صورتها لي معها ومع مارون الحايك . وطلبت مني أن أعطيها عشرين ألف ليرة، وإلا فستفضحني أمام زوجي وأهلي.
ثم ماذا . .
قبلت قدميها أرجوها ألا تفعل، ولما أصرت هددتها بأن أخبر السلطاتn الأمنية عما ذكره مانويل، فسخرت مني وقالت: سأفضحك إن لم تجيئيني بالنقود مساء اليوم. لقد كانت تعرف أسرتي، وتعلم بأن والدي وأخويّ متدينون وسيقتلونني حتماً إذا ما رأوني في تلك الأوضاع المخلة. ولما عجزت عن إقناعها طلبت مني أن أعمل معها بأجر. وأن مهمتي تتلخص في مصادقة النساء المتزوجات من ضباط فلسطينيين، واستدراجهن للخوض في السياسة والأسرار العسكرية.
وهل وافقت هكذا بسهولة . . ؟
لا . . ابتعدت عنها لعدة أيام لأفكر، وكنت على وشك إبلاغكم لكنهاn حاصرتني وهددتني بقسوة، فاضطررت الى إعلان موافقتي لإسكاتها.
جامبون


كيف بدأت العمل معها . . ؟
شرحت لي طريقة التعرف بالنساء الفلسطينيات ومصادقتهن، ومكثت معيn بالمحل عدة أيام لتراقبني.
كم زوجة فلسطينية تعرفت بها. . ؟
لست أدري . . ربما أكثر من أربع عشرة زوجة. "يوجد سرد طويل لأسماءn ومعلومات مختلفة".
كم ليرة حصلت عليها لقاء عملك . . ؟
سبعة آلاف . . أو ثمانية.n
هل التقيت بأحد من أعوانها من الأجانب . . ؟
مرة واحدة. جاء أحدهم ليتسلم مظروفاً كبيراً تركته أمينة.n
ماذا كان به. . ؟
لا أدري . . فقد كان مغلقاً بالسوليتيب، ولم تخبرني أمينة عماn به.
هل كان عربياً . . ؟
لا . . إنه أجنبي ولهجته فرنسية.n
ماذا قال لك. . ؟
قال لي كلمة السر المتفق عليها: جامبون. "وهو اسم شائع يطلق علىn لحم فخذ الخنزير المحفوظ".
وكيف تعرفت عليه . . ؟
كان يدخن البايب وله شارب دوجلاس أصفر، وقد أخبرتني أمينة عنn أوصافه مسبقاً.
هل تعرفين أبو ناصر . . ؟
أعرف زوجته سندس ولم أره أبداً.n
كيف نشأت علاقة أمينة به . . ؟
جلبت لها رقم تليفونه في صيدا من زوجته.n
ولماذا رغبت أمينة في التعرف اليه . . ؟
لأن زوجته أخبرتني الكثير عن بطولاته وعملياته الفدائية في الجنوب،n واهتمت أمينة بمصادقته.
متى أخبرتك أمينة بأن "أبو ناصر" ضالع معها في التجسس . . ؟
لم تخبرتي عن ذلك، وإنما أكدت لي بأن الضاnبط الفلسطيني "وطني أكثر من اللازم".
هل صدقتها . . ؟
نعم . . فقد كانت تكرهه، وتطلب مني دائماً استدراج زوجته في الحديثn لمعرفة أخباره.
انتهت اعترافات خديجة زهران، حيث أدلت بأدق تفاصيل علاقتها بأمينة المفتي، وبزوجات الضباط الفلسطينيين في بيروت. أما مارون الحايك المذعور فقد أوضح الكثير عن ملابسات علاقته بأمينة، وعثر ببيته على قائمة طويلة تحوي الأرقام السرية لتليفونات قادة المنظمات الفلسطينية، إضافة الى ملف كبير يتضمن خلاصة تجسسه على تليفوناتهم خلال فترة اعتقال أمينة. فقد كان يود تقديمه لزعيمته عند عودتها لتمنحه آلاف الليرات، وتغرقه في بحر النشوة عدة ليال. أما الشيء العجيب حقاً فقد وقع بين أيدي رجال المخابرات الفلسطينية، وشريط تسجيل أخفاه مارون بجيب سري بإحدى الحقائب، لمحادثة تليفونية كاملة بين علي حسن سلامة وأبو داود، وفيها تفاصيل كثيرة عن أمينة المفتي المعتقلة آنذاك ببيروت، هذا الشريط لم يقم مارون بتفريغه أو الاستماع اليه، ولو أنه كان قد فعل ذلك لأدرك الخطر وهرب بجلده ومعه شريكاه. لكنه اعترف بأن هذا الشريط هو الوحيد الذي لم يفرغ وعندما قام بتسجيله كان منهمكاً في التنصت على مكالمة أخرى بين ياسر عرفات ونايف حواتمة.
وبانتهاء التحقيق مع خديجة زهران ومارون سلما الى السلطات اللبنانية لمحاكمتهما، طبقاً لقانون العقوبات الذي عُدل في 28 يناير 1975، وجاءت مواده الجنائية مائعة وغير رادعة.
أما أمينة المفتي .. فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمها للبنانيين، حيث قرروا لها مصيراً آخر، ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية اللبناني لمحكامتها. وأمام الرفض التام لذلك . . اضطر الوزير لنسيان الأمر برمته. فقد كان يدرك بأن هناك نهاية مأساوية تنتظر عميلة الموساد على أيدي الفلسطينيين. وعلى ذلك . . ظلت الجاسوسة العربية مقيدة بكهف السعرانة، يفتك بها الرعب ويغلفها الهلع . . !!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: امينه المفتي - الحلقه التاسعه و قبل الاخيره   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:30

الموت البطيء


وحدها، انكمشت أمينة في محبسها بكهف السعرانة تنتظر الموت مع كللحظة، يحاصرها إحساس بالخيبة بعدما أفلت مارون وخديجة من براثن الفلسطينيين، وتولتأمر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة. لقد كانت تدرك عن قناعة أنزعامتها للشبكة هو سبب بقائها بالكهف دونهما، وبالتالي فإن مصيرها المجهول بين أيديالفلسطينيين سيكون أشد قسوة وشراسة، لكنه على أية حال لا يساوي أبداً مع بشاعةجرمها. فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد، إلا أنها أخفت عنهمالكثير من الأسرار، بالطبع هي أسرار بالغة الأهمية ستزيد ملفها تخمة، وقطعاً سينقلباعتقاد الفلسطينيين في كونها جاسوسة كانت ضحية مغامرة عاطفية، الى جاسوسة عدوانيةترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنس يوماً مدى كراهيتهاالشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون في الأردن لهم. فهيشركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز الى الوطن العربي، وكانت أسرتهاتعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذين يعملون في جيشه،واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهم الفلسطينيون أعداء لهم،وهاجموا الأحياء التي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهية تجاه بعضهم البعض. هكذا بدتكراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعت مشاعرها وهي تهدي إسرائيل معلوماتلا تقدر بثمن عن تحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم.

وخلا ملف الاعترافات من توصلها لأسرار مخازن الهلال الأحمر التييديرها شقيق ياسر عرفات، ففي هذه المخازن كانت تخبأ الأسلحة الخفيفة، والأسلحةالمضادة للصواريخ في صناديق المهمات الطبية، مما جعلها دائماً عرضة للعمليات الجويةالإسرائيلية بناء على وشاياتها. . وأخفت أمينة أيضاً سر اختطاف إسرائيل لطائرةالخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الأوسط" في 10 أغسطس 1973، وإجبارها على الهبوط فيتل أبيب فقد كانت هي التي أبلغت الموساد بوجود جورج حبش على متنها، لكن حبش كان قدأصيب بأزمة قلبية منعته من ركوب الطائرة. . وقتها . . تأكد للفلسطينيين أن هناكاختراقاً إسرائيلياً لمنظماتهم، وجرى مسح شامل لمئات الأشخاص دون جدوى. ولم تكنأمينة في ذلك الوقت قد وقعت في دائرة الشك، فقد كانت مشبعة بثقة الفلسطينيين، حيثتعمدت ألا تظهر عداء مبالغاً فيه للصهيونية، وفي مناسبات مختلفة كثيراً ما عبرت عنرأيها في حق إسرائيل في امتلاك الأرض أيضاً. فأبعد ذلك التصرف الشكوك من حولها، فأيعميل إسرائيلي سيبذل ما بوسعه ليبدو عدواً لدوداً للصهيونية. لذا غادرت بيروت فيحذر في جولة تفقدية، واستطاعت أن تمد الموساد بصور لمراكب وسفن الصيد واللنشاتالتابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والراسية بمينائي صيدا ورأس شكا في الجنوبوالشمال، والتي كانت معدة للعمليات الهجومية البحرية، ومكنت إسرائيل بذلك من تدميرثلاثين قطعة منها في عملية انتقامية، وجاء ذلك بعد هجوم منظمة فتح البحري علىالمدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974.

كل تلك الأسرار جاءت مفصلة بمذكرات أمينة المفتي التي نشرت فيإسرائيل فيما بعد، فأضفت على جاسوسة الموساد هالة من الأساطير صعدت بها الى آفاقالخوارق، ونسبت اليها عمليات وهمية مختلفة عن اكتشافها مؤامرة لاغتيال الساداتبوساطة الليبيين عام 1976، مهدت الطريق لكامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وكانت أمينةوقتذاك مكبلة بالجنازير الى الحائط داخل كهف السعرانة في جنوب لبنان، تنتظر نهايتهاالمرتقبة كالموت البطيء.
أحلام . . ورصاص


وما أن نشرت الصحف اللبنانية نبأ القبض على أمينة المفتي وأفرادشبكتها، حتى ارتجت جنبات الموساد بشارع كيريا بتل أبيب. وبدأت في الحال تخطيطاًلاستعادة العميلة الأسطورية. فتاريخ الموساد الطويل يسرد لنا عشرات القصص التيانتهت باسترداد جواسيسها، الذين اكتشف أمرهم وكانوا على قيد الحياة. ولهذه القاعدةتبرير منطقي وهو أن إنقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاء الآخرين، ويشجعالرجاء والنساء على القيام بعمليات ومهام خطيرة أخرى. ولأن الفلسطينيين يدركون ذلكجيداً، رأى عرفات أن الإبقاء على أمينة بكهف السعرانة أمر ضروري حتى يحين الوقتالمناسب لتقرير مصيرها النهائي، نابذاً بذلك رغبة علي حسن سلامة في إعدامها.

فقد كانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تنحصر في التربث لبعضالوقت، ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون إسرائيل. لكن سلامة الذي بدا غير قانع كانيرى في قتلها فوزاً أكيداً، إذ سيصاب عملاء إسرائيل في لبنان بالذعر، وبالتالي يسهلكشف العديد منهم إن لم يسارعوا بمغادرة بيروت. ولما فشل في إقناع عرفات بوجهة نظره،اضطر الى السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده. وبذلك ظلت أمينة حبيسة الكهف الجبلي،ترسخ في قيود الذل دون محاكمة، أو بصيص من أمل في النجاة. وفي ذات الوقت الذي أدينفيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة أعوام، وبعام واحد لرفيقته خديجة زهران – "راقب معيميوعة الحكم في قانون العقوبات اللبناني . . !!"

نسجت أمينة المفتي خيوط شبكتها حول أحد حراسها، وأوهمته بأنهابريئة مما نسب اليها، وأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمها الذي يشغلمنصباً حساساً في البلاط الملكي الأردني، حيث تصور لهم أنه كان أحد المحرضين لمذابحأيلول الأسود. وبعد عدة أشهر – في مايو 1976 – كان غسان الغزاوي قد اقترب كثيراً منأمينة، وتعاطف مع محنتها الى الحد الذي دعاه للتفكير في تخليصها من السجن، وإناستدعى منه ذلك الهرب بها الى إسرائيل. لقد انقلبت نوبتجيته في الحراسة الى جلسةغرام تصطخب بالمشاعر والأمنيات. فكانت أمينة تمنحه جرعات متصاعدة من الأشواقواللهفة، تطيح بعقله وتعبث به الى دنيا جديدة من أوهام التمني. ولأنه نجار خائب لايجيد صنعته، عاش سني حياته الثلاثين في حالة حرب دائمة مع الحياة بحثاً عن عيشةرغدة مريحة، لكن هيهات أن يراها كسول مثله، أوقف خبرته عند حد معين لم يستطيعتجاوزه، فتقهقرت إرادته وانزوى منسياً بين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية في صور،يجرع الجوع واليأس ناقماً على حظه وعلى الدنيا كلها.

إن فاشلاً مثله استعبده الفقر والجهل السهل جداً إغواؤه والسيطرةعليه مادياً أو عاطفياً، فهو في الأصل لا يمكن أن يكون مؤمناً بقضيته أو مستوعباًلرسالة الكفاح من أجلها، ذلك لأنه أرجع فشله الى كل تلك الظروف التي تحيط بهوبشعبه. ووطن نفسه على أنه مجرد ضحية لا ذنب له لكي يعيش معدماً شريداً، يفتقد أبسطمظاهر الحياة وأقلها ترفاً. هكذا قرأته أمينة وتخللت إليه في سهولة ما أيسرها علىمتخصصة في علم النفس مثلها، وأغوته بمكذوب العواطف تصبها صباً في أذنيه، فأذابتهتماماً وهو المحروم اللاهث خلف الأحلام، وترقب عن كثب انسكاب مقاومته الخائرة،واستفحال رغبته في تخليصها أملاً في حياة هنيئة بإسرائيل. فكانت هي بذلك أول عميلةللموساد على الإطلاق، تجند حارسها في السجن للفرار بها الى خارج حدود الدولة. وجاءبمذكراتها فيما بعد أنها كانت تنوي النجاة بنفسها فقط، وتركه على الحدود يواجهمصيره وحده مع الفلسطينيين، حيث ستحال الأساطير في إسرائيل عن قصة هروبها العبقرية. لكن خابت أحلامها في المجد والتكريم.

وخابت أحلامه أيضاً في الثراء والنعيم، عندما أفضى بسره الى أحدرفقاء فقره في المخيم، فأبلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته، وضبط وهو يحاولإدخال بزة عسكرية الى الكهف لترتديها أمينة أثناء الهرب. وانتهت أحلام الخائنبرصاصات أخترقت صدره في أكتوبر 1976، وبتضعيف القيود الحديدية بأيدي الخائنةورجليها، وشدها الى الحائط مصلوبة وبأقل قدر من الطعام والشراب، الى أن تقيحتأطرافها المختنقة بالقيود، وعمل معول الهزال بجسدها كما يعمل معول النحات الماهربمادته الصخرية، فعاشت ذابلة كالموتى لا يميزها عنهم سوى ارتعاشة الأطراف، وزوغانحدقتين لا تبصران إلا الخوف والظلام . . !
أقصى درجات الأمن


مرت خمس سنوات منذ اعتقلت أمينة المفتي، وفي نوفمبر من عام 1979تحديداً، نشطت تحركات الصليب الأحمر الدولي، وتكثفت الاتصالات مع الفلسطينيين منأجل مبادلتها. وكان العرض الاسرائيلي هزيلاً قياساً بجواسيس آخرين، فقد أبدوارغبتهم في مبادلتها بفلسطيني واحد، شريطة ألا يكون متهماً بقتل إسرائيليين منالمدنيين أو الجنود. فرفض عرفات العرض الاسرائيلي، واشترط لمبادلتها الإفراج عناثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين بمعتقل عتليت، وهما: محمد مهدي بسيسو المولودعام 1941 في غزة والمحكوم عليه بالمؤبد لقيامه بعملية فدائية بواسطة زورق عام 1971،وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الاسرائيليين.

ووليم نصار المولود عام 1942 في القدس، والمحكوم عليه بالمؤبد أيضاًلقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968 بالقدس.

لكن الرد الفلسطيني قوبل بتعنت إسرائيلي شديد، وأسر ممثل الصليبالأحمر لعرفات بأن أمينة لا تساوي شيئاً عند الاسرائيليين، فهم يصنفونها على أنهامجرد خائنة لوطنها، باعت دينها وأهلها من أجل نزوة، ومن المستحيل أن تخلص تماماًلإسرائيل أو تدين بها بالولاء. وذكره الممثل الدولي بما حدث للمهندس السويسريالفريد فرانكشت الذي أدين بالسجن ثماني سنوات عام 1971، عندما تبين أنه أمدّإسرائيل بعدة أطنان من تصميمات الطائرات الفرنسية ميراج 3، بعد تجنيده لأسبابأيديولوجية تتعلق بعقدة الذنب، وعندما أفرج عنه بعد أربع سنوات ونصف السنة، قررالسفر لإسرائيل لحضور الاحتفال بإنتاج الطائرة "كافير" – النموذج المعدل من الميراج 3 – فرفضت الموساد أن تدفع ثمن تذكرته من سويسرا، وقوبل في إسرائيل بتجاهل تام،وشعر أنه تعرض للنسيان والتخلي عنه، ذلك أن مهمته انتهت ولم يعد ذا شأن. لكن عرفاتلم يأبه لذلك. ولم يتراجع قيد أنملة عن مطلبه، وصرح لممثل الصليب الدولي أنه يتعرضلضغوط شديدة للموافقة على إعدام أمينة المفتي. وأنه طالما تفرض إسرائيل الاستجابةوالمرونة، فقد يوافق على إعدامها أمام شاشات التليفزيون لتكون عبرة لكل من يفكر فيالتعامل مع الموساد. وعندها، أصيب رئيس الموساد إسحاق حوفي (1974 – 1982) وكبارمساعديه بالذعر. فإعدام أمينة على الملأ أمام العدسات أمر خطير من شأنه إصابةجواسيس الموساد في البلاد العربية بالهلع وبالشلل، وقد يتسبب في تعطيل عمل شبكاتعملائها المذعورين التي أنفق عليها ملايين الدولارات، مما يهدد تدفق سيل المعلوماتالحيوية التي تعتمد عليها إسرائيل، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وكان قرار إسحاقحوفي النهائي تلبية مطلب الفلسطينيين على أن يترك لمنظمة الصليب الأحمر العالميةحرية اختيار الدولة التي ستتم عملية المبادلة على أرضها وتحت حمايتها، بما يضمنالحيلولة دون وقوع كارثة قد يفكر بها الفلسطينييون.

وعلى ذلك . . نشطت المنظمة العالمية في اتصالاتها، ورفضت حكومةإيطاليا واليونان وبلغاريا وفرنسا التدخل، بينما وافقت حكومة تركيا ورومانيا وقبرصعلى تأمين الحماية التامة للطرفين فوق أراضيها وفي أجوائها، وتعهدت جميعاً بتوفيرأقصى درجات الأمن لإتمام عملية المبادلة بسلام. من جانبها أعلنت منظمة التحريرالفلسطينية ترحيبها واختيارها لدولة قبرص، وأعلنت إسرائيل موافقتها على قبرص أيضاً،شريطة تدخل ممثل عن الأمم المتحدة لضمان الأمن، فأغضب الشرط الإسرائيلي القبارصةالذين اعتبروه "عدم ثقة" في قدراتهم على تحمل المسؤولية كاملة. لكن السفيرالاسرائيلي في قبرص تقدم باعتذاره في الأول من فبراير 1980 وأبدى ثقته في السلطاتالقبرصية مشيداً بالعلاقات الحميمة بين البلدين وبالمصالح المشتركة بينهما. ولم يمضسوى يوم واحد حتى أعلن وزير الداخلية القبرصي، بأنه قد تحدد يوم 13 فبراير 1980موعداً لعملية التبادل على أرض مطار لارنكا الدولي، وإغلاق المطار أمام الملاحةالدولية ابتداء من الساعة 14.00 حتى الساعة 2.50 (!!)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:30

قراءة سريعة


تخضع عمليات تبادل الجواسيس أو الأسرى بين الدول لقياسات معقدة،تحددها الملابسات السياسية وظروف العلاقات بين الدول في حالات السلم، وتكون أكثرتعقيداً في حالات الحرب والتناحر. وقد شهدت المنطقة العربية حالات تبادل عديدةوفريدة مع إسرائيل، كان أبطالها جواسيس عباقرة وعسكريون. حيث جرى التبادل أحياناًفي سرية تامة وتعتيم إعلامي، وأحياناً أخرى صابحه ضجيج الإعلام على الملأ. وأشهرعمليات التبادل كانت بعد نكسة يونيو 1967 عندما تمت مقايضة الجاسوس الصهيونيولفجانج لوتز بعدد ضخم من العسكريين المصريين الأسرى. وقد ادعت إسرائيل فيما بعد أنثمن لوتز كان خمسة آلاف أسير مصري، رغبة في الدعاية لجواسيسها وإعلاء لشأنهم. أماجاسوسة الموساد المصرية انشراح علي موسى التي أدينت بالإعدام شنقاً هي وزوجهاإبراهيم سعيد شاهين في 25/11/1974، فقد أمر السادات بمبادلتها في صفقة سرية بمصريينوعرب في إسرائيل، كان وراءها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي وذلك قبل زيارةالسادات لتل أبيب، في مداعبة سياسية مقصودة للتمهيد لمعاهدة السلام في كامب دايفيد. أما الأشهر على الإطلاق في عمليات التبادل الفاشلة . . والعلنية، فكانت لمقايضةإيلي كوهين – كامل أمين ثابت – سيد جواسيس الموساد في سوريا، وأسطورة الموساد الذيلم يخلفه أحد عبقرية وذكاء. حيث رفضت سوريا وساطات أكثر من 84 رئيس دولة ومنظمةعالمية للإفراج عنه، مقابل ملايين الدولارات ومئات الأسرى السوريين في معتقلاتإسرائيل، ونفذ فيه حكم الإعدام شنقاً أمام عدسات التليفزيون على الهواء مباشرة في 18 مايو 1965، وأبقى جثمانه معلقاً هكذا لأربعة أيام فوق المشنقة التي أعدت لهخصيصاً بساحة المرجة في دمشق. وفي 21 فبراير 1973 وقعت حادثة لم تتكرر أبداً منقبل، عندما حاولت إسرائيل اختطاف الطائرة التي تقل عميلة الموساد هبة عبد الرحمنسليم عامر، التي استدرجت من باريس الى بني غازي بواسطة المخابرات المصرية ، وطارتبها الطائرة الى القاهرة لمحاكمتها. لقد عمدت الموساد الى التشويش على أجهزةالطائرة الملاحية ففقدت اتجاهها. وعندما اكتشف الطيار أنه يطير فوق سيناء اتجهبأقصى سرعته ناحية القناة، متجاهلاً إصرار طائرات الجو الاسرائيلية على الهبوطبطائرته في إسرائيل. فيفقد الاسرائيليون صوابهم ويفجرون الطائرة بركابها في الجو،معتقدين بأنهم قتلوا عميلتهم قبلما تعترف. لكن صدموا بشدة عندما اكتشفوا بأنهمأسقطوا الطائرة الليبية البوينج 747 بطريق الخطأ وأن طائرة هبة سليم الحقيقيةاستخدمت ممراً جوياً غير معلوم.

تلك لمحات مختصرة عن أشهر قصص عمليات المبادلات والعروض والقتل، التيوقعت أحداثها بين مصر وسوريا وإسرائيل. ولم تكن هناك سابقة واحدة لعملية تبادل بينالاسرائيليين والفلسطينيين. لذلك . . كانت الأعصاب متوترة ومجهدة، فإسرائيل تخشىغدر الفلسطينيين بهم على أرض مطار لارنكا، ويشهد تاريخهم الطويل في الكفاح وخطفالطائرات على أنهم رجال ذوو بأس . . وإصرار . . أما الفلسطينيون . . فقد وضعواتاريخ إسرائيل الدموي نصب أعينهم . . وتوقعوا مذبحة بشعة ستدور أحداثها في قبرص.
الدور الطاهر


في المكتب الفرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا، اجتمع المديربالضابط الفلسطيني الموفد من الرئاسة في بيروت، حيث أطلعه على تفاصيل حياة أمينةالمفتي في محبسها الانفرادي بكهف السعرانة وكان الضابط يصغي اليه باهتمام ليستكملالنقاط التي يريدها فمهمته كخبير في الشؤون المعنوية تتطلب منه ذلك خاصة . . والوقتيمضي سريعاً بعدما وافقت المنظمة على الموعد المحدد في لارناكا. وبعد الاجتماعانطلقت السيارة الجيب العسكرية تقل الضابط الى كهف السعرانة.

كان الطريق المتعرج الضيق قد نحتت أجزاء منه من الجبل، فيستقيممنحدراً أحياناً ثم يلتوي فجأة في صعود والتفاف حول الجبل. ومن بعيد . . بدا الكهفالموحش كنقطة سوداء في بطن الجبل السامق، وكلما اقتربت السيارة شوهد جنود الحراسةالمشددة بأسلحتهم الأوتوماتيكية في حالة التأهب. وكانت الأكمنة المتحركة تزيد الأمرحساسية واهتماماً، حتى يخال للبعض أن بالمنطقة مفاعلاً نووياً سرياً. وعندما دلفالضابط الى الكهف، كانت الإضاءة القوية تكشف دهليز الفوهة وتظهر ملامح الوحشة وغموضالطبيعة. وفي نهاية أحد الممرات . . تكورت كومة من عظام . . شدت أطرافها الأربعةبالجنازير. اقترب منها الضابط متفحصاً، فرمقته بنظرات تفيض رعباً . . لكن وجههالهادئ سكّن بعض الخوف لديها، وحاولت أن تستقرئ ما جاء لأجله ففشلت . . وتملكها ألفهاجس وهاجس . . وأطرقت الى الأرض ثم همدت أنفاسها قليلاً وقالت في صوت خفيض كأنهجاء من قرار:

هل حان وقت الإعدام . . ؟ اقترب منها الضابط أكثر وأكثر، لكي تصلهاكل كلماته وقال:

سنطلق سراحك بعد أيام . . وستعودين الى إسرائيل مرة أخرى.

ارتعدت أطرافها المقيدة فارتج بدنها كله، وجحظت عيناها الغائرتان فيتحفز لما يقوله الضابط الذي أردف:

بعد عشرة أيام من الآن ستكونين حرة في إسرائيل، ويجب أن تكوني علىيقين من أننا لم نعاقبك ولم نؤذك بقدر ما أذيتنا. فنحن أناس مسالمون سعدنا بوجودكذات يوم بيننا، ووثقنا بك بلا حدود على اعتبار أنك عربية . . مخلصة، وعن حب فتحنالك قلوبنا . . وكل أبوابنا الموصدة في وجه الآخرين، وما تطرق إلينا الشك فتسببتبفعلتك في مقتل عشرات الأبرياء من شبابنا. . وانخلعت على يدك قلوب أمهات ثكالى . . فقدت الابن والزوج . . والبسمة.

. . انهمرت دموع أمينة المفتي ، ولم يدر الضابط أهي دموع الحسرةوالندم، أم أنها دموع الفرح بنجاتها.

وأكمل الضابط: هذه الأرض التي أنت عليها الآن سيدتي أرض عربية، وتلكالأرض التي ولدت فوق ترابها أرض عربية، وكذلك الأرض التي بعت دينك ووطنك وأهلكلأجلها . . أيضاً . . عربية، عربية مغتصبة. . سليبة، ستعود حتماً ذات يوم لأصحابها،ربما يتحقق ذلك بعد جيل . . أو جيلين . . أو ثلاثة، أو أقل من ذلك بكثير. ونحن هناالآن لنجاهد بدماء أبنائنا، ولن نكف عن الجهاد حتى نموت دونها . . وأنت . . ما جئتالى هنا سيدتي إلا لقتلنا دونما ذنب بحقك اقترفناه. فلا تظنين أن الأرض التيستعودين إليها سترحب بك . . لكن تأكيد أن في القدس وحيفا ويافا وبيت لحم ونابلس . . في كل فلسطين ستبصق عليك الأرض مع كل خطوة، حتى وإن متّ فستلفظك قرفاً في قبرك . . وسيأبى دودها الطاهر أن يرعى بجثمانك . . وعندها . . ازداد نحيبها قسوة . . وعلانشيجها مع صعود صدرها الضامر وهبوطه ، وانعقد لسانها فلم تقو على الكلام لاصطكاكأسنانها، ورعشة شفتيها التي غزت الوجه المتقلص الشاحب. وقال الضابط آمراً جنودهقبلما ينصرف:

فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها الشراب وأشهى الطعام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الامير الاحمر

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
العمر : 35
المهنة : تحري
المزاج : هاديء قابل للأنفجار في أي لحظه
التسجيل : 14/06/2008
عدد المساهمات : 376
معدل النشاط : 224
التقييم : 7
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: الحلقه العاشرة و الاخيره .........   الإثنين 7 يوليو 2008 - 19:33

أشهر جاسوسة عربية للموساد ـ الحلقة العاشرة والاخيرة




الستائر الحريرية





أهزيمة ساحقة أم انتصار باهر . . ؟ تساءلت أمينة في نفسها وتعجبت للإحساس المائع المشوه الذي يخالجها في ضراوة. وظلت لأيام تترنج لصدى كلمات الضابط التي تنخر في عظامها وعقلها، فلا تجد سوى مراراً خفياً كأنه دبيب نمل يسري بأوصالها. هكذا اقتُلعت مشاعرها من الجذور، وغرقت في سهوم قاتل يفتك بأعصابها ويزلزل جوانب إدراكها الباطن والظاهر. تقول أمينة في مذكراتها بعد ذلك:

كانت كلمات الضابط كالسهام تخترق عقلي وجسدي . . فأصابت اتزاني وطوحت بآمالي وأوهامي . . وأغرقتني في محيط يموج بالغموض وينبض بالخوف . . والعدم. وأوشكت أن أصرخ فيه أن يرحمني ويصمت . . فيوقف رشق سهامه بأعضائي التي وهنت . . ونزحت عنها مسحة القوة. لكنه كان كمدفع رشاش أخرج كل رصاصاته في زخة واحدة. ترى . . لماذا جيء به إليّ . . ؟ ألكي يشعرني بحقارتي وجرمي . . ؟ أم ليوقظ بداخلي أحاسيس دفنت من زمن . . ؟ كل ما أذكره وقتها أنني فقدت رسالتي التي خلقت لأجلها . . وهي أنني لم أعد أصلح لأن أكون أماً. فكيف لامرأة مثلي حبلى بالخيانة أن ترضع طفلها وتحتويه، بينما هي تقتل الأطفال والشباب، وتموت أمهاتهم حزناً عليهم وأساً . . ؟ أكنت إذن واهمة الى حد فقدان العقل والتمييز . . ؟ أكنت أصارع طواحين الهواء كما كان يفعل دون كيشوت . . ؟ أين أنت الآن يا أمي لأفرد ذراعاي حول عنقك والتصق بصدرك الدافئ الحنون . . ؟ أين أنت يا أبي لتنتشلني من مصيبتي وتنير لي الطريق بالنصح كما كنت تفعل أيام طفولتي وشبابي . . ؟ أين هم إخوتي وكانوا لي ظلالاً وارفة تحميني من لسعة الحياة ومدب السيل الجارف . . ؟ أين شقيقاتي وخالاتي وعماتي . . ؟ أين ستائر حجرتي الحريرية ومرآتي . . ؟ ترى أتضم أمي الآن أشيائي وتلعنني أما أنها تبكي لمأساتي . . ؟ لم يبق لي من شيء سوى صمت كالموات يقتلني . . ودمعاتي . .؟"

عجيبة حقاً تلك المرأة المثيرة، فلعلكم لاحظتم مثلي مدى تمكنها وبراعتها في وصف أدق خلجات ذاتها بأسلوب مشوق رائع، حتى أنني كثيراً ما كنت أقف مندهشاً أمام سطور مذكراتها، وأمام قدرتها الفائقة على تشريح انفعالاتها بلا تصنع. متنقلاً معها في راحة من موقف الى موقف آخر. وحيرني سؤال ظل يتردد بخاطري طوالي عملي بملفها: هل أسبغت عليها البراعة في التجسس براعة أخرى في الوصف والتحليل . . ؟ ربما يكون ذلك . . فالعمل التجسسي لا يقوم إلا على اليقظة الشديدة والحرص والدقة. والكتابة أيضاً لكي تدخل الى القلب وتحرك المشاعر تلزمها اليقظة في سرد الفكرة، والحرص على خط التصعيد الدرامي المترابط دون ملل، والدقة في الوصف وتقريب التخيل الى نبض الواقع في سرد الفكرة، كما أنني لاحظت أيضاً في مذكرات أمينة أنها تضج بالحيوية وانسكاب المشاعر، وتندفع بها في أحيان كثيرة – كما في نهاية الفقرة السابقة – الى السجع الموسيقي القريب من أوزان الشعر. فلو أنها اتجهت الى الكتابة لكانت الآن أديبة قديرة . . لكن . . هكذا فعلت بنفسها.

الأنفاس اللاهثة

وفي صباح التاسع من فبراير 1980، نقلت أمينة المفتي في سرية تامة الى معسكر جنوبي صيدا، وفي المساء تحت ستر الظلام أخذت الى بيروت، تحيط بسيارتها العسكرية عدة سيارات أخرى تقل قوات مسلحة، حيث أودعت حجرة مريحة بأحد مباني منظمة التحرير بحي الفكهاني، يحرسها أفراد لا حصر لهم مدججون بالسلاح. وعن ذلك اليوم جاء بمذكراتها وصفاً دقيقاً لأحداثه إذ تقول: "دخلت كهف السعرانة لأول مرة في الظلام، وغادرته نهار ذلك اليوم في الظلام أيضاً . . فقد عصبوا عينيّ خشية إصابتي بالعمى . . عندما أواجه ضوء الشمس المبهر فجأة، بعد 1651 يوماً في الظلام . . يا لهم من أناس طيبي القلب رائعين. أرادوني صحيحة النظر لأرى الفارق الواضح بين الوجوه عندما أغادرهم. وفي بيروت أدخلتني فتاتان نظيفتان الى الحمام، واستحممت لأول مرة منذ اعتقالي استحماماً كاملاً، ونمت مغماة بينهما ومكبلة بأحزمة رقيقة من الجلد، وأكلت أطعمة شهية حرمت منها لسنوات وكنت أطلبها بنفسي فيجيئونني بها. وأمام هذا الكرم الرائع طمعت فيما هو أكثر، فصارحت الضابط المنوط بحراستي بأمنية غالية الى نفسي، وهي أن أحادث أمي تليفونياً في عمان. ولما أخبرني الضابط بأن طلبي رفض بحسم، حسوت الحزن يأساً، وأيقنت بأنني لن أسمع صوتها أبداً . . طالما كنت في إسرائيل . . !!"

لحظتئذ فقط . . أحست أمينة المفتي بندم شديد. فخروجها من لبنان الى إسرائيل هو بحق موت بطيء لا محالة. فالإسرائيليون سيرفضون بقوة سفرها لأي مكان آخر، وذلك لأن صورها نشرت بمعظم صحف العالم، إذ قد يصادفها فلسطيني فيقتلها غضباً ونأراً، ولن يستطيع الاسرائيليون على كل حال حراستها حراسة تامة خارج الدولة.

لقد فكرت أمينة في حالها وحياتها بإسرائيل فيما بعد، ورأت أن كهف السعرانة كان لها السجن المؤقت قبل الإعدام، لكن إسرائيل ستكون الى الأبد السجن المرير، الذي سيقتلها فيه الندم والعذاب والحسرة والقلق والاكتئاب. إذن فالموت السريع في لبنان لأهون ألف مرة . . بل إنه الخلاص من ثورات داخلية ستفتك بها وتقودها غصباً عنها الى حافة الجنون. لذلك صرخت قرب منتصف الليل وملأ صراخها المبنى كله وهي تقول: "لا أريد العودة الى إسرائيل . . لا أريد إسرائيل". هجمت عليها الفتاتان قبلما تتقطع الأربطة الجلدية، واندفع الى حجرتها على الفور عدد كبير من الضباط والجنود، شرعوا في الحال في تضعيف قيودها، وكان جسدها النحيل ينتفض بعنف وشراسة، كأن قوة جبارة حلت به بعد ضعف وهدأة. وقال لها أحد الضباط:

فلتهدئي من فضلك . . فكل شيء أعد لسفرك الى إسرائيل.

وبذات القوة والعصبية والصراخ قالت:

أعدموني هنا . . أو أرجعوني الى كهف السعرانة . . أنا أكره إسرائيل . . أكرهها . .
أجابها الضابط في هدوء:
إسرائيل هي وطنك الآن سيدتي.
وكأنما تشد جذور أعصابها من أشواك الخوف قالت في هلع:
الإعدام أهون . . لماذا لم تعدموني . . ؟ أتخافون من إسرائيل . . ؟
رد الضابط في ثقة:
نحن أقوى من إسرائيل . . لذلك أرسلتك للتجسس علينا.
نعم . . تجسست عليكم . . فلماذا تعيدونني الى أعدائكم . . ؟
وبينما كان الطبيب يدخل مسرعاً الى الحجرة ممسكاً بيده محقن المخدر كان الضابط يجيب:
نحن نبادل امرأة خائنة برجلين من أبطالنا البواسل.
بصقت أمينة في الهواء وانطلقت كالمدفع قائلة:
نعم أنا خائنة . . وسأخونكم ألف مرة لو أتيحت لي الفرصة . . فهيا تخلصوا مني وأعدموني "والتهديد بالخيانة هنا يعني قمة الندم".

. . وعندها . . انقض جنديان على ذراعها يحبسان حركته، وأمكن للطبيب إفراغ المخدر بوريدها، وكان صراخها الحاد المسعور ترتج منه حوائط المكان . . وما هي الى هنيهة حتى بدأ يضعف . . ثم يخفت . . حتى هدأ تماماً. . تماماً . وسكن، وانهمد الجسد الممدد في استكانة، وما عاد يسمع سوى صدى لأنفاس لاهثة.

أغنية القدس

وفي الثالثة وعشر دقائق مساء يوم 13 فبراير 1980 مغماة بكيس أسود طويل وشبه مخدرة، اقتيدت أمينة المفتي مكبلة الى الملف في سيارة مصفحة الى المطار، تحاصرها عدة سيارات عسكرية ذات أنواع مختلفة. والى جوار سلم طائرة خطوط الشرق الأوسط – بوينج 737 – أنزلت بهدوء وسط حشد من الجنود، وتأبط ذراعها ضابطان فلسطينيان سحباها الى داخل الطائرة، التي أغلقت أبوابها في الحال وأخذت عجلاتها تنهش أسفلت الممر، وبداخلها أحد عشر ضابطاً فلسطينياً وأحد ممثلي منظمة الصليب الأحمر الدولي، حيث كان وجهتها ناحية الشمال . . الى أنقرة، خشية اعتراضها بواسطة طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، ومن هناك . . تعود بركابها من جديد الى الجنوب مرة أخرى . . الى حيث توجد جزيرة قبرص في عرض البحر المتوسط، تشير بإصبعها في أسى ناحية الإسكندرية، تلك الأرض العربية الخصبة التي استلبها الأتراك منا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

قصة أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: المخابرات والجاسوسية - Intelligence-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين