أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابطال الحرمين

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : باحث في العلوم الاستراتيجية والعسكرية
التسجيل : 24/07/2011
عدد المساهمات : 3188
معدل النشاط : 4645
التقييم : 866
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )   الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 11:32

المقدمة
سورية دولة رئيسية في الوطن العربي، وإحدى دوله الفاعلة، ذات التأثير في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. تتميز بموقع إستراتيجي مهم في المشرق العربي، جعل منها أحد المراكز الرئيسية لأحداث المنطقة.
وقد انعكست الحضارات القديمة على، الشعب السوري، وأكسبته طبيعة خاصة، تميزه عن سائر شعوب المنطقة؛ وربما كان لذلك تأثيره في حاضر سورية المضرج بالانقلابات، عقب استقلالها.
خضعت سورية، منذ نحو ألفَي عام قبل الميلاد، لحكم الفينيقيين، ثم الأرمن، ثم الفراعنة، والآشوريين والكنعانيين، ثم الفرس. ثم غزاها الإسكندر الأكبر، عام 322ق.م. وأمست، عام 66 ق.م، مقاطعة رومانية. وسرعان ما فتحها الإسلام عام (633 – 636م)، ليؤسس فيها معاوية بن أبي سفيان، عام 660م، الحكم الأموي؛ ويتخذ دمشق عاصمة للدولة الإسلامية، حتى عام 750م، حينما استبدل بها العباسيون بغداد.
وفي عهد الفاطميين، خضعت أجزاء من سورية للخليفة الفاطمي، في القاهرة (977 – 1098م). ثم احتل السلاجقة القسم الغربي من سورية، واستأثر البيزنطيون بالجزء الشرقي؛ وما لبث الطرفان أن اقتتلا، إثر إحراق الجامع الأموي عام1069، وأدى ذلك إلى نوع من الحرب الأهلية، مكّن الصليبيين من النفاذ إلى المشرق العربي، بدءاً من عام 1098، واحتلال بعض أجزائه، طيلة قرنَين، ولا سيما القدس، التي استرجعها صلاح الدين الأيوبي، عام 1187.
وفي عام 1300م، تعرضت سورية لهجمات المغول، وخاصة في عهد تيمورلنك. ثم خضعت لحكم المماليك، ولم يخلصها منهم إلا انتصارً السلطان سليم الأول عليهم، في موقعة مرج دابق، عام 1516م؛ فدانت للحكم العثماني، مدة أربعة قرون، حتى اشتعال الحرب العالمية الأولى. وخلال حكم العثمانيين، تعرضت لحملة نابليون بونابرت، عام 1799. واحتلها محمد علي باشا، والي مصر؛ بل استقل بها، من عام 1833 حتى عام 1840.
ظلت سورية، حتى مطلع القرن العشرين، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، التي لم يكن بين أجزائها، في المشرق العربي، حدود فاصلة. وما إن لاحت هزيمة إستانبول، في الحرب العالمية الأولى، حتى سارعت بريطانيا وفرنسا إلى عقد اتفاقية سايكس- بيكو، في القاهرة، وقَعتاها في 16 مايو 1916. قسمت الاتفاقية منطقة الشام ثلاثة أقسام: سورية ولبنان وفلسطين؛ واقتطعت منها إقليم "الإسكندرونة، الذي ظل تحت الانتداب الفرنسي، حتى نشوب الحرب العالمية الثانية.
بعد وضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، واستسلام العثمانيين للحلفاء، أثار الأمير فيصل حفيظة باريس، إذ تمكن، في أكتوبر 1918، من السيطرة على سورية، بدعم من الإنجليز والشريف حسين؛ ودخلت جيوشه إلى دمشق. وفي الوقت نفسه، اندلعت ثورة في لبنان على الفرنسيين، استمرت عامَين.
في عام 1919، جرت أول انتخابات برلمانية في سورية، حملت إلى السلطة من قرر إعلان الاستقلال السوري، في نطاق سورية الكبرى، التي تشمل ولايات: سورية والأردن وفلسطين ولبنان؛ ما يعني سيطرة بريطانيا على المنطقة برمّتها. ولذلك، عَجِلَت فرنسا إلى احتلال لبنان، ودخلت دمشق، عام 1920. وشددت قبضتها على مقدرات البلاد، وقسمت سورية أربع مقاطعات: دمشق وحلب ومنطقة العلويين وجبل الدروز؛ ما أثار احتجاجات واسعة، أجبرت المفوض الفرنسي على إنشاء اتحاد، يجمع تلك المقاطعات.
وفي مؤتمر لندن، الذي وقعت قراراته في 15 سبتمبر 1919، ونظير أن تتخلى فرنسا عن حقوقها، والتي منحتها إياها اتفاقية سايكس- بيكو في نفط الموصل، وافقت بريطانيا على:
1. التنكر لنصيرها، الأمير فيصل.
2. إطلاق يد فرنسا في معالجة قضايا سورية ولبنان.
وفي مؤتمر سان ريمو، الذي اختتم أعماله في أبريل 1920، وضعت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والعراق وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني.
اشتدت المقاومة السورية للفرنسيين. وعقد المؤتمر القومي السوري، الذي تزعمه يوسف العظمة، وزير الدفاع السوري، وقتئذٍ؛ من أجل تأكيد استقلال سورية، وتأييد فيصل، الذي نودي به ملكاً عليها. ولكن فرنسا قضت على الثوار، في 24 يوليه 1920، في معركة ميسلون، حيث استشهد يوسف العظمة؛ وسيطرت على البلاد. وغادر الملك فيصل سورية، في 28 من الشهر نفسه، إلى العراق.
في عام 1923، عمدت بريطانيا، منفردة، إلى رسم الحدود بين سورية وفلسطين؛ مراعية أن تضم الأخيرة المنابع الرئيسية لمصادر المياه، بما فيها بحيرة طبريا بالكامل في حدود فلسطين. عاودت السوريين، عام 1925، ثورتهم، وانطلقت شراراتها الأولى من جبل الدروز (جبل العرب)، بزعامة سلطان الأطرش؛ وما لبثت أن امتدت إلى دمشق، وعمت البلاد. وعلى الرغم من القسوة البالغة، التي واجه الفرنسيون بها الثورة، ودكّهم دمشق بالمدفعية والطائرات، إلا أنها لم تخمد إلا عام 1927، إثر مفاوضات، ووعود الفرنسيين بمنح سورية استقلالها. وأعلنت، في 7 يونيه 1932، جمهورية سورية المستقلة (تحت الانتداب الفرنسي).
وفي أعقاب اشتعال الحرب العالمية الثانية؛ واجتياح الجيوش الألمانية فرنسا؛ وتكوين حكومة "فرنسا الحرة"، في الجزائر؛ ألقت الطائرات الفرنسية، في 8 يونيه 1941، منشورات في سماء سورية ولبنان، تعلن إلغاء الانتداب الفرنسي على البلدَين. وضمن السفير البريطاني في مصر، باسم حكومته، هذا الإعلان؛ فكان اعترافا رسمياً من بريطانيا باستقلال الدولتَين. وأعلنت سورية، في 16 سبتمبر 1941، جمهورية مستقلة. ورحل آخر جندي فرنسي عن أراضيها في 17 أبريل 1946، وهو اليوم الذي اتخذته عيداً لاستقلالها.
وقد مرت سورية، خلال عهد الاستقلال، وحتى وفاة الرئيس الأسد، بأربع مراحل رئيسية: مرحلة الانقلابات العسكرية، مرحلة التوجه الوحدوي، مرحلة وصول حزب البعث إلى الحكم، مرحلة التصحيح التي نفذها الرئيس حافظ الأسد.

الفصل الاول : سورية من الاستقلال الى عصر الانقلابات
لمبحث الأول: حقائق سورية
الجمهورية العربية السورية جزء من سورية الطبيعية، أو ما يعرف ببلاد الشام[1]، التي قسمت، خلال مراحل تاريخية مختلفة، دولاً، يفصل بينها حدود سياسية، وضعها الاستعمار؛ هي: الأردن وفلسطين (وتسمى بسورية الجنوبية) ولبنان وسورية (وتعرف بسورية الشمالية). ولم يتبقَّ إلا سورية الحالية، هي التي تحتفظ بهذا الاسم القديم لتلك المنطقة.
تُعَدُّ سورية من الدول، التي عرفت أعلى معدلات العنف، سبيلاً إلى تغيير السلطة السياسية بالقوة. وسيطر النمط الانقلابي على الحياة السياسية فيها، طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وحتى وصول حافظ الأسد إلى السلطة، عام 1970؛ إذ شهدت منذ الاستقلال، تسعة انقلابات، ثمانية منها عسكرية؛ وانقلاب سياسي واحد، حمل الرئيس الأسد إلى الحكم؛ فضلاً عن نحو خمسين محاولة انقلابية فاشلة.
وسورية هي إحدى دول التأثير، على مدى التاريخ العربي؛ يرتبط تاريخها بمراحل التطور، التي مرت بها الأمّة العربية، منذ القدم وحتى الآن؛ إذ يشكل موقعها ممراً رئيسياً من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط والمنطقة العربية. ولهذا، فإن الأمن القومي العربي، طالما كان رهيناً بأحداث سورية الرئيسية، عبر العصور المختلفة.
تقع سورية في الجزء الشرقي من البحر المتوسط. يحدها شمالاً تركيا، وشرقاً العراق، وجنوباً الأردن وفلسطين، وغرباً لبنان والبحر الأبيض المتوسط. وتبلغ مساحتها الكلية 185180 كم2 منها مساحة مائية، تبلغ 1130 كم2 إلى جانب أن مساحة الجولان المحتل، تبلغ 1295 كم2 من مساحته الكلية البالغة 1860كم2.
يبلغ إجمالي حدودها البرية مع دول الجوار 2253 كم: منها 605 كم مع العراق، و76 كم مع إسرائيل، و375 كم مع لبنان، و822 كم مع تركيا). أمّا حدودها البحرية، فتبلغ 193كم.
أولاً: أهمية سورية الإستراتيجية
لموقع سورية أهميته الكبرى، وخاصة في نطاق آسيا العربية؛ فجميع المواصلات: البرية والجوية، القادمة من شبه الجزيرة العربية، وبلدان الخليج العربي، والأردن والعراق، وكذلك من إيران وتركيا، تمر بسورية أو تنتهي إلى موانئها البحرية. وتستمد سورية أهميتها الإستراتيجية من:
1. إشرافها على شرقي البحر الأبيض المتوسط.
2. مركزها المتوسط للمواصلات الجوية، بين أوروبا والشرق الأقصى.
3. سيطرتها على طرق المواصلات: البرية والجوية، من جنوب شرقي أوروبا وروسيا إلى باكستان والهند شرقاً، والخليج جنوباً، ومصر غرباً.
4. تحَكُّمها في مرور أنابيب النفط بها، من المملكة العربية السعودية إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، في بانياس وطرابلس وصيدا؛ وكذلك خطوط النفط من الموصل وكركوك، في العراق.
5. سيطرتها، من خلال هضبة الجولان (المحتلة حالياً)، على الجزء الشمالي من إسرائيل (الجليل الأعلى).
6. احتضانها حزب البعث، الذي ينادي بالقومية العربية ووحدة أراضيها؛ ومن خلاله تكتسب سورية تأثيراً سياسياً في العديد من الدول العربية.
7. تأثير حضارتها القديمة في الحضارات الأخرى في المنطقة؛ ما دفع العديد من البلدان إلى التفاعل مع سورية.
وأتاح لسورية موقعها الإستراتيجي المهم في المشرق العربي، أن تتأثر المواقف: الإقليمية والدولية، بالتوجهات السورية، ونظام الحكم السوري، وطبيعة الشعب السوري.
ثانياً: تضاريسها
يتكون غربي سورية من سهل ساحلي متعرج. يليه منطقة جبلية، تعرف باسم جبال العلويين (أعلى قمة 1285م)، تنتهي إلى سهل الغاب، الذي يفصلها عن الداخل الصحراوي، حيث تنتشر منبسطات، تمثل 60% من مساحة البلاد، وتنخفض، تدريجاً، كلما اتجهت نحو الشمال (حتى نهر الفرات) والجنوب (حتى بادية الشام). وتتخلل تلك المنخفضات الصحراوية مناطق جبلية متفرقة.
الحدود السورية مع دول الجوار، تتميز، إذاً، بطبيعة خاصة؛ فهي جبلية مع تركيا، حيث جبال طوروس؛ وصحراوية مع العراق، حيث بادية الشام؛ وجبلية، يتخللها وادي البقاع، مع لبنان وإسرائيل؛ وجبلية صحراوية مع الأردن، حيث جبل الدروز وبادية الشام.
ثالثاً: تنوُّع سكانها وتوزُّعهم (انظر خريطة سورية)
يمثل العرب نحو 90.3% من سكان سورية، والأكراد والأرمن وسائر القوميات 9.7%. وبلغ إجمالي عددهم عام 2001، 16728808 أشخاص. وكان، عام 1990، 13338000؛ وعام 1984، 9310000؛ بنسبة نمو، تناهز 2.54 سنوياً. ويناهز سكان الجولان 18200 نسمة؛ منهم 16500 درزي، و1700 علوي، على جانب ألف مستوطن يهودي.
أسهمت طوائف سورية: القومية والدينية، في توجهات نظامها السياسي، وتنظيمها الحزبي، الذي ساعد على استقرار ذلك النظام. وفيما يلي تعريف ببعض تلك الطوائف.
1. السُّنة: هم الغالبية العظمى من المسلمين تبلغ نسبتهم 74% من سكان سورية. وهم ذوو أصول عربية، دخلتها مع الفتح الإسلامي.
2. الدروز: يُعرف الدروز بالموحدين، لإيمانهم بوحدانية الله؛ وإن عَدُّوا الحاكم بأمر الله الفاطمي تجسيداً للذات الإلهية. وهم ينتسبون إلى محمد إسماعيل الدرزي. وفي عقائدهم أن أركان الإسلام سبعة بدلاً من خمسة؛ لذا، يراوح موقف المسلمين منهم بين القبول والرفض. وهم لا يَعُدُّون أنفسهم من جموع المسلمين، على الرغم من اعترافهم بأن لدينهم أصولاً إسلامية. وتصل نسبتهم إلى 3% من سكان سورية ، ويتركزون في جبل الدروز، ومنطقة الجولان.
3. الشيعة الإسماعيليون: ينتسبون إلى إسماعيل، الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق. ورأوا أنه الأحق بالإمامة، السابع بعد أئمة الشيعة الستة الأُوَل؛ فهو سابعهم؛ ولذا، عرفوا "بالسبعية". وهم يهتمون بالرقم 7، حتى إنهم جعلوا الرسل سبعة. يتصف الإسماعيليون بالتشدد. واستعدادهم كبير للتضحية من أجل العقيدة. ولا يتجاوز عددهم 1% من إجمالي السكان، ويتركزون في المنطقة الغربية من سورية.
4. العلويون: أو النصيريون: يتنسبون إلى محمد بن نصير النميري العابدي. ويتسم المذهب العلوي بتأثره بالمبادئ الإسماعيلية. ويناهز عددهم 11% من إجمالي السكان، يتركزون في محافظتَي دير الزور واللاذقية.
5. الأرمن: وهم جماعات نزحت إلى الوطن العربي من موطنها الأصلي في أرمينيا. يقدَّر عددهم بنحو 4% من إجمالي السكان. ويتحدثون اللغة الهندو – أوروبية. ويتمتعون بحقوقهم: الدينية والسياسية. وينتشرون في المدن السورية.
6. الأكراد: وهم امتداد للأكراد في كلّ من العراق وتركيا وإيران. يتركزون في المناطق الشمالية الشرقية من سورية، ويمثلون نحو 2% من سكانها. وليس لهم توجهات سياسية أو انفصالية، كالتي ينادي بها أكراد العراق وتركيا.
7. الشراكسة: وهم قبائل نازحه من جبال القوقاز. توافدوا إلى سورية بين عامَي 1872 و1912، من الأناضول وأوروبا الشرقية. ويقدر عددهم بنحو سبعين ألف نسمة، يتركزون في منطقة الجولان، وشرق حماة وحمص، ومنطقة رأس العين.
8. الطورانيون: وهم فئات دخلت سورية في صحبة المغول، وبقيت فيها. وهم من أصول تركية أو تركمانية. ويصل عددهم إلى نحو سبعين ألفاً، يتركزون على الحدود السورية - التركية.
9. المسيحيون: تحتضن سورية خمس طوائف مسيحية، هي: الروم الأرثوذوكس، والأقباط الأرثوذوكس، أقباط الناصرة، والأقباط الكالثوليك، والبروتستانت. ويقدَّر عددهم بنحو ، وتصل نسبتهم إلى حوالي 10% من إجمالي السكان، تتوزعهم المدن السورية، زِدْ على ذلك قلة من اليهود في دمشق وحلب والقامشلي.
رابعاً: تأثير الطائفية في استقرارها
طالما لاذت الطوائف السورية بشبه عزلة، أفقدتها ثقة بعضها ببعض، واثارت شكوكها. وأذكى الاحتلال الفرنسي تلك المشاعر، وساعده على ذلك التركز الجغرافي لبعض تلك الطوائف، ولا سيما العلويين حول اللاذقية، وفي التلال المحيطة بها، على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ والدروز حول السويداء، في الجنوب.
كذلك سهلت الطائفية على النظام السوري استمالة بعض الطوائف، من أجل تحقيق أهدافه، وإشاعة البلبلة في الداخل. ولعل تزايد نفوذ العلويين، داخل حزب البعث السوري أولاً، ثم داخل النظام البعثي، الذي حكم سورية، منذ عام 1961 ـ كان تجسيداً لتلك السياسة؛ لا، بل حافز للطوائف الأخرى، وبخاصة جماعات الإخوان المسلمين، المنبثقة من السُّنة، إلى أدوار، انتهت إلى مصادمات دموية.
خامساً: نظامها السياسي
يُعَدُّ النظام السياسي، طبقاً للدستور السوري، "جمهورياً ديموقراطياً شعبياً". وقد حدد الدستور ثلاث سلطات رئيسية، هي قاعدة للنظام الديموقراطي: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وصدر دستور سورية الحالي في13 مارس 1973 ، فأباح انتخاب رئيس الجمهورية مراراً متتالية ومتواصلة.
مدة الرئاسة 7 سنوات. وينتخِب الرئيس، أولاً، مجلس الشعب. ويرأس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية للدولة، والمتمثلة في الحكومة. أمّا مجلس الشعب، الذي يمثل السلطة التشريعية، فيتكون من 250 عضواً. وتتمثل السلطة القضائية في القضاء السوري،
1. السلطة التشريعية: يمثلها مجلس الشعب. تتولى إصدار القوانين، وتنظيم العلاقات بين مؤسسات النظام السياسي. وينتخَب أعضاء مجلس الشعب السوري كلّ أربع سنوات، يضطلع بالآتي:
أ. إعلان المرشحين لرئاسة الجمهورية.
ب. إقرار القوانين.
ج. مناقشة سياسة الحكومة.
د. اعتماد ميزانية الدولة وخطط التنمية.
هـ. الموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
و. حجب الثقة عن الحكومة أو أحد أعضائها.
2. السلطة التنفيذية: تمثلها الحكومة. وهي السلطة المسؤولة عن تنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، والأحكام الصادرة عن السلطة القضائية؛ ومسؤولة عن إقرار السياسة العامة للدولة وتنفيذها.
أ. رئيس الدولة: هو رئيس السلطة التنفيذية. يدير شؤون الدولة، من خلال مجلس الوزراء، والمجالس المحلية المنتخبة. وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهو الذي يعلن حالة الحرب، وحالة التعبئة العامة، وحالة الطوارئ.
ب. مجلس الوزراء: هو الجهاز التنفيذي والإداري الأعلى للدولة. يشرف على تنفيذ القوانين. ويصدر القرارات الخاصة بالشؤون: الداخلية والخارجية. إثر تأليف الحكومة، تعلن لمجلس الشعب بياناً بسياساتها؛ وتعرض عليه، كلّ عام، مشروع ميزانية الدولة والخطة التنفيذية للتنمية.
3. السلطة القضائية: هي سلطة مستقلة تماماً عن السلطتَين: التشريعية والتنفيذية، وفاقاً لمبدأ: "القضاة لا يتبعون إلا القوانين وشرف المهنة والضمير"، طبقاً لما ينص عليه الدستور. وتتبعها المحاكم، بمختلف أنواعها ودرجاتها، بما فيها المحكمة الدستورية العليا، التي تتكون من خمسة قضاة، يعينهم رئيس الجمهورية، ومهمتها الرئيسية مراجعة القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وتأكيد عدم معارضتها الدستور.
سادساً: الأحزاب السورية
تكاثرت الأحزاب السورية، منذ ثلاثينيات القرن العشرين؛ ولكن المتغيرات: الإقليمية والدولية، والتوجه السياسي السوري، قضيا على بعضها، وأجبرا بعضها الآخر على تعديل نُظُمه، لتوافق نظام الدولة العام، أو الانضمام إلى تحالفات، تقيه الاستضعاف. والأحزاب التقليدية، التي تعتمد على الولاء لشخصيات معينة، هي الأحزاب النافذة، ولا سيما العقائدية منها، التي تستند إلى خلايا ومنظمات شبه عسكرية؛ لا، بل إن الأحزاب العقائدية، مثل حزب البعث، ظلت على قوّتها، على الرغم من قرار حل الأحزاب، عام 1958. أمّا أهم الأحزاب السورية، فهي:
1. الحزب القومي السوري
أنشأه أنطون سعادة، عام 1932؛ مستهدفاً توحيد سورية الطبيعية، التي تشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين، علاوة على قبرص والعراق، فيما بعد. نادى الحزب بالقومية السورية، إذ حتم بأن السوريين "أمة كاملة"؛ ولذلك ناهضه المنادون بالقومية العربية، والمنادون بالقومية اللبنانية، على حدٍّ سواء. وكان مؤيداً لأديب الشيشكلي؛ ما حرمه أيّ تأييد شعبي. واتُّهم بتدبير اغتيال قائد الجيش السوري، عدنان المالكي، عام 1955؛ فحظر نشاطه في سورية.
2. حزب الشعب
أُسِّس في نهاية الثلاثينيات. تمتع أعضاؤه بالشفافية، وحب الجماهير، في حمص وحلب خاصة. أولى اهتمامه مواجهة المشاكل: السياسية والاجتماعية بأسلوب سياسي، بعيداً عن الصراعات العسكرية. فانبرى يصارع أديب الشيشكلي؛ ما أدى إلى انقسامه، عام 1954، وهو العام الذي حظي فيه بأعلى نسبة في الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في سبتمبر من العام نفسه، حين فاز بثلاثة وأربعين مقعداً في المجلس النيابي، إلى جانب 20 مقعداً أخرى لمستقلين يوالونه.
وأهم زعماء الحزب: رشدي الكخيا، وناظم القدسي، ومعروف الدواليبي، وأحمد قنبر، وهاني السباعي، وعدنان الأتاسي، ونسيب البكري. وكان للحزب ثلاث صحف، هي: "السوري الجديد"، تصدر في حمص؛ و"الشعب"، تصدر في دمشق؛ و"النذير"، تصدر في حلب.
3. الحزب الوطني
أُسِّس فـي نهاية الثلاثينيات وترأسه شكـري القوتلي؛ لمناهضة الانتداب الفرنسي. ، شل نشاطه، منذ عام 1947، بعيد استيلاء حسني الزعيم على الحكم. ونفيه قيادات الحزب، إلى الخارج. وكان أهم إنجازات الحزب، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مقاومة التوسع الهاشمي، والدفاع عن استقلال سورية دون محاولات إحياء الهلال الخصيب.
تركزت سياسة الحزب في وحدة سورية واستقلالها، وتذكير المواطنين بماضيهم الوطني. وفي عام 1955، انتهج الحزب سياسة اشتراكية. ومن أهم زعمائه: صبري العسلي، أمينه العام؛ والدكتور عبدالرحمن الكيالي، أمينه في حلب؛ ولطفي الحفار، أمينه في دمشق.
4. الحزب الشيوعي العربي
أُسِّس عام 1946 وترأسه خالد بكداش. نشط بين عامَي 1948 و1952، حينما كانت موسكو تشجع التوجهات الشيوعية في المنطقة، وراء ستار التصدي للاستعمار. بيد أن تأثيره ظل ضعيفاً؛ بل إن أعضاءه القلة، كان انضواؤهم إليه إعجاباً بشخصية بكداش، أكثر منه رغبة في الشيوعية.
5. حركة التحرر العربي
حركة تابعة لأديب الشيشكلي، وقد حُلت بعد سقوطه. كانت تميل إلى تنفيذ أهداف الغرب في سورية. وأهم أعضائها: مأمون الكزبري، وعبدالحميد خليل.
6. حزب البعث العربي الاشتراكي
حزب عربي عقائدي يهدف إلى تحرير التراب العربي كله وتوحيده في ظل نظام تقدمي- اشتراكي، وهو يرى أن نضال الجماهير على امتداد الوطن العربي من أجل تحقيق هذا الهدف شرط لانبعاث الأمة العربية وإسهامها في صنع مستقبل الإنسانية. أسسه في دمشق عام 1943، كل من ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، باسم حزب البعث العربي، واندمج فيه عام 1953 الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني، فأصبح يطلق عليه حزب البعث العربي الاشتراكي، وفي الخمسينيات، انتشرت مبادئه في العديد من الدول العربية. وتولى الحكم في العراق، في 8 فبراير1963؛ وفي سورية، في 8 مارس 1963.
والعديد من الأحزاب، التي تكونت في حقبة الخمسينيات والستينيات، ومعظمها يحمل شعارات الاشتراكية والشيوعية ـ لم تتمكن من العمل، منفردة؛ فحالفت أحزاباً، وائتلفت أخرى في جبهات، هي:
أ. الجبهة الوطنية التقدمية
تتولى الحكم منذ أوائل السبعينيات (1972). ويقودها حزب البعث العربي.
ـ الاشتراكي، برئاسة الرئيس حافظ الأسد، ثم الرئيس بشار الأسد منذ 20 يونيه 2000, وتشمل إلى جانب البعث:
ـ الحزب الاشتراكي العربي، برئاسة عبدالغني كانوت.
ـ الحزب الوحدوي الديموقراطي الاشتراكي، برئاسة أحمد الأسد.
ـ الحركة الاشتراكية الوحدوية العربية، برئاسة سامي صوفان.
ـ الحزب السوري العربي الاشتراكي، برئاسة صفوان قدسي.
ـ الحزب الشيوعي السوري، برئاسة خالد بكداش، ثم يوسف فيصل.
ب. المعارضة السورية
بعض الأحزاب، لم تنضم إلى التحالف الحاكم، وآثرت معارضة السلطة؛ فحُظِرت، ولُوْحِق قادتها وأعضاؤها، منذ سبعينيات القرن العشرين، واعتقل كثير منهم، وفر بعضهم إلى خارج سورية.
وتنضوي الأحزاب المعارضة إلى تجمعَين، هما الجبهة الوطنية لإنقاذ سورية، التي أعلن تكوينها في باريس، في 23 فبراير 1990؛ والتجمع الوطني الديموقراطي، الذي أعلن تكوينه في سورية، في مارس 1980. وتكاد هاتان الجبهتان تكونان عديمَ التأثير في القرار السوري.
ج. الجبهة الوطنية لإنقاذ سورية
ينضوي إليها:
ـ الإخوان المسلمون برئاسة عبدالفتاح أبو عزة، ومحمد ضاوي.
ـ الحزب الوطني الديموقراطي، برئاسة أحمد سليمان.
ـ الاتحاد الاشتراكي العربي، برئاسة أحمد الجراح.
ـ حزب البعث (المنشق)، برئاسة شبلي العيثمي، ومحمد عمر برهان.
ـ جماعة المستقلين (مسؤولون سابقون في الحكم السوري)، ومنهم: الرئيس السابق، أمين الحافظ؛ ومصطفى حمدون وأحمد أبو صالح، وزيران سابقان؛ ومحمد الهواش، عميد سابق في الجيش السوري.
د. التجمع الوطني الديموقراطي
يضم الأحزاب التالية:
(1) الحزب الشيوعي السوري، (المكتب السياسي)، ويرأسه رياض الترك المعتقل منذ أكتوبر 1980).
(2) الاتحاد الاشتراكي العربي، ويرأسه جمال الأتاسي، الذي تخلى عن الجبهة الوطنية الحاكمة، بعد أشهر من تكوينها عام 1972.
(3) حزب البعث الديموقراطي العربي، الذي تُعَدّ عضويته، حالياً، شبه مُعَلَّقة.
(4) حزب العمال الثوري، الذي أنشأه المرحوم ياسين الحافظ.
(5) حزب الاشتراكيين العرب.
سابعاً: إجمالي الناتج القومي
بلغ إجمالي الناتج القومي عام 2000، 50.9 بليون دولار؛ بمعدل نمو 3.5%. وبلغ متوسط دخل الفرد 3100 دولار. ويعتمد الاقتصاد السوري على الزراعة (29%)، والصناعة (22%)، والخدمات (49%).
ثامناً: النظام الإداري
تنقسم سورية، إدارياً، 14 محافظة، هي:

المساحة (كم2)المحافظة
105دمشق (العاصمة)
18032ريف دمشق
18500حلب
42223حمص
1892طرطوس
8883حماة
2297اللاذقية
33060دير الزور
6097إدلب
1861القنيطرة
2334الحسكة
19616الرقة
5550السويداء
3730درعا


المبحث الثاني: استقلال سورية وعدم استقرار الحكم
ساعدت سورية ظروفها الخاصة، إبّان الحرب العالمية الثانية، على التخلص من الاحتلال الأجنبي، قبل غيرها من دول الشرق العربي. فقد جلت عنها، في 17 أبريل 1946، القوات الإنجليزية- الفرنسية المشتركة؛ في حين كانت بريطانيا لا تزال تساوم كلاًّ من مصر والعراق في منحها امتيازات عسكرية مقابل الجلاء. وبينما كانت قضية الجلاء، تشغل الرأي العام في كلّ من مصر والعراق؛ كانت سورية، أحزاباً وقوى سياسية، منشغلة بموضوع الاتحاد العربي وكيفية تكوينه.
اختارت سورية قبل الجلاء، نظام الجمهورية البرلمانية. وأسفرت الانتخابات البرلمانية، عام 1943، عن فوز حزب الكتلة الوطنية، ما ساعد على اختيار زعيمه، شكري القوتلي، رئيساً للجمهورية.
مهدت الحرب العالمية الثانية لنشوء طبقة بورجوازية جديدة، قوامها كبار التجار، الذين ازدادت مكاسبهم، أثناءها. وسرعان ما سعت إلى تسخير الأحزاب التقليدية، ونظام الجمهورية البرلمانية، لوصولها إلى السلطة. وقد تمكنت تلك الأحزاب، أحياناً، من الجمع بين البورجوازية الناشئة والزعماء التقليديين، الذين يعتمدون على الملكية الزراعية أو الطائفة الدينية، وهم غالبية في المجلس النيابي؛ على الرغم من أنهم غير منتمين إلى أحزاب. وتمخض ذلك بظهور أحزاب، أهمها: فهي الحزب الوطني وحزب الشعب.
وفي 29 نوفمبر 1948، أيْ في الذكرى الأولى لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الرقم 181، الذي يوصي بتقسيم فلسطين، اندلعت تظاهرات عنيفة في المدن السورية، صادمت رجال الشرطة، فسقط عدد من الضحايا؛ ما اضطر الحكومة، في 3 ديسمبر، إلى الاستنجاد بالجيش، فكان ذلك إيذاناً بتدخل القادة العسكريين في الشؤون السياسية. وقد استهله حسني الزعيم، رئيس الأركان العامة للجيش السوري؛ تسانده جماعة من الضباط القوميين، والسياسيين الراديكاليين، فاستولى، ليلة 29/30 مارس 1949، على السلطة، وأطاح الحكم القائم. ولاقى هذا العمل رضي عامة الشعب. هكذا أقحم الجيش في السياسة، والبلاد في الفوضى والمتاعب.
أولاً: الاستقلال
كان لهزيمة فرنسا، في الحرب العالمية الثانية، أبعد الأثر في تطور سورية؛ إذ كانت هي ولبنان، هما أسبق البلاد العربية المجاورة إلى الاستقلال، من دون التقيد بواحدة من المعاهدات غير المتكافئة.
اتخذ الرأي العام السوري موقفاً سلبياً من الصراع الدولي، وعلقت أحزابه نشاطها؛ لأن سورية كانت بعيدة عن مسرح القتال. بيد أن فئات قليلة، شذت، مثل: الحزب القومي السوري، نصير النازية، وشبيهها في عقائده السياسية وتشكيلات الشباب، التي ألفها في الثلاثينيات. أمّا الحزب الشيوعي السوري، الفريد في نوعه، في الشرق العربي حينذاك، فكان فرعاً من الحزب الشيوعي الفرنسي؛ لذلك بقي قائماً حتى حل الحزب الرئيسي، لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية الفرنسية. لقد عارض الشيوعيون الكتلة الوطنية، إلا أنهم وافقوها على مشروع معاهدة 1936؛ لأن اليسار الفرنسي كان المسؤول عنها. ولم يلبثوا أن عانوا انقسامات، ناجمة عن اختلاف أعراقهم؛ فمنهم الأرمن والأكراد، فضلاً عن العرب.
أثار توقيع فرنسا للهدنة بلبلة شديدة لدى السلطات الفرنسية في الشرق؛ إذ إن سورية بعيدة عن منال المحور، وفي استطاعة تلك السلطات أن تستمر في التعاون مع بريطانيا، ولا سيما أن الجنرال شارل ديجول، انتقل إلى لندن، حيث وجَّه نداءه التاريخي، في 18 يونيه 1940، داعياً الفرنسيين إلى نبذ الهدنة، واستمرار القتال إلى جانب بريطانيا. وقد أبدى الجنرال متلهاوزر، القائد الفرنسي الجديد في الشرق، ميله إلى استمرار التحالف مع بريطانيا؛ ما شجع الجنرال البريطاني، أرشيبالد ويفل، على زيارة خاطفة إلى دمشق، في نهاية شهر يونيه. إلا أن القائد الفرنسي/ ما لبثت أن تنكر لميله، بأيد\ حكومة فيشي، التي أعلنت أن من أهدافها المحافظة على الإمبراطورية؛ حاذياً بذلك حذو المقيم الفرنسي العام في كلّ من تونس ومراكش، اللذَين أعلنا ولاءهما لها.
وفي أوائل يوليه 1940، تأزمت العلاقات بين بريطانيا وحكومة فيشي، إثر تعرض الأسطول الفرنسي، في وهران، لغارة بريطانية بحرية؛ فانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الطرفَين. وبادرت بريطانيا إلى تحديد موقفها من سلطات فيشي، في سورية ولبنان؛ لأهمية موقع القطرَين وتأثيره تأثيراً مباشراً في النشاط البريطاني الحربي في الشرق الأوسط؛ إذ لو أمكن القوات الألمانية الوصول إليهما، لأمست مصر وقناة السويس بين فكَّي كماشة محورية. فأصدرت الحكومة البريطانية، في 2 يوليه، التصريح التالي:" تسجل الحكومة البريطانية إعلان الجنرال متلهاوزر، القائد الفرنسي العام في المشرق، بأن الحرب قد انتهت في سورية. وهي ترى أن ذلك لا يعني، إنْ فكرت كلّ من إيطاليا أو ألمانيا في احتلال سورية أو لبنان، وحاولت ذلك، على الرغم من اعتراض القوات البريطانية البحرية، أن تقف القوات الفرنسية ساكنة، من دون محاولة مقاومتها".
ومن ثَم، أعلنت الحكومة البريطانية، أنها لن تسمح لأيّ دولة معادية باحتلال سورية ولبنان، أو اتخاذهما قاعدة للهجوم على أقطار الشرق الأوسط، التي تقع على بريطانيا مسؤولية الدفاع عنها، أو تحويلهما إلى بؤرة للاضطرابات. وهددت بأنها حرة في اتخاذ أيّ إجراءات لمواجهة هذه الحالة، دفاعاً عن مصالحها. وأوضحت أن أيّاً من إجراءاتها، لن يكون له تأثير، في المستقبل، في الوضع السياسي للأقاليم الواقعة تحت الانتداب الفرنسي.
وسرعان ما ازدادت العلاقات سوءاً، بين بريطانيا وسلطات حكومة فيشي. وأغلقت الحدود بين سورية ولبنان، من جهة؛ والأقطار الخاضعة للنفوذ البريطاني، والمحيطة بهما، من جهة أخرى؛ ما أضر بالاقتصاد السوري. وعمدت السلطات الفرنسية إلى إبعاد ذوي الميول البريطانية؛ لا، بل طاول انتقامها أولئك الذين كانت قد تغاضت عنهم، أثناء تحالفها مع بريطانيا، مثل عبدالرحمن شاهبندر؛ لأنهم كانوا ينادون بملكية دستورية، سيضمها، لا محالة، اتحاد مع العراق أو الأردن؛ فهُم، إذا، أصدقاء للإنجليز ولذلك، اشتدت الريبة في صِلة حكومة فيشي باغتيال شاهبندر، في صيف 1940.
في أوائل عام 1941، وفد على دمشق ألفون أوتوهنتج، وزيراً ألمانياً مفوضاً في العاصمة السورية؛ وهو المعروف بنشاطه في الشرق الأوسط، إبّان الحرب العالمية الأولى، حتى لقب باللورنس الألماني. وشرع يستميل زعماء سورية. وتألَّف شعبها بإثارة موضوع الوطن القومي لليهود في فلسطين؛ لا، بل روج فكرة عقد مؤتمر إسلامي في دمشق، لبحث هذه القضية. فامتعضت منه السلطات الفرنسية وطلبت إبعاده عن البلاد. واستجابت لها ألمانيا، ولَمّا يمضِ على تعيينه شهران.
لم تقتصر محاصرة سورية على حرمانها التجارة مع الأقطار المحيطة بها؛ بل تسببت كذلك بانخفاض سعر الفرنك الفرنسي، عام 1940، انخفاضاً كبيراً؛ وذلك لأن بريطانيا كانت قد حددت له، في بداية الحرب، سعراً مجزياً مقابل الجنيه الإسترليني، ولما انقطعت التجارة مـع الأقطار الآنفة؛ والتي ترتبط بمنطقة الإسترليني، حدث ذلك الانخفاض. وفقد التجار ثقتهم بالعملة الورقية، التي يصدرها بنك سورية، المؤسَّس برؤوس أموال فرنسية. وفضَّل كبار الملاك اختزان القمح على بيعه بالسعر المنخفض؛ فنشطت السود السوداء، واستشرت الأزمة الاقتصادية، مهددة سورية بالمجاعة.
رأى القوتلي أن إنقاذ البلاد مما تعانيه، إنما يكمن في إلغاء نظام المديرين، وإعادة العمل بالدستور، وإجراء انتخابات حرة؛ وتأليف حكومة تعبّر عن الإرادة الشعبية، وتتسلم السلطة من الانتداب. وقد استجاب الجنرال دنتز، المندوب الفرنسي السامي بعض هذه المطالب في أضيق نطاق، في أوائل أبريل 1941 لبعض تلك الرؤى؛ إذ أبى إجراء الانتخابات النيابية، ورفع الرقابة عن الجرائد والحريات العامة، متعللاً بظروف الحرب؛ ولكنه عهد إلى خالد العظم بتأليف مجلس وزراء، وأبدى استعداداً لتعيين مجلس دولة، يتولى السلطة التشريعية.
1. تدخّل الحلفاء (1941)
هاودت بريطاني حكومة فيشي، عسى ألاّ تحالف الألمان؛ فلم تعكّر عليها المستعمرات الفرنسية في الشرق. بيد أنها ساعدت ديجول على الاحتفاظ بالمستعمرات، التي اختارت الانضمام إليه، في أفريقيا الاستوائية؛ ولكنها سرعان ما تخلت عن مساعدته. وفي الوقت عينه، كانت تخطط، منذ 25 أبريل 1941، للتدخل في سورية، منفردة أو بالتعاون مع تركيا، إذا ما تسللت قوات المحور إلى الشام. إلا أن كثرة أعباء القيادة البريطانية في الشرق الأوسط وتعدُّد جبهاتها، حملا الجنرال ويفل على التهديد بالاستقالة، إذا فتحت جبهة أخرى في سورية.
وعزز ريبة بريطانيا توقيع حكومة فيشي اتفاقاً مع الألمان في 21 مايو 1941، يسمح لها بتعزيز قواتها في سورية ولبنان؛ ويخولهم استخدام المطارات الفرنسية فيهما، من أجل نقل المساعدات إلى العراق. وفي أوائل يونيه 1941، أصبحت الحملة الإنجليزية على سورية، بالتعاون مع حكومة فرنسا الحرة، أمراً ممكناً؛ إذ تخلّى الجيش البريطاني عن كريت، وقضى على ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق؛ فأمست القوات البريطانية، تُحدِق بالشام من الجنوب والشرق.
حرصت بريطانيا، قُبَيل الحملة، على الفوز بتأييد السوريين، فأغرتهم بأن الحلفاء سيعلنون، عند بدئها، إنهاء الانتداب. ويذكر مذكرات ونستون تشرشل، أن الحكومة البريطانية، أرغمت حكومة فرنسا الحرة على ذلك الإعلان. ويشير إلى أنه أرسل خطاباً، في 6 يونيه 1941، إلى ديجول، يسجل على الأخير وعده "باستقلال سورية ولبنان". وأنه من الضروري إعطاء هذا الوعد جميع الضمانات التي يستحقها. ويجب ألاّ تكون المسألة السورية سبباً لاضطراب الأمن في الشرق الأوسط. وباستثناء هذا التحفظ الخاص بالأمن، يجب أن نبذل ما في وسعنا لإرضاء أماني العرب واحترام مشاعرهم".
وعشية بدء الحملة في 8 يونيه 1941، وجّه الجنرال كاترو[1]، الذي عينته حكومة فرنسا الحرة مندوباً لها في القاهرة، التصريح التالي إلى الشعبَين: السوري واللبناني:" لقد أتيت لوضع حدّ لنظام الانتداب، ولأعلن لكم أنكم أحرار ومستقلون. وعلى هذا، ستصبحون، منذ هذه اللحظة، شعبَين مستقلَّين، ذَوّى سيادة. وسيكون لكم الخيار في أن تؤسسوا لأنفسكم دولَتين مستقلتَين، أو أن تنتظموا في دولة واحدة". وفي اليوم نفسه، نشر مايلز لامبسون، المندوب البريطاني السامي في مصر، تصريحاً مشابهاً.
لم تصادف قوات الحلفاء، في بداية الأمر، مقاومة تذكر. وما إن اقتربت من جنوب العاصمة السورية، حتى جُبهت بهجوم هجوم مضادّ، شنه نحو 35 ألف جندي. وفي 16 يونيه، استردت القنيطرة، واضطرت بريطانيا إلى إرسال تعزيزات جديدة، لم تكن متوقعة. وحُرٍم دنتز أيّ دعم من فرنسا، فطلب، في 21 يونيه، تعرُّف شروط الحلفاء لعقد الهدنة، فأجيب بأنه سيسمح بترحيل الجيش الفرنسي، مع جميع مظاهر الشرف العسكري. وفي أثناء المحادثات، سقطت دمشق، في 24 يونيه. وسارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيق الهدنة، فكانت في 12 يوليه 1941. ونظمت شروطها جلاء قوات حكومة فيشي عن المشرق.
2. النزاع البريطاني ـ الفرنسي (1941 – 1943)
لم يَحُل تحالف بريطانيا وفرنسان الحرة دون اختلافهما. وكانت أولى بوادره قد ظهرت قبل احتلالهما لسورية، حينما احتج ديجول على إصرار بريطانيا على تصريح، يضمن استقلال ذلك البلد؛ ما عُدَّ انتقاصاً من سلطة فرنسا الحرة في تصريف شؤونه السياسية. ولذلك عُين كاترو "مفوضاً عاماً"، يوم احتلال قوات الحلفاء لدمشق. كما أكد الإنجليز، بعد الهدنة، أنهم لا يرغبون في الحلول محل فرنسا، في أيّ جزء من إمبراطوريتها؛ بل اعترفوا بدورها التاريخي في المشرق، وبامتيازاتها في الشؤون: الثقافية والاقتصادية. ووقع اتفاق بين الجنرال ديجول وأوليفر ليتلتون، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، عرف باسم اتفاق ديجول – ليتلتون، أقر بمركز ممتاز لفرنسا على الدول الأوروبية، شريطة تنفيذ التعهد الخاص باستقلال سورية. ولكن سرعان ما اتهم الجنرال كاترو الإنجليز، ولَمّا يمضِ على اتفاقهما سوى بضعة أيام، بأنهم يؤامرون الدروز في الانفصال عن سورية، والانضمام إلى شرق الأردن.
سعت السياسة الفرنسية، في الأشهر الأولى من الاحتلال الثنائي، إلى الاحتفاظ بجميع امتيازات الدولة المنتدَبة، حتى نهاية الحرب؛ فما تصريح كاترو، إذاً، بالاستقلال سوى تغيير في الشكل.
أمّا بريطانيا، فكانت ترى أن إبقاء الوضع على ما هو عليه، قد يثير القلاقل في سورية، فيعرقل النشاط الحربي. لذلك، لا بدّ من تغيير فعلي، مع احتفاظ فرنسا ببعض الامتيازات، مثل تلك التي تتمتع بها بريطانيا في مصر أو العراق. وهكذا أصدر تشرشل تصريحاً، في مجلس العموم، في 9 سبتمبر 1941، جاء فيه: " إن سياستنا التي أعلناها، واشترك فيها حلفاؤنا، رجال فرنسا الحرة، هي أن ترجع سورية إلى الذين يجب أن يتمتعوا، في أقرب فرصة، بحقوقهم في الاستقلال والسيادة. ولا نري أن يؤجل ذلك إلى نهاية الحرب".
وفي 28 سبتمبر 1941، أعلن كاترو قيام دولة سورية. وقد اختُلِف في تفسير الخطوة الفرنسية، فرأى فيها بعضهم خضوعاً لتصريح تشرشل في مجلس العموم. وتأوّلها آخرون بأنها إحباط لفكرة الهلال الخصيب، التي راج الحديث بها؛ إذ إن الإعلان الفرنسي، أكد الصفة الجمهورية للدولة السورية الجديدة.
رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بالدولتَين الجديدتَين: سورية ولبنان؛ لأن حكومتَيهما لا تمثلان إرادة الشعبيَن: السوري واللبناني. ولكن بريطانيا بادرت إلى الاعتراف بسورية، وعينت فيها وزيراً مفوضاً، هو إدوارد سبيرز. وفي دمشق راود كاترو هاشم الأتاسي على رئاسة الجمهورية، في مقابل الاتفاق السري على وضع معاهدة 1936 موضع التنفيذ. فقبل العمل بالمعاهدة، خلال فترة الحرب؛ ولكن رفض أن يشارك الفرنسيين في مؤامرة على الحركة الوطنية.
لطالما ارتاب الوطنيون السوريون في نيات بريطانيا. وكانت فرنسا الحرة أشد ريبة، أثناء تأليف حكومة سورية في صيف 1942؛ ما زعزع علاقاتها بلندن، حتى إن ديجول هدد بالتخلي عن محالفة الإنجليز، مكتفياً بالانزواء في أفريقيا الاستوائية.
ولكن تغير الموقف العسكري، في شمالي أفريقيا، في أوائل عام 1943، أدى إلى تأييد تشرشل لتولي ديجول زعامة الفرنسيين هناك. وابتعدت ميادين القتال عن الشرق الأوسط، فزالت الحجة، التي طالما تذرع بها الفرنسيون لتأجيل الانتخابات في سورية. وهكذا أصدرت حكومة فرنسا الحرة قراراً، في 24 يناير 1943، يسمح بإجراء الانتخابات، لتكوين جمعية وطنية في البلاد.
3. التصادم
أسفرت الانتخابات النيابية في سورية، صيف 1943، عن فوز الكتلة الوطنية؛ وتولِّي جيل جديد لقيادتها، فتزعمها شكري القوتلي بدلاً من هاشم الأتاسي، وصار المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية.
أصر المفوض الفرنسي، خلال المفاوضات بين الحكومة السورية والسلطات الفرنسية، على أن الانتداب لا يمكن إلغاؤه إلا بمعاهدة، كتلك المبرمة بين بريطانيا وبعض الدول العربية؛ فضلاً عن أنه لا يُلغَى إلا إذا استبدل بعصبة الأمم، التي أقرته، منظمة دولية أخرى. وفنّد السوريون الحجج الفرنسية، وذكروا أن الانتداب غير صحيح، منذ البداية؛ لأن أهل البلاد، لم يستشاروا فيه.
لم يَلِن موقف فرنسا على بعد الضربة التي تلقتها، في نوفمبر 1943، وأضعفت قدرتها على المساومة؛ فاضطرت إلى التخلي عن كثير من امتيازاتها، إذ أعادت إلى حكومة دمشق إدارة المناطق، التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي، مثل: جبل الدروز وبلاد العلويين. ولكنها عادة إلى تشددها، عام 1944، إثر تحرير الأراضي الفرنسية من الاحتلال الألماني، واعتراف الدول بحكومة ديجول المؤقتة. ويلمِح إلى ذلك قول ديجول نفسه، في 25 يناير 1945: "كانت فرنسا أول دولة اعترفت باستقلال سورية ولبنان، اللتَين لها فيهما مركز ممتاز، يجب عليها أن تحافظ عليه. وهي مصممة على أن تمنح أصدقاءها: السوريين واللبنانيين، استقلالاً حقيقياً؛ ولكن التدخل الأجنبي، هو الذي يزيد من تعقيد هذه المسألة".
غاب عن فرنسا، أن سورية حظيت كذلك باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي باستقلالها؛ كما تأكد استقلالها الاقتصادي باستمرارها في الارتباط بالإسترليني، خوفاً على النقد السوري من التقلبات الشديدة، التي تعتري الفرنك الفرنسي.
كان من المقرر أن تبدأ المفاوضات، بين فرنسا وسورية، في 19 مايو 1945. غير أن الحكومة الفرنسية آثرت، قبل بدئها، أن تلوّح بالقوة، فشرعت، منذ 15 مايو، ترسل تعزيزات عسكرية إلى سورية؛ ما أثار احتجاج دمشق وأدى قطع المفاوضات. بدا ضيق السوريين بالخطوة الفرنسية في إضراب عام، سرعان ما تحوّل إلى اشتباك حول محطة حماة، واصطدامات في حلب، وانتهى إلى ضرب دمشق، جوا،ً في 29 مايو 1945. وقدر ضحايا تلك الأحداث بنحو 500 قتيل و1400 جريح.
عجِلت بريطانيا إلى إنذار فرنسا. فأرسل تشرشل، في 31 مايو1945، إلى ديجول، يقول: "إزاء الموقف الخطير بين قواتكم ودولتَي المشرق، ونشوب القتال العنيف معهما، آسف كلّ الأسف، أن أبلغكم أننا قد أمرنا القائد العام في الشرق الأوسط بأن يتدخل، ليحُول دون الاستمرار في إراقة الدماء؛ محافظة على الأمن في منطقة الشرق الأوسط كلّها. وتجنباً لاصطدام القوات: البريطانية والفرنسية، نطلب منكم أن تأمروا، في الحال، القوات الفرنسية بأن تكفّ عن إطلاق النار، وأن تتراجع إلى ثكناتها. وما إن يقف وقف إطلاق النار، ويرجع النظام إلى نصابه، نكون مستعدين لأن نبدأ محادثات ثلاثية، في لندن".
اضطر الإنذار البريطاني الفرنسيين إلى التخلي عن استئثارهم بقضية سورية ولبنان، ورفضهم تدويلها. فعرض جورج بيدو، وزير خارجية فرنسا، أن يطرح موضوع علاقات الدول العربية المختلفة بكلّ من بريطانيا وفرنسا، على الدول الخمس الكبرى، أو الأمم المتحدة. غير أن الولايات المتحدة الأمريكية، رفضت الفكرة، بحجة أن هذا الموضوع معقد، لا تقوى عليه المنظمة الدولية الناشئة.
أيقنت فرنسا أن لا مفر من مفاوضة الحكومة السورية؛ علّها تستطيع أن تظفر ببعض الامتيازات. فأعلنت، في 8 يوليه 1945، أنها ستفوض إليها، خلال 45 يوماً، إمرة القوى التابعة للاحتلال، والتي اختص بها سورية
صارت الفرصة سانحة للمطالبة بالجلاء، دونما حاجة إلى معاهدة، لا يتكافأ طرفاها؛ كما حدث في بعض الدول العربية. ولكن، عاق اغتنامها اشتراط بريطانيا للموافقة على الجلاء، أن تُنْشَأ هيئة دفاع مشترك للشرق الأوسط، والتي من شأنها أن تؤكد النفوذ البريطاني في الشرق العربي،. وقد وضحت بريطانيا سياستها الجديدة في تصريح 13 ديسمبر 1945:"سينفذ برنامج الجلاء على نحو، يضمن أن تبقى في المشرق قوات كافية للمحافظة على الأمن، ريثما تقرر هيئة الأمم تنظيم أمن جماعي خاص لهذه المنطقة".
أَوَّلت فرنسا ذلك التصريح بأن بريطانيا، ستجلو عن سورية ولبنان، وتبقى في هذا الأخير القوات الفرنسية. وبدد الإنجليز هذا اللَّبْس بالإعلان أنهم لا ينوون الجلاء وحدهم، في أيّ حال من الأحوال. وما لبثت القضية أن عرضت، في فبراير 1946، على مجلس الأمن، حيث تبين أن لندن غير متمسكة بالاحتلال، فأُحرجت باريس، واضطرت إلى الخضوع لقرار أغلبية المجلس، الذي حض الأطراف المتنازعة على التفاوض، للوصول إلى اتفاق على مبدأ الجلاء؛ وهو القرار الذي لم يبطله نقض الاتحاد السوفيتي، إذ عَدَّه غير كافٍ، وأراد أن ينص على الجلاء، صراحة. وأضحت مصائب المحتلين فوائد لسورية؛ إذ أعلنت بريطانيا وفرنسا، في 4 مارس 1946، أنهما اتفقتا على الجلاء عنها. وكان جلاؤهما في 17 أبريل 1946.
ثانياً: عدم استقرار الحكم
تداول رئاسة الحكومة السورية، بين عامَي 1943 و1947، ثلاثة من أعيان الكتلة الوطنية: سعدالله الجابري وجميل مردم وفارس الخوري. وقد عانت حكوماتهم تشبُّث فرنسا بما تبقى لها من السلطة، وإصرارها على معاهدة مع السوريين تصون مصالحها؛ فضلاً عن معاناة تلك الحكومات شحوب صورتها، وافتقارها ثقة الشعب. وطاولت المعاناة الكتلة نفسها، بل قضت عليها بعد موت سعدالله الجابري، في 20 يونيه 1947؛ وهو أشد رجالها شجاعة واستقامة، وربما أوْحدهم سمعة ونفوذاً. وقد أنعش ذلك مكانة رئيس الجمهورية، القوتلي؛ وسمح بظهور القوى المناوئة للكتلة المحتضرة.
1. الحزب الوطني
في ربيع 1947، وقبل بضعة أشهر من الانتخابات العامة ببضعة شهور، سعى جناح الكتلة الحاكم إلى توحيد شتيته في الحزب الوطني؛ وكان مركزه في دمشق، حيث يتوافر أتباع رجاله، أمثال: القوتلي وفارس الخوري ولطفي الحفار وصبري العسلي. وقَصَرَ الحزب سياسته على العاصمة السورية، فلم يطرح أيّ منهاج مفصل، ولم يُخضع محازبيه لأيّ نظام؛ بل لم يستطع الادعـاء بأن له قيادة ذات بنية تنظيمية واضحـة. ولم تعتمد قوّته الانتخابية على الخصائص الذاتية لقادته اعتمادها على سجلهم الوطني. ولذلك، فَقَدَ مرشحوه تأييد الناس، وبخاصة عام1950؛ إذ خرجوا من أحيائهم القديمة، وقطنوا في المناطق السكنية الحديثة؛ فضلاً عن افتقاده ما حظيت به الأحزاب العصرية الأيديولوجية، من محازبين شباب، ونوادٍ سياسية، اضطلعت بدور انطلاقي وتعليمي.
2. حزب الشعب
اتسم رجال الكتلة الوطنية بضيق الآفق، وانحصار طموحهم في صيانة وجودهم السياسي، والمحافظة المحدودة على استقلال الدولة؛ نايهك بتخلُّفهم عن الرأي العام السوري، ولا سيما رأي الشباب، الذين أمسوا عرضة للأفكار: البعثية والشيوعية، فانبروا يطالبون بالاستقلال التام، سبيلاً لإصلاح الحياة الوطنية، وجعْل بلدهم معقلاً، تندفع منه حركة تحرير الدول العربية الأخرى وتوحيدها. فأضحت الكتلة نَخِرة، كثُر معارضوها، وبخاصة أولئك الذين يناوئون القوتلي، مثل: الكتلة البرلمانية الدستورية والكتلة البرلمانية الشعبية. وما لبث المعارضون أن انشقوا عن الكتلة الوطنية، ليأتلفوا في حزب الشعب، الذي كان يمثل المصالح التجارية في حلب والمنطقة الشمالية، حيث اكتسب تأييد عائلة الأتاسي الإقطاعية، ذات الأملاك الشاسعة، في حمص.
لم يكن حزب الشعب حزباً هاشمياً، ولا ملكياً؛ فقد كان يرتبط بالمؤسسات الجمهورية. وإنما كان حزباً حلبياً، في المقام الأول، ذا بُعْد قومي. ولذلك، جهد في إزالة الحدود بين سورية والعراق، وتحطيم الحواجز التجارية بين البلدين. ورفع، في 23 أكتوبر 1948، إلى الرئيس القوتلي مذكرة، تدعو إلى اتحاد عربي، لمواجهة التهديد الإسرائيلي.
3. انتخابات عام 1947
في انتخابات يوليه 1947، شكل حزبا البعث والشعب جبهة مشتركة، لشن حملة إصلاح انتخابي. ونجحت حملة المعارضة من أجل انتخابات مباشرة، في مرحلة واحدة. وفازت بثلاثة وثلاثين مقعداً جديداً، فارتفع تمثيلها في المجلس إلى 53 نائباً؛ مقابل 24 نائباً للحزب الوطني، يضاف إليهمما يزيد على الخمسين، من المستقلين، الذين لا ينتسبون إلى أيّ حزب. حقق هؤلاء المستقلون التوازن بين الكتلَتين المتنافستَين؛ غير أنهم استمروا أرضاً صالحة للانتهازيين السياسيين، حتى اختفاء البرلمان السوري، عام 1958. وتمثلوا في ملاك أراضٍ ورجال أعمال وزعماء قبائل، وأقليات، ورؤساء عائلات كبرى؛ ومن ثَم، فهُم يضعفون التنظيمات الحزبية.
ففي حلب، فاز جميع زعماء المعارضة، وهم: رشدي الكيخيا، وناظم القدسي، ومصطفى برمدا، ووهبي الحريري، وأحمد الرفاعي. وفي دمشق، أخفق، في الدورة الأولى، معظم كبار الحزب الوطني في الحصول على 40% من الأصوات المشترَطة للنجاح؛ ولكنهم في الدورة الثانية، حين أصبحت الأغلبية القليلة كافية، فازوا بأغلبية ساحقة، مريبة، اتُّهمَت وزارة الداخلية بالمواطأة عليها. وقد انتخب المجلس الجديد، في جلسته الأولى، في 27 أغسطس 1947، فارس الخوري رئيساً له. وفي اليوم التالي، استقالت حكومة جميل مردم، ليكلَّف رئيسها نفسه تأليف الحكومة الجديدة.
بادر القوتلي الحكومة، في أكتوبر 1947، بحملها على تقديم مشروع قانون،يعدِّل المادة 68 من الدستور، فيمكّنه من تجديد انتخابه، في 18 أبريل 1948، خمس سنوات أخرى. أبهج التجديد المستنفعين، ولا سيما أقارب الرئيس القوتلي نفسه؛ ولكنه أساء إلى الشعب السوري، إذ أحدقت به الفوضى وسوء الإدارة، وارتفاع الأسعار وشح المحاصيل. وكلُّ ذلك عاق حركة الإصلاح، وأسهم في انهيار النظام البرلماني السوري.
4. وزارة خالد العظم
أسخطت السوريين نتائج حرب فلسطين عام 1948؛ فعّمت الإضرابات مدنهم الكبرى، امتعاضاً من ضعف الجيش السوري في تلك الحرب، وتبرماً بحالة الطوارئ المعلنة في البلاد؛ فاستقال جميل مردم، في الأول من ديسمبر 1948. وتهيَّب الكيخيا والقدسي، زعيما حزب الشعب الاشتراكي؛ وهاشم الأتاسي، تهيبوا تأليف حكومة جديدة؛ ما اضطر القوتلي إلى استدعاء الخبير المالي، خالد العظم، من باريس، وعهد إليه بتأليفها. فجاءت الوزارة، في 16 ديسمبر 1948، من خارج المجلس النيابي. واستهلت نشاطها، بعد عشرة أيام، بمواجهة مشكلَتين: أولاهما، الحاجة إلى عقد اتفاق نقدي مع فرنسا؛ الأمر الذي استنكرته المعارضة، وعَدَّته مقدمة لإحياء النفوذ الفرنسي في سورية. وثانيتهما، قضية منح شركة الأنابيب الأمريكية (التابلاين) تسهيلات عبور من المملكة العربية السعودية إلى ميناء الزهراني، جنوب صيدا، على الساحل اللبناني من البحر الأبيض المتوسط؛ وهو ما أوحى معارضو الحكومة بأنه طليعة الاستعمار الأمريكي.
قادة معارضة الحكومة، في داخل المجلس النيابي، حزب الشعب والإخوان المسلمون؛ وفي خارجه، حزب البعث والطلاب. غير أن المعارضة، لم تثنِ خالد العظم عن توقيع اتفاقية سورية – فرنسية، في دمشق، في 7 فبراير 1949، ذللت جميع المتاعب المالية المعلقة. تلاها، في 16 من الشهر عينه، توقيع اتفاقية التابلاين. وقبل إقرار المجلس النيابي للاتفاقيتَين، قاد حسني الزعيم انقلاباً عسكرياً على شكري القوتلي، ليلة 29/30 مارس 1949. ولم يُجْدَ المجلس تردده في إقرار اتفاقية التابلاين؛ إذ وقعها سواه، ليشاع أن الولايات المتحدة الأمريكية، تزكِّي انقلاب حسني الزعيم.

ينبـــــــــــــع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابطال الحرمين

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : باحث في العلوم الاستراتيجية والعسكرية
التسجيل : 24/07/2011
عدد المساهمات : 3188
معدل النشاط : 4645
التقييم : 866
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )   الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 11:52

المبحث الثالث: عصر الانقلابات، والعودة إلى الجمهورية البرلمانية
كان معظم الضباط القدامى في الجيش السوري، يتحدرون من عائلات كبيرة، حرص الفرنسيون على ولائها، فضموا أبناءها أولئك إلى القوات الخاصة. وإثر رحيل الفرنسيين، في أبريل عام 1946، تمخض ذلك الجيش بجيل من الشباب الوطنيين المنتمين إلى الطبقة الوسطي، التي تربت في مدارس حركات الشباب، التي عرفتها فترة الأربعينيات. وكان لخريجي عام 1946-1947، الذين شاركوا في حرب فلسطين، عام 1948، دور مهم في الجيش، وفي الحياة السياسية في سورية.
أكرم الحوراني والجيش
تنبَّه لأهمية الضباط الواعين سياسياً زعيم من حماة، هو أكرم الحوراني، قاد، منذ عام 1939، حركة الشباب في المدينة. ولم يَكْفِه نشاطها في التذمر على الانتداب والنظام السوري، فسعى على تقويتها، فألحقها، سراً، بتنظيم شبه عسكري، الحزب السوري القومي، أشد القوى عداء للانتداب. ولم يتردد الحوراني نفسه في الانضمام إلى الضباط الشباب ومشاركتهم في الغارات الفدائية على الحاميات الفرنسية في منطقة حماة؛ لا، بل اقتحم، في ربيع 1945، هو والضابطان الأخَوان: أديب وصلاح الشيشكلي، وبعض رجال الحزب السوري القومي، قلعة حماة، وطردوا حاميها الفرنسية.
كان الحوراني قد حالف، في انتخابات عام 1943، الكتلة الوطنية، فانتخب ممثلاً للجيل الجديد في حماة. واجتمع في دمشق، مع اثنَين من أركان حزب البعث العربي: ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. وسرعان ما بدا له رحابة القومية العربية، وشمولية الاشتراكية، فاستبدلهما بتقوقع القومية السورية، وأسَّس، في مايو 1945، حزبه العربي الاشتراكي، ليمسي، في نهاية الحرب العالمية الثانية، أعظم الزعماء الشعبيين في شمالي سورية. واجتهد، بعد الحرب، في توسعة نفوذه في الجيش، من خلال اتصالاته بطلاب الكلية العسكرية في حمص. ولم يتوانَ، هو وأديب الشيشكلي، أوائل عام 1948، في قيادة المناضلين، عبْر الحدود الفلسطينية.
مناقشة مجلس النواب لميزانية الدفاع
كانت مناقشة المجلس النيابي السوري لميزانية الدفاع، هي الإيذان بالانقلاب الأول؛ إذ طلب نواب، يتزعمهم نائب، ينتمي إلى حزب يميني ناشئ، الاشتراكي العربي، ويدعى فيصل العسلين طالبوا تخفيض نفقات الدفاع، لا زيادتها، لجيش، قصَّر عن معركة فلسطين. اشتد عَصْف الكارثة الفلسطينية بسورية، حتى إن قادتها: العسكريين والمدنيين، تنافروا، وتراموا بالمسؤولية عن تلك الكارثة؛ ما كان تمهيداً لأول انقلاب عسكري.


أولاً: الانقلاب العسكري الأول، بقيادة حسني الزعيم[1] (ليلة 29/30 مارس 1949)
لم يخطط أكرم الحوراني للانقلاب، على نفوذه ولكن اثنَين من أشد مسانديه العسكريين حماسة: بهيج الكلاس وأديب الشيشكلي، آزرا حسني الزعيم على انقلابه، ليلة 19/30 مارس 1949؛ فكان أولهما نائبه في القيادة، وقاد الثاني وحدات المشاة والمدرعات، التي نفذت الانقلاب، بالزحف إلى دمشق من قطنة، التي تبعد عنها عشرين ميلاً.
نجح الانقلاب، من دون إراقة قطرة دم، وقُبض على رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، وعدد من الوزراء والنواب، أولئك الذين لم يكونوا بالخونة، كما وصمهم الانقلابيون؛ وإنما ساسة لا جذور عميقة لهم بين الشعب، حرمتهم سياسة الانتداب التمرس بالشؤون الحكومية، فلم يتقنوا فن "بناء الدولة"، وتقاسموا السلطة بعد الاستقلال، بأسلوب تقليدي، لا ينم باستيعاب معنى حكومة نيابية شعبية الأُسُس.
واجه حسني الزعيم صعوبات جمة دون شرعية نظامه، سواء في الداخل أو في الخارج؛ إذ كان انقلابه بدعاً في حياة المشرق العربي السياسية، لا سابقة له في منطقة الشرق الأوسط. ففي الداخل، دُعي مجلس النواب السوري لإقرار الوضع الجديد، فتمسك غالبية أعضائه بقسم الولاء للدستور؛ وانحصرت إمكاناتهم في ثلاثة خيارات:
1. تنصيب رئيس المجلس النيابي، وفق العادة، رئيساً للجمهورية، في حالة غياب الرئيس الأصيل أو وفاته. ولكن هذا الخيار طُّرِح؛ لأن رئيس المجلس، فارس الخوري، لم يكن راضياً عن الانقلاب العسكري، وليس لكونه مسيحياً، ولا لخطوته بتأييد شعبي واسع.
2. تعديل الدستور بما ينص على شغور رئاسة الجمهورية، وكيفية مواجهة تلك الحالة.
3. حل مجلس النواب، وإجراء انتخابات جديدة
لم يتفق النواب على أيّ من تلك الخيارات. وانفضوا من دون اتخاذ أيّ قرار. ورفض معظمهم التعامل مع الحكومة الجديدة، فلم يكن بدّ من حل المجلس.
وفي الخارج، تتردد كثير من الحكومات في الاعتراف بنظام حسني الزعيم. وآثر بعض الدول الترقب، ريثما ينجلي الموقف إذ إن القائد الجديد متهَم بمواطأة عدة دول أجنبية. فقد استُبدِل على اليد الأمريكية في الانقلاب بموافقة الزعيم على مشروع التابلاين؛ واستعداده لتنسيق الخطط مع نوري السعيد، لمكافحة الشيوعية؛ وقبوله مشروعاً دفاعياً للشرق الأوسط، يكون مكملاً لحلف شمال الأطلسي؛ وتوقيعه الهدنة مع إسرائيل، وتحفُّزه لمصالحتها، لولا أنه قُتِل، قُبَيْل مفاوضته في ذلك موشي شاريت، وزير خارجيتها.
وأثار الشك في علاقة بريطانيا بحسني الزعيم مَيْله، في أيامه الأولى، إلى مشروع الهلال الخصيب. وبعث الريبة بالتدخل الفرنسي في الانقلاب وصول أسلحة فرنسية، قُبَيْله إلى الانقلابيين، والصلات الوثيقة التي توطدت، بعد ذلك، بين الزعيم وفرنسا.
وطالما تجاذب اتحاد سورية والبلاد المجاورة مشروعان: الأول، عُرف باسم مشروع سورية الكبرى، ويقضي باتحاد سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، تحت عرش الملك عبدالله بن الحسين. وعُرف الثاني باسم الهلال الخصيب، ويستهدف إيجاد اتحاد فيدرالي بين سورية والعراق، في ظل العرش الهاشمي في بغداد؛ ما أثار ردود فعل عنيفة في المشرق العربي، وزاد انقساماته حدة؛ ومن ثَم، اتفقت مصر والمملكة العربية السعودية على مناهضة الهاشميين وتطلعاتهم إلى الزعامة.
لم يكن في وسع الملك عبدالله أن يتطلع إلى ضم سورية، وبلاده ما زالت تحت الانتداب البريطاني. وإثر استقلالها استقلالاً شكلياً، عام 1946، طفق يُحيي الفكرة؛ ما دفع مجلس الجامعة العربية إلى عقد جلسة خاصة لوزراء الخارجية، انتهت إلى تصريح مشترك، أوضح أنه ليس لدى أيّ دولة نية العدوان على سيادة دولة أخرى، أو تغيير نظام الحكم فيها. ولكن الأردن تحفَّظ من التصريح العربي، وأعلن أن سورية الكبرى من أهدافه الوطنية.
ولم يفارق العراق طموحه إلى مشروع الهلال الخصيب، مستنداً إلى بعض الاقطاعيين السوريين، مثل: حسن الحكيم ومنير العجلاني، والذين كانوا يخشون تقلبات النظام الجمهوري. وما إن وقع الانقلاب السوري، حتى بادرت الحكومة العراقية في 3 أبريل 1949، على إرسال جمال بابان في مهمة استطلاعية إلى دمشق فتلقفت العاصمة السورية مباحثته في اتحاد عسكري أولاً، وسياسي، يعينها على أيّ هجوم مفاجئ، قد تلجأ إليه إسرائيل في هذه الظروف؛ وينقذ حسني الزعيم من حَرَج مركزه في الداخل، في أيام الانقلاب الأولى.
استلهم نوري السعيد، رئيس الحكومة العراقية آنذاك، السياسة البريطانية فلم يتحمس للاتحاد العسكري، ولا السياسي. لا، بل أوحت إليه يشترط إعادة الوضع الدستوري إلى سورية، قبل النظر في الاتحاد الفيدرالي، أيْ لا بدّ من أن يقر الاتحاد مجلس نيابي سوري. بيد أن نوري السعيد، لم يتوانَ في حمْل سورية على انتهاج سياسته الخارجية؛ نكاية في مصر وقصراً لنفوذها. وسارع، في 16 أبريل 1949، إلى زيارة دمشق، إثر وقوفه على سعي حكامها إلى الاتصال بجميع الأطراف المتنافسة في المشرق العربي، ووصول مبعوثي حسني الزعيم إلى المملكة العربية السعودية.
أَلَحَّ حسني الزعيم على ضيفه بتحالف عسكري مع العراق. وأبدى استعداداً لمعاونة أنقرة وبغداد على مكافحة الشيوعية الدولية. غير أن نوري السعيد واجهه بمشروع اتفاق، تُوحّد بمقتضاه الجمارك والمواصلات، تمهيداً لاتحاد عسكري وسياسي.
ما إن ودّع حسني الزعيم ضيفه العراقي، حتى استقبل، في اليوم التالي، عبدالرحمن عزام، أمين عام الجامعة العربية، الذي مهد له زيارة القاهرة, في 27 أبريل، وعلى أثرها، اعترفت مصر بالنظام السوري الجديد. ولم يلبث قائد الانقلاب السوري الأول، أن مال إلى التعاون مع مصر والمملكة العربية السعودية، على أساس المحافظة على كيان سورية ونظامها؛ مُؤْثِراً إياها على الاتحاد مع العراق.
1. مواقف فرنسا وبريطانيا من الزعيم
أ. موقف فرنسا
نشطت فرنسا في الحؤول دون أيّ صلات بين الحاكم الجديد والهاشميين؛ إمعاناً في عدائها للوحدة العربية بعامة، ووحدة سورية والعراق أو الأردن بخاصة؛ إذ إنها ستخرج دمشق من منطقة النفوذ الفرنسي، لتلحقها بمنطقة النفوذ البريطاني.
ب. الموقف بريطانيا
استمرت بريطانيا تعترف بسيادة فرنسا ورغباتها في سورية، فلم تشجع المطامع الوحدوية لكلّ من الملك عبدالله أو الوصي على عرش العراق؛ بل قاومت، صراحة، جميع الخطط الوحدوية. بيد أن موقفها ذاك، لا هو بدد الريبة الفرنسية في الدوافع البريطانية؛ ولا هو أرضى الوطنيين العرب؛ بل زاد سخطهم على لندن. وأيقن السوريون، أن مشروعَي الهلال الخصيب وسورية الكبرى، ليسا سوى ستار للإمبريالية البريطانية؛ ولذلك، فقد رفضتهما بريطانيا. واتهمها أولئك الزعماء، الذين فهموا التوازن، الذي تتوخاه، بأنها تستجيب المطامع الفرنسية، وتحيي روح الانتداب. واضطرت الحكومة البريطانية، غير مرة، إلى نفي موافقتها على مشروع سورية الكبرى، والإعلان أن موقفها هو الحياد التام.
2. حكم حسني الزعيم
استنّ حسني الزعيم بسُنة مصطفى كمال العلمانية في تركيا. فطهَّر الجهاز الحكومي، وخيَّر رجاله، خلال عشرة أيام، بين الخدمة العامة والأعمال والمصالح الخاصة. وعيَّن محافظين جدداً، يتمتعون بالسلطتَين: المدنية والعسكرية. وجهر برغبته في تحديد الثروات الطائلة، وإجراء إصلاح زراعي. وخطط مشروعات عامة عديدة. وعقد اتفاقيات، تجهيز مرور أنابيب النفط بالأراضي السورية. ومنع استخدام ألقاب، كالباشا والبك.
وندد حسني الزعيم بالشيوعية؛ لمعارضته مبادئها مبادئ القومية العربية، التي ينتمي إليها الشعب السوري. وزعزع الزعيم المجتمع الدمشقي، المتشبث بالتقاليد الدينية بإلغاء الأوقاف الإسلامية؛ واستبدال قوانين: مدنية وجنائية وتجارية، عصرية، مقتبسة من قوانين مصر خاصة، استبدالها بقوانين الشريعة الإسلامية. ومنح المرأة، للمرة الأولى، حق الانتخاب. وأعلن سخطه على اللباس العربي التقليدي، فامتلأت الشوارع بالقبعات الأوروبية، وتفلتت النساء من بعض قيودهن.
وسرعان ما فاجأ حسني الزعيم مجلس الوزراء، في يونيه 1949، بقرار ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، من خلال الاستفتاء الشعبي. جرى الاستفتاء في 24 يونيه 1949، وأسفر عن فوزه بأغلبية الأصوات[2]. فبادر إلى التخلي عن رئاسة الوزراء، ليتولاها كردي آخر، هو محسن البرازي. وهو محام، تعلم في فرنسا؛ كان قبل الانقلاب مديراً لمكتب شكري القوتلي؛ وهو من صاغ البطاقة الانتخابية في الاستفتاء.
سعى حسني الزعيم، بعد انتخابه، إلى تدعيم الفردية المطلقة. فتنكر لرفاق الأمس، أولئك الضباط، الذين شاركوه في الانقلاب. وقرّب الأقليات: العِرقية والدينية، فعهِد بالمراكز المهمة في الجيش إلى أكراد وعلويين. ومنح نفسه رتبة مارشال. وأخضع الصحافة للرقابة. وعطل نشاط الأحزاب، من دون أن يستعيض عنها هيئة سياسية تصله بالشعب. فتنكرت له؛ بما فيها تلك التي كانت قد رحبت بالانقلاب به؛ إذ شرع حزب الشعب يعارضه، حين اتضح عداؤه للعراق، فاستقال فيضي الأتاسي، من الحكومة بعد ثلاثة أيام من تأليفها. وكذلك حزب البعث، الذي لفته إلى خطر الرقابة على الصحافة، وتزايد دور الاستخبارات؛ بل كان قد حذره، في 24 مايو 1949، من ارتكاب أخطاء نُظُم الحكم السابقة، بالتزام هذا الجانب أو ذاك، في الخلافات ما بين الدول العربية.
إذاً، لم يكن حسني الزعيم سياسياً بارعاً، قدر ما كان ضابطاً عطشاً إلى السلطة. ما إن انتخب رئيساً للجمهورية، حتى سارع إلى المجاهرة بانحيازاته الدولية، فأعلن لأحد المراسلين: إذا لم يكن ممكناً تقوية الجامعة العربية، لمواجهة إسرائيل؛ فإنني سأحالف مصر والمملكة العربية السعودية ولبنان. وأكد معارضته لنشوء سورية الكبرى. وتنبأ بتوثُّق العلاقة بالدولة الصديقة، فرنسا، وتمام التفاهم بين باريس ودمشق. كما تقرَّب من تركيا، فأثار حفيظة السوريين، الناقمين من استيلائها على لواء الإسكندرونة.
لقد قصَّر نهج حسني الزعيم الآنف في عمر عهده، الذي لم يتجاوز أربعة أشهر ونصف الشهر. ولعل القاضية، كمنت في علاقته بفرنسا، المناهضة لمشروع الهلال الخصيب؛ وتسليمه ضيفه، أنطون سعادة، الساعي إلى هذا المشروع، إلى الحكومة اللبنانية، التي أعدمته. فاستشاط على الزعيم ضباط في الجيش السوري، موالون لسعادة وحزبه، القومي السوري؛ منهم فضل الله أبو منصور، الذي حاصر، في انقلاب سامي الحناوي، قصر الرئاسة السوري، حيث قبض على حسني الزعيم، ومعه محسن البرازي وأعدمهما.


ثانياً: الانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي (أغسطس 1949)
كان سامي الحناوي قائداً لفِرقة مدرعة. برر انقلابه بإنقاذ الأهداف، التي تنكر لها حسني الزعيم. غير أن التدخل الأجنبي في حركته، كان مبيناً؛ إذ دعمه العراق بالمال. ورحبت الجرائد البريطانية بخطوته، التي رأت فيها تلك الفرنسية مؤامرة، اشتركت فيها بريطانيا وحكومة نوري السعيد.
موّه الحناوي استجابته للرغبة البريطانية ـ العراقية في تحقيق الهلال الخصيب، بإعلانه إشراك السياسييين، من مختلف الأحزاب، في حكومة مؤقتة، ريثما تجري الانتخابات لجمعية تأسيسية، يناط بها تقرير مستقبل البلاد؛ وإبعاد الجيش عن السياسة، وقصر مهمته على المراقبة، تحت إشراف مجلس عسكري، تكون من أحد عشر ضابطاً، برئاسة الحناوي.
وعهِد إلى المناضل المحنك، هاشم الأتاسي، رمز المقاومة للانتداب الفرنسي، بتأليف تلك الحكومة. وإذا بحزب الشعب، يستأثر بخيرة الحقائب الوزارية. واللافت إشراك حزبَي البعث والعربي الإشتراكي، اليسارييَن فيها، على يمينيتها، ممثلَين في ميشيل عفلق وأكرم الحوراني، أنهما استقالا، حينما أوشكت أن تنفذ مشروع الهلال الخصيب.
أُجريت انتخابات الجمعية التأسيسية، في نوفمبر1949، وأسفرت عن ازدياد نفوذ حزب الشعب، وتقدُّم الأحزاب الجديدة، ذات النزعة اليسارية، على الحزب الوطني؛ ولكن بدلاً من أن تحل محله، ازداد عدد النواب المستقلين، المؤيدين للهلال الخصيب، مثل: زكي الخطيب ومنير العجلاني.
انبرى الحناوي يصلح ما أفسده حسني الزعيم بعداوته للأردن والعراق، وصداقته لمصر والمملكة العربية والسعودية وفرنسا. فتدارك ما عطله من اتفاقيات دولية. واستحث دعاة الوحدة في بغداد على عمل سريع، ومحدد؛ محذراً من النتائج الوخيمة، التي ستنجم عن التأجيل. وحض على مناقشة العلاقات بالعراق؛ وهو ما وصفته الجرائد المصرية بأنه بيع لاستقلال سورية؛ وهو نفسه ما سيؤكده الشيشكلي فيما بعد. لا، بل حاولت القاهرة أن تصرف عن دمشق عُقبى الهلال الخصيب، فاقترحت، في أكتوبر 1949، فكرة الدفاع العربي المشترك، أو مشروع الضمان الجماعي.
حال انقسام الحكومة على نفسها، وتعرُّضها لضغوط خارجية متصارعة، دون تحقيق هوى الحناوي. وأكد رئيسها أنها حكومة انتقالية، لا يمكنها أن تلزم الدولة بسياسة طويلة الأمد، قد يكون لها تأثير حاسم في مستقبلها. حزب الشعب، ممثلاً في وزير الشؤون الخارجية، ناظم القدسي، عارض التضحية بالنظام الجمهوري، أو إخضاع سورية للمعاهدة البريطانية ـ العراقية. وارتأى أن يقتصر الاتحاد مع العراق على اتحاد جمركي، وبرلمان فيدرالي، يمثل البلدَين. ونفى بشدة أن يكون حزبه نصيراً للهاشميين. ولعل كثيراً من الساسة السوريين، بمن فيهم أعضاء في حزب الشعب، كانوا يقبلون اتحاداً مع العراق، بشروط أهمها إبعاد نوري السعيد، الذي يَعُدُّونه صنيعة بريطانيا. ناهيك من أنصار حزبَي البعث والعربي الاشتراكي، الذين كانوا يرتابون في نيات حزب الشعب، وفي كثير من النواب المستقلين، الذين فازوا في انتخابات نوفمبر 1949.


ثالثاً: الانقلاب الثالث، بقيادة أديب الشيشكلي (ديسمبر 1949)
لم ينتم العقيد أديب الشيشكلي[3] إلى أيّ من حزبَي العربي الاشتراكي والقومي السوري، وإنما كان على صلة ودية بهما. فزعيم الأول، أكرم الحوراني، هو نسيبه، وصديق طفولته، في حماة، وشبابه كذلك. وللشيشكلي علاقة قديمة بأعضاء الحزب الثاني، ولا سيما أبي منصور. ولكن القربى، لم تكن الآصرة الوحيدة بين الحوراني والشيشكلي، وإنما كان العداء للعراق، هو عروتهما الوثقى؛ بل هي التي دفعتهما إلى انقلابهما، حينما وجَّه الشيشكلي دباباته نحو دمشق، في 19 ديسمبر 1949، ليدافع عن نظام الحكم الجمهوري في سورية، وينقذها من النفوذ البريطاني والوحدة مع العراق ونظامه الملكي.
بدا الشيشكلي وكأنه بطل استقلال سورية؛ على الرغم من ميشيل عفلق، الذي كَبُر عليه هذا اللقب. فالرجل أتقن حياكة الدسائس، وأجاد تنظيم الرجال. توارى عن السلطة، عامَي 1950 و1951، ريثما يتمرس بها. فأملى للسياسيين، خلالهما، في اصطراعهم: يكتبون مسودات دساتير، ويصدرون بيانات، ويحيكون الدسائس مع قوى أجنبية.
برر الشيشكلي حركته بالحفاظ على النظام الجمهوري، أيْ منع مشروع الهلال الخصيب. ووعد بعدم تدخّل الجيش في السياسة، إلا أنه لم يبر بوعده. إذ سرعان ما جعل من الأركان العامة سلطة منافسة للجمعية التأسيسية. وضعضع حزب الشعب، فأجبر رئيس الحكومة، ناظم القدسي، على الاستقالة، ليعهد برئاستها إلى خالد العظم، وهو من المستقلين؛ على أن يشرك فيها أربعة وزراء من ذلك الحزب، كُلِّفوا وزارات ثانوية؛ بينما عُهِد إلى أكرم الحوراني، صديق الشيشكلي، بوزارة الدفاع؛ وتولّى الداخلية أحد المستقلين.
لم يَطُل الجفاء بين حزب الشعب وأديب الشيشكلي. وربما أسهم في انحساره استحسان نظام القدسي، بعد تنكُّر، لاقتراح مصر ضماناً اجتماعياً، في إطار سيادة كلّ دولة من الدول الأعضاء في الجامعة العربية. ولذلك، لم يَعُق الشيشكلي الجمعية التأسيسية عن وضع الدستور؛ وتحوُّلها، بعد ذلك، إلى مجلس نيابي، مدته أربع سنوات. وقد أدى ذلك إلى استقالة الحوراني؛ وتكليف ناظم القدسي، في يونيه، تأليف حكومة جديدة. وأنجزت الجمعية، في سبتمبر 1950 وضع دستور، نص على أن الجمهورية السورية جمهورية عربية، شعبها جزء من الأمة العربية. وحسم الجدل في دينها، باشتراطه إسلام رئيس الدولة فقط. ناهيك بتدعيمه النظام البرلماني، وتخويله مجلس النواب انتخاب رئيس الجمهورية، ومنح الثقة بالسلطة التنفيذية وحجْبها عنها.
لم يستطع النظام الدستوري الجديد السيطرة على تنازع الجيش والحكومة، ولا على تصارع القوى السياسية. فاستمر اللاسف، مثلاً، بين حزب الشعب الحاكم وحزب البعث، الذي أوعز إلى الطلبة بالاحتجاج على تحوُّل الجمعية التأسيسية إلى مجلس نيابي. وزاد الخلافات الداخلية تفاقماً، أن ناظم القدسي كان متردداً غير حازم، ولا حاسم. وزاده ضعفاً، أن حزبه لم يسمح له باتخاذ موقف واضح إلى جانب الغرب. فاستقال في 9 مارس 1951؛ وكانت استقالته دليلاً على فشل سياسة الحرب: الداخلية والخارجية. واستشرت تلك الخلافات، إثر رفض حزب الشعب الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، نِيط بخالد العظم تأليفها؛ وبقيت سورية من دون حكومة ثمانية عشر يوماً، حتى ألّف العظم وزارة، في 27 مارس 1951، غالبيتها من المستقلين؛ باركها كلّ من الحوراني والجيش، وناوأها بشدة حزب الشعب.
مهد ابتعاد حزب الشعب عن الحكم لاستعادة الحزب الوطني نشاطه. ولكنه لم يعاون الشيشكلي، بل زعم أنصاره أنهم أقدر من الجيش على مناهضه مشروع الهلال الخصيب. ولذلك، طفق صبري العسلي يناشد شكري القوتلي وجميل مردم، اللاجئَين إلى مصر، العودة إلى سورية. واستأنفت مصر والمملكة العربية السعودية تأييدهما للحزب الوطني؛ لأنهما كانتا أميل إليه منهما إلى النظام العسكري. ومن ثَم، لم تكن علاقة الشيشكلي بمصر الملكية أو بالمملكة العربية السعودية، بأفضل منها بالعراق.
واضطرت سورية، في أبريل 1951، إثر مخالفة إسرائيل شروط الهدنة، بردمها بحيرة الحولة، تمهيداً لإقامة مستعمرات متاخمة للحدود السورية، اضطرت إلى استنجاد العراق ومصر معاً. فبادر العراق، بتقديم المساعدات العسكرية في 17 مايو 1951، إلى دفع قواته إلى أراضيها. ولم تتحرج حكومتها من ذلك؛ لأن حزب الشعب، كان قد دلل على انصرافه عن فكرة الهلال الخصيب، إذ رفع ناظم القدسي، إبّان رئاسته الحكومة السورية، مشروعاً إلى الجامعة العربية، بإنشاء اتحاد شامل، على أساس تطوير نظام الجامعة؛ ونبذ فكرة الاتحادات الجزئية، ومنها الهلال الخصيب، وسورية الكبرى.
على المستوى الداخلي، حاول العظم حل مجلس النواب، لرفضه الموافقة على اعتمادات إضافية للدفاع، أو السماح بزيادة رواتب الموظفين. ولكن الرئيس الأتاسي، عارض حاولته؛ فلم يستطع رئيس الحكومة السيطرة على إضرابات الموظفين المطالبين برفع أجورهم، فاستقال. واختير أحد المستقلين، حسن الحكيم، المؤيد للهاشميين والغرب لرئاسة الوزارة الجديدة. غير أنه استقال، إثر تقديم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وتركيا، في نوفمبر 1951، مذكرة رباعية إلى مصر، تطلب انضمامها إلى منظمة دفاعية لحوض شرق البحر الأبيض المتوسط؛ واكتفاء الدول الأربع بإبلاغ سورية بما تضمنته تلك المذكرة، من دون مطالبتها، أسوة بمصر، بالانضمام إلى المنظمة الآنفة.


رابعاً: انقلاب الشيشكلي الثاني والحكم المباشر "1951 – 1954":
خلف معروف الدواليبي حسن حكيم في رئاسة الوزارة. و اختار هو نفسه وزير الدفاع؛ ناقضاً ما كان الشيشكلي اشترطه لنفسه على رؤساء الحكومات. وكانت تلك القشة، التي قصمت ظهر البعير؛ إذ أضيفت إلى الأزمات المتوالية بين قيادة الجيش وهاشم الأتاسي، رئيس الجمهورية، المستاء من تدخّل العسكر. فعَجِل الشيشكلي، ليلة 28/29 نوفمبر 1951، إلى انقلاب جديد. واعتقل الوزراء، بعد يوم واحد من توَّزُّرهم؛ ما اضطر هاشم الأتاسي إلى الاستقالة، فعينت قيادة الجيش فوزي سلو رئيساً للدولة.
يُنْتَقَد على الشيشكلي مصادمته جميع القوى: السياسية والاجتماعية؛ وتحريمه نشاط الأحزاب؛ لا، بل قضاؤه عليها، بإنشائه، عام 1952، حركة التحرير العربي، لتكون حزب سورية الأوحد. بيد أنه لا يُنْكَر عليه إصلاحاته المهمة، خلال سنتَين من حكمه لسورية. فقد تشدد في مراقبة الأموال الخارجة من البلاد. وأمّم بعض الشركات الأجنبية، وألزم تلك التي لها فروع في البلاد، أن يكون ممثلوها في سورية سوريين. ورفع الضريبة على الدخول إلى 36%، أيْ أنه حاول أن يحطم قواعد الاقتصاد الحر. وأصدر قانوناً، في يناير 1952، يحدد الملكية الزراعية، في المستقبل؛ ويجعل محصول الأراضي المستأجرة مناصفة بين فلاحيها ومالكيها، بعد أن كان نصيب الآخِرين منه 75%. وآمن الشيشكلي بالوحدة العربية الشاملة، وليست تلك الجزئية. فزار مصر، عام 1952، إثر انقلاب جيشها، وضاف، في أوائل عام 1953، الأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية. غير أن علاقته بالعراق ساءت، منذ توليه السلطة،.
عند عودة الشيشكلي من مصر، فوجئ بجماعة من صغار الضباط، يتقدمهم عدنان المالكي، يتلقونه، في المطار، بمطالبتهم بإعادة الحرية الكاملة للأحزاب السياسية؛ وإيقاف التبرعات، شبه الإجبارية، التي تجمع باسم الجيش، وتصرف على حزبه،. فتقبل مطالبهم بقبول حسن، ريثما يصل إلى مقر القيادة، حيث أمكنه اعتقالهم جميعاً.
وطلع الشيشكلي على سورية، في21 يونيه 1953، بدستور جديد، ينص على الجمهورية الرئاسية[4]؛ وكادت الموافقة عليه تكون إجماعية. ورشح نفسه للرئاسة، في استفتاء، في 10 يوليه 1953، ففاز بها. وألّف وزارة، بعد خمسة أيام، استبعد منها وجه الحياة السورية العامة.
ما ألَّف بين القوى المتنافرة، والمختلفة البواعث، إلا معارضتها لحكم الشيشكلي؛ ففي جبل الدروز، الإقطاعيون ناقمون عليه؛ وفي حمص، موطن أسْرة الأتاسي، صدرت جريدة معارضة، تسمي سورية الجديدة؛ وفي حلب، الأقليات: العرقية والدينية، المنتشرة في المحافظة غاضبة عليه. أما الأحزاب، على اختلاف نزعاتها (الشعب والوطني والبعث والشيوعي) فقد عقدت، اجتماعاً سرياً، في 4 أغسطس 1953، انتهى إلى ميثاق وطني، يتيح لكلّ منها أن يعمل في نطاقه الإقليمي لتحرير نفسه، ريثما تنطلق الشرارة الأولى من جبل الدروز. حظيت المعارضة بتأييد بعض الدول العربية، وخاصة العراق. وفضحت المحاكمات، التي أجراها عبدالكريم قاسم لبعض الساسة العراقيين، أن شخصيات سورية، مثل صبري العسلي تلقوا أموالاً عراقية. لا، بل شهد غازي الداغستاني، أثناء محاكمته أمام محكمة الشعب العراقية، عام 1958، أن الجيش العراقي وضع خطة لغزو سورية، أثناء الفوضى التي عمت البلاد، في الأيام الأخيرة من حكم الشيشكلي. وأمست المعارضة، منذ ديسمبر 1953 إلى أواخر فبراير 1954، معارضة علنية، تمثلت في تظاهرات الطلبة.
واجه الشيشكلي معارضيه بإغلاق الحدود مع لبنان, وإعلان الأحكام العرفية، وتسليم السلطة لرؤساء الحاميات العسكرية في المحافظات، واعتقال أكثر من مائة من الحزبيين، بمن فيهم هاشم الأتاسي. غير أن كلَّ ذلك، لم يعصمه من الجيش، الساخط عليه، لابتعاده عنه، وإيثاره عليه حركته السياسية الجديدة. فانقض عليه، إذ استولى فيصل الأتاسي، قائد حامية حلب، على المدينة. وتأسى به أمين أبو عساف، قائد الفرقة الثالثة، المرابط على دير الزور. واقتدى بهما قائد حامية حماة. وتوالى انضمام الحاميات الأخرى، عدا حامية دمشق، التي استمرت موالية للشيشكلي؛ غير أنه آثر الاستسلام والاستجابة لإنذار بمغادرة البلاد؛ كي يجنِّب سورية حرباً أهلية، وينقذ أمواله، التي استغلها، بعد ذلك، في مشروعاته في البرازيل. وفي ذلك يقول: "رغبة مني في تجنُّب سفك دماء الشعب الذي أحبه، والجيش الذي ضحيت بكلّ غال من أجله، والأمة العربية التي حاولت خدمتها بإخلاص صادق، أتقدم باستقالتي من رئاسة الجمهورية إلى الشعب السوري المحبوب، الذي انتخبني، والذي أولاني ثقته، أملاً أن تخدم مبادرتي هذه قضية وطني. وأبتهل إلى الله أن يحفظه من كلّ سوء، وأن يوحده، ويزيده منعة، وأن يسير به إلى قمة المجد".
تَعَجَّل الشيشكلي مغادرة سورية، في 25 فبراير 1954، فعمتها الفوضى؛ إذ لَمّا يصل الثائرون بعد إلى دمشق، حيث تسلم السلطة العليا رئيس الأركان العامة، الزعيم شوكت شقير، الذي أذاع نداء، طالب فيه بالهدوء، وأطلق المعتقلين السياسيين في سجن المزة. واقتحمت على النواب مجلسهم، صبيحة 26 فبراير، تظاهرة طلابية شاركت فيها جماعات من الدروز والشيوعيين والإخوان المسلمين؛ ولم ينفضوا إلا بعد أن أكد لهم سعيد إسحاق، أن المجلس النيابي، قد وافق على حل نفسه.
أعلن الزعيم شقير حل مجلس النواب، وتخويل رئيسه، مأمون الكزبري صلاحيات: تنفيذية وتشريعية، مؤقتة؛ بل لم يرضِ الثائرين، الذين طلبوا من الكزبري الاستقالة، فوراً؛ لأن الشعب والجيش، لم يعترفا بالنظام، الذي كان يحاول تثبيته. فبادر الزعيم شقير إلى اجتماع مع القادة السياسيين والرؤساء الثائرين، أسفر عن اتفاق على إعادة السلطة إلى أصحابها الدستوريين. واستقال الدكتور الكزبري، صبيحة اليوم التالي. وفي الأول من مارس 1954، دخل هاشم الأتاسي دمشق، في موكب، يتألف من 400 سيارة؛ عائداً إلى القصر الجمهوري.


خامساً: العودة إلى الجمهورية البرلمانية (1954 – 1958)
سيطرت الأحزاب التقليدية، في عهد الجمهورية البرلمانية الأولى، على حياة البلاد السياسية. ولكن الانقلابات العسكرية المتوالية، أضعفت تلك الأحزاب، وأتاحت رواج أخرى عقائدية، وخاصة البعث والشيوعي.
1. وزارة صبري العسلي الائتلافية
ألَّف صبري العسلي، في الأول من مارس 1954، حكومة ائتلافية، من الحزب الوطني وحزب الشعب؛ مدعمة ببعض المستقلين البارزين، مثل: الزعيم الدرزي، حسن الأطرش؛ والإقطاعي الحموي، عبدالرحمن العظم. وخلت من الحوراني والبعثيين، معارضي الشيشكلي الأشد، والناشطين في إسقاطه. وقد شاع أن الحوراني، طلب وزارة الداخلية، فرفض طلبه؛ لذا، عارض، هو وعفلق، الحكومة الائتلافية.
أبقى صبري العسلي على صِلاته قوية بمصر والمملكة العربية السعودية؛ استجابة لسياسة حزبه، الحزب الوطني. غير أنه بقي كذلك على ميله إلى العراق؛ لا، بل أمعن فيه، فعقد مع ميخائيل البان، وهو سياسي موال للعراق؛ وبحضور الزعيم العراقي، محمد فاضل الجمالي، اجتماعاً سرياً، في منتجع برمانا اللبناني؛ للتدبَّر في تنفيذ وحدة الهلال الخصيب؛ حسبما نمَّت به محاكمات بغداد، بعد انقلاب 1958.
تضافرت على حكومة العسلي عوامل شتّى، حملتها، في 8 يونيه 1954، على الاستقالة؛ وكمّا تنجز ما انتدبت له، جراء الانتخابات. ولعل أهم تلك العوامل، أنها افتقدت مهارة الانتقال من الدكتاتورية العسكرية إلى النظام البرلماني؛ وفاوضت الولايات المتحدة الأمريكية في اتفاقية معونات عسكرية، كتلك التي عقدتها واشنطن مع بغداد؛ فضلاً عن الخلاف بين الجيش ووزير الدفاع، معروف الدواليبي.
2. حكومة سعيد الغزي
الغزي محامٍ دمشقي. ألَّف، في 9 يونيه 1954، حكومة غير حزبية، عهِد فيها بوزارة الدفاع إلى اللواء شوكت شقير؛ استرضاءً للجيش. وأعلن حياده التام في القضايا الداخلية؛ وعزمه على الاحتفاظ بالصلات الأخوية مع الدول العربية جمعيها، ضمن إطار الجامعة العربية. ولم يلزم سورية أيّ ارتباطات دولية. وأكد أن المهمة الأولى الوحيدة لحكومته، هي الإشراف على انتخابات حرة، نزيهة، وفق قانون انتخابات جديد، يعاون على وضعه المجلس النيابي؛ ما أكسبه ثقة الجيش والشعب معاً.
نص قانون الانتخابات الجديد على أن يكون عدد النواب142 نائباً، يمثل كلّ منهم 30 ألفاً من المواطنين. وأُجِّل موعدها إلى 24 سبتمبر 1954، بدلاً من 20 أغسطس، استجابة لبعض الأحزاب. وجُعِلَت مرحلتَين: الأولى، يومَي 24 و25 سبتمبر، وملأت 99 مقعداً؛ والثانية، 4 و5 أكتوبر. واتسمت بما لم يسبق له مثيل، من الحرية والنظام. وتمخضت بفوز مبين للمستقلين (64%)، ولا سيما خالد العظم وكتلته، في دمشق؛ وحظوة بين بينة البعث (22%)؛ وانتخاب أول نائب شيوعي في العالم العربي، خالد بكداش. وأسفرت كذلك عن تراجع حزب الشعب، واضمحلال وحدة الهلال الخصيب. ولعل أهم ما نمَّت به نتائج الانتخابات، انتصار الحياد في الرأي العربي.
كُلِّف فارس الخوري، الطيب السمعة، تأليف الحكومة الجديدة. فكوَّن حكومة المستقلين وحزب الشعب، سرعان ما واجهت إصرار الحكومة العراقية على تكوين حلف بغداد، فتريثت، فتعرضت لسخط الأحزاب الشابة، قوية التأثير. وانقسم، مثلاً، الحزب الوطني كتلتَين: الأولى، بزعامة لطفي الحفار، تؤيد سياسة الحكومة العراقية؛ والثانية، بزعامة صبري العسلي، تؤيد سياسة الحياد، التي بدت ملامحها، آنئذ.
ولاح تكتل جديد، يتجافى عن الأحلاف، ويضم الفريق الثاني من الحزب الوطني ويساريِّي البعث، والمستقلين اليساريين وعلى رأسهم خالد العظم. ولكن التنافس في رئاسة الجمهورية، كشف أن انضمام الحزب الوطني إلى اليسار، ما هو إلا مداورة؛ إذ واطأ حزب الشعب على التراجع عن ترشيح ممثله، الكيخيا، قبيل لحظات من الانتخابات؛ كي لا تتبعثر أصوات القوى التقليدية، فتقترع كلّها مرشح الحزب الوطني، شكري القوتلي، فتفوت الرئاسة مرشح الجبهة اليسارية، خالد العظم.
نال القوتلي 91 صوتاً مقابل، 41 للعظم، فأصبح مديناً لحزب الشعب والمستقلين أكثر من لحزبه؛ ولذلك، أشركهم في وزارة سعيد الغزي الثانية. أمّا الساخطون، اليسار وأنصاره في الجيش، فقد ارتقبوا التطورات: الدولية والعربية والداخلية، المتشابكة، عسى أن تتيح لهم توجيه السياسة السورية. وسرعان ما تأتيَّى لهم ذلك، حينما قتل نائب القائد العام، الضابط البعثي، عدنان المالكي. فقد كان مقتله إيذاناً بسعي الفئات المتنافسة في الجيش إلى السيطرة على القيادة. وتمثلت تلك الفئات في اثنَي عشر ضابطاً. بينهم اثنان فقط بعثيان: مصطفى حمدون، الخاضع لتأثير الحوراني؛ وعبدالغني قنوط. وفيهم كذلك عبدالحميد سراج، مدير المكتب الثاني، أيْ الاستخبارات السورية. وأمسى هؤلاء هم أصحاب النفوذ الفعلي في الجيش؛ حتى إنه لولا موافقتهم، لما كان لشوكت شقير وخلفه توفيق نظام الدين أن يتوليا القيادة العامة.
هكذا، غرق الجيش السوري في السياسة، وافتقد قوام الجيوش، طاعة النظام. وانبرى معظم الضباط الاثني عشر يعملون، كلّ لحسابه الخاص، وهو يحسب أنه يحمي المصالح الوطنية أو التقدمية. ولعلّ تنافس تلك الفئات المختلفة، هو ما اضطرها إلى قبول اللواء شوكت شقير قائداً عاماً، على الرغم من أنه شغل هذا المنصب في عهد الشيشكلي. وهو نفسه ما حملها على ارتضاء عفيف البزري، عام 1957، للقيادة العامة؛ وليس، كما أشيع، لأنه شيوعي.
3. وزارة صبري العسلي الثانية (1955)
وسط الانقسامات الداخلية، ولا سيما الناجمة عن الموقف من الأحلاف، ألَّف صبري العسلي وزارته الثانية. واقترن تألياها بحادثَين مهمَّين، لفتا إلى قيمة التعاون السوري – المصري. أولهما، حشد القوات التركية على حدود سورية؛ تحذيراً لمجلس النواب من عرضه الحكومة الحيادية الجديدة للثقة. وثانيهما، اعتداء إسرائيل على غزة، في 28 فبراير 1955 اعتداءً واسعاً.
وعلى أثر ذلك، بادر شوكت شقير وخالد العظم، وزير الخارجية، إلى عقد اتفاق مبدئي على إنشاء قيادة عسكرية موحدة مع مصر. وجاء في مقدمته أن الهدف الأول هو معارضة ميثاق بغداد، الذي أدى إلى تفتت دول الجامعة العربية. وقد أثَّر توقيعه في المشاركة الإيجابية لسورية في مناهضة مصر للأحلاف. وطوَّف صلاح سالم وخالد العظم بعدة عواصم عربية، لإغرائها بالاتفاق العسكري الجديد؛ ولم يوفَّقا، لا في بيروتن ولا في عمّان.
ونجم عن ذلك تقارب سوري – سوفيتي، وتلقي سورية للأسلحة من الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا. وكان للتحول المطَّرد في سياسة سورية الخارجية، وازدياد قوة اليسار في الداخل، أثره في موقف حلف بغداد والدول الغربية التي تؤازره.


الفصل الثاني
الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية (فبراير 1958)
تَهَدَّد سورية، في سبتمبر وأكتوبر 1957، خطران: عدوان إسرائيلي وتدخُّل تركي عسكري؛ فتعجلت اتحاداً فيدرالياً، يجمعها مع مصر، ثم يحتضن أيّ دولة عربية، تريد أن تنضم إليه. غير أن ميشيل عفلق، زعيم حزب البعث ذي النفوذ القوي في سورية، رأى أن ذلك الاتحاد، يمكِن أن يتيح، بطريقة غير مباشرة، لدول عربية، إذا انضمت إليه، المحافظة على نُظُمها الرجعية؛ فارتأى استبدال الوحدة التامة بالاتحاد الفيدرالي.
تحفَّظ جمال عبدالناصر من وحدة سابقة لأوانها. ولكنه اطرَّح تحفُّظه، بعد أن أَنِس إلى تأييد 34 دولة، ضمها مؤتمر أفرو ـ آسيوي، عقد في القاهرة، في أواخر عام 1957.
أعلنت الوحدة، في فبراير 1958. وانتخب جمال عبدالناصر رئيساً للدولة الجديدة، الجمهورية العربية المتحدة، بجناحَيْها: الشمالي والجنوبي. ولم يغفل الاستعمار عن خطرها، المتمثل في تهديدها لمصالحه في الشرق الأوسط، وتطويقها لإسرائيل من الشمال والجنوب، فجهد في القضاء عليها، وقد نجح 28 سبتمبر 1961.
المبحث الرابع: مقدمات الوحدة


أولاً: اتفاقية الدفاع السورية - المصرية
عززت صفقة الأسلحة التشيكية لمصر ميل دمشق إلى القاهرة، وأغرتها بعقد اتفاقية دفاع معها انبثقت منها لجنة عليا لشؤون الدفاع، عُهِد بقيادتها إلى اللواء أركان الحرب، عبدالحكيم عامر، ما حفز فكرة الوحدة بين البلدَين. وأعلن الرئيس عبدالناصر "أن هذا الاتفاق هو فاتحة القوة، وبدء العمل في سبيل نصرة العروبة واستخلاص حقوقها المغتصبة. وستحمي سورية ومصر ـ بعون الله ـ العالم العربي من الصهيونية. والتاريخ يقول إذا اتحدت سورية ومصر، فإنهما يستطيعان تحقيق المستحيل؛ وقد استطاعا أن يحميا، من قبل، العالم الإسلامي من التتار والحروب الصليبية".
وأضحى السفير المصري في دمشق، الأميرالاي محمود رياض، صَفِيّ عبدالناصر وظله، فاعلاً في الشؤون السورية؛ إذ وثَّق علاقته بالرئيس القوتلي، وحرص على وشائجه بالزعماء السياسيين، ولا سيما أولئك المنتمين إلى حزب البعث، القوى الكبرى المؤيدة لمصر في السياسة السورية، وطليعة حركة الوحدة معها. ولم يغفل عن بسط نفوذه في أوساط الضباط الوطنيين التقدميين؛ ما مهد لتوطيد العلاقات بين الجيشَين: السوري والمصري. ولم يَخْفَ تأثيره في حمل سورية، عند تغير حكوماتها، على انتهاج سياسة خارجية، توافق تلك التي تنتهجها مصر.
لم تتوانَ إسرائيل في كشف هُراء تلك الاتفاقية، فشنت، في منتصف ديسمبر، هجوماً واسعاً على المراكز السورية في منطقة بحيرة طبرية. وعقبت جريدة "الجيروزاليم بوست" بقولها: "إننا نأمل أن تكون الغارة الإسرائيلية، قد أقنعت السوريين بأن الاتفاقية العسكرية مع مصر، قد زادت الأخطار، التي تتعرض لها سورية، بدلاً من أن تضمن الدفاع عنها".


ثانياً: الاتحاد السوفيتي وسورية
مهدت السياسة السوفيتية لرغبتها في توسيع نطاق العلاقات والاتصالات مع سورية، بمساعدتها اقتصادياً وفنياً. ورفعت درجة التمثيل الدبلوماسي بينهما، في نوفمبر 1955، إلى درجة سفارة، من أجل تعزيز علاقاتهما الودية وتطويرها. لا، بل إن الاتصالات بين سورية والكتلة الشيوعية، صارت، في ربيع 1956، وثيقة، وبدأت العلاقات التجارية بجميع دول أوروبا الشرقية تتحسن. وتدفق السلاح السوفيتي، بين سبتمبر 1955 ويونيه 1956، على سورية، بكميات كبيرة.
ونشط الشيوعيون في سورية، فملأت منشوراتهم المكتبات. وجهدوا في إنشاء جبهة شعبية، قوامها الطبقة العامة، والبورجوازية، والطلبة؛ تعزِّز أهداف السياسة السوفيتية الخارجية، المضادة للأحلاف والمعاهدات والارتباطات مع الغرب؛ ما حمل حزب البعث على مهادنتهم، إذ جمعتهما معارضة حلف بغداد، والشعور بخطر مشترك.

ثالثاً: حزب البعث يدخل الحكومة
ألَّف صبري العسلي، في 14 يونيه 1956، حكومة وحدة وطنية ضمت الحزب الوطني وحزبَي الشعب والبعث، وكتلة خالد العظم الديموقراطية، وكتلة منير العجلاني الدستورية. وتولى حزب البعث فيها منصبَين رئيسيَين، بعد قبولها شرطه، أن تشرع في محادثات مع القاهرة، تستهدف وحدة البلدَين. وهو ما جهر به العسلي، في 27 يونيه 1956، في المجلس النيابي: "سنشرع في توثيق علاقاتنا مع مصر، من خلال محادثات فورية، نأمل في أن تؤدي إلى سياسة مشتركة بين البلدَين؛ ندعو الدول العربية المتحررة إلى اتباعها، حتى يصبح بالإمكان تحقيق وحدة عربية شاملة ". وسرعان ما أعلن، في 5 يوليه 1956، بعد مباحثات مع عبدالناصر، في القاهرة، تأليف لجنة وزارية من ثلاثة أعضاء، مهمتها مفاوضة مصر في الوحدة.


رابعاً: سورية وأزمة السويس (عام 1956)
أيدت سورية عبدالناصر، في أعقاب تأميم قناة السويس، تأييداً مطلقاً؛ فهو الزعيم المنتظَر والقائد الموعود. وسارعت، في أوائل نوفمبر 1956، بعد الهجوم على مصر، إلى نسف أنابيب النفط، التابعة لشركة نفط العراق. وكان الرئيس القوتلي، قد تَعَجَّل، في 30 أكتوبر، زيارة موسكو؛ طالباً دعمها، عسكرياً وسياسياً، في مواجهة أيّ هجوم على سورية. فطمأنته، وأكدت صداقتها لسورية، والدفاع عنها، آن الخطر؛ فازدادت العلاقات بالاتحاد السوفيتي وثاقة، وتدفقت الأسلحة الروسية، من جديد، على البلاد.
وما إن بدأ الهجوم الإسرائيلي على سيناء، في 29 أكتوبر، حتى تأهبت القوات السورية لدخول إسرائيل، لولا القائد المصري العام، اللواء عبدالحكيم عامر، أبلغها الكف عمّا تُزْمِع.
لقد بدد العدوان على مصر الشكوك السورية في عبدالناصر؛ بل انقلبت تمجيداً حارّاً له ولمبادئه. وزادته محالفته لسورية سطوعاً، حتى بدا زعيماً عربياً، تصعب منازعته.


خامساً: التآمر على سورية
توطيد العلاقات بين مصر وسورية، أتاح لعبدالناصر تهديد مصالح بريطانيا في الشرق العربي. ولعل أول إرهاصاته، هو عداؤه لحلف بغداد، وإحباطه لحُلم "نوري – إيدن" بعالم عربي، يتزعمه العراق، وينقاد لبريطانيا، من خلال حلف بغداد، المستند إلى السيطرة على سورية، وعزل مركز المعارضة في مصر. وقد استشعرت بريطانيا، وأصدقاؤها في بغداد، خطر الرئيس المصري على مواقع القوة القديمة في العراق والأردن والخليج. فطفقوا، طيلة عام 1956، يكيدون لتغيير نظام الحكم في سورية، وبخاصة دسيستهم، في أواخر العام نفسه، إذ استعر صراع "نوري – عبدالناصر"، واشتد التلاحم السوري ـ السوفيتي، وأمست مناداة البعث بوحدة سورية – مصرية، تسبب الهلع في بغداد.
وازداد التضامن المصري - السوري، بازدياد التآمر على سورية. ووعد العسلي ببدء مفاوضة مصر في إنشاء وحدة فيدرالية بين البلدَين. وبُذلت محاولات لإخراج الأردن من المعاهدة البريطانية، بتعويضه عن المساعدات البريطانية بأموال عربية[1]. واشتد الهجوم على نوري السعيد، خادم الاستعمار، وممالئ بريطانيا على سياستها.


سادساً: العلاقات الأمريكية - السورية عام (1957)
سبقت سورية دول الشرق الأوسط كافة إلى تفنيد السياسة الأمريكية، فأصدرت حكومتها بياناً، في 10 يناير1957، ولَمّا يمض أسبوع على رسالة الرئيس دوايت ديفيد أيزنهاور إلى الكونجرس؛ تعارض فيه نظرية الفراغ، وفكرة أن المصالح الاقتصادية، تُسَوِّغ لأيّ دولة التدخل في المنطقة؛ وتنكر أن الشيوعية، تمثل خطراً مباشراً على العالم العربي.
وأيقنت مصر، وحليفتها سورية، أن التدخل الأمريكي في الشؤون العربية، المتذرع بمعاداة الشيوعية، قد سلبهما المبادرة المحلية، التي ناضلتا دونها، منذ عام 1955. ورسخ يقينَهما مسارعة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأييد الملك حسين، خلال أزمة أبريل 1957، ومعاونته على إقصاء الزعماء السياسيين، الموالين لكلّ من مصر وسورية؛ فكان ذلك أول نكسة للناصرية في المشرق العربي. وفي الوقت نفسه، طلب الملك حسين إجلاء القوات السورية عن الأردن؛ ما أوحى للسوريين، أن يتوقعوا سلسلة طويلة من المؤامرات المعادية.
وبلغ التنازع السوري ـ الأمريكي ذروته، في أواسط صيف 1957. وما دفعه إليها إلا توقيع وزير الدفاع السوري، خالد العظم، في 6 أغسطس 1957، معاهدة: اقتصادية وفنية، مع الاتحاد السوفيتي، في موسكو؛ وإبعاد دمشق ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين، اتهموا بالسعي إلى قلب نظام الحكم؛ وتعيين عفيف البزري، المعروف بمودته للسوفيت، رئيساً للأركان العامة.
كان الرد في أواخر الصيف نفسه، حينما دفعت تركيا قوات عسكرية وجاء إلى حدودها مع سورية. فاتهمتها القيادة السوفيتية بأنها تمهد لهجوم، دبّرته واشنطن. وأرسل أندريه جروميكو، وزير الخارجية السوفيتي، في 10 سبتمبر 1957، برسالة إلى رئيس وزرائها، جاء فيها: "لا يمكن الاتحاد السوفيتي، أن ينظر إلى كلّ هذه التطورات الأخيرة، من دون اكتراث". لا، بل جاهر، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأن بلاده "لا يمكن أن تظل مكتوفة الأيدي، ترقب، عن بعد، المحاولات المبذولة لتحويل الشرقَين: الأدنى والأوسط، إلى مسرح للنزاع المسلح".
أمّا جريدة الجيش السوفيتي، "النجم الأحمر"، فقد نشرت، في 10 سبتمبر1957، أن الولايات المتحدة الأمريكية، بَيَّنَت خطة لغزو سورية، تتلخص في الآتي:
1. مبادرة إسرائيل إلى تحركات عسكرية استفزازية، على حدودها مع سورية.
2. مواكبة تركيا للمبادرة الإسرائيلية، بحشد قواتها على الحدود السورية، مثيرة احتمال تصادم سوري- إسرائيلي.
3. حشد العراق قواته، للإيهام بمساعدة سورية.
4. إغارة الطائرات: العراقية والتركية، على مراكز سورية حدودية، ردّاً على خرق سوري مُدَّعَى لحدود تركيا والعراق.
5. تعجُّل هاتَين الدولتَين الزحف إلى سورية، وهما تناشدان الولايات المتحدة الأمريكية، أن تعينهما على مواجهة العدوان السوري.
وما إن وصل صلاح الدين البيطار، وزير الخارجية السوري، إلى نيويورك، في 21 سبتمبر، لعرض قضية بلاده مع تركيا على الجمعية العامة، حتى وصلت سفينتان سوفيتيتان حربيتان إلى مرفأ اللاذقية.
وفي 13 أكتوبر 1957، نزلت القوات المصرية، من دون سابق إنذار، في المرفأ عينه، لتأخذ مواقعها في شمالي سورية، جنباً إلى جنب مع الجنود السوريين.
وهكذا، نجحت السياسة الأمريكية في تحقيق عكس ما أرادته تماماً. إذ دفعت السوريين إلى أحضان المعسكر السوفيتي، ومنحت السوفيت فرصة عظيمة للتدخل في شؤون الشرق الأوسط؛ فضلاً عن إتاحتها الفرصة لعبدالناصر، كي يخرج من عزلته في بعض دول المشرق العربي.


سابعاً: عبدالناصر والموقف في سورية (عام 1957)
بدا غزو سورية، في خريف 1957، وشيكاً؛ فالجيوش تحدِق بحدودها؛ والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، لوي هندرسون، يطوف في عواصم الدول التي تتاخمها. وزادها حرجاً تأزم أحوالها السياسية الداخلية؛ فجيشها تعتريه صراعات، مزقته كتلاً[2]، تتآلف أحياناً، وتتنافر أخرى حتى تكاد تصطرع. شايع بعضها أحزاباً سورية، ذات أبعاد عربية، تطاول الرياض وبغداد، فتسهم في الصراع بين السعوديين والهاشميين؛ بل تجعل دمشق ميداناً له. وآثر بعضها علاقاته: الاجتماعية والاقتصادية، في عاصمة أخرى، بيروت، حيث تدار الحرب الباردة في المشرق العربي. ولم يَعْدَم حزب البعث العربي الاشتراكي ضباطاً، يجاهرون بانتسابهم إليه، وعضويتهم في لجنته العسكرية. ناهيك بضباط آخرين، ذَوِي أحلام قومية عامة، وغير محددة، القاهرة موئلها؛ منهم الشخصية الرئيسية في دمشق، آنئذٍ، عبدالحميد السراج، رئيس الشعبة الثانية في الجيش السوري (الاستخبارات"). وهو يرى أن أمن سورية الوطني، يتصل اتصالًا مباشراً بالقاهرة، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لقيادة المشروع القومي العربي.
ولم يفوِّت الحزب الشيوعي السوري المنافسة، فجهد في تكوين كتلته من الضباط السوريين. وسرعان ما سطع نجمه. وعجت وكالات الأنباء والجرائد بنشاط زعيمه، خالد بكداش. وزاده سطوعاً التحذيرات السوفياتية للغزاة من عواقب تصرفاتهم. فَرَاج الحزب، وكَثُر محازبوه؛ وعُدَّ مخلّصاً لسورية ومنقذاً. وما لبث السحر أن انقلب على الساحر؛ إذ برر الغزاة غزوهم لسورية بسيطرة الشيوعية عليها، ومن ورائهم الشيوعية الدولية.
أمّا جمال عبدالناصر، فقد ترصَّد ما تعانيه سورية، غير غافل عن انتهاز إسرائيل لانشغال العالم العربي بتهديد خارجي، تسوِّغه، وتساعد عليه عواصم عربية؛ فتبادر إلى غاية في نفسها، تمثلت ي احتلالها منطقة جبل المكبر، في القدس؛ لكي تحكم الحصار على المدينة القديمة.
وأعلن، في 9 سبتمبر 1957، لجريدة "الأهرام": "إنني أتابع تطورات الموقف في سورية. وأتساءل هل انحازت سورية، حقيقة، إلى المعسكر الشيوعي؟ والجواب هو بالنفي قطعاً. وهل يمكن أن يصل الفكر والتصور الأمريكي، بغض النظر عن صحة هذا التصور أو بطلانه، أن سورية انحازت إلى المعسكر الشيوعي؟ والجواب أيضاً بالنفي. إن الولايات المتحدة الأمريكية، لديها من إمكانيات العلم بحقائق الأوضاع في سورية، وفي غير سورية، ما يسمح لها أن تعرف كلّ الدقائق والتفاصيل؛ وليس معقولاً أن يصل الخطأ في الحكم إلى مثل هذه الدرجة، التي توحي بها تصرفات السياسة الأمريكية. وإذن، لا يتبقى إلا أن تكون المسألة خطة مرسومة، مدروسة، تنفذ تفصيلًا بعد تفصيل، وبخطوات تعرف مواقع أقدامها.
إن الهدف الحقيقي للسياسة الأمريكية تجاه سورية، هو تحويل الأنظار عن إسرائيل، وتوجيهها إلى أهداف أخرى، تتمشى مع مصالح السياسة الأمريكية. ثم لا يوجد في العالم العربي من يرى في هذا كلّه نذيراً بالخطر. لماذا؟ لأن السياسة الأمريكية، استطاعت تحويل المعركة، وأصبح الخطر، الآن، في أنظار الذين انطلت عليهم الخدعة، قادماً من سورية، والهجوم سيجيء منها، والعدّو لم يعد في دمشق!".
ولفت إلى أمرَ ين:
أولهما: الخطة ليست جديدة، وإنما هي امتداد للخطة الإستراتيجية القديمة؛ ولكن على أساس تكتيكي جديد.
ثانيهما: الخطة، كما يبدو من دراستها، لا تستهدف سورية وحدها؛ وإنما هدفها الأصيل هو القومية العربية كلّها.
وأكد السياسة الأمريكية تجاه العرب، تسعي إلى ثلاثة أهداف:
1. حل مشكلة إسرائيل، على أساس الأمر الواقع.
2. فرض تنظيم دفاعي، يخدم المصالح الأمريكية وحدها.
3. الانحياز إلى الموقف الأمريكي، في جميع المشكلات الدولية؛ وكأن الدول العربية منطقة نفوذ أمريكية.
ولم يكتفِ جمال عبدالناصر بذلك، بل استزار العقيد عبدالحميد السراج، رئيس الاستخبارات في الجيش السوري؛ واللواء عفيف البزري، رئيس الأركان. والتقاهما في القاهرة، مساء 11 سبتمبر 1957. واستمع إلى تقريرهما في شأن الأوضاع العامة في سورية، وكُتل جيشها وتكويناتها وانتماءاتها: العربية والسياسية؛ ودور الحزب الشيوعي السوري. وأبدى تخوُّفه على الكتل العسكرية تصارعاً، ينجم عن لبس؛ فتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة. واقترح إنشاء مجلس، يضم قادة تلك الكتل، للحيلولة دون تصادمها. ورأى أن توزيع القوات السورية على الحدود التركية والعراقية غير كافٍ. كما نفى أيّ خطر شيوعي على دمشق؛ وما التشهير بالشيوعية سوى ذريعة لغزو سورية.

ثامناً: سعي حزب البعث إلى الوحدة
آمن البعث بالوحدة العربية، وقدّمها على الحرية والاشتراكية. وطمح في إنشاء دولة عربية متحدة. فكان له غير هدف إيديولوجي، تجسمت كلّها في إنشاء نظام اجتماعي تقدمي، وتحرير جميع أجزاء الوطن العربي من النفوذ الأجنبي. وتبيَّن له أن الوحدة العربية، لن تتأتّى إلاّ بعمل جريء، يقضي على المصالح التقليدية، وينقض دعاوى المدافعين عن الأمر الواقع، ويزري بالعواطف الإقليمية.
وتمثلت الوحدة لعبدالناصر نضالاً عربياً واحداً، وترساً دون الإمبريالية. وما تبشيره بها إلا حرص على تضامن سياسة العرب الخارجية، وفق التوجهات المصرية؛ لا، بل رغبة في السيطرة على تلك التي تنتهجها الدول العربية المجاورة، بتنحية الحكومات المعادية، بل إطاحتها. ومصداق ذلك تنحية حكومة فارس الخوري، في دمشق، في فبراير1955، واستبداله بها حكماً موالياً لمصر، يُعِينها على حلف بغداد.
لطالما افتقر البعثيون إلى الاتصال بالمؤسسات السياسية النافذة. وتداركوا ذلك بإنشائهم علاقة خاصة بعبدالناصر؛ لتوافق الطرفَين في حل المشاكل؛ حتى إنهم حسبوا أنه بعثياً، ولاسيما في تعامله مع الدول الكبرى، وإصراره على الاستقلال الوطني؛ فضلاً عن مواهبه الذاتية. وأصبحوا، عام 1956، من أشد الداعين له، والمقدرين لدوره الوطني. وفي ذلك يقول صلاح الدين البيطار: "لقد آمنا، نحن في حزب البعث، بأن اتحاداً مع مصر، سوف يغذي فيها نفس العواطف القومية، التي ألهبتنا". ويوضح ميشيل عفلق رأيه، بقوله: " لقد كانت لدينا القناعة، بأنه لا يمكن أن تكون هناك وحدة عربية، بدون وجود مصر". وفي المقابل، تمتعوا بقوة الدعم السياسي المصري وثقله. وأضحى الطرفان عام 1957، أشد قوتَين فاعلتَين في السياسة السورية؛ ما أتاح لدعاة الوحدة البعثيين المشاركة في حكومة صبري العسلي الائتلافية، التي كوِّنت بعد حرب السويس مباشرة.
حمل مصر، إذاً، على اعتناق فكرة القومية العربية عوامل ثلاثة:
ـ الأخطار الناجمة عن استمرار مواجهة إسرائيل.
ـ الاعتراف بوحدة نضال الدول العربية، من أجل الاستقلال الكلي عن الدول الكبرى.
ـ الصراع العربي الداخلي على السلطة، وضرورة سيطرة مصر على سورية، لتؤكد زعامتها العربية.
بيد أن جمال عبدالناصر، بعد حرب السويس، لم يكن مهيأً للوحدة؛ فضلاً عن أنه لم يستشعر استعداد الرأي العام المصري لها. وهو ما وافق نُصْح سفيره في دمشق، محمود رياض، بعدم زعزعة الأمر الواقع، الذي تستميت مصر في الدفاع عنه؛ إذ يقول:
"لم نطلب الوحدة مع سورية مطلقاً. بل أوضحنا، دائماً، أن الفكرة سابقه لأوانها. وقلنا لكلّ جماعة، مارست الضغط من أجل الوحدة، إننا نرفض إقامة اتحاد، بقوة السلاح؛ فنحن نعتقد أن الوحدة، لا يمكن أن تستمر، إذا ما حُققت بواسطة الجيش. لقد ادَّعى جميع زعماء الأحزاب السورية، بأنهم مؤيدون للوحدة؛ لكن حزب البعث، كان الوحيد الذي خطط للأمر فعلً،ا وطالب بخطوات عملية لتحقيقها. لقد كانت سياستنا، في الواقع، هي تجنب الوحدة؛ إذ كنا نعلم أنها ستثير كل القوى ضدنا، وأننا سنتهم بضم سورية".
ولكن الضعف الذي اعترى البعثيين، دفعهم إلى الإلحاح على مصر بوحدة، ترجحهم على خصومهم ومنافسيهم، وتساعدهم على نشر مبادئهم الوحدوية في العالم العربي كلّه. ومهد لتحقيق الرغبة البعثية وصول بعثة برلمانية مصرية إلى دمشق، في أواخر نوفمبر1957؛ ما حفز حزب البعث، في ديسمبر، تقديم مشروع، يقضي بتكوين اتحاد فيدرالي بين مصر وسورية.


تاسعاً: الشيوعيون والوحدة
منذ أزمة السويس وما بعدها؛ وبعد أن أصبحت الدعوة إلى اتحاد سوري ـ مصري أمراً سياسياً محضاً؛ أعرب الشيوعيون عن تأييدهم إنشاء الاتحاد الفيدرالي؛ مؤمنين بأن صيغة فيدرالية ملتبسة، ستمنع الاتحاد من أن يصبح فعالاً، وتسمح لهم بأن يستمروا في نشاطهم الحزبي في سورية. غير أن منازعتهم البعث، في نهاية عام 1957، دفعتهم إلى مزايدته على الاتحاد الفيدرالي، فتزيّدوا المطالبة بالاندماج الكامل بين سورية ومصر؛ واثقين أن عبدالناصر، الذي ما زال يتلكأ عن الاتحاد الفيدرالي، سيرفض الاندماج. وهكذا يحبطون خطط الاتحاد، دفعة واحدة؛ ويشوّهون سمعة الرجل؛ ويتألفون الشعب بكونهم قوميين مندفعين. فاضطر البعث، حرصاً على استئثاره بزعامة حركة الاتحاد، أن يستبدل بمشروعه الفيدرالي، المطالبة بالوحدة الاندماجية. وإذا بزمام الحالة في يد الرئيس المصري، الذي انبرى المسؤولون السوريون يستبقون إلى تسليمه البلاد.

عاشراً: الجيش السوري والوحدة
مزق عصف الرياح السياسية بسورية جيشها، في أواخر عام 1957، أجنحة متصارعة، خشية بعضها بعضاً أشد من خشيته أيّ قوة خارجية؛ ما أضعف الجيش وفككه؛ حتى إن كلّ وحدة عسكرية، أمست جيشاً مستقلاً. وطالما أثار ذلك تحفُّظ عبدالناصر من تحمُّل مسؤولية سورية، ما لم يُرْأَب التصدع الحاد في الجيش السوري. ولم يتردد في إعرابه للبعث، مراراً، عن اهتمامه بهذا الأمر؛ فأيقن البعثيون أنه لن يبدد مخاوفه سوى بعثة من قادة الجيش السوري، تعلن له ولاءها، وائتمارها بإمرته بلا تحفُّظ. وفطن الشيوعيون لهذه النية، فتداركوا أمرهم، بالمبادرة إلى إصلاح ما فسد من علاقاتهم بحزب البعث. وأصدروا بياناً، يشير إلى ضرورة التفاهم بين الشيوعيين والبعثيين، الذين يشكلون معاً حجر الزاوية في الجبهة الوطنية.
وصل إلى القاهرة، في 12 يناير 1958، أربعة عشر ضابطاً، يرأسهم رئيس الأركان العامة؛ فأثار سَفَرهم غير المعلن وغموض هدفهم ريبة الحكومة السورية وخِيفتها. وعزموا على عبدالناصر، أن يوافق على اتحاد غير مشروط مع مصر، ووفق شروطها. فكاشفهم بتحفظات عديدة، ولاسيما تَسَوُّس الجيش السوري؛ واشترط حل جميع الأحزاب السياسية.

المبحث الخامس: اندماج مصر وسورية
أمعنت سورية في المطالبة بالوحدة بينها وبين مصر، منذ التصدي لحلف بغداد، وبعد معركة السويس. ولم يتوانَ رئيس الوزراء السوري، صبري العسلي، عن اقتراحها، في فبراير 1957، أثناء اجتماع مع جمال عبدالناصر، لمناقشة مشروع أيزنهاور. كذلك اتخذ مجلس النواب السوري قراراً، في 5 يوليه 1957، يطالب بإنشائها. وأعلن تصميمه عليها، في 17 نوفمبر 1957، في اجتماع، حضره وفد مصري برلماني، يرأسه أنور السادات. وأعقب ذلك حضور وفد سوري برلماني اجتماعاً لمجلس الأمة المصري، في القاهرة، قرر فيه الاستجابة للرغبة السورية.
واضطلع بسياسة سورية، في هذه المرحلة الحاسمة، خمس رجال: خالد العظم وخالد بكداش وصبري العسلي وأكرم الحوراني وصلاح الدين بيطار؛ والأخيران ينتميان إلى حزب البعث، الذي استدرك زعيمه، ميشيل عفلق، ميله إلى الوحدة الشاملة، بإيثاره عليها النظام الفيدرالي؛ إذ "إن لكلٍّ من القطرَين تقاليده وتاريخه الخاص. ولا بدّ عند قيام الاتحاد من تقوية نظام الحكم المحلي، والبرلمانات الإقليمية، أولً.ا وهذا النظام أدعى إلى اجتذاب الدول العربية الأخرى نحو الوحدة الشاملة". وما ذلك إلا لأن الوحدة الاندماجية، تشترط حل جميع الأحزاب، والمنظمات السياسية، التي طالما جاهد حزبا البعث والشيوعي في سبيل إنشائها. وهو الأمر نفسه، الذي دفع الحزبَين إلى التحاور، وتنظيم صفوفهما.


أولاً: الجيش السوري فيصل الوحدة
لم يقرر مصير سورية سياسيوها وأحزابها؛ وإنما جيشها، الذي أشعره تخبُّط قياداته، والبلاد عرضة للأخطار، بالحاجة الملِحة إلى الوحدة. وأُلِّف، في 17 أغسطس 1957، مجلس قيادة عسكري إثر إقالة اللواء نظام الدين، رئيس الأركان؛ وإبعاد الضباط الرجعيين. فأمست قوى الجيش المستقلة، التقدمية، الأكثر ميلاً إلى مصر، تفوق نظيرتها البعثية والشيوعية في صفوفه.
فبادرت إلى المطالبة بتحقيق الوحدة، من الفور؛ وتنزيهها عن المتاجرة السياسية فيها. واجتمع المجلس، في ديسمبر1957، وبحث موضوع الوحدة مع مصر، ودرس ما ينبغي له عمله في شأنها. وخلص إلى استيضاح الحكومة السورية ما تنويه بالوحدة؛ وإبلاغها رغبة الجيش في التعجيل بها. وأجمع المجلس على قراره. غير أن موافقة الأعضاء الحزبيين عليه، لم تكن إلا مداهنة؛ لاعتقادهم أن دون الوحدة مشاق ومحاذير، تعسّر ولادتها؛ فلا داعي لمعارضتها؛ فضلاً عن أن تأييدهم إياها، سيعززهم بين القوى الأخرى.
أوفد عبدالناصر، في النصف الثاني من ديسمبر1957، إلى سورية، حافظ إسماعيل، مدير مكتب اللواء أركان الحرب عبدالحكيم عامر؛ كي يجتمع بمجلس القيادة السوري، ويعرض عليه الصعوبات التي تواجه الوحدة، وتلك التي ستنجم عنها. وقد وَفَّى رسالته، وجاهر بمعوقات الوحدة؛ وأبرزها:
1. الجيش السوري، قياساً بنظيره المصري، هو قليل العدد؛ وقد يسفر اندماجهما عن نعرات جمة؛ فضلاً عن أن أولهما لا يزال مُسَوَّساً، وترك الثاني السياسة لأهلها. ولذلك، لا بدّ من إعادة تنظيمهما، وتنسيق انضباطهما العسكري.
2. الوحدة الاقتصادية هي أشد جوانب الوحدة صعوبة؛ إذ إن اقتصادَي مصر وسورية غير متجانسَين.
3. "إن النظام السياسي في مصر ثورة، تحاول أن تثبت دعائمها… قد تصدت لها قوى متعددة، داخلياً وخارجياً. كما أن الثورة المصرية مطالبة، دائماً، في ظل الوحدة أو في ظل عدم قيامها، بيقظة مستمرة، للمحافظة على كيانها؛ فضلاً عن أن قيام الوحدة بين مصر وسورية، سيزيد من ضرورة استمرار قوة الثورة وقدْرتها على حماية الوحدة من الأخطار، التي لا بدّ أن تهددها؛ ذلك أن قيام الوحدة، لن يقابل، دولياً، بالارتياح، وبخاصة في الغرب". وكان قول حافظ إسماعيل هذا إيحاء للمجلس بأن هناك ثورة في مصر، وستستمر؛ وليس لسورية، إذا ما رغبت في الوحدة، سوى معايشة ظروف النظام المصري.
لم يفلِح النصح المصري لمجلس القيادة السوري العسكري بتدبُّر محبطات الوحدة؛ إذ حبَّذ أعضاؤه المستقلون إنشاءها، من الفور، ومن دون أيّ تأخير؛ لأنها ستكون أقدر على مواجهة عراقيلها. أمّا أعضاؤه الحزبيون داورا عليها، وقالوا بمناقشة عوائقها، والسعي إلى تذليلها؛ مع الاستمرار في السير قدماً نحوها. ولم يوضحوا أَيُّما أَوْلى تحقيق الوحدة أمْ إزالة ما يعترضها. وقد أصد المجلس قراراً، نص على "السير قدماً في طريق تنفيذ الوحدة مع مصر، وفي أقصر وقت ممكن؛ ومنع وضع الوحدة موضع مزايدات أو كسب حزبي؛ وتنزيهها عن هذه المناورات". ونُقل القرار إلى السفير المصري، محمود رياض؛ والعميد عبدالمحسن أبو النور؛ كي يبلغاه عبدالناصر.
عقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة السورية، في 11 يناير 1958، جلسة طارئة، انتهت إلى مذكرة، توضح للرئيس عبدالناصر موقف الجيش من الوحدة؛ جاء فيها: "ولما كانت الظروف الحالية، التي نشأت من جراء انتصار شعبنا العربي، في مصر وسورية، قد ربطت بين قضيتنا العربية وبين السلم العالمي إلى حدّ بعيد، وأفسحت المجال لنا، لكي نخطو خطوات إيجابية سريعة، تتناسب وأهمية انتصاراتنا؛ ونظراً لاحتمال تغير هذه الظروف والمناسبات، وخاصة إذا تمكن الاستعمار من إنهاء استعداداته للمجازفة بخوض حرب شاملة أو محلية، بسبب تعرض مصالحه، التي يعتمد عليها في حياته الأساسية، في وطننا العربي، إلى الزوال؛ فإننا ندعو إلى ضرورة الإسراع بإقرار البناء الأساسي للوحدة الشاملة مع مصر، والمباشرة بتنفيذه فوراً، وتخطي جميع العقبات المصطنعة، من دستورية أو سياسية أو اقتصادية. ونحن نعتبر أن كلّ استمرار للأوضاع المحلية، أصبح أمراً غير طبيعي، لا يعتمد في بقائه إلا على المبررات الاستعمارية الموروثة، والامتيازات الرجعية والانتهازية، التي لا يمكن الاعتراف بها، بعد أن أقر الشعب بأجمعه الوحدة الكاملة".

كما تضمنت المذكرة النقاط التالية:
1. دستور واحد، يعلن إنشاء الجمهورية العربية الجديدة، ويرسم نظام الحكم فيها؛ ويفسح المجال لانضمام بقية الشعوب العربية التي ستتحرر.
2. رئيس دولة واحد.
3. سلطة تشريعية واحدة.
4. سلطة تنفيذية واحدة.
5. سلطة قضائية واحدة.
6. علم واحد، وعاصمة واحدة للدولة العربية.
7. الاستناد إلى الدستور الواحد في سن القوانين المنظمة لحقوق مواطني الدولة الجديدة وواجباتهم.
لقد خلت المذكرة من أيّ شروط أو تحفظات من الوحدة. وأثبتت أن السوريين قد انقادوا لعواطفهم، وضحوا بكيانهم المستقل.

ثانياً: جمال عبدالناصر يلتقي الضباط السوريين
في الساعات الأولى من صباح 12 يناير1958، طار عدد من كبار الضباط السوريين، يرأسهم عفيف البزري، إلى القاهرة؛ لمقابلة الرئيس جمال عبدالناصر، وتسليمه نسخة من المذكرة. وبقي عبدالحميد السراج في دمشق؛ ليخبر بها مجلس الوزراء إخباراً، أوشك أن يكون إنذاراً.
وخلال اجتماعات الوفد الأولى مع الرئيس، بدت بوادر العقبات، فلحق بالوفد الأول ضباط آخرون من المجلس، للإسهام في سرعة الوصول إلى الصيغة النهائية للوحدة. وفي 15يناير1958، استقبل الرئيس عبدالناصر الوفد السوري، لعلن له: "إني مستعد لقبول مبدأ الوحدة. ولكنْ لي شروط ثلاثة، هي:
1. إجراء استفتاء شعبي على الوحدة، ليقول الشعب في سورية، وليقول اشعب في مصر، رأيه الحر في التجربة، ويعبّر عن إرادته.
2. أن يتوقف النشاط الحزبي في سورية توقفاً كاملاً، وأن تقوم الأحزاب السورية بحل نفسها.
3. أن يتوقف تدخّل الجيش في السياسة توقفاً تاماً، وأن ينصرف ضباطه إلى أعمالهم العسكرية، ليصبح الجيش أداة دفاع وقتال، وليس أداة سلطة في الداخل وسيطرة".
واستطرد جمال عبدالناصر، قائلاً: "إنني أعلم أنكم جميعاً، سوف توافقون على شروط الاستفتاء الشعبي؛ ولكن باقي الشروط لها أهميتها، في تقديري. إن صلاح البيطار هنا، وصلاح البيطار ممثل لحزب البعث، وهو من أكبر الأحزاب السورية؛ فهل حزب البعث على استعداد لأن يحل نفسه، ويوقف نشاطه الحزبي؟ ثم من ناحية أخرى، أنتم هنا جميعاً 22 ضابطاً، تمثلون كتلًا مختلفة في الجيش، أقرب إلى الأحزاب السياسية منها إلى الوحدات العسكرية؛ فهل تقبلون الابتعاد عن الأحزاب السياسية؟ إن هذا الذي أقوله لكم، فعلته في مصر، حتى مع الذين خرجوا معي، ليلة 23 يوليه، ليقوموا بالثورة".

ثالثاً: ولادة الجمهورية العربية المتحدة
لم تقتصر زيارة القاهرة على العسكريين السوريين؛ بل تردد إليها، مراراً، في النصف الثاني من يناير 1958، وزير خارجية سورية، صلاح الدين البيطار؛ ممثلاً لحكومة سورية وضباطها. وانتهت مساعيه إلى بيان اتفاق على الوحدة، عُرض على الوزارة والضباط، فطلب خالد العظم تأجيل إقراره، ريثما تتدارسه الحكومة والأحزاب. وأوضح العظم، خلال مطالعة البيان، نقاط الخلاف فيه، ومخالفته للدستور. واحتدم النقاش. وندد صبري العسلي بالأحزاب، ورآها هدامة هدد العظم بالاستقالة؛ ولكنه وقّع البيان، وسجل تحفظه من مضمونه؛ اتقاء الريح العاتية للوحدة العربية، التي كان هو نفسه من أوائل دعاتها. وحار صلاح الدين البيطار في ما يقوله للقاهرة. ولم ينتشله من حيرته اجتماعه بالضباط، وشكري القوتلي، وصبري العسلي، وخالد العظم، الذين ما زادوه إلا غموضاً؛ وإنما بددتها مبادرته هو وشكري القوتلي وصبري العسلي، إلى وضع أُسُس لمشروع وحدة اتحادية حمله إلى القاهرة.
وعُزِيَت موافقة السوريين، ساسة وضباطاً، على الوحدة، وبشروط عبدالناصر، إلى أسباب متباينة؛ منها أن الفريق عفيف البزري، جمع الوزارة وخاطب أعضاءها بما معناه: أمامكم طريقان: إلى المزة أو إلى القاهرة.
ويرجعها محمد حسنين هيكل إلى أن "إرادة الجماهير السورية، هي العامل الضاغط، حيث قبل السياسيون الوحدة؛ كي يفلتوا من الضغط الشعبي، الذي حاصرهم؛ وليجدوا لهم مكاناً في الأوضاع الجديدة، بعد الوحدة". وثمة من يردّها إلى "أن الوفد السوري، لم يتوقع أن يسير الرئيس جمال عبدالناصر على تلك الطريق الديكتاتورية".
أمّا ساسة البعث، فيعللون إذعانهم لشروط عبدالناصر، بأن "التفاعل الشعبي الثوري، بين إقليمَي الجمهورية الجديدة؛ والتفاعل الشعبي، بين دولة الوحدة وحركات النضال العربي ـ سيكونان الضمان ضد أيّ انحراف".
قدِم القاهرة، في 31 يناير 1958، الرئيس السوري، شكري القوتلي؛ ورئيس مجلس الوزراء، صبري العسلي؛ والفريق عفيف البرزي. وباحثوا جمال عبدالناصر في أُسُس الجمهورية الجديدة. وخلص المتباحثون إلى أن عوامل الوحدة، بين الجمهوريتَين: السورية والمصرية، وأسباب نجاحها، قد توافرت، بعد أن جمع بينهما، في الحقبة الأخيرة، كفاح مشترك، زاد معنى القومية وضوحاً. وأعلنوا اتفاقهم على توحيدهما في دولة واحدة، هي الجمهورية العربية المتحدة، وإيمانهم الكامل بهذه الوحدة؛ على أن يكون نظام الحكم فيها ديموقراطيا،ً رئاسياً. يتولى فيه السلطة التنفيذية رئيس الدولة، يعاونه وزراء، وهو يعيّنهم، ويسألهم عما يفعلون. ويتولى السلطة التشريعية مجلس تشريعي واحد. ويكون لهذه الجمهورية علم واحد وجيش واحد. ويتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات.
أبرم مجلس الأمة المصري، في 5 فبراير 1958، بالإجماع، اتفاق الوحدة. وكاد يُجمِع عليه المجلس النيابي السوري، لولا معارضة أحد أعضائه، خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري. وفي اليوم نفسه، دعا جمال عبدالناصر، في مجلس الأمة، إلى استفتاء الشعب العربي، في مصر وسورية، في أُسُس الوحدة، وشخص رئيس الجمهورية؛ ليضفي القوة والشرعية على الدولة الجديدة. فاستُتْتِيَ في 21 فبراير 1958. ووافق الشعب المصري على قيام الوحدة بأغلبية 99.99%. أمّا في سورية، فكانت النسبة 99.98%. وافق الشعبان، في مصر وسورية، على اختيار الرئيس جمال عبدالناصر رئيساً للجمهورية الجديدة"؛ ما يعني الموافقة على حل الأحزاب السورية. وأعلن إحسان الجابري، رئيس اللجنة الخارجية في المجلس النيابي السوري، حل المجلس، في 23 فبراير 1958. أمّا وزارة الائتلاف السورية، فبقيت تدير الأمور، ريثما يعيِّن جمال عبدالناصر وزراءه الجدد.
وصل جمال عبدالناصر إلى دمشق، أول مرة في حياته، يوم 24 فبراير1958، رئيساً منتخباً؛ فاستُقبل استقبالاً لا يُنسى. وأعلن، في 5 مارس 1958، وهو في العاصمة السورية، دستوراً مؤقتاً للجمهورية العربية المتحدة، يتألف من 73 مادة.
وسرعان ما خَلَتِ الوحدة للعرب؛ إذ وقِّع، في دمشق، في 8 مارس 1958، ميثاق إنشاء اتحاد، يسمى: الدول العربية المتحدة، يتكون من الجمهورية العربية المتحدة والمملكة اليمنية المتوكلية، والدول العربية الراغبة فيه. وقد نص على أن تحتفظ كلّ دولة من الدول الأعضاء بشخصيتها الدولية، ونظامها الخاص؛ على أن تتبع كلّها سياسة خارجية موحدة، يضعها الاتحاد. كما يتولى تمثيله السياسي القنصلي، في الخارج، هيئة واحدة، في الأحوال التي يقرر فيها الاتحاد ذلك. ويكون للاتحاد قوات مسلحة موحدة. وينشأ بين دوله اتحاد جمركي.

رابعاً: المواقف: المحلية والإقليمية، من الجمهورية المستجدة
1. سورية
أبهجت الوحدة ضباط الجيش، ومنّتهم بعطف الرئيس الضابط، جمال عبدالناصر على القوات المسلحة، وتفهّمه لقضايا الجيش السوري. وأنست إلى الوحدة طبقات الشعب المؤمنة بالقومية العربية، أحزبية كانت أم في صفوف الجيش، وتماهت بها؛ علّها تكون إرهاصاً للوحدة العربية الشاملة. لا، بل إن حزب البعث، عَدّ نشوءها نصراً له؛ وقد زادته شعبية، ولو إلى حين، في سورية ودول عربية أخرى؛ إلاَّ في مصر.
واستثارت الوحدة رضا الطبقة المتوسطة وقلقها، في آن واحد؛ إذ أملت أن تقيها الخطر الشيوعي، المتواري بالاتفاقية الاقتصادية بين سورية والاتحاد السوفيتي؛ وخشيت الغموض في سياسة جمال عبدالناصر الاقتصادية.
أمّا كبار ملاك الأراضي، فلم يرحبوا بالوحدة؛ لتهيُّبهم أن يطبق عليهم الإصلاح الزراعي المعمول به في مصر. وهو ما يسحبونه تشفياً وانتقاماً منهم؛ فضلاً عن أنه يدنيهم من اليسار؛ وهم اليمنيون، المنتمن إلى حزب الشعب.
وتوجَّس الإخوان المسلمون خطر عبدالناصر، الذي أعدم عدداً منهم، قبل أعوام، غير عابئ بالشفاعة لهم من رجالات وحكومات عربية. ولكنهم لم يرفضوا الوحدة إذ آنسوا فيها خطوة أولى في سبيل تحقيق هدفهم الأشمل.
ولم يَضق بالوحدة إلا الحزب الشيوعي. وينمّ بذلك قول خالد بكداش قُبَيْلها: "لم تكن الوحدة مفاجأة لأمريكا والدول الغربية، وإا هي بموافقتها؛ لأنها الوسيلة، التي يمكن بواسطتها القضاء على الحركة التقدمية في سورية، وإخماد صوتها الحر في الأوساط الدولية، بعد أن عجز الاستعمار عن الوصول إلى ذلك عن طريق المؤامرات والضغط والعدوان غير المباشر". أمّا الحزب القومي السوري، فقد اضمحل إثر اغتياله العقيد عدنان المالكي، في 22 أبريل 1955.
2. مصر
يصعب تحديد موقف المصريين من الوحدة؛ لأن أحزابهم السياسية، حرّمها انقلاب عام1952. وأقوال جمال عبدالناصر، توحي، بل تؤكد أن هبة الشعب المصري، في احتفالات الوحدة، لم تضارع نظيرتها السورية، لا فطرة، ولا صدقاً؛ وإنما وعّزت بها الصحافة والإذاعة وأجهزة الإعلام الأخرى توعيزاً، مسخ الوحدة نصراً لرائد القومية العربية.
3. العراق والأردن، وإنشاء الاتحاد العربي
لاذ الملك حسين إلى ابن عمه فيصل، ملك العراق؛ فراراً من عدوّه,[1] جمال عبدالناصر، رئيس دولة الوحدة، الطامح إلى انحياز سياسة الأردن: الخارجية والعربية، إلى مصر. فراوده على إحياء التراث الهاشمي؛ مرتضياً ما اشترطه لذلك نوري السعيد؛ وغير مبالٍ بإنذار الملك سعود، أن الاتجاه نحو العراق، سيحرم الأردن دعم المملكة العربية السعودية المالي.
أنشئ اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق، رأسه الملك فيصل بن غازي، ملك العراق. وعابه عبدالناصر بأنه وحدة زائفة، بنيت على أساس حلف بغداد، ولم تراعِ رغبات الشعبَين: العراقي والأردني، التي تعارض أيّ محالفة للغرب؛ وأن ذلك الاتحاد الجديد، سيعوق سياسة الحياد، التي يدعو لها الرئيس العربي. بيد أنه لم يتصدَّ له؛ بل أوشك أن ينتفع به انتفاعاً غير مباشرة.
4. سائر الدول العربية
أبهجت الوحدة كثيراً من الشعوب العربية. أمّا حكوماتها، فقد حرصت على مصالحها في الدول، التي تنكرت للجمهورية الجديدة؛ فاقتصرت مواقفها على "تمنيات أخوية صادقة، ومشجعة للوحدة العربية" لم تبلغ نية الانضمام إليها.
5. إسرائيلي
رابت إسرائيل، فعمدت إلى زيادة نشاطها العسكري على الحدود السورية، حيث بادرت إلى إنشاء التحصينات وتجهيزها؛ بل اعتدت، في 13 ديسمبر 1958، على قرية الدرباشية، في القطاع الأوسط من الجبهة السورية؛ وكذلك على قرية التوافيق، في الأول من فبراير1960. واستذرعت إسرائيل بالوحدة، فاستنصرت عليها بالغرب؛ ليمدها بأسلحة، تدفع بها عن كيانها تهديداً ذا شعبتَين أو اتجاهَين، تومض به الجمهورية العربية المتحدة[2].

خامساً: المواقف العالمية
1. الكتلة الشرقية
آثرت سورية آصرتها القومية على صداقتها للمعسكر الشرقي. وكذلك اطَّرح الرئيس جمال عبدالناصر نصح الرئيس السوفيتي، نيكيتا خروتشوف، بالتخلي عن الوحدة، والذي جاهر به سيد الكرملين وفداً سورياً عسكرياً، برئاسة اللواء نامق كمال، زار موسكو، في 13 سبتمبر 1962. فاضطر العالم الاشتراكي إلى الاعتراف، على مضض، بالجمهورية الجديدة؛ ولو لم يفعل، لاجتثت جذور مصالحه ومظاهر الميل إليه، في سورية وسائر البلاد العربية.
2. الكتلة الغربية
ما ضار الغرب، أن ترفض سورية الانضمام إلى حلف بغداد؛ وإنما نقْضها رؤية الدول العربية، التي انضوت إليه، أن الخطر الأول المحدق بالعرب، هو الخطر الشيوعي. فقد استشفت دمشق، الخطر الجاسم، هو إسرائيل وأولئك الذين يدعمونها. فنكدت رغبة الغرب، ولا سيما وزير الخارجية الأمريكي، جون دالاس؛ إذ إن حرباً بين سورية وإسرائيل، ستحمل الدول العربية الأخرى على مؤازرة دمشق؛ على الرغم من عضوية بعضها في حلف غربي، والتزامها بألا تحارب إسرائيل. ناهيك بمكانة سورية في نفوس الشعب العربي، وبخاصة العراقي، الذي سيسحق كلّ حكم لا يؤيدها على إسرائيل. ولا شك أن موقف الدول العربية، وبعض فئات من شعوب دول إسلامية مجاورة، سيوهن حلف بغداد.

سادساً: تقييم الوحدة الاندماجية
لم تتأتَّ للوحدة الاندماجية أركانها: السياسية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية؛ وهو ما أفصح به جمال عبدالناصر، ليلة 15 يناير 1958، لقادة الجيش السوري حين جاروه طالبينها: "إن الوحدة تحتاج إلى خمس سنوات، على الأقل، من التمهيد: الاقتصادي والاجتماعي؛ لا، بل إنها بدت مرتجلة، لا تكاد تستند إلى سوى زعامة شخصية، زعامة عبدالناصر. وأوشكت أن تخلو من المضامين، فاقتصرت على هيكل خارجي، تمثل في وحدانية رئيسها وعَلمها ونشيدها.
لئن أمكن تخطِّي الفاصل الجغرافي، بين جناحَي الجمهورية العربية المتحدة؛ فإنه تعذر جسر فوارقهما؛ وأبرزها:
1. انهماك الشعب العربي في مصر في ثورة اجتماعية، وانشغاله بمناهضة الأحلاف، واحتكار السلاح، والتبعية الدولية؛ وتصديه للطبقة الرأسمالية، التي انكشفت معاونتها للاستعمار. ناهيك بأن كثيراً من المصريين، جاهروا بتساؤلهم: "هل ستصبح مصر، بكلّ مجدها! الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة؟ وهل يمكن أن تتخلى عن العلم الأخضر، والهلال والنجوم الثلاث في وسطه! وقد خاضت تحت هذا العلم كلّ معاركها من أجل الاستقلال.
2. إمعان سورية في المناكدات الحزبية، والانقلابات العسكرية؛ وابتعادها عن أيّ تعبئة ثورية. ومعاونة رأسمالييها للاستعمار، من خلال قصور ملكية، في بغداد وعمّان. فضلاً عن أن معظم الساسة السوريين؛ يريدون أن تبقى مصر في مصر، وأن تبقى سورية في سورية؛ إذ إن الوحدة، ستنجم عن قوى جديدة، سوف تضعفهم، وتقاسمهم مكاسبهم. فالاندماج الكامل في المجال الدبلوماسي، اقتضى إلغاء بعض الوظائف؛ ما أسخط بعض موظفي الخارجية، حتى أمسوا من أشد الفئات ذات النزعة الإقليمية. وفرض منظمة سياسية واحدة، هي الاتحاد القومي؛ وحل الأحزاب السورية العقائدية، وبخاصة الحزب الشيوعي ـ أجبر المعارضة على العمل في الخفاء، أو اللجوء إلى الخارج. أمّا حزب البعث، فقد تقبّل الوحدة الاندماجية، على مضض؛ إثر اختيار عبدالناصر أحد أعضائه، أكرم الحوراني، ليكون أحد نوابه؛ فضلاً عن تعيينه خمسة بعثيين في أول مجلس تنفيذي.
3. غموض الوضع السوري الداخلي وخفاؤه، ليس على القاهرة فحسب؛ وإنما على دمشق نفسها؛ ما لبس على القوة الجديدة، التي جاءت بها الوحدة إلى سورية، مهمتها.
اختُرمت الوحدة، ولما تبلغ ثلاث سنوات (22 فبراير 1958ـ 28سبتمبر 1961)؛ ما يؤكد أن العرب هم أنزع إلى إقليميتهم منهم إلى وحدتهم؛ بل إن جمهوريتهم العربية المتحدة، لم تكن دولة كونفدرالية؛ إذ احتفظ كلٌّ من جناحَيها بكينونته.
يتبــــــع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابطال الحرمين

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : باحث في العلوم الاستراتيجية والعسكرية
التسجيل : 24/07/2011
عدد المساهمات : 3188
معدل النشاط : 4645
التقييم : 866
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )   الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 12:14

المبحث السادس: الانفصال (سبتمبر 1961)
أدرك الاستعمار خطر الجمهورية العربية المتحدة، وتهديدها مصالحه في الشرق الأوسط، وتطويقها إسرائيل؛ فجهد، متعاوناً مع القوى، التي ترتبط مصالحها بمصالحه، في ضرب الوحدة. طعنها بتأسيسه دولة الاتحاد العربي، بين العراق والأردن؛ ولكن، سرعان انقلّ سلاحه، وانهار ذلك الاتحاد، إثر انقلاب 14 يوليه 1958 في العراق، وسقوط النظام الملكي؛ وإعلان النظام الجديد، في 15 من الشهر عينه، انسحابه فوراً من الاتحاد العربي. فاستشاطت القوى الاستعمارية، وتعجلت القوات الأمريكية النزول في لبنان، لدعم نظام كميل شمعون؛ وسارع المظليون البريطانيون إلى الأردن، لدعم نظامه الملكي المترنح.
أولاً: معاناة الوحدة
لئن عاب الارتجال الوحدة، منذ نشأتها؛ فإنها لم تلبث أن تكاثرت معايبها، فكان أبرزها:
1. حل الأحزاب السياسية
صدر القانون الرقم 2/1958، في 12 مارس 1958؛ ونصت مادته الأولى على: "أن تحل الأحزاب والهيئات السياسية، القائمة حالياً في الإقليم السوري؛ ويحظر تكوين أحزاب أو هيئات سياسية جديدة".
وكان ذلك إيذاناً بالانحراف؛ إذ إن الحياة الحزبية، على سيئاتها، هي أفضل من أحدية الحكم؛ لأنها تنبه على انحرافاته. لا، بل إن قانون الطوارئ الرقم 162/1958، الصادر في 28 سبتمبر1958، قد خوَّل رئيس الجمهورية تقييد حرية الأشخاص، في الاجتماع والانتقال والإقامة؛ وظلت الجمهورية تحكم في ظل قانون الطوارئ، حتى الانفصال.
2. تبديل القيادة
نُوَّه بالرئيس شكري القوتلي بطلاً لعهد استقلال سورية، واكتمال دوره في الكفاح الوطني، باندماجها في دولة الوحدة؛ ليستبدل به، وبمن شاكله من الساسة التقليديين، الخبراء بالسياسة والمتمرسين بها، قيادة عسكرية، مطعمة بمدنيين، اتسمت بالصلابة والتشبث بالرأي.
3. عزل الفريق عفيف البزري
بعد إعلان الوحدة، جمع المشير عبدالحكيم عامر ضباط مجلس القيادة للجيش السوري، وأعلمهم بأن مهمة المجلس، قد انتهت. وبادر رئيس الجمهورية إلى اختيار بعضهم لمناصب وزارية، وطلب منهم " قطع كلّ علاقة بالقوات المسلحة"؛ واشترط عليهم "عدم الاقتراب من العسكريين أو الاتصال بهم، إلا عن طريق عبدالحكيم عامر، الذي أصبح مسؤولاً عن أفراد القوات المسلحة". وأصبح المشير عامر مسؤولاً أول عن الجيش، ويساعده رئيس أركان الجيش الأول، العميد عبدالمحسن أبو النور، الذي اهتم بجمع المعلومات عن الضباط السوريين، واستخدمها في تأليب بعضهم على بعض؛ فتمكن من القضاء على المعارضين منهم للوحدة، ولاسيما أولئك الجانحين إلى الحزب الشيوعي، وهم: عفيف البزري، أمين النفوري، أحمد عبدالكريم، طعمة العودة الله، أحمد حنيدي، أكرم ديري. أحس الفريق عفيف البزري بإبعاده عن مركز القوة في الجيش الأول، فاقترح تنقلات في صفوفه، تطاول الضباط الشيوعيين. بيد أن الريبة فيه، حملت المشير عامر على رفض الاقتراح فهدد البزري بالاستقالة، فقُبِلت؛ بل كانت أقرب إلى الإقالة؛ لأنه علم بها من الجرائد. وقد أثبتت مكاتبته، وهو في القاهرة، قادة الحزب الشيوعي العراقي[2]، زيارته بغداد وصوفيا، عدة مرات، أن الارتياب فيه، كان سديداً.
4. الحكومة في الإقليم السوري
لم يوضح الدستور المؤقت كيفية تأليف الحكومة، وإنما اكتفي بتخويل رئيس الجمهورية تعيين نواب له ووزراء وأمناء عامِّين. وجاء التطبيق العملي للحكومة كالتالي: "4 نواب لرئيس الجمهورية؛ ثماني وزارات مركزية، ومجلسان تنفيذيان لسورية ومصر". وفي كلّ من المجلسَين، تمثل الوزارات، باستثناء تلك الثماني الآنفة؛ إلا أن المجلس التنفيذي في الإقليم السوري، لم يحوِ وزارتَي التربية والتعليم والصناعة.
5 . مهامّ نواب رئيس الجمهورية
لم يحدد الدستور المؤقت مكانة أو مهمة نواب الرئيس، ولا علاقة بعضهم ببعض؛ إنما ذكر أنهم ينفذون سياسته. وأصبح إبرام القرارات الأساسية رهين مشيئة رئيس الجمهورية؛ ما أفقد نوابه فاعليتهم.
6. المجلس التنفيذي:
كاد المجلس التنفيذي في سورية، يفقد قيمته وسلطاته، إذ أُغفل دور رئيسه وأعضائه؛ بل لم تميز مكانة الرئيس إلا بالاسم فقط. بيد أن الشعب السوري، لم يراعِ ذلك الواقع، بل هو لا يعلمه؛ ولذلك غضب على مجلسه التنفيذي، وعَدَّه مسؤولاً عن أخطاء السلطة التنفيذية. ولم يسع المجلس كشف الحقائق السائدة؛ حرصاً على الجمهورية الناشئة؛ غير أنه أيقن رشاد من كانوا يطالبون، قبل الوحدة، بالتروي في دراستها.
وعانى المجلس التنفيذي السوري مشكلة أخرى، لا تقلّ أهمية عن السابقة، وهي تعيين محمود رياض مستشاراً للرئيس، في دمشق، والذي أمسى وسيطاً بينه وبين المجلس التنفيذي في الإقليم. وحقه له أن يرُد بعض قرارات ذلك المجلس، ويحتفظ بتلك التي يعترض عليها، ويرفع إلى الرئاسة ما يرتئيه من قرارات. فامتعض السوريون من المستشار العربي، وعرّضوا به للرئيس جمال عبدالناصر، ثم جاهروه بامتعاضهم؛ إلا أنه أمعن في دعم مستشاره، سادراً في خطأ دبلوماسي، لم يتداركه إلا بعد أن علا تهامس السوريين بأن محمود رياض، هو مندوب مصري سامٍ في بلادهم؛ ما اضطر عبدالناصر إلى إعادته إلى القاهرة. وسرعان ما انقلب امتعاض السوريين وتهامسهم تهكماً مريراً، طاول عبدالحكيم عامر، الذي وصل إلى دمشق، مزوداً بكلّ سلطات رئيس الجمهورية، لذلل بعض المشاكل العاجلة؛ فأشاعوا "بأن مهمة عبدالحكيم عامر في دمشق مماثلة لمهمة نائب الملك في الهند، وقت الاحتلال البريطاني لها".
7. مشكلة المصريين في سورية
لبّى المصريون، ولاسيما الأطباء والمهندسين والمدرسين، حاجة سورية إليهم. واندلق التجار السوريون على مصر. ولكن حرص الطرفَين على التكامل، نزغته شائعات، راجت في دمشق، "بأن القاهرة تريد أن تجعل من سورية مجالاً لمن ليس لهم عمل بها".
8. مشكلة الضباط المصريين في سورية
أفقدت الجيش السوري انقلاباته وانشغاله بالسياسة عدداً من رجاله؛ فعوضه منهم الجيش الثاني، الجيش المصري، قوة، رابط معظمها في الجبهة، حيث واجهت أطماع إسرائيل وتهديداتها. غير أنه لم تسلم من الغمز عليها، "أن سورية تحت حكم العسكرية المصرية". وازداد اللمز في حضور ضباط من الجيش الأول إلى مصر؛ لتبديد أيّ حرج، يسببه وجود نظرائهم من الجيش الثاني في سورية؛ فضلاً عن تحقيق الاندماج، وتبادل الخبرات. إذ رُوِّج أن "المصريين قاموا بإبعاد الضباط السوريين عن سورية، ليُخلُوا المكان للضباط المصريين". وأُغفل أن هؤلاء كانوا يعملون في وحدات سورية، جنودها وقادتها سوريون، وليس في وحدات مصرية بحتة متكاملة؛ والدليل على ذلك، أن الضباط المصريين، لم يتصدوا للانقلاب على الوحدة.
ولا يعنى ذلك تنزيه الضباط المصريين عن الأخطاء، وإنما يلفت إلى أن مقترفيها هم أصاغرهم؛ لحداثتهم، وجهلهم بالنظُم السورية؛ ما يدين القيادة المصرية بانتدابهم لتلك المهمة.


ثانياً: الوحدة وحزب البعث
نمَّت سياسة حزب البعث في سورية على:
1. تناقُض فكره وسياسته، إذ ينادي بالوحدة والاشتراكية والحرية؛ ويغرق في المداورات والدسائس والمؤامرات.
2. مثالية أفكاره تلامس الواقع، ولا تواجه مشاكله؛ بل إنها لم تحاول، ولو بالتجربة والخطأ، أن تؤثِّر في اتجاهات التطور العربي، لا في سورية، ولا في أيّ بلد عربي. فهو، إذاً، حزب تقدميّ، نظرياً؛ ولكن اشتراكه في الحكم، قبل الوحدة وبعدها، لم يترك آثاراً تقدمية.
3. استهلاك أفكاره في المكائد الحزبية؛ وضلال ثوريته في سراديب السياسة السورية، وفقدانها القدرة على التطور؛ فضلاً عن المساهمة في تطوير الواقع العربي.
4. انتهاجه في تجربة الوحدة أحد نهجَين:
أ. المداورة والإحراج الحزبي؛ ليستأثر بحكم سورية.
ب. السلبية المطلقة، بعد المداورة، حتى تتأزم الأمور ما يمكنها أن تتأزم؛ ثم لا يكون هناك مخرج من الأزمة.


ثالثاً: الحملات على الوحدة
تظاهرت على الجمهورية العربية المتحدة، في صيف 1961، قوى شتى، لا يجمعها غير العداء لها. وتمثل في ادعاءات، استهدفت البلبلة في سورية، الجبهة الأضعف في دولة الوحدة؛ أبرزها:
1. امتناع الجمهورية الفتيَّة عن التصدي الفوري، بالسلاح، لمحاولات إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن.
2. الديكتاتورية الناصرية، التي لا تستهدف غير التمكين لسيطرتها، والتي تمسك بأقدار سورية، تحت دعوى الوحدة العربية.
3. سلب أموال الناس، بإدعاء التحول الاشتراكي، وما صحبه من قرارات التأميم.
4. سَجن الأبرياء وتعذيبهم.
5. الابتعاد عن الدين، والاهتمام بشؤون الدنيا.


رابعاً: الانقلاب عليها
فوجئ جمال عبدالناصر، على كثرة النذُر، بأشد طعنة، وجهت إلى الحركة الثورية العربية، منذ بدأت مسيرتها في23 يوليه 1952، انقلاب الجيش السوري على الوحدة، في 28 سبتمبر 1961.
لا ريب في أنه هو نفسه، قد أسهم في تلك الطعنة، إذ:
1. اعتمد على مسلَّمات قديمة، كانت قد ثبتت في نفسه؛ ولم يتدبر استمرار صحتها وموافقتها لِغِيَر الحياة.
2. استجاب لضباط سورية وأحزابها السياسية الذين أسهمت تناقضاتهم في القضاء على استقلالها؛ فنقل بذلك إلى الجمهورية العربية، ولَمّا تَقْوَ بعد على فتح صفحة جديدة في التاريخ، أسباب انهيارها.
3. انتهج في تفكيره الإستراتيجي وتنفيذه مبادئ مدرسة ليدل هارت[3]؛ ولكنه لم يستن بمدئها القائل بالارتداد إلى الجيوب الخلفية المؤثرة، والبعيدة عن المركز، التي كانت قد تركت أثناء التقدم. واستطراداً، فقد استمرت تلك الجيوب تؤثّر في حركته.
4. سمح لآماله أن تتحدى وسائله، فعَهِد بالتطور إلى أجهزة غير قادرة عليه.
5. وقع في المحذور، باعتماده على الجماهير اعتماداً كاد يكون غيبية غيبياً؛ ناسياً أن حماستها، مهْما اشتدت، عاجزة عن مقاومة السلاح.
6. أحَب سورية وأحبته؛ ولم يتمكن من ملامسة عقلها.
طالما خُطط للانفصال، واختُصّ بملايين الدولارات. بيد أن أحداً لم يتجاسر عليه، حتى انفجر الخلاف بين عبدالحكيم عامر وعبدالحميد السراج[4]؛ فاندفعت المدرعات والدبابات إلى دمشق، لاحتلال مبنى القيادة العامة، ومحطتَي الإذاعة والتليفزيون، وإحكام السيطرة على العاصمة السورية.


خامساً: الاختلاف في أسباب الانفصال
عزا عبدالناصر الانفصال إلى ثلاثة عوامل:
1. جريمة البعث المتمثلة في استقالة قادته من الحكم.
2. الوحدة الاندماجية، كانت خطأ؛ وكان من الأفضل نشوء وحدة اتحادية.
3. حل الأحزاب، كان خطأً كبيراً، لأنها جمعت القوى السياسية في سورية على مناهضة الوحدة.
ويرى مهندس الوحدة، محمود رياض، أن الصراع لم يكن بين حزب البعث وعبدالناصر؛ وإنما بين السوريين أنفسهم. فقد سعى البعثيون إلى حشد الفئات السورية كافة، بما فيهم تلك، الرافضة لسيطرتهم. زد على ذلك الجانب الاقتصادي للصراع، والمتمثل في التأميم، الذي دفع القطاع الخاص السوري إلى إنشاء صناعات عديدة في خارج سورية، وخاصة في لبنان؛ وأدى ذلك إلى دعم الاقتصاد اللبناني، على حساب الاقتصادي السوري. وقد جاهر الوزير السوري السابق، الدكتور حسني الصواف بالاعتراض على فكرة التأميم والقرارات الاشتراكية.
ناهيك باعتراف محمود رياض، أن تصرفات عبدالناصر لم تماشِ مع الاتجاه المطلوب؛ وإنما عاكست ما يتطلبه المنطق، ويحتاج إليه الموقف؛ بل إن الرئيس لمس خطأ حل المجلس التنفيذي، فأمعن فيه، بمزيد من المركزية، وحرمان السوريين أيّ مشاركة في اتخاذ ما يخصهم من قرارات.
ويذكر عبداللطيف البغدادي، في مذكراته، أسباب الانفصال، فيقول: "لا شك أن هناك أخطاء، تسبب عنها تدهور في قوة الوحدة؛ وكان يمكن تداركها وعلاجها، خاصة تصرفات السراج في سورية، والطرق البوليسية، التي كان يتبعها، وتذمر الشعب السوري منها". كذلك يذكر "أن أسلوب جمال في الحكم، كان أحد الأسباب الرئيسية؛ فالشعب لم يكن له دور إيجابي في السياسة، التي ترسم له؛ وكان هذا الوضع له خطورته في سورية ومصر على السواء. ولم يكن هناك تنظيم سياسي سوى الاتحاد القومي؛ وهو نفسه كان تنظيماً فاشلاً. ومجلس الأمة، الذي كان له سلطة الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة، قد أصبح أضحوكة للجميع. والصحافة لم تكن تقوم بدورها الطبيعي في إبداء الرأي الحر، ومناقشة ما كان يجري من أخطاء. وكانت هناك محاباة زائدة لضباط الجيش، الذين تركوا الخدمة، حيث أصبح لهم الأولوية الأولى في شغل المناصب الرئيسية في الشركات، أو في السفارات بالخارج. والشعب كان ينظر إلى ما يجري من حوله، ولا يملك من أمره شيئاً، حتى أصبح في جانب، والحاكم في جانب آخر، بعيداً عنه".
أمّا حزب البعث، فقد نسب الانفصال إلى الأسباب الآتية:
1. الانفراد بالرأي، والاستئثار بالسلطة، والانغلاق الإقليمي.
2. تغييب الأحزاب والمنظمات: الثقافية والشعبية.
3. تسخير الحكم للوعي والتنظيم الشعبيَّين، لضرب الحزب والحركة الشعبية.
ويمكن تحديد النقاط، التي لم يتنبه لها عبدالناصر، في التالي:
1. تنظيم الوحدة السياسي، لم يحقق آمال الشعبَين في مصر وسورية؛ بل إن هدف اندماجهما، لم يكن بالصورة التي خطط لها.
2. القرارات الاقتصادية، من تأميم أو قوانين اشتراكية، لام تلائم سورية ملاءمتها مصر؛ فكانت سبباً لضعف الحالة الاقتصادية، وهروب رأس المال، وازدياد التيار المضاد للوحدة.
3. بيروقراطية الجانب المصري، أساءت كثيراً إلى الوحدة، وكانت غريبة على السوريين؛ إذ أصبحت دمشق لا تتخذ قراراً، وإنما تنتظره من القاهرة.
4. إلغاء الأحزاب السورية، حمله على مناهضة الوحدة، في الخفاء.
5. استدامة قادة الجيش السوري أحلامهم الشخصية وعلاقاتهم الحزبية والاجتماعية؛ والغريب أن بعضهم، كان ينتمي إلى حركات، شاركت في التآمر على سورية!
6.الوضع المتميز لبعض الضباط المصريين، الذين خدموا في الجيش الأول (السوري)، وتولّيهم بعض القيادات المهمة، فَتَّرا الضباط السوريين عن الوحدة.
7. الضغوط والمؤامرات، التي أحدقت بسورية، في الفترة الحرجة (1955- 1958)، خلقت إحساساً حاداً بضرورات الأمن، أدى إلى زيادة سلطات أجهزته؛ وهو ما استمر أثناء الوحدة.


الفصل الثالث
سورية من الانفصال إلى حُكم الرئيس الأسد

بثت إذاعة دمشق، في 28 سبتمبر 1961، البلاغ الأول لقادة الانقلاب على الوحدة السورية – المصرية؛ وجاء فيه: "إن الجيش السوري، قام بانتفاضة وطنية، لا صلة لها بشخص أو بفئة معينة؛ وإنما هي حركة، هدفها تصحيح الأوضاع غير الشرعية". ثم توالت البيانات إلى أن أذيع البيان الرقم 9، فأشار إلى عدم تمسك "القيادة العربية الثورية للقوات المسلحة بالحكم"؛ وهي الجبهة التي خططت الانقلاب واضطلعت بتنفيذه. ويتزعمها المقدم حيدر الكزبري، قائد حرس البادية، الذي آمر الأمريكيين من قبل على سورية. وشاركه في الانقلاب، المقدم عبدالكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير عامر في دمشق؛ والعميد عبدالغني دهمان؛ وموفق عصاصه، وغيرهم.
شق الانقلاب الشعب السوري، فأيدته دمشق؛ لأن قادته دمشقيون. وعارضته حلب، وناشدت الرئيس عبدالناصر القضاء عليه. بل إن بعض قادة الانقلاب أنفسهم، فاوضوا المشير عبدالحكيم عامر، الذي كان في دمشق، وتوصلوا معه إلى حل وسط ، صدر في شأنه البيان الرقم 9، الذي اشتمل على:
1. أن تكون قيادة الجيش الأول (في سورية) من الضباط السوريين. ويرحل الضباط المصريون. ويستدعى الضباط السوريون من القاهرة.
2. أن يذيع قادة الانقلاب بلاغاً، يعلن نهاية العصيان؛ ويتبعه بيان من المشير عامر بالموافقة على ذلك.
3. أن تفك قوات الانقلاب تطويقها لمبنى القيادة. وتشترك وحدات الجيش كافة، في اليوم التالي، في عرض عسكري؛ للتدليل على عودة الأمور إلى طبيعتها.
رفض الرئيس جمال عبدالناصر الاتفاق؛ لأنه يرفض المساس بالمبادئ؛ فضلاً عن رفضه تدخّل الجيش في السياسة. ورفضه كذلك قائد الانقلاب وجماعة من الضباط، خشية عواقب مؤامرتهم لقوى خارجية. وبادر حيدر الكزبري إلى التهديد بهدم مبنى القيادة على من فيه، إنْ لم يُلغَ البيان الرقم 9.
كان الأردن والاتحاد السوفيتي طليعة مؤيدي الانقلاب. واغتبط الرئيس شكري القوتلي بوثبة الجيش المظفرة. كما أصدر بعض السياسيين القدامى، ومن بينهم أكرم الحوراني، وصلاح البيطار، وهما من قيادات حزب البعث، بيان تأييد، يحمل توقيعاتهم.
ترأس حيدر الكزبري حكومة سورية جديدة، أعلنت عزمها على إلغاء القرارات الاشتراكية، وفصل مئات من المسؤولين وكبار الموظفين، الذين شاركوا في رسم سياسات عهد الوحدة وتنفيذها؛ وفي أقل من شهر واحد، فاق عدد المعتقلين الخمسة آلاف. وعُيِّن اللواء عبدالكريم زهرالدين قائداً عاماً للقوات المسلحة. ولاحت في أفق سورية انقلاباتها السابقة.

المبحث السابع: محاولة استعادة الوحدة
أطيحت وزارة الكزبري، ولَمّا يمضِ شهران. وما عجل بزوالها إلا افتضاح أسرار الانقلاب، ولا سيما ارتشاء بعض مدبّريه وعدد من الوزراء بأموال من الخارج؛ فضلاً عن تفاقم الخلافات بين رئيس الحكومة وأعضائها؛ وكثرة الاعتقالات والمحاكمات السرية. ناهيك باحتدام تنازعهم في القوانين الاشتراكية؛ فالسياسيون يريدون إلغاءها، والعسكريون يطالبون بتحكيم الشعب فيها.
خلفت وزارة الكزبري أخرى، ترأسها، عزت النص. حاولت الإصلاح، فأعلنت إجراء انتخابات نيابية، في الأول من ديسمبر 1961. ولكن الشعب استجاب لمقاطعتها، فعمدت الحكومة إلى تزويرها.
وفي 13ديسمبر، أعلن إعفاء ثلاثة وسبعين ضابطاً من الخدمة في الجيش السوري. وفي 14 ديسمبر، أعلن انتخاب السيد ناظم القدسي رئيساً للجمهورية، وهو من الساسة السوريين القدامى. وأُلِّفت وزارة جديدة، هي الثالثة في غضون ثلاثة أشهر؛ وترأسها معروف الدواليبي. بيد أنها لم تكن أوفر حظاً من سابقتَيها، إذ بادر ضباط القيادة في الجيش السوري إلى مقابلة رئيس الجمهورية، وقدموا إليه عدة مطالب ، أهمها إقالة الحكومة، ورفع الحصانة عن النواب المتهمين بالرشوة والتعامل مع الدول: العربية والأجنبية، واختزال مدة المجلس النيابي الجديد، وإجراء انتخابات جديدة.

أولاً: الوحدة تراود قادة الجيش
ذكر اللواء عبدالكريم زهر الدين، القائد العام للجيش السوري، في مذكراته، أن القيادة طالما أبدت أسفها لفقدان الوحدة مع مصر؛ بل تفتش عن وسيلة، تمكنها من العودة إليها؛ إنما ولكن بشروط تحُول دون انحرافات التجربة السابقة، وتحقق استمراريتها وتوسّعها.و لذلك، وبعد الدراسات المتتالية، والاجتماعات مع بعض الوحدويين، تقرر اتخاذ الخطوة الأولى، وإرسال وفد من الضباط، لمقابلة الرئيس عبدالناصر، والتداول في المواضيع العامة، والمتعلقة بالأخطاء، التي ارتكبت زمن الوحدة. وطُلب من الوفد معالجة الأمور التالية:
1. وقف المهاترات الإذاعية، فوراً.
2. الاعتراف بالوضع الحاضر في سورية، من أجل الانتقال إلى معالجة عودة الوحدة، على أُسُس جديدة.
3. عقد اتفاق عسكري مشترك، بين مصر وسورية، لتطبيق الخطط العسكرية الموضوعة أثناء الوحدة.
4. حسم الأمور الإدارية المعلقة بين مصر وسورية (أسلحة وسواها).
وقد تكون الوفد من ضباط، أسهموا في انقلاب 28 سبتمبر؛ وذلك للدلالة على سلامة النية وصدق الطوية. وأُطلع على ذلك الدكتور ناظم القدسي، رئيس الجمهورية، فوافق؛ مشترطاً أن يجتمع بالموفَدين، قبل السفر، لتلقينهم ما سيطرحونه على الرئيس عبدالناصر. إلا أن الوفد سافر، فجأة، بإيعاز من عبدالكريم النحلاوي، من دون علم القائد العام أو رئيس الجمهورية. وتكوَّن من العميد زهير عقيل، والعقيد محمد منصور، والرائد فايز الرفاعي. أمّا الوسيط، الذي دبر لقاءهم مع الرئيس عبدالناصر، فهو الفريق جمال فيصل، القائد السابق للجيش السوري، والذي بقي في القاهرة، بعد الانفصال.
كان ملخص أطروحة الوفد:
1. ما حدث لم يكن في حسبان الضباط السوريين. وإنهم يشعرون بأن الأمة العربية، تتهمهم بالانفصال والرجعية.
2. سورية في خطر، ومستهدفة. "والذين دبروا الانقلاب في لبنان، كانوا يقصدون دمشق؛ تمهيداً لإحياء مشروع الهلال الخصيب، بإيعاز من الاستعمار"
3. إسرائيل تنتهز فرصة الانفصال، وتسارع في تحويل نهر الأردن.
4. الحل الوحيد هو عودة الوحدة بصورة جديدة.
وكان رد الرئيس عبدالناصر، أن التجربة زادت إيمانه بالوحدة، ولم تضعفه؛ إلا وأنه في حاجة إلى دراسة ما حدث وتفهّم معانيه. ولا بدّ من شكل جديد للتجربة؛ إذ لا يمكن نشوء وحدة بين مصر وسورية، تكون القاهرة فيها اشتراكية، ودمشق رأسمالية! وجاهر بمعارضته الكلية لتدخّل الجيش في شؤون الدولة.


ثانياً: انقلاب 28 مارس 1962
اشتعل الحماس، بعد الزيارة، في قيادة الجيش السوري. وبدأ عقد الاجتماعات المطولة، لبحث موضوع التقارب مع القاهرة، وإعادة الوحدة، ولو أدى ذلك إلى انقلاب جديد. وتزعم اللواء عبدالكريم زهر الدين هذا التوجه، فعقد اجتماعاً في منزله، ضم اللواء نامق كمال، والمقدم عبدالكريم النحلاوى، والمقدم مهيب الهندي، والمقدم هشام عبدربه، والرائد فايز الرفاعي، وكلّهم مخططي الانفصال والمشاركين في انقلابه. كما ضم الأستاذ نهاد قاسم والدكتور فريد زين الدين، وهما من السياسيين الوحدويين. وتدارس المجتمعون عودة الوحدة. وانحصر اجتهادهم في فكرتَين:
الأولى: طرحها العسكريون، يؤيدهم الدكتور فريد زين الدين. وقضت بإزاحة المجلس النيابي، وإقالة الحكومة الحالية وتأليف وزارة جديدة، يرأسها الدكتور ناظم القدسي، (إن رغب في ذلك)؛ وإلا فيرأسها وحدوي معتدل. ثم تؤلف وفداً من أعضائها، يزور القاهرة، وتعود الوحدة بشكل جديد.
والثانية: اقترحها نهاد قاسم. وقضت بأن يرأس هو نفسه وفداً وحدوياً، من عسكريين ومدنيين؛ يتوجه إلى القاهرة، قبل تأليف أي حكومة جديدة في سورية؛ لمفاوضة الرئيس عبدالناصر، والوقوف على رأيه في شؤون الوحدة.
وقد أيد المجتمعون الخيار الأول،. واستعرضوا المرشحين للانضمام إلى الوزارة الجديدة عند قيام الانقلاب؛ فانتقوا بعثيين، وقوميين عرب، ووحدويين اشتراكيين. كما كلف الدكتور فريد زين الدين صياغة الرؤية السورية لشكل الوحدة الجديدة مع القاهرة.
وتعددت الاجتماعات في هذا الخصوص، وكانت تعقد في شعبة الاستخبارات العسكرية؛ لإنجاز الدراسة المطلوبة. وعقد اجتماعان في مدرسة المدرعات. حضر الأول ضباط الانقلاب وكثير من قادة القطاعات، الذين انقسموا قسمَين: أحدهما، نادي بإعادة الوحدة فوراً؛ والآخر، رفض الفكرة من أساسها. أمّا الاجتماع الثاني، فرَأَسه اللواء عبدالكريم زهر الدين، حضره الكثير من القيادات المسؤولة في الجيش؛ وانتهى إلى توصية بالتروي في شأن الوحدة، لحؤول دون انتكاسها ثانية.


ثالثاً: مؤتمر شتوره والإساءة لمصر
عمد انقلابيو 28 مارس 1962 إلى لفت شعب سورية وجيشها عن نظامهم، وإلهاء الرأي العام بقضايا خارجية مؤثرة. وأتتهم الرياح، في يوليه 1962، حينا خطب الرئيس جمال عبدالناصر، فتلقفوا قوله:
" إنك، أيها الشعب العظيم، تزيدنا إيماناً بالقومية العربية والوحدة العربية. وإن النكسة، التي حدثت في العام الماضي، لم تؤثر، أيها الإخوة، بأيّ حال من الأحوال... في مشاعرنا. إننا، اليوم، أيها الإخوة المواطنون، ونحن نحتفل بعيدنا العاشر للثورة، نتجه إلى إخواننا في الإقليم الشمالي... في سورية؛ ونقول لهم: أيها الإخوة، نحن معكم، على طول الخط... أيها الأخوة، إننا لم نكفر بكم أبداً؛ ولكنا، كلّ يوم، نزداد إيماناً بكم، ونزداد تقديراً لكم، ونزداد شعوراً بأخوتكم، ونزداد شعوراً بوحدتنا معكم".
استشفت الحكومة السورية خطر ذلك الموقف،؛ إذ أوحى بأن الرئيس عبدالناصر، لا يزال يَعُدّ سورية تابعة لسلطته؛ فهو يسميها بالإقليم الشمالي. إنه، إذاً، يحرض شعبها وجيشها على الانقلاب أو الاقتتال وخلق البلبلة والفوضى وسفك الدماء؛ ما يمثل اعتداءاً صريحاً على سيادتها. وسارعت الحكومة السورية, في السابع والعشرين من الشهر عينه، إلى تنبيه الأمين العام للجامعة العربية على الموقف المصري؛ لا، بل طلبت أن يجتمع مجلس الجامعة العربية في أيّ بلد عربي، عدا مصر، لبحث شكواها.
وحدد الأمين العام للجامعة يوم 22 أغسطس موعداً لعقد مجلسها، في شتوره، اللبنانية، لبحث الشكوى السورية. وسرعان ما غدا مؤتمر شتوره سوقاً للتشهير بمصر. وسدر المؤتمرون في غايتهم فأغووا المقدم زغلول عبدالرحمن الملحق المصري العسكري في بيروت، ليحضر المؤتمر، يشهد، زوراً، بعمليات التخريب المصري في سورية وغيرها من البلاد العربية[2].


رابعاً: خاتَم الانقلابات
تواترت الانقلابات في سورية، ووافق أحدثها في يوم وقوعه، في 28 سبتمبر 1962، انقلاب الانفصال؛ بل كان امتداداً له؛ حتى إنه سلسل بلاغه الأول ببلاغ الانفصاليين الأخير، فجعل رقمه ستاً وعشرين. وجاء فيه: "إن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، تحقيقاً لرغبات الشعب، وحفاظاً على مكاسبه وأمنه واستقراره، وحريته التي حققها له جيش الثورة فـي 28 سبتمبر، تعلن بأن الجيش، استمراراً لهـذه الثورة، قد استلم زمام الأمور في البلاد، اعتباراً من صباح هذا اليوم. وهي إذ تطلب من المواطنين الخلود إلى الهدوء والسكينة، والانصراف إلى أعمالهم، تحذر بأن كلّ محاولة للإخلال بالأمن وإثارة الشغب، ستقمع بمنتهى الشدة والحزم".
ثم تلته بلاغات، تعلن حل المجلسَين: التأسيسي والنيابي، واستقالة رئيس الجمهورية، واستقالة الوزارة السورية؛ وتولي خالد العظم رئاسة الحكومة، واستمرار الدكتور ناظم القدسي رئيساً للجمهورية، واللواء عبدالكريم زهر الدين قائداً للجيش.
أثار الانقلاب ريبة السوريين، شعباً وجيشاً؛ إذ أطاح الضباط الوحدويين، فتنكر لرغبة سورية في الوحدة. وهو ما دفع قواها: البعثية والقومية والناصرية إلى التعاون على تنفيذ انقلاب 8 مارس 1963، الذي آذن بسطوع حزب البعث، ليس في سورية فقط؛ إنما في العراق كذلك، حيث لم يتردد، قبل شهر واحد، عبدالسلام عارف، وهو القومي العربي، في مخالفة البعثيين على إطاحة عبدالكريم قاسم، المندفع نحو الشيوعية.
وأعلن البيان الأول للانقلاب في السابعة والنصف صباحاً. وجاء فيه: " منذ فجر التاريخ العربي، وسورية تلعب دوراً إيجابياً مناضلاً في حمل راية العروبة والوحدة. وكانت سورية العربية وشعبها، لا يعترفون بحدود قطرهم. وإنما يعيشون دائماً وأبداً في حدود الوطن العربي الكبير... ثم أتت وحدة مصر وسورية، في الجمهورية العربية المتحدة، نموذجاً لآمال شعبنا وتحقيق وحدته الكبرى... ولكن الرجعية العميلة والاستعمار والانتهازية، أبت إلا أن تكشف عن نفسها، مستغلة الأخطاء في تلك الحقبة؛ فذهبت بالتآمر على تلك الجمهورية إلى أقصى ما تستطيع، فكانت نكبة الانفصال... إن حركة الجيش غايتها إعادة الجيش إلى منحاه العربي الصحيح. إن الجيش والشعب، يؤمنان إيمانا،ً لا يتزعزع، بالوحدة العربية على أُسُس سليمة... وسورية العربية، تمد يدها إلى بغداد والقاهرة وصنعاء والجزائر، وإلى كلّ الأحرار، في كلّ مكان".
استهل الانقلابيون نشاطهم باعتقال اللواء عبدالكريم زهر الدين، قائد الجيش السوري، طوال فترة الانفصال؛ وعزل رئيس الوزراء، خالد العظم، الذي لجأ مع أسرته إلى السفارة التركية في دمشق؛ وخلع رئيس الجمهورية، ناظم القدسي. وأعادوا إلى الخدمة عشرات الضباط، ممن كانوا قد سرحوا، في أعقاب الانفصال، ومعظمهم من البعثيين والوحدويين. ثم أعلنوا عن أسماء قادة الانقلاب، وهم: العقيد لؤي الأتاسى، الذي مُنح رتبة فريق، وعُيِّن قائداً عاماً للجيش وللمجلس الوطني لقيادة الثورة؛ والعميد راشد قطيني، الذي رُقِّي إلى رتبة لواء، وعُيِّن نائباً للقائد العام؛ والعقيد محمد زياد الحريري، الذي رُقِّي إلى رتبة لواء، وعُيِّن رئيساً لهيئة أركان الجيش والقوات المسلحة
وحرصت القيادة السورية الجديدة، بعد نجاح الانقلاب مباشرة ، على إرسال البرقية التالية إلى الرئيس عبدالناصر: "الرئيس جمال عبدالناصر.. القاهرة – لقد تأثرنا من الانفصال، وغسلنا العار".


خامساً: أسباب نجاح الانقلاب
توافرت للانقلاب أسباب نجاح شتّى، أهمها:
1. المد الوحدوي، وتأثير الانفصال في الشعب السوري والشعوب العربية، التي اطمأنت بالوحدة.
2. رغبة الشعب والجيش في الاشتراكية العادلة، التي قضى عليها الانفصال.
3. تكالب الانفاصليين على المنافع الذاتية، وافتقارهم إلى أُسُس الشرعية.
4. الانفصال مؤامرة خارجية، نفذها سوريون، بلغ عددهم أربعة وسبعين مدنياً وعسكرياً، توزعتهم ست فئات:
أ. ضباط تلقوا أموالاً من الخارج؛ من طريق غير مباشر، من أجل تدبير مؤامرة الانفصال، مثل: العقيد فيصل الحسيني، والعقيد حيدر الكزبري وأخيه خلوصي الكزبري.
ب. الضباط منفذو المؤامرة، وبينهم عبدالكريم النحلاوي، وموفق عصاصه، وعبدالغني دهمان.
ج. رؤساء جمهورية الانفصال وحكوماته، ومن بينهم ناظم القدسي، خالد العظم، مأمون الكزبرى، معروف الدواليبي.
د. صحفيون وكتاب، عادَوا الوحدة، وآمروا عليها الرجعية؛ وارتشوا، لترسيخ الانفصال.
هـ. كبار الرأسماليين، الذين حاولوا السيطرة على الدولة ونهب مواردها.
و. كلّ المشاركين في مؤتمر شتوره، المشنِّعين على الجمهورية العربية المتحدة.
5. تأثير الجناح العسـكري لحـزب البعث في التخطيط للانقلاب وتنظيمه؛ ما أسهم في:
أ. عودة العديد من رجال الحزب، ممن استبعدهم نظام الانفصال، وفي طليعتهم: صلاح جديد، ومحمد عمران ، وحافظ الأسد؛ وجميعهم ذوو رتبة مقدم.
ب. سيطر البعث على المجلس الوطني لقيادة الثورة في سورية، إذ عيِّن صلاح البيطار، أحد مؤسسي الحزب، رئيساً للوزراء.
6. مساهمة البعث في نجاح الانقلاب في العراق، زادت نشاط جناحه السوري؛ فأمسى أكثر إيجابية، وأكثر تنظيماً، لتولي المسؤولية.


سادساً: التوجه إلى الوحدة
بادر السوريون والعراقيون، إثر نجاح انقلابَيهما، إلى طلب الوحدة. وسارع على عرضها على الرئيس عبدالناصر، في 11 مارس، طالب شبيب، وزير الخارجية العراقي، بعد مباحثات، أجراها في دمشق. وكان ملخص ما قاله: "إن الإخوان: العراقيين والسوريين، الذين اجتمعوا في دمشق، يقترحون وحدة ثلاثية، تضم مصر وسورية والعراق. وإن هذه الوحدة، في رأيهم، هي الأمل الحقيقي والمرتجى للأمة العربية؛ فضلاً عن أنه أمل، أصبح، الآن، ممكناً، بفعل ما جرى في بغداد، وما لحقه في دمشق".
وصل، في 14 مارس، وفْدان: عراقي وسوري، إلى القاهرة، حيث بدأت الاجتماعات مع الرئيس جمال عبدالناصر؛ واستمرت، متقطعة، نحو شهر. وكان أبرز ما تناولته:
1. انقلاب سورية وطني وحدوي تقدمي اشتراكي.
2. نشوء الوحدة الثلاثية، يجب أن يراعي الواقع؛ لتكون قاعدة لباقي الدول المتحررة.
3. ترحيب مصر بالوحدة، وتصميمها على بحثها بحثاً وافياً وصريحاً، يحول دون جريمة انفصال ثانية؛ وإلحاحها في استيضاح كُنْهها: أهي وحدة مع حزب البعث أم مع سورية والعراق.
4. اقتراح الوفد العراقي، أن تعلن الدول الثلاث، من الفور، أنها في سبيلها إلى وحدة؛ وقد بدأت بتدارسها، سيان طالت الدراسة أو قصرت. فاعترض السوريون، منوِّهين برغبة الشعب السوري في وحدة فورية، وترديده: " لا درس، ولا تدريس، إلا بعد عودة الرئيس، ناصر ، ناصر ، ناصر".
5. توافر العوامل لوحدة جديدة، إثر الانقلابات في اليمن والعراق وسورية، وتحرر الجزائر؛ وهو ما لم يتأتَّ للتجربة الأمّ، عام 1958.
6. عزم الجيش السوري، في ظل الوحدة، على الابتعاد عن الحكم.
7. استنتاج المصريين، أن المزمع عليه هو "وحدة بعث" عراقية - سورية مع الجمهورية العربية المتحدة.
وُقع اتفاق الوحدة الثلاثية، في 17 أبريل 1963؛ إلا أن مصر نقضته، في 13 مايو 1963، ورهنت انضمامها إليه بحكم، يمثل مختلف طبقات الشعب، في العراق وسورية. وسرعان ما صح حدسها، إذ اصطرع قادة الانقلاب في سورية. فنُفِيَ زياد الحريري إلى أوروبا. وأزيح لؤي الأتاسي... وشرعت الحكومة البعثية تطهِّر الجيش ومرافق السلطة والإدارة من المؤيدين للسياسة الناصرية. وعُنفت بانقلاب ضباط ناصريين، قادهم جاسم علوان، في 18 يوليه1963؛ وشاركهم فيه ضباط من دمشق، وآخرون متقاعدون.


سابعاً: المواقف من إعلانها
زعزع إعلان الوحدة دول منطقتها. وتفاوتت المواقف منها، على المستويَين: الرسمي والشعبي، وفقاً لتفاوت النظُم السياسية للدول الخارجية وعلاقاتها الإستراتيجية بدول الوحدة الثلاث.
1. الأردن
طرب شعب الأردن للوحدة. ودفعته سورة الابتهاج بها إلى مصادمة أجهزته الأمنية، حيث سقط العديد من القتلى والجرحى. واستقالت وزارة وصفي التل. وعهد إلى سمير الرفاعي بتأليف وزارة جديدة، عليها أن تواجه موقفاً مشحوناً بالتوتر.
2. إسرائيل
خير معبِّر عن لقلق إسرائيل خطاب، أرسله، ديفيد بن جوريون، في 26 أبريل إلى الرئيس الأمريكي جون كيندي، يحطيه علماً بخطر الموقف؛ ويبدي استعداده لزيارة واشنطن، سراً، ومباحثتها فيه. ولفت الخطاب إلى:
أ. إنشاء اتحاد عسكري بين الدول العربية الثلاث (مصر – سورية – العراق)، يتضمن وعداً بالعمل على تحرير فلسطين. وهذا التحالف العسكري في حد ذاته، سيؤثر، سلباً، في أمن إسرائيل استقرارها.
ب. اعتقاد إسرائيل أن في استطاعتها هزيمة الدول الثلاث، إذا حدث اختبار للقوة؛ وإن كانت لا ترغب في ذلك.
ج. الحل الفعال الوحيد، لدرء خطر مخططات الجمهورية العربية المتحدة، يكمن في إعلان أمريكي – سوفيتي مشترك، يضمن السلام الإقليمي، والأمن لدول الشرق الأوسط. ويترتب عليه قطع كلّ أنواع المساعدات: الاقتصادية والعسكرية، لأيّ طرف، يرفض الاعتراف بجيرانه.
3. الولايات المتحدة الأمريكية:
أثار النفوذ الصهيوني عاصفة في الكونجرس، للمطالبة بتزويد إسرائيل بما تحتاج إليه من الأسلحة؛ وحرمان الجمهورية العربية المتحدة المساعدات. غير أن الرئيس كيندي، اتخذ موقفاً معتدلاً ومسؤولاً، فأرسل مبعوثاً مقرباً إليه، للاجتماع بالرئيس عبدالناصر، وتعرُّف حقيقة الموقف، وحث الأطراف على تهدئته.
4. الاتحاد السوفيتي
تحفظ الاتحاد السوفيتي من الوحدة؛ إذ لا مكان للشيوعيين فيها، فهُم مقموعون. العراق يحرم عليهم أيّ نشاط؛ بل أعدم وسجن الكثيرين منهم. وفي سورية، كانوا أكثر الفئات اضطهاداً واعتقالاً، فهربوا منها.
واستمرت المطالبة بالوحدة تعلو وتخبو، إلى أن اضمحلت؛ لتدخل سورية في عصر جديد، يسيطر عليه حزب البعث القومي الاشتراكي، ولاسيما جناحه العلوي.

المبحث الثامن: سورية تحت حكم البعث
نفوذ الضباط البعثيين في قيادة اللجنة العسكرية، التي كان لها دور رئيسي في انقلاب 8 مارس1963، بدأ بالظهور، تدريجياً، بعد نجاح الانقلاب؛ إذ اختير منهم كلّ ممثلي البعث في المجلس الوطني لقيادة الثورة، السلطة العليا في سورية؛ وهم: المقدم محمد عمران، والمقدم صلاح جديد، والرائد موسى زوابي. وكانت سلطات ذلك المجلس واسعة؛ حتى إنها كادت تلغي سلطات مجلس الوزراء. وفي مقابل ذلك، تركت اللجنة العسكرية مقاعد البعث في الوزارة لحرسه القديم، الذين اصطفى منهم صلاح البيطار الوزراء البعثيين التسعة.
اعتقد الحرب القديم للبعث، أن مبادئ الحزب، تتوجه نحو الوحدة. ولكن عسكريي البحث في اللجنة العسكرية، شككوا في جدوى الوحدة؛ بل عارضوا أيّ مهاودة للناصريين في سورية؛ ما نزغ هؤلاء ونظرائهم البعثيين في حكومة دمشق، وانتهى إلى ضرب الناصرية وإقالة وزرائها، وطرد كثير من ضباطها في الجيش السوري.
في الوقت نفسه، دعمت اللجنة العسكرية نفوذها في صفوف الجيش، بإعادتها إليه الضباط البعثيين المسرحين، وتعيين قيادات بعثية في مناصب عسكرية مهمة، وترقية بعض ضباط الصف الموالين للبعث إلى درجة ضباط. وحازت اعترافاً رسمياً بها في صفوف حزب البعث. واستحوذت على جهازه العسكري، الذي عُدِّل نظامه الداخلي، ليمنحها ميزة خاصة. ودفعت أعضاءها إلى قيادته القطرية، لتُحْكم عليه قبضتها. كما نجحت في السيطرة على الدخل السوري، من خلال تعيين أمين حافظ، في 13 مايو 1963، نائباً لرئيس الوزراء، في وزارة البيطار الثانية؛ مع احتفاظه بوزارة الداخلية. وأمعنت في تسلطها على الجيش، بتمهيدها لتَوَلِّي صلاح جديد منصب شؤون الضباط؛ ثم ساعدته على الوصول إلى رئاسة أركان الجيش السوري. وإثر تَوَلِّي أمين الحافظ رئاسة الدولة، في 14 مايو 1964، إلى جانب رئاسته للوزارة، أمست اللجنة العسكرية مهيمنة على الحكومة والدولة معاً؛ ثم على الحزب بكماله، من خلال مؤتمره السابع، الذي عقد في يوليه 1964.
أولاً: الدور السنَّي في مواجهة البعث
استاء المسلمون السَّنة من استئثار حزب البعث بالسلطة. وزكَّى استياءهم تنظيم الإخوان المسلمين. ولاحت أولى بوادر امتعاضهم في اصطدام طائفي، في 18 فبراير 1964، في بانياس، بالقرب من المنطقة العلوية، بين طلاب بعثيين، معظمهم من العلويين؛ وطلاب آخرين، جميعهم من السنَّة.
دأب الإخوان المسلمون في تحريضهم، فاستجاب لهم تجار حمص، بإعلانهم إضراباً واسعاً. ولكن السلطات البعثية، بطشت بهم، وألفت محاكم طوارئ عسكرية، أصدرت أحكاماً بالإعدام والسجن على قادة الإضراب. ولم يردع ذلك البطش حماة عن الإضراب، إثر اعتقال أحد طلابها الجامعيين، في 5 أبريل 1964. وتنادى زملاؤه إلى إضراب، أئمة المساجد، ليدعوا إلى إنقاذ البلاد من "المهرطقين". وبادرت قوات الأمن إلى التصدي للطلاب، فقتلت أحدهم؛ ما أثار المدينة، فأعلنت، في 12 أبريل، الإضراب الشامل ولم يتردد حزب البعث في دفع الجيش، أول مرة، إلى المواجهة، حيث فتح النار، في 14 أبريل، على المعتصمين بجامع "سلطان" في حماة.
ثانياً: محاولات البعث احتواء التوتر

أدرك قادة حزب البعث إخفاقهم في إدارة النظام السياسي للبلاد، باعتمادهم على الوسائل: العسكرية والقهرية. وأيقنوا بأن تعصبهم الحزبي، قر أجبر المسلمين السنَّة، وهم الأغلبية العظمى في سورية، على تعصب ديني تقليدي. فتدارك البعثيون الأزمة بإجراءات سياسية، أهمها:
1. الإسراع بإصدار دستور للدولة، في مايو 1964؛ نصت مادته الثالثة، على "أن دين رئيس الدولة، هو الإسلام؛ وأن الشريعة الإسلامية، هي مصدر رئيسي للتشريع". وما ذلك إلا استرضاء للمسلمين المتدينين؛ وإن ناقض عقيدة البعث العلمانية.
2. تحذير قيادة البعث القطرية، في نشرة حزبية، في يونيه 1964، محازبيها من استخدام بعض المصطلحات، مثل "ثلاثية البعث المقدسة"، والذي يشير إلى شعار الحزب الثلاثي: "وحدة، حرية، اشتراكية"؛ إذ إن تلك المصطلحات، يستغلها الأعداء لتحريض المواطنين المتدينين على الحزب.
3. استخدام أسلوب القمع والترضية، في التعامل مع المسائل: الدينية والشعبية، وخصوصاً مع الفئات السُّنية.
ثالثاً: حزب البعث في مواجهـة الصراع العربي – الإسرائيلي

فاق اهتمام الحزب بالداخل اهتماماته الخارجية، في طليعتها الصراع العربي -الإسرائيلي، شاغل العرب وقضيتهم الأولى. وربما يتضح دور الحزب، عربياً، في مواجهة إسرائيل، من خلال تمثيله وآرائه في مؤتمرات القمة العربية، التي دعا إليها الرئيس جمال عبدالناصر، من أجل مواجهة مشروعات إسرائيل لتحويل مجرى نهر الأردن؛ وأول ما تهدده هذه المشروعات، هو الأمن القومي السوري.
وقع عقد مؤتمر القمة الأول في القاهرة، في 13 يناير1964، ومثّل سورية فيه الرئيس لؤي الأتاسى. ووضع المؤتمرون الخطوط العامة لمشروع عربي، لتحويل مياه الأردن في داخل البلاد العربية، من دون التعرض للمشروعات الإسرائيلية؛ كي لا تنذرع إسرائيل بالدفاع عن النفس. ووضعوا خطة لإنشاء قيادة عربية موحدة، تكون مهمتها حماية تنفيذ المشروعات العربية لتحويل نهر الأردن.
وعقد مؤتمر القمة الثاني في الإسكندرية، في 11 سبتمبر 1964؛ لمواصلة الجهد، والوقوف على ما نُفِّذ من قرارات المؤتمر الأول. ومثّل سورية فيه الرئيس أمين الحافظ الذي كان تولى السلطة منذ 14 مايو 1964. سرعان ما جاهر المؤتمرين "بأن كل ما يسمعه مضيعة للوقت". وأن مشاكل العرب كلها، تبدأ وتنتهي بإسرائيل. وأن القضاء عليها ممكن ومتاح، إذا استطاع العرب تجميع أربعين لواء من القوات المسلحة. وأنه كفيل بتقديم خطة إلى المؤتمر، تضمن تحقيق هذا الهدف، في أربعة أيام". فطلب منه الأمير فيصل، ممثل المملكة العربية السعودية أن يضع خطته مفصلة، لتناقشها قمة عربية مقبلة. وحددت قمة الدار البيضاء، في13 سبتمبر 1965، لمناقشتها، هي وتقرير قائد القيادة العربية الموحدة في شأنها.
ما كاد يمر شهران على الاقتراح السوري، حتى استدرج الطيران الإسرائيلي، في 14 نوفمبر 1964، نظيره السوري إلى معركة في الأجواء السورية، أسفرت عن إسقاط أكثر من عشر طائرات سورية. لا، بل إن الوفد السوري إلى مجلس الدفاع المشترك، الذي انعقد في جامعة الدول العربية، بين 26 و30 مايو 1965، طلب تعديل معاهدة الدفاع العربي المشترك؛ لأنها لا تحقق تحرير فلسطين؛ فضلاً عن خلوّها مما يشير إلى تحرير "عربستان " من إيران، ولواء "الإسكندرونة" من تركيا، و"الجنوب المحتل" من بريطانيا.
وفي مؤتمر الدار البيضاء، طلب الفريق أمين الحافظ انعقاد جلسة سرية مغلقة، لمناقشة تحرير فلسطين؛ يقتصر حضورها على الملوك والرؤساء فقط، ومع كلّ منهم مساعد واحد. وقد استجيب طلبه. فأسرّ إلى المؤتمرين، أن " العمل العربي، باتجاهه إلى أعمال، من نوع مشروعات تحويل مياه نهر الأردن، وغيرها، يضيع وقت الأمة وجهدها في أهداف فرعية... وأن الأولى والأجدر بأمجاد العرب وبطولاتهم، ضرب الأفعى على رأسها، بدلاً من الانشغال بذيلها. وأنه يريد أن يسأل القائد العام عما فعله بمطلب تحرير فلسطين؟ ". وعرض القائد العام مطالبه لتحقيق الخطة. وطلب الملوك والرؤساء فرصة من الوقت لدراستها. ولكن الفريق أمين الحافظ، أعلن تشبثه بها؛ لافتاً إلى "أن العالم العربي خليط غريب: دول ثرية، بدون ناس؛ ودول مزدحمة بالناس، بدون ثروة؛ ودول قريبة من ميدان المعركة، وأخرى لا تشعر بحرارتها، دول صغيرة في حجمها، ودول كبيرة في حجمها؛ وهذا الخليط كلّه لا بدّ أن ينصهر في بعضه، وأن يتحمل الجميع، بالتساوي، تحدياً، يواجه الأمة العربية كلها، بوجود الكيان الصهيوني العنصري، العميل للاستعمار الأمريكي".
صدق، إذاً، ما استشفه الرئيس جمال عبدالناصر، قبل انعقاد المؤتمر، "أن الأزمة الحادة بين الحكومة السورية، في ذلك الوقت، وبين القيادة العليا للقوات العربية الموحدة، هي، في الواقع، أزمة بين " بلاغة الخطابة" و"حدود الفعل". وأن هذا التناقص كفيل بتحويل المؤتمر إلى مسرح دعائي أكثر منه اجتماعاً نافعاً".
رابعاً: الموساد في عرين البعث
إيي كوهين يهودي، مصري، من مواليد محافظة الإسكندرية. غادر مصر في أعقاب العدوان الثلاثي، عام 1956، إلى إيطاليا، ومنها إلى إسرائيل، حيث تلقفه الموساد، فدربه، وسفّره إلى الأرجنتين في مارس 1961، مزوداً بجواز سفر سوري، يحمل اسم: كامل أمين ثابت، المشتغل بتجارة التصدير. وسرعان ما اندمج ذلك الجاسوس في أوساط السوريين واللبنانيين، في بوينس أيريس. وأصبح يمتلك شركة ملاحة، وحسابات متعددة في البنوك؛ فأمسى مرموقاً، يدعى إلى احتفالات بعض السفارات العربية، ومنها السفارة السورية، حيث تعرّف إلى الملحق العسكري السوري، العقيد أمين الحافظ. وما لبث الرجلان أن تصادقا، وتوثقت صداقتهما. وبادر الجاسوس إلى زيارة صديقه، الذي بات يقفز إلى المناصب العليا في دمشق. وألح الفريق الحافظ على ضيفه الثري، أن ينقل نشاطه التجاري إلى وطنه، سورية؛ مانحاً بذلك الموساد الإسرائيلي فرصة, لم يحلم بها. بيد أن إيلي كوهين، تكلَّف أن يتردد إلى سورية والأرجنتين، ريثما تؤكد دراسة الجدوى ربحية نقل نشاطه.
نزل الجاسوس على مؤسسة الرئاسة السورية ضيفاً مدللاً. وما إن استجاب لرئيسها رغبته، حتى أضحى حَظِيَّه، الذي لا يُضَنّ عليه بمعرفة أيّ قرار سوري: سياسي أو استراتيجي، قبل أن ينفذ. وبات يدعى إلى جميع حفلات النخبة الحاكمة؛ ويحضر العديد من المناقشات، على المستويات العليا؛ ويصاحب الرئيس وكبار الضباط في زياراتهم إلى الجبهة، حيث يتعرَّف المواقع والتحصينات، ويطلع على أدق الخطط.
ولم يُفسِد على الموساد مكايده إلا الاستخبارات المصرية، التي حتمت، إثر تَبُّينها صوراً للفريق الحافظ، وهو يزور الجبهة، بأن من يقف إلى جانبه جاسوس.وسارعت إلى الاتصال، في سرية شديدة، بالاستخبارات السورية، وأطلعتها على كلّ التفاصيل؛ فقُبض على إيلي كوهين. وأوشك الفريق أمين الحافظ، أن لا يصدق ما حدث؛ لولا أنه واجه الجاسوس في سجنه، حيث سأله: من أنت؟ فردّ عليه: إيلي كوهين. وقد حوكم كامل أمين ثابت، وأعدم عام 1966.
خامساً: اصطراع البعثيين على السلطة، وظهور حافظ الأسد
لم يفارق أعضاء اللجنة العسكرية لحزب البعث تنازعهم أبداً، ولاسيما الصراع بين أمين الحافظ، رئيس تلك اللجنة ورئيس الجمهورية، وهو سني من حلب؛ وبين محمد عمران، علوي، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الصناعة، بعد أن فشل في تولي منصب رئاسة أركان الجيش. ورجّح أولهما انضمام علويَّين إليه، يسعيان إلى تحقيق مصالحهما الذاتية؛ وهما: صلاح جديد؛ وقائد القوات الجوية، حافظ الأسد. فانتهى الصراع إلى هزيمة عمران، وعزله من القيادة القطرية لحزب البعث، وإبعاده سفيراً لسورية في مدريد.
ما إن حسم أمين الحافظ صراعه الأول، حتى استعر بينه وبين صلاح جديد، رئيس أركان الجيش، صراع مرير، جعله شائكاً، في منتصف عام 1965، أن الحافظ، على شعبيته وسلطته الواسعة، يفتقر إلى تأييد القوات المسلحة، التي يسيطر عليها خصمه. عندئذٍ، تماكر الطرفان فاقترح أمين الحافظ، أن يبتعدا كلاهما عن الجيش؛ فيتفرغ هو لمنصب رئيس مجلس الرئاسة، ويحتفظ، كأيّ رئيس دولة؛ بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ ويكون صلاح جديد نائباً له في الحالَين. فردّ صاحبه باقتراح، يلغي مجلس الرئاسة كلية، ويقصر على كلٍّ من رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة سلطات حصرية خاصة.
تأثرت القيادة القطرية بتنازع الرجلَين، فاستقالت في يوليه 1965. وانتخبت قيادة جديدة، في أغسطس من العام نفسه، قوامها تسعة عشر عضواً، لم يكونوا أقلّ من سابقيهم انقاسماً؛ إذ استمال أمين الحافظ الضباط السُّنيين، بتحريضهم على سياسة خصمه الطائفية. وانحاز العلويون، وبعض الضباط السُّنيين، مثل العقيد مصطفى طلاس إلى صلاح جديد؛ وأيده كثير من الحرس القديم لحزب البعث.
بدأت المواجهة الحاسمة، في 19 ديسمبر 1965، حينما قررت القيادة القومية، التي يسيطر عليها جناح أمين الحافظ والحرس القديم، الذي أمكنه استمالته، حل القيادة القطرية، التي يسيطر عليها جناح جديد؛ وتولِّي أولاهما جميع المسؤوليات: المدنية والعسكرية.
أثر صلاح جديد تأجيل المواجهة الحاسمة؛ لان قرارات القيادة القومية، لم تطاول مصادر قوّته، لا في الجيش، ولا في التنظيم الحزبي. غير أنه تخلَّى عن تريثه، بعد مبادرة القيادة القومية للحزب أي عزل أخيه، عزت جديد، وأحمد سويدان؛ فسارع، في 23 فبراير 1966، إلى انقلاب، تدعمه القوات الجوية، التي يقودها اللواء حافظ الأسد؛ ما صبغ النظام البعثي بصبغة علوية واضحة، وإن لـم تكن كامــلة. فقد حرص جديــد على تعيين نور الدين الأتاسي رئيساً للدولة، ويوسف زعين رئيساً للوزراء، وهما سُنيان تنفيذاً لما ورد في دستور عام 1964. وعيَّن الفريق حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وأحمد سويدان رئيساً للأركان، وإبراهيم ماخوس وزيراً للخارجية. وظل هو نفسه على رأس التنظيم الحزبي.
سادساً: حزب البعث وطبول حرب يونيه 1967

اتسم عام 1966 بتوطد التعاون الأمريكي ـ الإسرائيلي، وازدياد المساعدات الأمريكية لإسرائيل إلى عشرة أمثال ما كانت عليه عام 1965، إذ ناهزت 1100 مليون دولارا. ناهيك من "صفقات سلاح كبيرة"، سرية"، بين الطرفَين، أثارت حفيظة دول عربية، ودفعتها، في بداية عام 1966، إلى حث الجامعة العربية على مواجهة الموقف بحزم؛ فاستحثتها سورية، مثلاً، بمذكرة تقول:
"إن حكومة الجمهورية العربية السورية، ترى من الواجب القومي، أن تعلن الدول العربية استنكارها الشديد للموقف الأمريكي العدائي؛ وأن تستعمل جميع الوسائل، التي في حوزتها، لوضع حدّ لهذا التهديد الخطير، الذي يعرض سلامة البلاد العربية وأمنها وحياة شعوبها لأفدح المخاطر. كما ترى أن تلفت الدول العربية أنظار العالم إلى أن تزويد إسرائيل بهذه الأسلحة، إنما يضع في أيدي المعتدين أنواعاً من أحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً، لم تزود بها بعض جيوش أوروبا الداخلة في نطاق حلف شمال الأطلسي؛ مما يحمل على الاعتقاد بأن إسرائيل، تمهد لعدوان جديد، كما حدث عام 1956".
أمّا إسرائيل، فلم تغفل عن سورية؛ بل جهدت في تسقُّط ما يُحَرِّش بينهما. فقابلت، مثلاً، في يونيه 1965، بين معاملتها الحسنة لسبعة عشر "مخرباً" وجاسوساً سورياً، قبل أن تفرج عنهم، وبين "المحنة الأليمة للأسرى الإسرائيليين في سورية وضرورة القيام بعمل من أجلهم". فشنعت على دمشق تعذيبها ثمانية سجناء إسرائيليين، أفرجت عنه، في نهاية عام 1963، بعد قضاء أحد عشر عاماً في سجونها؛ حتى إن سبعة منهم، يحتاجون إلى علاج في مستشفيات الأمراض العقلية. وأكدت أن هناك أربعة سجناء آخرين، لا يزالون في السجون السورية. وقد اقترحت جولدا مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، إحالة الموضوع إلى لجنة الشؤون الخارجية والأمن؛ ما أذكى حُمّى المنطقة.
ولم يَفُت إسرائيل سماح سورية لمنظمة "فتح" بالانطلاق من أراضيها، وإصدارها جريدتها: "الفتح"؛ وإجازتها تدريب الفدائيين الفلسطينيين فوق ترابها؛ فضلاً عن إعلان رئيس الجمهورية السورية، "أن الحرب الشعبية هي شعارنا. وما نريد هو حرب شاملة، غير محدودة، حرب تنهي الكيان الصهيوني". ولم تصم عن قول إذاعة دمشق، في أغسطس : "لن تشكو حكومة الثورة السورية، بعد اليوم، إلى الأمم المتحدة. وستكون إسرائيل هي التي تشكو وتدافع. فإستراتيجية سورية، ستقوم، من الآن فصاعداً، على الهجوم". وأصغت إلى تصريح رئيس الوزراء السوري، في العاشر من أكتوبر: "لن نوقف مسيرة الشعب الفلسطيني. وسنحيل المنظمة كلّها إلى نار. وإن أيّ تحرك من جانب الإسرائيليين، سيكون فيه نهاية لهم". وأنصتت لقول رئيس الأركان السوري، اللواء أحمد سويدان: "إن العمليات، التي تقوم بها "فتح"، عمليات مشروعة؛ وعلينا ألا نوقفها ، بل نشجعها وندعمها"؛ لا، بل قال، في 13 أكتوبر: "إن حرب تحرير فلسطين، قد بدأت".
وقد تعددت الأعمال الفدائية لمنظمة "فتح"، فقدِّرت، حتى يونيه 1967، بنحو 40 عملية؛ ردت عليها إسرائيل ردوداً، فاقتها حجماً، وتجاوزتها إلى ردع السوريين وإحباطهم؛ بل تخطت ذلك إلى جانب الروح المعنوية للشعب الإسرائيلي، وتدريب القوات الإسرائيلية على مواجهة الجيوش العربية. فمهدت، في الصنف الأول من
يوليه 1966، لمعركة جوية، فوق مواقع تحويل نهر الأردن، فقدَ الطيران السوري خلالها العديد من الطائرات. وتكررت المواجهة الجوية، في 15 أغسطس، حينما خسرت القوات السورية نحو إحدى عشرة طائرة؛ وصاحبتها معركة برية، على شواطئ بحيرة طبرية، استهدفت منع المدفعية السورية من التأثير في مشروعات استصلاح الأراضي الإسرائيلية. واعتدت إسرائيل، في 13 نوفمبر 1966، على قرية "السموع"، في لواء الخليل، في الضفة الغربية لنهر الأردن.
سابعاً: إحياء ميثاق الدفاع المشترك، بين مصر وسورية
تلاحقت، في أعقاب المعركة الجوية، في 15 أغسطس، اجتماعات القيادات السورية: السياسية والعسكرية؛ لتدارك عواقب الموقف. وقررت أن تشارك مصر في تدارسه؛ فبعث الرئيس السوري، نور الدين الأتاسي، في 27 سبتمبر، برسالة إلى الرئيس عبدالناصر، يقول فيها:
"إن المسؤولية التاريخية، تحتم علي أن أخطركم، بأن المعلومات المتوفرة لدينا، تجعلنا نتوقع هجوماً إسرائيلياً كبيراً، في الأيام القليلة القادمة. وطبقاً لما لدينا من معلومات، فإن الإسرائيليين يريدون أن ينتهزوا فرصة إعلاننا عن استئناف خطط تحويل مياه نهر الأردن، كحجة لاستئناف الهجوم على مشروعات التحويل؛ على أن يتطور هذا الهجوم إلى ضربة جوية شاملة، لا تترك هدفاً داخل حدودنا، إلا وقد دمرته. وقد قررت القيادة ضرورة التوصل إلى تنسيق كامل مع الشقيقة الكبرى، الجمهورية العربية المتحدة". واختَتم الأتاسي الرسالة برجاء أن يستقبل الرئيس عبدالناصر وفداً سورياً، على مستوى عالٍ.
وصل إلى القاهرة، في الأول من نوفمبر 1966، وفد سوري، قوامه الدكتور يوسف زعين، رئيس الوزراء؛ والدكتور إبراهيم ماخوس، وزير الخارجية؛ واللواء أحمد سويدان، رئيس الأركان؛ والعقيد عبدالكريم الجندي، مدير العمليات. أفصح عن الاقتناع بأن الحرب الشعبية، هي الطريق الوحيد للنصر؛ إذ إن تدجيج واشنطن إسرائيل في الأسلحة الفائقة، يحُول دون انتصار الجيوش العربية التقليدية. فلا محالة من تطوير الموقف على خطوط الهدنة. وإذا حاولت إسرائيل أن تدخل دمشق أو القاهرة، فإن الجماهير هي التي ستهزمها؛ فالعرب مائة مليون في مواجهة مليونَي يهودي. ولا بدّ أن نرفع جميعاً، وندرب الشعوب عليها شعار الحرب الشعبية؛ بل إن سورية شرعت تدرس خبرات الجزائر وفيتنام. ناهيك من تثوير الوطن العربي كلّه، ليضرب إسرائيل والقواعد المحيطة بها، التي تمدها بالدعم؛ ولا يستثنى من ذلك النظُم الرجعية، التي يجب أن تضرب كذلك.
لم تتردد القاهرة في طمأنة القيادة السورية، لتلفتها عن التصرف بعصبية؛ مؤكدة أن إحياء ميثاق الدفاع المشترك، الذي عقد بين مصر وسورية، عام 1955، وتدعيمه بما يلائم التطورات الأخيرة، يحقق هدف الدولتَين. ولكنها لم تتوانَ كذلك في المجاهرة بأن الحالة، تستدعي حكمة وتدبراً، وليس شعارات؛ وأن الأمانة تقتضي التعمق في التفكير، تحسباً لمحاولة أعدائنا توريطنا في عملية مع إسرائيل، يشترك فيها الاستعمار والرجعية. وأن الجيوش النظامية، ستكون، باستمرار، في مقدمة الدفاع عن الدولة. أمّا الحرب الشعبية، فهي تحتاج إلى دراسات مستفيضة وتخطيط سليم، في مدى زمني ملائم.
وانتهت الاجتماعات إلى توقيع اتفاقية، مدرتها 5 سنوات؛ نصت على "إعادة إحياء ميثاق الدفاع المشترك بين البلدَين"، ليصبح أيّ عدوان على أحدهما عدواناً على الآخر؛ وإنشاء قيادة مشتركة للجبهتَين، يقودها رئيس الأركان المصري.
وقد أثارت هذه الاتفاقية ردود فعل في إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية؛ وفي العراق كذلك، إذ رأت فيها بغداد انحيازاً مصرياً إلى خصمها، دمشق؛ ما حمل القاهرة على توضيح موقفها للعاصمة العراقية، في الآتي:
1. قبلت مصر توقيع الاتفاق؛ لأن هناك هجوماً رجعياً استعمارياً، يجهد في تقويض النظام في سورية؛ ولو أفلح، لاستبدل به نظاماً رجعياً، سيزيد الأمور تعقيداً.
2. يحتم العمل القومي، أن تلمس سورية، في المواجهة التي تخوضها، موقف مصر المؤيد.
3. طلب الرئيس عبدالناصر من دمشق، أن تقلع عن مشاحنة بغداد.
ثامناً: الحرب
رهنت حرب 1967 اشتباكات متقطعة، على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية. تمثل في تبادل شديد لنيران المدفعية، في 5 مارس، إثر تدمير لغم، زرعه الفدائيون الفلسطينيون، جراراً إسرائيلياً ناهيك من إطلاق نحو 50 مدفعاً سورياً قذائفها، في 7 أبريل، على مستعمرات "هاؤون" و"عين جافييت" و"جاودت"؛ لمنع المزارعين الإسرائيليين من استغلالها. وما لبثت معارك المدفعية، أن شملت القطاع الجنوبي من الجبهة؛ لا، بل تدخَّلأ الطيران الإسرائيلي، فضرب المدفعية والدبابات السورية، ونازل الطيران السوري في معارك جوية، أسفرت عن إسقاط أكثر من عشر طائرات سورية.
تلقفت إسرائيل تلك الاشتباكات، لتبادر إلى تحقيق إستراتيجيتها العامة المرتكزة على:
1. سورية هي عامل الإثارة، الذي يمكن التذرع به.
2. مصر هي مركز الثقل، الذي يتحتم ضربه.
3. الضفة الغربية هي الجائزة، التي لا بدّ من الحصول عليها.
قدم الوفد السوري، في 13، أبريل بياناً إلى الأمم المتحدة، نوه بالنقاط التالية:
1. أيّ هجمات أخرى، تشنها إسرائيل، ستؤدي إلى اشتعال الموقف، مهْما كان الثمن.
2. الاشتباك الأخير، يمثل تدهوراً خطيراً في الموقف على خطوط الهدنة؛ وإسرائيل هي المسؤولة عن تصاعد الأحداث.
3. سورية لن تتخلى عن واجبها المشروع في الدفاع عن النفس.
4. أمريكا حولت إسرائيل إلى "مجرم محترف".


تاسعاً: نُذُرُها
اعتزمت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضرب مصر فقط، وليس سورية؛ إذ إن القضاء على أولاهما، سيجعل الأخرى شَلاِّء. وهو ما استشفّه الملك حسين، وتضمنته رسالته، في مايو 1967، إلى عبدالناصر؛ محذراً إياه من مؤامرة لاستدراج مصر إلى الحرب، من خلال سورية. ولكن الجنرال إسحاق رابين، رئيس الأركان الإسرائيلي، أعلن، في 12 مايو، "أننا سنشن هجوماً خاطفاً على سورية. وسنحتل دمشق، لنسقط الحكم فيها؛ ثم نعود"46). وعزز النية الإسرائيلية استماتة الاتحاد السوفيتي كل الاستماتة في إخبار القاهرة في 13 مايو، بحشود إسرائيلية على الحدود السورية؛ وأنه سيساعد دمشق. وزكّتها كذلك برقية سورية، في اليوم نفسه، تنبئ بحشد إسرائيل نحو خمسة عشر لواء على تلك الحدود؛ إضافة إلى إبلاغ العماد حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري، المشير عامر، أن ما يراوح بين أحد عشر وثلاثة عشر لواء إسرائيلياً، تحتشد على الجبهة السورية. بيد أن الفريق محمد فوزي، رئيس الأركان المصري، سافر إلى سورية، من أجل التنسيق، والوقوف على حقيقة الموقف. وقد أكد في مذكراته، "أنه لم يحصل على أيّ دليل مادي بوجود هذه الحشود".
ما إن تعقدت الأزمة، حتى نفى بعض القادة السوريين وجود أيّ حشود، بل استعجبوا من إنباء موسكو والقاهرة بها. إلا أن نفيهم لم يُحل دون اندلاع الحرب، في 5 يونيه 1967؛ مبتدئة بضربة جوية للجبهة المصرية، ثم الهجوم البري. ولم يُغِر سلاح الجو الإسرائيلي على سورية، إلا في الثانية عشرة والنصف ظهر 5 يونيه نفسه، أيْ بعد نحو أربع ساعات على ضربه القوات الجوية المصرية. ولم تبادر دمشق، خلال هذه الفترة، إلى أيّ إجراء. وكادت الجبهة السورية تبقى هادئة، حتى 8 يونيه؛ على الرغم من البيانات العسكرية الحماسية، وتأكيد الرئيس نور الدين الأتاسي " أنهم كانوا يعدون العدة لهجوم كبير على الجليل الأعلى (شمالي إسرائيل)؛ ولكن وقف النيران فاجأهم، فاضطروا، في اللحظة الأخيرة، إلى إلغائه؛ رغم اعتقادهم بإمكانية نجاحه؛ لأن القوات الإسرائيلية، كانت مرهقة". ويصف ديفيد بن جوريون الموقف السوري، في مذكراته، بقوله: "باندلاع حرب الأيام الستة، كان تصرف السوريين متزناً؛ فقد أرادوا أن يظهروا وكأنهم مشتركون في الحرب، ولكنهم في الوقت نفسه، فعلوا كلّ شيء لتجنّب الدخول فيها".
ويروي الجنرال موشى ديان، في مذكراته، أنه: "كان من المحتمل أن تنتهي الحرب، والحدود مع سورية متطابقة مع الحدود قبل الحرب؛ ولكن السبب الحقيقي، الذي جعلنا نقوم بحملتنا على سورية، هو سعينا لإنقاذ مستعمراتنا في الشمال. وقد بدأنا عملية الاستيلاء على مرتفعات الجولان، في 9 يونيه. وكنت قد اعترضت بشدة، في الليلة السابقة، على هذا الهجوم؛ ولكن بعد منتصف الليل، ذهبت إلى مقر القيادة، وعلمت أن عبدالناصر، وافق على وقف إطلاق النار. وفي الساعة الثالثة صباحاً، أعلنت سورية أيضاً موافقتها على وقف إطلاق النار. كما وصلتنا تقارير استخباراتية، بأن القنيطرة خالية، والجبهة السورية بدأت في الانهيار. ودفعني كلّ ذلك إلى اتخاذ قرار الهجوم.
فقامت القوات، في الحادية عشرة والنصف من صباح الجمعة 9 يونيه، بالهجوم على المواقع المحصنة على الحدود. واستغرقت عمليات الاختراق سبع ساعات، حتى المساء. واستمر السوريون في المقاومة في موقع واحد فقط؛ أمّا باقي النظام الدفاعي السوري، فقد انهار تماماً. وكانت قيادة الجيش في دمشق، وعلى أعلى مستوياتها، تتخذ قراراً بالتخلي عن مواقعها حتى قبل ظهور القوات الإسرائيلية في الميدان. وعند ظهر يوم الجمعة، وعندما أدرك القادة السوريون مدى الخطر، الذي يتهدد مرتفعات الجولان، اتخذوا إجراء في اتجاهَين:
الأول: من الناحية السياسية، فقد زادوا جهودهم لوقف إطلاق النار.
الثاني: إصدار أمر بالانسحاب من خط مرتفعات الجولان، وحشد جميع القوات للدفاع خارج دمشق.
وفي صباح 10 يونيه، وجدت قواتنا المواقع السورية خالية، بعد أن ترك السوريون مدافعهم ورشاشاتهم فيها. وقامت الحكومة السورية بإذاعة، أن قواتنا قد استولت على القنيطرة، في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقبل أن نصل إليها فعلياً؛ وذلك من أجل دفع مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بوقف إطلاق النيران".

يتبـــــــــــــــــع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابطال الحرمين

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : باحث في العلوم الاستراتيجية والعسكرية
التسجيل : 24/07/2011
عدد المساهمات : 3188
معدل النشاط : 4645
التقييم : 866
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )   الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 12:53

الفصل الرابع
سورية في عهد الرئيس الأسد
عصفة هزيمة يونيه 1967 بالنظام السوري، ذي التوجهات الاشتراكية الملامسة للماركسية؛ فزعزعته الصراعات المريرة بين المدنيين والماركسيين والعسكريين ذوي الميول القومية المعتدلة. وتزعم الأولين رئيس الدولة، نور الدين الأتاسي، المعروف بتهوره السياسي واندفاعه نحو التشدد، على المستوى الداخلي، وتنكره للدول المجاورة، بما فيها مصر. وترأس الآخرون وزير الدفاع، العماد حافظ الأسد، الذي تمكّن من تدعيم نفوذه في الجيش وحزب البعث الحاكم، مستخدماً في ذلك أساليب: سياسية وعسكرية، مختلفة.
لم يفتح بين الطرفَين إلا التصادم الأردني – الفلسطيني، عام 1970، فيما عُرف باسم: "أيلول الأسود". إذ عزم صلاح جديد ونور الدين الأتاسي على تدّخل قوات سورية إلى جانب الفلسطينيين في الأردن. وعارضهما الأسد؛ لا، بل منع سلاح الطيران من حماية تلك القوات؛ ما سهّل على الطيران الأردني السطو بها. أغرى ذلك العماد حافظ الأسد بحركة تصحيحية، في نوفمبر، رفعته إلى رئاسة سورية؛ فاستأثر بالسلطة المطلقة على النظام، وأحاط نفسه، من البداية، بأتباع مخلصين من طائفته العلوية، سيطروا على الجيش والحزب، وأجهزة الأمن؛ إضافة إلى أنصاره من السُّنيين، وبخاصة مصطفى طلاس.
حافظ الأسد
1. ولد في 6 أكتوبر1930، في قرية "القرداحة"، في محافظة اللاذقية، لعائلة تعمل في الزراعة.
2. انتسب، عام 1946، إلى حزب البعث.
3. التحق بالأكاديمية العسكرية، عام 1952؛ ثم كلية الطيران السوري، حيث تخرّج، عام 1955، طياراً مقاتلاً. وحصل على دورة تدريبية في الاتحاد السوفيتي.
4. خدم في القاهرة، خلال فترة الوحدة مع مصر. وكان عضواً في اللجنة العسكرية لحزب البعث، التي ضمت 13 ضابطاً. وأُبعد عن الجيش، عقب الانفصال. ثم أُعيد إلى الخدمة، عقب انقلاب مارس 1963.
5. عُين قائداً للقوات الجوية، في أعقاب الأحداث، التي كادت تعصف بأمين الحافظ. وانضم، عام 1965، إلى القيادة العليا لحزب البعث.
6. عُين وزيراً للدفاع، إثر انقلاب 23 فبراير 1966. وكان هذا المنصب فرصة لتقوية نفوذه: السياسي والعسكري. وشارك خلال توليه المنصب في حرب يونيه 1967.
7. اضطلع بحركة تصحيح، في 13 نوفمبر 1970، واستولى على السلطة. وتولى، في 16 من الشهر نفسه، قيادة البلاد. ثم تولى الرئاسة، رسمياً، في سورية، في 14 مارس 1971، بعد ترشيح مجلس الشعب، والاستفتاء في الرئيس.
8. ينتمي إلى الطائفة العلوية، التي تمثل 11% من الشعب السوري.
9. توفي في 10 يونيه 2000، عن عمر، يناهز 69 عاماً.

المبحث التاسع: استقرار نظام الحكم السوري
منذ 13 نوفمبر1970، وبوصول حافظ الأسد إلى قمة النظام السياسي في الدولة، شهدت سورية مرحلة من الاستقرار، ساعدت على تبلور النظام السياسي الداخلي، ووصوله إلى مرحلة النضج.
شرع الأسد يبني الدولة وفق مقومات ومناهج جديدة، تكفل لها الاستقرار. فقد حرص على بناء الإدارة السورية، بتقاليد شبه مؤسسية، ومنظمة. وآثر أن يكون هو الحاكم الفعلي المعروف لدى الجماهير، بدلاً من نمط الحكم، الذي كان سائداً، المتسم بوجود قادة: سياسيين وحزبيين، تتوارى خلفهم القِوى النافذة في الجيش والاستخبارات والأمن وحزب البعث.
كما عمل على القضاء على إنهاء الصراعات بين الطبقات، من خلال توسيع قاعدة تأييده بين الفئات الاجتماعية المختلفة. وقد أدخل في سبيل ذلك نوعاً من التحرر السياسي والانفتاح الاقتصادي، مكّنه من ترسيخ أركان حكمه على قاعدة ثابتة ومستقرة.
ولم يتوسع الرئيس الأسد، بعد الحركة التصحيحية، في اعتقال معارضيه أو القيادات القديمة؛ بل اكتفى باعتقال صلاح جديد، ويوسف زعين وبعض المقربين منهما؛ أفرج عن باقي المعتقلين. واضطر إلى الاستعانة بأعضاء القدامى؛ لافتقاده القيادات الحزبية.
أولاً: الإصلاحات الدستورية
في سبيل تثبيت الأسد لسلطته، وتحكّمه في إدارة الدولة، اتَّبع تقاليد الزعامة العربية؛ ومن أهمها تجميع الأتباع المخلصين حوله. وقد اعتمد في ذلك على أتباعه من حزب البعث، والعلويين منهم خاصة. وأعاد تقوية الحزب وتنظيمه، فألّف قيادة قطرية مؤقتة، تولت ترشيح مائة وثلاثة وسبعين عضواً لمجلس الشعب، يمثلون توجهات سياسية متنوعة؛ وإن حظي حزب البعث بالأغلبية الكبيرة. وكانت أولى مهامّ مجلس الشعب:
1. تعيين حافظ الأسد رئيساً للبلاد؛ وذلك في جلسة 22 فبراير1971. وحدد المجلس الاستفتاء في هذا الترشيح في 14 مارس من العام نفسه؛ وانتُخب الرئيس بأغلبية ساحقة.
2. إعداد دستور دائم للبلاد، صدر في13 مارس 1973. ونص على:
أ. يكون رئيس الجمهورية مسلماً، يختاره مجلس الشعب، ويُستفتَى فيه الشعب.
ب. يكون الترشيح من بين النواب الثلاثة للرئيس، بتوصية من لجان حزب البعث.
ج. يكون انتخاب رئيس الجمهورية لمدد متتالية، ومتواصلة.
د. تحدد مدة الرئاسة بسبع سنوات.
وبناء على الدستور، فقد عين الرئيس الأسد ثلاثة نواب، هم: عبدالحليم خدام؛ ورفعت الأسد، شقيق الرئيس، واستمر حتى إبعاده، عام 1985؛ ثم زهير مشارقة.
وفي أبريل 1971، جرت انتخابات في حزب البعث. وعقد المؤتمر القطري الخامس في مايو من العام نفسه، والمؤتمر القومي الحادي عشر في أغسطس. ونجم عن ذلك تأليف قيادتَي الحزب: القطرية والقومية.
وتجدر الإشارة إلى أن الإطار: الدستوري والقانوني، الذي حكم البلاد في فترة رئاسة الأسد، كان مقيداً بقانون الطوارئ، الصادر عام 1963 (انقلاب البعث على حكم الانفصال)، والذي يفرض قيوداً شديدة، تلغي، عملياً، ما يقرره الدستور من حقوق وضمانات وحريات؛ إذ يعطي السلطات صلاحيات واسعة لاعتقال الأشخاص، من دون إذن النيابة، لمدد غير محددة؛ ويمنح الحاكم العسكري ونائبه فرض قيود على التجمع والتنقل، ومراقبة المواد الإعلامية بأنواعها كافة. كما استمر الحظر على التعددية الحزبية، خارج إطار الجبهة الوطنية التقدمية. وظل حزب البعث مسيطراً على مؤسسات المجتمع المدني، ورقيباً على الحريات العامة.
ثانياً: إنشاء الجبهة الوطنية التقدمية
من أجل توسيع نفوذ حزب البعث، والتوسع في القاعدة الشعبية للحكم، رأي الرئيس الأسد أن يضم كثيراً من الأحزاب القديمة؛ للاستفادة من قياداتها وقواعدها الشعبية، والإيحاء بديموقراطية النظام، في مواجهة إلغاء الأحزاب.
وقد انضمت إلى هذه الجبهة الأحزاب ذات السمة الشيوعية والاشتراكية والوحدوية؛ وذلك من أجل السيطرة على نشاطاتهم، من جانب؛ وتأكيد التعاون مع الاتحاد السوفيتي، من جانب آخر. وقد ثبت، فيما بعد، أن تلك الأحزاب انضمت تماماً تحت لواء البعث؛ ففقدت أيّ سمة مادية أو معنوية.
ثالثاً: النفوذ العلَوي
ازداد نفوذ الطائفة العلوية، في عهد الرئيس الأسد؛ على الرغم من عدم إتباعه قواعد الطائفية في اختيار أعوانه؛ وذك انطلاقاً من تمسكه بفكرة القومية العربية، المعادية للطائفية والعشائرية، والتي يتبناها حزب البعث.
وقد تميزت النخبة المحيطة بالرئيس بالاستمرارية الطويلة في مناصبهم، وخصوصاً قيادات الأمن، والاستخبارات، والجيش، وحزب البعث؛ حتى إن بعضهم استمر، من عام 1970 إلى وفاة الرئيس؛ وبعضهم استمر إلى عام 1994، ثم أعيد استدعاؤه.
وذلك يأتي انطلاقاً من رغبة الرئيس في استمرارية معاونيه المقربين، الذين يثق بهم ثقة عمياء. كما يعني أن أنصاره، ظلوا على إخلاصهم وولائـهم له؛ ما جعله لا يشعر بالحاجـة إلى إجـراء تعديلات داخـل السلطة، وخصوصاً بعد مرضه.
وقد أدى ذلك إلى أن معظم قادة الجيش، بلغوا عمراً، يناهز الستين عاماً. وهؤلاء العسكريون، كوّنوا النخبة العسكرية لحزب البعث؛ إذ شغلوا أعلى المناصب العسكرية، إلى جانب سيطرتهم على وحدات الجيش، ومؤسسات السلطة.
ومن الجدير بالذكر، أن من ضمن أشهر الأعضاء العسكريين " الثمانية عشر" في اللجنة المركزية لحزب البعث، كان هناك إثنا عشر ضابطاً عَلَوياً، أقدمهم الرئيس الأسد نفسه. أولئك الأعضاء، عدا الرئيس، هم:
1. العماد مصطفى طلاس (وزير الدفاع، ونائب القائد العام. سُني، موالٍ بشدة للرئيس الأسد).
2. العماد حكمت الشهابي (رئيس الأركان للقوات المسلحة السورية. سُني، موالٍ بشدة للرئيس الأسد).
3. اللواء إبراهيم صافي (قائد الفِرقة المدرعة الثالثة. عَلَوي. وعين قائداً للقوات السورية في لبنان، منذ عام 1994).
4. اللواء شفيق فياض (قائد الفرقة الأولى المدرعة – علوي ).
5. اللواء علي ملاحفجي (قائد القوات الجوية والدفاع الجوي. علوي. تقاعد عام 1994. وعُين بدلاً منه اللواء الخولي).
6. اللواء صبحي حداد (قائد القوات الجوية. مسيحي. تقاعد فيما بعد. وحل محله اللواء محمد الخولي. علوي).
7. اللواء محمد الخولي (عَلَوي. كان يشغل نائب قائد القوات الجوية ورئيس استخباراتها. وشغل منصب قائد القوات الجوية والدفاع).
8. اللواء عدنان سليمان حسن ( قائد الفرقة المدرعة التاسعة. علوي عُين مديراً للأمن السياسي، فيما بعد).
9. العماد علي أصلان (نائب رئيس الأركان. علوي).
10. اللواء علي الصالح ( قائد قوات الدفاع الجوي. علوي).
11. العماد علي دوبا (نائب رئيس هيئة الأركان، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. علوي).
12. اللواء علي حيدر (قائد القوات الخاصة. علوي. وقد أعفي من منصبه، عام 1994، لتقدمه في السن؛ وعُين بدلاً منه اللواء علي حبيب. علوي).
13. اللواء فؤاد عيسى (مدير الاستخبارات المدنية. علوي. حل محله اللواء محمد ناصيف).
14. اللواء مصطفى طبارة (قائد القوات البحرية. سُني).
15. اللواء حسن التركماني (نائب رئيس هيئة الأركان. سُني).
16. اللواء محمد إبراهيم العلي (قائد الجيش الشعبي. علوي).
17. رفعت الأســد (شقيق الرئيس. علوي). لم يتقلد منصباً عسكرياً، باستثناء كونه نائب الرئيس لشؤون الأمن الوطني. بيد أنه كوَّن قوات ذات طبيعة خاصة، سميت: "سرايا الدفاع". عهد إليها بتأمين النظام. وتضم نحو عشرين ألفاً. وقياداتها جميعاً من العلويين. وكانت جيشاً آخر موازياً للجيش السوري، وقوات الشرطة النظامية. وبلغت حدّاً كبيراً من النفوذ، حتى إقصاء رفعت الأسد، عام 1985، حينما حُلت.
رابعاً: سيطرة الجناح العسكري للحزب على السلطة
من بين الضباط السابق ذكرهم، كان هناك بعض منهم، يُعدون أقوى المتصلين بالرئيس وأقربهم إليه. وكانوا يمثلون النخبة المسيطرة، ومركز الثقل: السياسي والعسكري، في مواجهة قوى سورية الفاعلة كافة.
وأبقى الرئيس الأسد على تقليد، ظل سارياً في سورية، وهو أن يحتفظ كلّ من وزير الدفاع ورئيس الأركان بسلطات شكلية، من دون نفوذ فعلي؛ حتى لا يلعبا دوراً مؤثراً في الجيش أو في حفظ النظام، ولا يتدخلا في أعمال الرئيس؛ ولكن يحتفظ الاثنان بعضويتهما في القيادة القطرية لحزب البعث.
ومن الملاحظ، أن القادة العسكريين، سيطروا على بنية حزب البعث كلّها؛ فاقتصر دور البعثيين المدنيين على تأييدهم. وتعرض المدنيون في الحزب لاضطهاد، أدى إلى خروج ما لا يقلّ عن 30% من المجموع؛ وأحدث ذلك ردود فعل ملموسة، وأسهم في إضعاف الجناح المدني في الحزب.
وعلى الرغم من أن مجلس الوزراء، كان يمثل، مع الرئيس السلطة التنفيذية؛ إلا أن نفوذ الوزراء، كان محدوداً جداً، وانحصرت صلاحياتهم في التنفيذ اليومي لسياسات الرئيس وتوجيهاته الرئيسية. وغالباً ما عجز هؤلاء الوزراء عن الاتصال به؛ بعكس ما كان متاحاً للمقربين من العسكريين.
ومعظم الوزراء، كانوا يعينون من صفوف حزب البعث؛ إضافة إلى تعيين وزير لكلّ حزب من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، التي كوّنها الرئيس الأسد، عام1972، لتنضوي تحت لواء حزب البعث.
وفي مقابل إظهار الإخلاص والولاء للرئيس، من قبل القادة العسكريين، فقد تسامح النظام مع هؤلاء في سعيهم إلى تكوين ثروات: مالية وعينية، كبيرة؛ والحصول على امتيازات عديدة. ومن الملاحظ أن دخول الجيش السوري إلى لبنان، منذ عام 1976، قد أتاح فرصاً عديدة لثراء بعض قادته.
خامساً: قرار الوحدة الثلاثية
طبقاً لمبادئ حزب البعث، التي تتجه نحو الوحدة العربية، فإن أول شاغل للرئيس الأسد، منذ توليه السلطة، كان إيجاد نوع من الوحدة العربية، لاسيما مع الجمهورية العربية المتحدة.
وكان هناك مشروع للوحدة، صاغه الرئيس جمال عبدالناصر، قبل وفاته، أثاره العقيد معمر القذافي، في نوفمبر 1970، وقبله، فوراً، الرئيس الأسد، للأسباب التالية:
1. اليأس والإحباط اللذان اعتريا الجماهير العربية، باختفاء جمال عبدالناصر، يمكن تبديدهما بخطوة إيجابية، تعيد الأمل، مرة أخرى، لتلك الجماهير.
2. دور جمال عبدالناصر، لا يقوي عليه رجل واحد؛ فلا بدّ أن تتعاون الشعوب بكاملها على سد الثغرة وملء الفراغ.
3. إنشاء دولة الوحدة، فيه تكريم لجمال عبدالناصر، بتحقيق مشروع، كان شارك هو بنفسه في وضع إطاره المبدئي.
وفي 17 أبريل1971، وفي طرابلس الغرب، عاصمة ليبيا، وُقع اتفاق اتحاد الجمهوريات العربية، الذي جمع بين مصر وسورية وليبيا.
سادساً: حرب أكتوبر 1973
منذ ديسمبر1972، بدأت الاتصالات بين القاهرة ودمشق، في خصوص التنسيق من أجل تحرير الأرض، التي احتلتها إسرائيل عام 1967. وكانت مصر قد اتخذت قرارها في هذا الشأن؛ وذلك لعدة أسباب:
1. اندلاع الحرب على جبهتَين في وقت واحد، من شأنه أن يضعف إسرائيل، ويشتت جهودها.
2. سورية لا تقبل أن تعمد مصر إلى الحرب بمفردها؛ لأن ما ينطبق عليها من احتلال جزء من أرضها، ينطبق على سورية كذلك؛ ولن يقبل الشعب السوري عدم اشتراك القوات المسلحة السورية، إلى جانب شقيقتها المصرية.
3. كلتا الدولتَين، كانت تستعد لتحرير أرضها. وكلتاهما قد وصلت إلى درجة استعداد، يسمح لها أن تشن حرباً للتحرير.
كانت الاتصالات بين القاهرة ودمشق، على المستوى العسكري، قد أخذت بُعداً وقوة حركة، بعد زيارة وفد عسكري مصري إلى دمشق، في ديسمبر 1972. وتوالت اجتماعات التنسيق لعمل عسكري مشترك، على الجبهة الشرقية من مصر، والجبهة الجنوبية من سورية. وتواصلت الاجتماعات، وكان أهمها في مارس 1973، حين نسقت الخطط، واختير موعدان لبدء العمليات: الأول، في مايو 1973؛ والثاني، في الأسبوع الأول من أكتوبر 1973. وقد استقر الرأي على أكتوبر1973.
وفي الإسكندرية، اجتمعت، يومَي 22 و23 أغسطس1973، مجالس التخطيط العسكرية العليا لكلا البلدَين لبت التنسيق المشترك، وكان أهم ما أسفرت عنه هو الاتفاق على توقيت الحرب في 6أكتوبر، وعلى الجبهتَين معاً، وبجهد مشترك ومنسق.
وزار الرئيس السادات دمشق، في الفترة من 25 إلى 27 أغسطس 1973، ضمن جولة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر (للتنسيق مع الرياض وللخداع كذلك). وأكد الرئيسان: المصري والسوري، بدء الحرب في 6 أكتوبر، في آن واحد.
وتلا الزيارة اجتماع آخر بين الرئيسَين، في 11 سبتمبر، حينما زار الرئيس الأسد القاهرة (فيما سمي باجتماع القمة الثلاثي، بينه وبين الملك حسين والرئيس السادات). وكان الاجتماع الثلاثي غطاء لاجتماع ثنائي، بين الرئيسَين: السادات والأسد؛ للتنسيق النهائي. وكان الرئيسان قد اتفقا، على عدم تبليغ الملك حسين نيتهما في الهجوم؛ منعاً لإحراجه، وتعريض الأردن لإجراءات إسرائيلية مضادة.
وفي 13 سبتمبر، دبرت إسرائيل معارك جوية مع الطيران السوري، أدت إلى إسقاط ثلاث عشرة طائرة سورية، مقابل طائرة إسرائيلية واحدة. وقد آثرت القيادة السورية ضبط النفس؛ كي لا تكشف أوراقها واستعداداتها للهجوم وتحرير الأرض.
وفي 20 سبتمبر، أرسل الفريق الأول أحمد إسماعيل إلى نظيره السوري، العماد مصطفى طلاس، رسالة شفرية، وردت فيها كلمة " بدر"، وهي الاسم الرمزي للعملية، وكان ذلك إيذاناً بالعد العكسي نحو يوم الحرب.
وفي 3 أكتوبر، وصل أحمد إسماعيل، وزير الحربية المصري، إلى دمشق؛ للتنسيق النهائي في شأن ساعة بدء الهجوم المشترك. وكانت الجبهة المصرية، تتطلب أن يتحدد التوقيت، قبيل آخر ضوء؛ لحرمان العدوّ توجيه ضربات مضادّة، باستخدام ضوء النهار؛ وإعطاء فرصة للقوات الرئيسية، لعبور قناة السويس، تحت ستر الظلام. بينما كانت الجبهة السورية، تتطلب أن يكون الهجوم، مع أول ضوء؛ لاستغلال النهار في الاقتحام، وإبعاد القوات عن تأثير الشمس (في أعينهم، قبل الغروب). وقد اتفق، بعد تدخّل الرئيس الأسد، أن يكون الهجوم في منتصف النهار (الساعة الثانية بعد الظهر)، وفي وقت واحد.
وكان هناك اتفاق بين الرئيسَين على أن يُبلغ الرئيس الأسد، بعد تحديد التوقيت، في الثالث من أكتوبر، السفير السوفيتي في دمشق الموعد المحدد، ليبلغه حكومته؛ كي تتخذ إجراءات الاستعداد لدعم مصر وسورية، سياسياً وعسكرياً.
ولكن، كاد هذا التبليغ أن يعصف بالاستعدادات: المصرية والسورية؛ إذ اتخذ السوفيت قرار إخلاء مواطنيهم في كلّ من مصر وسورية؛ وأرسلوا طائرات ضخمة لنقلهم؛ فكان ذلك دليلاً على استعداد الدولتَين للحرب. ومنذ تلك اللحظة، أيقنت إسرائيل، فعلاً، أن القتال وشيك على الجبهات حولها.
وفي الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر، بدأت الحرب على الجبهتَين، في وقت واحد. وتمكنت القوات السورية، في اليوم الأول، من الاستيلاء على جبل الشيخ (جبل الحرمون). وفي اليوم الثاني، وصلت إلى نحو 7 كم من بحيرة طبرية. أمّا في اليوم الثالث، فقد تراجع الهجوم السوري، ومُنِيَت القوات السورية، في الثامن من أكتوبر، بخسائرن تراوح بين 400 و600 دبابة؛ ما أدى إلى تراجعها، واستمرار الضغط الإسرائيلي في اتجاه "سعسع".
وقد رافق العمليات العسكرية على الجبهة السورية إلحاح في إيقاف النيران؛ كان طرفه الرئيسي، باستمرار، هو الاتحاد السوفيتي، الذي يتصل بمصر، من أجل الموافقة على هذا الإيقاف.
سابعاً: أثر حرب أكتوبر في النظام السوري
1. على المستوى الداخلي
كان أبرز الانعكاسات هو تشديد قبضة النظام على الداخل، وارتفاع أسهم الطائفة العلوية وازدياد نفوذها السياسي؛ ما أدى إلى إثارة الطائفة السُّنية واحتجاجها وسخطها، وهي التي تمثل الأغلبية العظمى من الشعب السوري (68%). وعلى الرغم من أن النظام الحاكم، حاول مراراً، إضفاء طابع ديني تقليدي على حزب البعث المدني؛ إلا أن بعض جماعات السُّنة التقليدية، إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، عَدَّته، باستمرار، نظاماً علمانياً، يناقض الدين الإسلامي.
2. على المستوى الخارجي
أ. ازداد التوجه السوري نحو التحالف مع الاتحاد السوفيتي.
ب. حرص الاتحاد السوفيتي على زرع الفتن، بين مصر وسورية، عندما توجهت القاهرة إلى توازن موقفها من القطبَين الأعظمَين. وحينما وقعت فض الاشتباك الثاني للقوات، في الأول من سبتمبر1975، حمل عليها النظام السوري، رافضاً أيّ توجه نحو السلام أو استثمار نتائج حرب أكتوبر.
ج. نوى النظام السوري القبض على الرئيس السادات، الذي زار دمشق، للتشاور مع الرئيس الأسد، قبيل توجهه إلى القدس؛ إلا أن السوريين، تخلوا عن نيتهم خشية اصطدام مصري- سوري.
3. الوضع الأمني بين سورية وإسرائيل
عدم استغلال سورية لفرص السلام، وضعها في موقف إستراتيجي سيئ، خصوصاً بعد توصل إسرائيل إلى اتفاقيات سلام مع الأردن والفلسطينيين. وهذا ما أدى إلى قبول الرئيس الأسد الدخول في مباحثات سلام مع إسرائيل، بدأت باشتراك سورية في مؤتمر مدريد، ثم مباحثات السلام عام 1995، وعام 1999؛ وكلاهما لم يسفر عن شيء.
أمّا المياه، فإن إسرائيل استولت، في أعقاب حرب يونيه 1967، وغزو لبنان عام 1982، على نحو مليونَي متر مكعب من المياه، سنوياً.
4. مصير هضبة الجولان
أ. عدد السوريين، الذي ناهز، في عام 1967، نحو 130 ألف نسمة (منهم 15 ألف لاجئ فلسطيني)؛ يعيشون في 109 بلدات (قرى) ـ تقلص إلى نحو 18.2 ألفاً (معظمهم من الدروز)، يعيشون في أربع بلدات فقط، بعد أن أزيلت 105بلدات أو تحولت إلى مستعمرات يهودية.
ب. إنشاء إسرائيل 33 مستعمرة، جزء كبير منها أنشئ على أنقاض معسكرات للجيش السوري، أو في قرى سورية، يعيش فيها نحو 20 ألف مستوطن يهودي.
ثامناً: الأزمات الداخلية
تعددت الأزمات الداخلية في سورية، وتنوعت ما بين صراع على السلطة، وفتن طائفية ومؤامرات خارجية. وقد واجه النظام كثيراً من تلك المؤامرات بمنتهى العنف؛ كيلا يستشري أمرها؛ إذ إن الرئيس الأسد، كان لديه خبرات طويلة بمعالجة أمور، أدت إلى انقلابات على السلطة، في الماضي؛ ولذلك كان حريصاً على إحكام السيطرة، من خلال معاونيه المقربين. وعلى الرغم من أن الأزمات، التي تعرض لها النظام، كانت عنيفة؛ إلا أنها كانت قصيرة الأمد، مقارنة بالاستقرار السياسي الطويل، الذي عاشه حكم الرئيس الأسد. وأهم تلك الأزمات:
1. الأزمة بين الرئيس وشقيقه
امتدت هذه الأزمة من عام 1983 إلى عام 1985. وفي البداية، كلف الرئيس الأسد، عام 1975، شقيقه، رفعت الأسد، تكوين "سرايا الدفاع"، لتكون درعاً واقياً للنظام، في مواجهة أيّ تآمر مفاجئ للقوات المسلحة أو الشرطة المدنية؛ واستطراداً فقد عَدّ رفعت الأسد نفسه درعاً واقياً لأخيه. ولكي يحصل رفعت الأسد على قاعدة شعبية عريضة، فقد أنشأ رابطة خريجي الجامعات. وأخذ يدربهم عسكرياً، وخصوصاً في مجال التدريب على القفز بالمظلات.وأمعن في تطوير هذه السرايا، حتى جعلها أفضل " تسليحاً وتنظيماً واختياراً للكوادر" من أيّ تشكيلات في الجيش.، ومنح رجالها ميزات عديـدة؛ مستغلًا مساعدات عربية خليجية، قدمت له، إلى جانب ميزانية حكومية خاصة. وكان لتلك السرايا دور في مواجهة العنف، الذي أشعله الإخوان المسلمون، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
وقد اندلعت الأزمة، عندما تعرض الرئيس الأسد لمرض، عام 1983، أقعده، وجعله غير قادر على اتخاذ القرار؛ فاختار عدداً من أبرز معاونيه، لتسيير أمور البلاد. وكان منهم شقيقه، رفعت الأسد، الذي فهِم، خطأ، أن تجمع كبار القادة والضباط وقيادات البعث خلفه، تعني الالتزام بقيادته؛ وهو ما تحفظ منه الضباط والحزبيون، الذين عادوا للالتفاف حول الرئيس، لدى تماثله من مرضه. وأخذ الرئيس بعد شفائه، يتخلص، تدريجياً، من أعوان شقيقه؛ مما أدى إلى غضبه، ويحشده سرايا الدفاع الموالية له، في مواجهة القوات الخاصة، التي يقودها اللواء على حيدر، المقرب من الرئيس الأسد. وانتهت الأزمة، التي كان يمكن أن تفضي إلى حرب أهلية مدمرة، بتجريد رفعت الأسد من صلاحيته كافة، أوائل عام 1985، ونفيه إلى موسكو، ومنها اتجه إلى جنيف، ثم استقر بعد ذلك في باريس.
2. أزمة الإخوان المسلمين
في أعقاب حركة التصحيح، في نوفمبر1970، بدأت المعارضة الإسلامية بتجميع صفوفها؛ لمواجهة السيطرة العلوية الكاملة على أمور البلاد، وخشية "الطائفة السُّنية" من تلاشي دورها: العقائدي والسياسي. وقد ظهرت أولى بوادر معارضتها عام 1973، حينما حاولت دفع النظام إلى تغيير دستور البلاد، وجعله ينص على أن "الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع". إلا أنه اكتفى بتضمين الدستور نصاً، يشير إلى أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام. وفي الفترة نفسها، اندلعت حرب أكتوبر1973، وأعقبها انفراج في الاقتصاد، نتيجة المساعدات العربية؛ وتوجه النظام إلى الانفتاح على الخارج؛ ما أدى إلى تهدئة التيار الإسلامي.
ولم تلبث تلك التهدئة إلا سنوات معدودات؛ إذ إن التدخل السوري في لبنان، عام 1976، لنصرة القوات المسيحية، أثار المعارضة الإسلامية في الداخل، وساعد على بروز التيارات المتشددة، التي تزعمها عدنان سعد الدين، وهو زعيم سُني من بلدة حماة.
وأنشئت" الطليعة المقاتلة"، تعبيراً عن الخط المسلح، الذي ستنتهجه جماعة الإخوان المسلمين، مستقبلاً. وتولى قيادتها عدنان عقلة. وقد كان لها إجراءاتها في مواجهة كثير من الأحداث: الخارجية والداخلية؛ فضلاً عن مواجهة رفعت الأسد وقوات سرايا الدفاع، والتقارب السوفيتي ـ السوري كذلك.
ومن خلال عملياتها في مواجهة السلطات، عمدت جماعة الإخوان إلى اغتيال بعض رموز النظام، وآخرين من الأساتذة، ورؤساء الجامعات، وقيادات النقابات المهنية وناشطيها؛ من البعثيين والعلويين. ثم خاضت الجماعة حرباً من نوع آخر ضد النظام، وتتلخص في محاولة إغراق البلاد في سلسلة مترابطة من الانتفاضات، وخصوصاً في المدن؛ وإجبار التجار على إغلاق محالهم؛ في تحدٍّ علني للنظام، ومن أجل هز شرعيته السياسية، وتقليص قدراته الاقتصادية.
وكانت أهم عمليات التصادم، بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، في 16 يونيه 1979، حينما هجمت جماعات مسلحة من الإخوان المسلمين من "الطليعة المقاتلة"، على مدرسة المدفعية في حلب، بتواطؤ أحد أعضاء هيئة التدريس فيها، الذي خطط، واختار الأوقات، التي تؤدي إلى نجاح هذا الهجوم؛ ما أدى إلى ارتفاع الخسائر ، التي ناهزت ثمانين طالباً.
ووصل الحال في بعض المدن، مثل: حلب وحماة، إلى حدّ العصيان المدني؛ بل شهدت العاصمة، دمشق نفسها، كثيراً من الاضطرابات المماثلة. وقد استخدم النظام السوري القوة في قمع موجة الاضطرابات، وحاصر مدينتَي حلب وحماة.
وفي إطار هذه الموجة من العنف، جرت محاولة لاغتيال رئيس الجمهورية؛ ما حمل النظام على عمليات إعدام واسعة للمنضمين إلى المعارضة الإسلامية.
3. القضاء على تنظيم الإخوان المسلمين
استمرت الصراعات العنيفة والاغتيالات والتفجيرات، التي اضطلع بها التنظيم السري المسلح لجماعة الإخوان المسلمين، حتى فبراير 1982، حينما لجأ النظام إلى القوات المسلحة، لردع هذه الجماعات والقضاء عليها بأيّ ثمن؛ من أجل استقرار النظام، وخصوصاً أن نشاط الإخوان المسلمين ازداد بصورة عنيفة، إثر توقيع دمشق وموسكو اتفاقية التعاون بينهما، والتي عَدِّها الإخوان المسلمون توجهاً نحو الشيوعية.
وكانت مدينة حماة هي الهدف الرئيسي للقوات المسلحة، فحوصرت أولاً، ووجهت إليها نيران المدفعية؛ مستهدفة المناطق المحتمل وجود الإخوان المسلمين فيها. كذلك ضرب الطيران كثيراً من الأهداف في داخلها. ثم اقتحمتها المشاة والدبابات. ودارت المعارك من شارع إلى شارع، وكأنها حرب حقيقية. ثم أجريت عمليات تمشيط واقتحام للمنازل؛ بحثاً عن الإخوان المسلمين. وخلال هذه العمليات، تعرضت عشرات المساجد والكنائس والأماكن الأثرية العريقة، للتدمير وأعمال النهب والسلب.
وانتهت الأزمة بثمن: سياسي وأمني، باهظ؛ إذ احتج المجتمع الدولي، وامتعض كثير من الدول من إهدار حقوق الإنسان في سورية، على نحو ما نفذت به عملية حماة. وكان البعث العراقي، هو أول من استغل هذه الفرصة، وشن حملة على البعث السوري، للتنديد به.
أما الدفاع الرسمي السوري عن تصرفاته، فقد انحصر في وجود شبهات قوية في تدخّل قوى خارجية وأطراف عربية، لدعم الاضطرابات؛ بقصد إحراج النظام السوري، الذي عارض انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة عملية التسوية السلمية مع إسرائيل. واتهم النظام السوري واشنطن وإسرائيل وأطرافاً عربية أخرى، بالمساهمة في إشعال تلك الاضطرابات.
4. الاستقرار بعد الأزمات
في أعقاب القضاء على تمرد الإخوان المسلمين، وتخلص الرئيس الأسد من أطماع شقيقه، فإن الحياة السياسية في سورية، شهدت انفراجاً نسبياً ، وإحكام سيطرة الرئيس الأسد سيطرته على الحكم، من خلال أعوانه المقربين.
وقد ساعد على استقرار النظام، أن التهديدات والمتغيرات الخارجية، تفاقمت؛ فكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، عامَي 1978 و1982. كذلك انهار الاتحاد السوفيتي. واشتركت سورية في التحالف الدولي، من أجل تحرير الكويت، ثم اشتركت في مؤتمر مدريد للسلام، وارتضت مفاوضة إسرائيل.
وقد أدت كل هذه المتغيرات إلى احتياج النظام إلى استتباب الأمن الداخلي، وإجراء مصالحات وطنية، وإحداث انفراجة على المستوى الديموقراطي، وتخفيض قبضه الدولة الأمنية، والتوجه نحو الانفتاح الاقتصادي، وتشجيع الاقتصاد الخاص، وجذب الاستثمارات إلى داخل سورية.
وقد لجأ الرئيس الأسد إلى إجراء هذه الإصلاحات، من دون أن يقرنها بأيّ تعديلات ملموسة في القوانين المقيدة للحريات. فقد أصدر، في عام 1996، مثلاً، قراراً، يعفو عن 21934 معتقلاً، منهم 1300 معتقل، ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنظمة العمل الشيوعي، المحظورتَين في سورية.
5. تجدد أعمال العنف في سورية
كان من أهم الأحداث، التي أدت إلى عودة العنف إلى سورية، مصرع باسل الأسد، نجل الرئيس السوري، في 20 يناير 1994، والذي كان يُعِدّه ليخلفه في الرئاسة. وقد أعلن، وقتئذٍ، أن الحادث إنما هو حادث سير؛ ولم تذكر أيّ تفاصيل، تبدد علامات الاستفهام، التي أحاطت به.
وفي عام 1997، ومع تصاعد الخلافات السورية- التركية، انفجرت عبوتان ناسفتان في حافلتَي ركاب سوريتَين : إحداهما شمال بيروت؛ والثانية في وسط دمشق. وقد حولت السلطات السورية هذَين الحادثَين إلى صراع سياسي؛ إذ اتهمت كلاً من إسرائيل وتركيا بتدبيرهما، من دون أيّ إشارة إلى احتمالات تصاعد أعمال عنف داخلية.
6. محاولات المصالحة مع الإخوان المسلمين:
في سبيل الحفاظ على استقرار الحكم، وخوفاً من عودة الإخوان المسلمين إلى تدبير أحداث داخلية، فقد بدأت، خلال عام 1997، محاولات وساطة بين الحكومة السورية وقادة جماعة الإخوان المحظورة، الذين يُقيم بعضها بالخارج؛ وذلك من أجل تقريب وجهات النظر، ورأب الصدع.
وفعلاً نجحت الوساطة، التي قادها أمين بكى، القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، في إطلاق عدد من قياديي الإخوان. واختاره الإخوان المسلمون مراقباً عاماً جديداً، في خطوة لإبداء النيات الحسنة، وطي صفحة الماضي.
وقد بذلت جبهة العمل الإسلامي الأردنية جهوداً ملموسة، في سبيل تحقيق المصالحة بين الحكومة والإخوان في سورية. ويلاحظ أن رغبة الإخوان في إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم مع الحكومة السورية، تأتي من منطلق تراجع دعمهم المادي الخارجي؛ فضلاً عن رغبة الحكومة السورية في إجراء نوع من الانفتاح السياسي؛ متأثرة بالتحول الديموقراطي العالمي.

المبحث العاشر: الأزمات السياسية
لم يكن شق السياسة الخارجية في سورية أسعد حظاً من شق السياسة الداخلية. فقد أثرت المتغيرات المتوالية في خط السياسة الخارجية السورية، ما بين هابط وصاعد. وفي كلّ الأوقات، تمكنت سورية من تخطي الأزمة، من دون النظر إلى مسارها المستقبلي، الذي طالما ارتد على القدرة السياسية السورية نفسها.
يسهم الموقع الجغرافي لسورية بدور مهم في تحديد اهتمامات سياستها الخارجية، إذ يُعَدّ مسؤولاً عن عدد من قضايا تلك السياسة؛ على الرغم من أن معظمها، لا تندرج تحت البند الشائع: "الصراع على الحدود. إنها قضايا نابعة، في الأساس، من عوامل جغرافية، مثل منابع المياه؛، وقضايا عقائدية، مثل تنافس جناحَي حزب البعث: العراقي والسوري؛ وقضايا أخرى، تتعلق بدرجة النفوذ والهيمنة وتوازن القوى في المنطقة، ومدى تنافس الأطراف الفاعلة في الإقليم، الذي عُرف، يوماً، باسم: الهلال الخصيب، وتحتل سورية فيه موقع القلب، بين عدد من دول الجوار المختلفة قوة ومصالح وتجانساً سياسياً.
وطالما كانت سورية، في كثير من الأحيان، هي نفسها صانعة الأزمة الخارجية، من أجل التغطية على أزمات داخلية، أو توحيد قوي الشعب ضد عدوّ خارجي؛، أو الاستفادة المطلقة، وتحقيق أهداف، رسمتها سياسات سورية سابقة ( كما حدث في لبنان – أو مصادمة حزب البعث العراقي).
كذلك كانت سورية، في كثير من الأحوال، تقف مواقف سلبية من إسرائيل، التي تمثل مصدر التهديد الأول في المنطقة. وقد أدى ذلك إلى استمرار احتلال الجولان، منذ عام 1967، ونجاح إسرائيل في تغيير ديموجرافية الإقليم تماماً؛ وأصبحت قضية استعادة الجولان، تسير بخطى بطيئة جداً، في بعض الأحيان، وتتوقف تماماً، في سائر الأحيان.
ومن ثَم، يمكن الحكم بأن السياسة السورية، كانت تتعمد الإفصاح عن نفسها، بأنها ذات تأثير إقليمي، من خلال افتعال أزمة، تؤثر إستراتيجياً في المنطقة، وتتصاعد لفترة، ثم لا تلبث أن تخبو. كذلك كانت تتبنى، باستمرار، خط المعارضة لتوجهات السلام أو التقارب مع الغرب؛ كي تثبت أنها دولة مؤثرة في المنطقة، لا يمكن تحقيق سلام شامل فيها، إلا بقرار منها.
أولاً: اتخاذ القرار في السياسة الخارجية السورية
1. انفرد الرئيس حافظ الأسد في اتخاذ القرارات، المتعلقة بالسياسة الخارجية، مع الاستعانة بوزارة الخارجية، التي يرأسها فاروق الشرع، وهو أحد أكثر المقربين من الأسد.
2. تشترك بعض الأجهزة الأمنية في صياغة القرار السياسي، وخاصة في الموضوعات، التي لها جذور عسكرية أو أمنية.
3. يؤدي المقربون من الرئيس دوراً أساسياً في توجيه السياسة الخارجية. وهو يستشيرهم، باستمرار، في معظم القرارات السياسية.
4. إذا كانت القرارات السياسية، يدخل فيها أيّ عامل عسكري أو أمني، فلا بد من اشتراك الأجهزة العسكرية، ممثلة في الاستخبارات العسكرية، والاستخبارات الجوية[1]؛ إضافة إلى الاستخبارات العامة (وهي الأقل أهمية وسلطة). وفي بعـض الأحيان، إذا كان القرار يتعلق بأشخاص، فإن الأمن السياسي، التابع لوزارة الداخلية، يكون له دور في صياغته.
ثانياً: أزمة العلاقات السورية – العربية
شهدت العلاقات العربية - السورية كثيراً من الأزمات، في عهد الرئيس الأسد، كانت أهمها مع مصر، وأشدها خطراً التدخل في لبنان. كما كان هناك شق عقائدي، تمثل في الأزمات العراقية - السورية، التي تراوحت بين السخونة والجمود.
1. أزمة العلاقات السورية ـ المصرية
على الرغم من أن حرب أكتوبر 1973، عُدّت قمة التنسيق السوري – المصري؛ إلا أنه في خلال مرحلة إدارة الحرب، طفا على السطح كثير من الاختلافات، وخصوصاً في مسائل إيقاف النيران. إذ حاول الاتحاد السوفيتي دفع مصر إلى هذا الإيقاف، مع بداية الحرب، من منطلق تنسيق سابق لذلك مع سورية. ولما قررت القاهرة إيقاف النيران، في 22 أكتوبر، كان هناك اعتراض سوري؛ ثم وافقت عليه دمشق في 23 أكتوبر.
وفي أعقاب الحرب، ظهرت اختلافات حادة في أُسُس توظيف نتائج الحرب وطريقته. فارتأت مصر التوجه نحو التسوية، وإقامة السلام العادل، من منطلق أن إسرائيل، أصبحت واقعاً، لا يمكن تدميره أو "إلقاؤه في البحر". ورأت سورية استمرار حالة الحرب، للقضاء على إسرائيل؛ وعدم التوجه نحو السلام.
أ. التوتر نتيجة توقيع اتفاقية فض الاشتباك الثاني
كانت أهم الاختلافات العلنية بين الدولتَين، هي تلك التي اشتعلت عند توقيع مصر الاتفاقية الثانية لفصل القوات، في الأول من سبتمبر 1975؛ إذ شنعت سورية، بتحريض من الاتحاد السوفيتي، على مصر سياستها، وشنت عليها حملة إعلامية شرساء. وكان السبب الرئيسي للتحريض السوفيتي، هو التوجه المصري نحو موازنة العلاقات بالكتلتَين العظمَيين؛ بما يعني أن الاتحاد السوفيتي، فَقَدَ كونه حليفاً إستراتيجياً رئيسياً، وصديقاً وحيداً للعرب.
وقد دأبت سورية على رفض أيّ إجراء، تدعو إليه مصر، أو توافق عليه، مثل: قرار رفع حظر النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ وعقد المؤتمر الدولي للسلام، في جنيف، الذي دعت إليه، في ديسمبر 1973، كلّ من مصر وأمريكا.
ب. التوتر نتيجة تدخّل سورية في شؤون لبنان
عندما تدخلت سورية في لبنان، في مايو 1976، عارضت مصر بشدة، في البداية، هذا التدخل. ثم بدا لها أن توظفه في تقليل الانتقاد السوري لاتفاقية فض الاشتباك الثاني، فقبلت الوجود السوري في لبنان، تحت اسم "قوة الردع العربية". وأعلنت ذلك، صراحة، في مؤتمر القمة العربي الثامن، الذي عقد في القاهرة، في 25 و26 أكتوبر 1976 (آخر مؤتمر، تحضره مصر، قبل المقاطعة العربية لها).
ج. القطيعة بين مصر وسورية
وصلت قمة الأزمة المصرية - السورية، عند إعلان الرئيس السادات زيارته إلى القدس، في نوفمبر 1977؛ حتى إن هناك أصواتاً، طالبت بالقبض عليه، أثناء وجوده في سورية، للتفاهم مع الرئيس الأسد، قبل الزيارة.
وكانت سورية في مقدمة الدول العربية، التي تزعمت صدور قرار عن مجلس الجامعة العربية، الذي عقد في بغداد، في نوفمبر 1978، ويقضي بمقاطعة مصر. بل رأت دمشق، في بعض الأحيان، أن الدول العربية، التي تحاول إعادة الاتصال بمصر، مثل: الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، هي دول يجب الوقوف ضدها بحزم، وعزلها هي كذلك عربياً. وفي خلال هذه المرحلة، كانت مصر حريصة على إجراء اتصالات مع سورية، بطرق شتى، وإن لم تأخذ الصفة العلنية.
د. عودة العلاقات بين مصر وسورية
كان التحول الرئيسي في الموقف السوري، عندما أنشأت مصر والعراق واليمن والأردن، في فبراير 1989، "مجلس التعاون العربي"؛ إذ عملت دمشق على تحسين العلاقات، حتى عادت، في 27 ديسمبر1989، إلى طبيعتها كاملة. وهناك توافق مصري - سوري واجتماعات مستمرة بين رئيسَي البلدَين، كلّ ثلاثة أشهر تقريباً؛ بيد أن توافقهما على القضايا السياسية للمنطقة، لم يصل إلى نقطة الاتفاق الملائمة؛ وكذلك تعاونهما الاقتصادي.
2. أزمات العلاقات السورية – العراقية
اتسمت العلاقات بين العراق وسورية بخصوصية شديدة؛ نظراً إلى البُعد الجغرافي؛ والبُعد الأيديولوجي، الذي يجمع بين البلدَين والمتمثل في فكر حزب البعث وفلسفته. ويضاف إلى هذَين البعدَين بعد ثالث، وهو الصراع الذي نشأ بين رئيسَي الدولتَين على زعامة المنطقة، وبخاصة بعد انقلاب نوفمبر1970 في سورية، وتولِّي الرئيس الأسد زمام الأمور، وهروب بعض القيادات البعثية السورية إلى بغداد، التي راحت تشيع تشكيكها في ولاء الرئيس السوري، والنخبة الحاكمة في دمشق، لأفكار حزب البعث.
أ. الانفراج والتوتر، خلال حرب أكتوبر
منذ أوائل عام 1971 (وبعد تولِّي الرئيس الأسد السلطة في سورية)، كان التوتر هو السمة الغالبة على العلاقات بين دمشق وبغداد؛ إلا أنه تضاءل في المرحلة، التي واكبت حرب أكتوبر؛ نظراً إلى المشاركة العراقية العسكرية، على الجبهة السورية.
ولم تلبث الأمور أن تحولت إلى التشكيك والمواجهة: السياسية والإعلامية، عقب قبول سورية قرار مجلس الأمن إيقاف النيران، الصادر في 22 أكتوبر 1973، وانضمامها إلى مصر في قبول الوساطة الأمريكية، التي أدت إلى توقيع فض الاشتباك، في الأول من يونيه 1974، في هضبة الجولان.
وقد وجد النظام العراقي في موقف البعث السوري متنفساً لحزازات صدره، فشن أعنف هجوم على سورية، والنُظم العربية، التي تقبل مبدأ التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي.
ب. التوتر نتيجة دخول القوات السورية لبنان
وصلت الأزمة بين سورية والعراق قمتها، عقب دخول القوات السورية إلى لبنان. إذ رأت بغداد أن هذا التطور من شأنه أن يزيد من فاعلية الدور السوري في المنطقة العربية، ويزيد من مكانة الجناح السوري في حزب البعث؛ ما يسهّل على سورية تزعّم الحزب، ويقلص الدور العراقي. وكذلك اتخذ العراق موقفاً متشدداً جداً من التدخل العسكري السوري في لبنان. وطالب بطرد سورية من الجامعة العربية؛ كي لا يصبح التدخل السوري شرعة في التعاملات العربية – العربية.
كما حشد، في الوقت عينه، بحشد قواته على الحدود مع سورية؛ إلا أنه وافق على قرار القمة المصغرة، التي عقدت في الرياض، إنشاء " قوة الردع العربية"، بغرض تحقيق السلام في لبنان. ولكن استمرت القطيعة بين البلدَين. استمرا يتبادلان الحملات الإعلامية، حتى نهاية عام 1977.
ج. تقارب الدولتَين، لمواجهة مبادرة السلام المصرية
مع إعلان المبادرة المصرية للسلام، بدأ التقارب السوري- العراقي، من أجل تكوين جبهة للتصدي لهذه المبادرة؛ ازداد على أثر توقيع وثيقتَي "كامب ديفيد"، في 17سبتمبر 1978، واتخذ شكل مصالحة سورية – عراقية. وهكذا ساعدت المبادرة المصرية على تحوُّل في توجهات كِلا النظامَين؛ بل دفعتهما إلى التعاون المشترك، وإحياء جبهة الصمود والتصدي[2]، وتوقيع " ميثاق العمل العربي المشترك"، في بغداد، في أكتوبر 1978، الذي نص على السعي إلى الوحدة الكاملة بين البلدَين.
وبعدها، أخذ العراق يخفف من انتقاداته للدور السوري في لبنان، على أساس أن التطور اللاحق في الصراع العربي- الإسرائيلي له الأولوية فـي العمل المشترك، وفـي التنسيق مـن أجل مواجهة تداعياته السلبية على الأوضاع العربية.
د. تجدد الأزمة بين الدولتَين
في 16يوليه 1979، قدم الرئيس العراقي، أحمد حسن البكر، استقالته من جميع مناصبه: القيادية والحزبية. وانتخب صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، رئيساً للعراق. وأعقب ذلك كشف الرئيس الجديد عن مؤامرة انقلاب، خططت في سورية، وقادها خمسة من أعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للبعث العراقي؛ واتهم بتدبيره النظام السوري، وحزب البعث في سورية. وقد أدى هذا الأمر إلى اشتعال المواجهة: السياسية والإعلامية، بين البلدين.
هـ. التوتر في أعقاب اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية
مع اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، في22 سبتمبر1980، خيم التوتر من جديد على العلاقات السورية- العراقية. إذ عارضت سورية الحرب. ورأت أن العراق مسؤول عن تدهور الأوضاع العربية، بشنه الحرب على بلد، يمكن أن يكون رِدْفاً للقدرة العربية.
وقد استهدفت سورية تقوية مكانتها في التعامل مع دول الخليج، وتحقيق استفادة كاملة من كونها طرفاً محايداً، يتمتع بقدرة على الاضطلاع بدور الوساطة، لإبعاد إيران عن التدخل في دول الخليج، من جانب؛ ومن جانب آخر، فإن دمشق أرادت أن تستفيد أكبر استفادة من المساعدات الاقتصادية، التي تحصل عليها من إيران (ولو على حساب العراق).
وفي المقابل، فقد تزايد رفض العراق للدور السوري في لبنان, ولجأ إلى إجراءات "الحرب الخفية" أو "الحرب بالوكالة" على سورية، من خلال دعم عناصر المعارضة السورية، والوقوف إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية المناوئة لدمشق. ولم يتردد في إمداد القوى المارونية في لبنان، الرافضة للوجود السوري، بالسلاح والدعم المادي.
ومنذ توقفت الحرب العراقية - الإيرانية، توجهت السياسة العراقية نحو تأييد حكومة ميشيل عون العسكرية، المناهضة للحكومة اللبنانية الشرعية والوجود السوري، ليس من الناحية السياسية فقط، وإنما من الناحية العسكرية.
وبلور العراق رؤية، قوامها ضرورة إخراج القوت السورية من لبنان، ثم سائر القوات الأجنبيةح فيترك البلد لأهله. وقد طرح العراق، في القمة العربية الإستثنائية، التي عقدت في المغرب، في الفترة من 23 إلى 26مايو 1989، ورقة عمل، توصي بتكوين قوة عربية عسكرية، تحت علم جامعة الدول العربية؛ تمكن اللبنانيين من تحقيق الأمن، وتهيئة الظروف لإجراء حوار لبناني – لبناني؛ بعد انسحاب القوات السورية، ثم الميليشيات الإيرانية، والقوات الإسرائيلية، من لبنان. إلا أن الرؤية العراقية، لم تجد استجابة عربية كاملة.
و. الأزمة في أعقاب غزو العراق للكويت
عقب غزو العراق للكويت، في 2 أغسطس1990، أعلنت سورية موقفها المعارض للغزو. ووافقت على قرارات القمة الطارئة، المنعقدة في القاهرة، في 10 أغسطس1990، والمطالبة بانسحاب الغزاة. وانضمت إلى التحالف الدولي على بغداد. وأرسلت فرقة مدرعة إلى الأراضي السعودية، للمشاركة في تحرير الكويت.
ز. انفراج العلاقات في نهاية حكم الرئيس الأسد
ظلت العلاقات السورية - العراقية في توتر كامل، وقطيعة دائمة، حتى عام 1997، حين زار دمشق، في21 نوفمبر 1997، طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء العراقي. وبادرت سورية، في العام نفسه، إلى الاشتراك في المعرض التجاري العراقي. ثم توالت الزيارات المتبادلة. وقد حاول العراق بذلك التقارب الخروج من عزلته وانحصاره، من خلال فتح الحدود السورية- العراقية، وتشغيل خط أنابيب النفط، المار بسورية. وقد استجابت سورية، تدريجاً، لهذا التوجه، في سبيل حصولها على ميزات: تجارية واقتصادية، دعمت بتوقيع اتفاقية على إنشاء منطقة تجارة حرة، عام 2001، بينها وبين العراق.
3. التدخل العسكري السوري في لبنان
ترى سورية أن ما يحدث في لبنان، يمس أمنه الوطني. وقد أثر، سلباً، تدخّلها العسكري في ذلك البلد، في بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، في علاقاتها الخارجية.
أ. أهداف التدخل السوري العسكري في لبنان
(1) الحفاظ على تعادُل القوى بين الطوائف اللبنانية، بما يحُول دون اختلال÷ الذي يسفر عن غالب ومغلوب، فيحوِّل لبنان إلى ساحة، تهدد الأمن السوري الوطني.
(2) محاولة تقييد حرية إسرائيل في اجتياح أراضي لبنان، التي أسست "ساحة قتال مفتوحة"؛ إذ إن وجود القوات الإسرائيلية فيه، يتهدد الأمن السوري الوطني.
(3) تحقيق أهداف سورية قديمة، بتكوين سورية الكبرى، التي كان لبنان، قبل تقسيم المنطقة، جزءاً منها.
ولهذا فقد سخرت سورية كلّ إمكانياتها للتدخل العسكري في لبنان، وجعلت منه المجال الحيوي ذا الأسبقية المطلقة؛ كي تمسك بخيوط الأزمة في يدها.
وتدخّل سورية في لبنان، بدأ سياسياً، لدى اشتعال الحرب الأهلية، عام 1975؛ تأييداً للقوى: الوطنية والفلسطينية عل القوات المسيحية المارونية. وقد تمكنت، من خلال المفاوضات بين الأطراف، من صياغة "الوثيقة الدستورية،" في فبراير 1976. إلا أن الجهود السياسية، لم يقدر لها النجاح؛ بل ازدادت المعارك عنفاً بين الطوائف اللبنانية، واستطاعت القوى: اللبنانية التقدمية والفلسطينية، السيطرة على ميادين القتال.
وقد رأت سورية في ذلك تهديداً للتوازن داخل لبنان وبدأت، منذ 9 أبريل 1976، تدفع إليه بقوات عسكرية. ثم قررت التدخل العسكري الشامل، فطلبت من المقاومة الفلسطينية والقوى التقدمية إخلاء جميع الطرق بين البقاع وجنوب بيروت وشرقها. كما حاصرت الشواطئ اللبنانية، لمنع وصول إمدادات إلى القوى: التقدمية والفلسطينية.
وفي 31 مايو 1976، اجتاحت القوات السورية لبنان، فتصدت لها القوات: التقدمية والفلسطينية، التي لم تتمكن من الصمود، منيت بخسائر فادحة. وتمكنت القوات السورية من احتلال سهل البقاع، والمناطق الرئيسية في بيروت، ومناطق الثقل في لبنان.
ب. إيجاد شرعية للوجود السوري في لبنان
في مواجهة التدخل السوري في لبنان، والخسائر التي لحقت بالمقاومة الفلسطينية، عقد في الرياض، في 16 و18 أكتوبر 1976، قمة سداسية، ضمت قادة مصر وسورية والمملكة العربية السعودية ولبنان، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والكويت؛ لبحث الأوضاع في لبنان. وتمخضت بقرار، ينشئ قوة ردع عربية، للسيطرة على الموقف في لبنان، وإطفاء الحرب الأهلية. وتتكون من القوات السورية في لبنان، وقوى عربية أخرى؛ وتتحمل نفقاتها المملكة العربية السعودية. ومن ثَم، فقد اكتسب الوجود السوري في لبنان شرعية عربية، أدت إلى تهدئة الانتقادات الموجهة إلى سورية. وجاء هذا الاعتراف من خلال مؤتمر القمة العربية، الذي عقد في القاهرة، في الفترة من 25 إلى 26 أكتوبر 1976.
استمرت القوات السورية في لبنان، بقوة تراوح بين 30 و40 ألف رجل، طوال فترة حكم الرئيس حافظ الأسد. وتركزت جهودها في حفظ التوازن بين الطوائف اللبنانية، من دون التعرض للقوات الإسرائيلية. وانفردت القوات السورية بالعمل في لبنان"؛ لأن القوات المشاركة في قوة " الردع العربية"، طبقاً لاتفاق الرياض، كانت قوات رمزية،من الإمارات العربية، والمملكة العربية السعودية والسودان"؛ وما لبثت أن انسحبت، تاركة القوات السورية وحدها، التي استمرت حتى بعد اتفاق الطائف، عام 1989، الذي أوقف الحرب اللبنانية الأهلية.
ج. القوات السورية في مواجهة الغزو الإسرائيلي للبنان
لم يردع إسرائيل الوجود السوري في لبنان عن الاعتداء عليه بتوجيه ضربات شديدة إليه، ثلاث مرات؛ فضلاً عن عدوانها شبه اليومي على حدوده:
العدوان الأول: في 15 مارس 1978، "حملة الليطاني". وفيها لم تتحرك القوات السورية في مواجهة القوات الإسرائيلية، وبقيت ثابتة في أوضاعها؛ ما حمَّل سورية خسارة أدبية ضخمة. وتعالت صيحات التشكيك في نياتها. كما فقد الرأي العام العربي ثقته بقدرة القوات السورية على مواجهة إسرائيل.
العدوان الثاني: في 6 يونيه 1982، " عملية سلام الجليل". وهي العملية التي اجتاحت فيها إسرائيل الأراضي اللبنانية، وحاصرت بيروت. فيما تجنب سورية أيّ مواجهة مباشرة للقوات الإسرائيلية. وقد فسرت إسرائيل ذلك " بأن سورية تراهن على إيجاد صيغة، تتفق مع إسرائيل حول لبنان؛ بأن تتغاضي عن الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، في مقابل السماح لسورية بالوجود في البقاع".
العدوان الثالث: "عملية عناقيد الغضب"، في 11-26 أبريل 1996. نُفذت خلالها مذبحة قانا، في 18 أبريل. وفيها لم تحرك القوات السورية ساكناً؛ بل كانت حربها بالوكالة، من خلال دعم ميليشيات حزب الله.
د. التمسك السوري بالوجود العسكري في لبنان
أمسى بقاء القوات السورية في لبنان إستراتيجية تحرص دمشق على تحقيقها. ويقابلها صمت عربي، وعدم اهتمام عالمي؛ على الرغم من انسحاب إسرائيل، في مايو2000، من الجنوب اللبناني.
4. الأزمة بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية
حكمت العلاقات السورية – الفلسطينية عوامل شتى، انبثقت من الصراع العربي- الإسرائيلي. وأهمها: استقلال القرار الفلسطيني؛ وأسلوب النضال، المسلح هو أم سياسي. والدور الفلسطيني في القضية اللبنانية؛ والموقف من إعلان الدولة الفلسطينية.
ومن المعروف، أن سورية كانت من أشد المؤيدين، في مؤتمر قمة الرباط، عام 1974، لجعل منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً، للشعب الفلسطيني؛ وإحباط السعي الأردني إلى المشاركة في تمثيل الشعب الفلسطيني.
إلا أن هذا التأييد انهار، نتيجة الدور السوري في لبنان، عام 1976، الذي أدى إلى انشقاق كبير في صفوف المقاومة الفلسطينية، وضرب المنظمة في تل الزعتر وسهل البقاع، وجنوبي لبنان.
وتستضيف سورية الفصائل الفلسطينية العشرة، المعارضة للرئيس ياسر عرفات؛ للضغط على السلطة الفلسطينية. وتسمح لتلك الفصائل بحملات إعلامية على عرفات، والحشد للمحافل والمسيرات الشعبية؛ ولكنها لا تسمح لها بتنفيذ أيّ عمليات ضد إسرائيل، انطلاقاً من الأراضي السورية.
وعارضت سورية اتفاق أوسلو، الذي وقعه الفلسطينيون مع إسرائيل، عام 1993. كما تعارض أيّ مفاوضات أو لقاءات فلسطينية- إسرائيلية، وتتشكك في إمكانية إنشاء الدولة الفلسطينية. وتعارض أيّ اتفاقيات سلام منفردة، بين الفلسطينيين وإسرائيل.
وقد ظل الرئيس الأسد مقاطعاً للرئيس ياسر عرفات. ولم تفلح الجهود في التقائهما، عدا مرة واحدة، في أواخر حكم الرئيس الأسد.
5. الجمود في العلاقات السورية – الأردنية
على الرغم من أن من سورية والأردن دولتا جوار، تربطهما حدود مشتركة؛ إلا أن علاقاتهما السياسية، مرت بما يشبه الجمود التام. وربما تحسنت أثناء حرب أكتوبر 1973، إلا أنها سرعان ما تلاشت. وترى سورية أن الجمود ناشئ عن:
أ. التعامل الدائم بين إسرائيل والأردن، والذي توج باتفاق "وادي عربة" للسلام، الذي وقع عام 1994.
ب. تتهم سورية الأردن، بأنه كان وراء إضعاف الجبهة الفلسطينية، في مواجهة إسرائيل.
ج. تتهم عمّان دمشق، بأنها كانت وراء تصدير الإرهاب إليها باستغلالها الفصائل الفلسطينية الموجودة بها.
6. العلاقات السورية – السعودية
تتميز العلاقات بين الدولتَين بهدوء ظاهر، يواري اختلافهما، ويظهر حرصهما على استمرار علاقاتهما في إطار ودي دائم.
وعلى الرغم من أن سورية دولة تقدمية، فإنها رأت أن تكون علاقاتها بالمملكة العربية السعودية نموذجاً للتعاون بين الدول: التقدمية والمحافظة.
واضطلعت الرياض بدور رئيسي في الوساطة بين سورية وأطراف أخرى، لتهدئة أزمات حادة، نشأت بينهما، في فترات مختلفة؛ وأهمها وساطات عديدة بين مصر وسورية، وبين سورية وأطراف عالمية فاعلة في لبنان، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية (اتفاق الصواريخ) والفلسطينيون (الخروج بسلام من بيروت وطرابلس).
ويتعدى الدور السعودي مساعدة سورية على بعض أزماتها السياسية ، إلى مساعدتها، اقتصادياً، إذ نالت دعماً سعودياً وافراً، لكونها دولة مواجهة مع إسرائيل. ولم تتردد الرياض في تعديل ميزان المدفوعات السوري، في كثير من السنوات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابطال الحرمين

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 30
المهنة : باحث في العلوم الاستراتيجية والعسكرية
التسجيل : 24/07/2011
عدد المساهمات : 3188
معدل النشاط : 4645
التقييم : 866
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )   الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 13:06

المصادر :

أولاً: العربية
الكتب
(1) أحمد عيسى الفيل، "سورية الجديدة في الانقلابين الأول والثاني"، الدار التجاري للطباعة، دمشق 1949.
(2) أحمد عبدالكريم، "أضواء على تجربة الوحدة"، دار أطلس للنشر، دمشق 1962.
(3) أحمد عبدالكريم، "احتواء على تجربة الوحدة"، دار المجلس للنشر، دمشق،1962.
(4) إبراهيم سلامة، "البعث من المدارس إلى الثكنات، بيروت"، 1969.
(5) أمين سعيد، "الوطن العربي"، دار الهلال، القاهرة، 1970.
(6) إيل زاعيرا، "حرب يوم الغفران .. أكذوبة في مواجهة واقع"، مركز المعلومات والدراسات، القاهرة.
(7) باتريك سيل، "الصراع على سورية.. دراسة للسياسة العربية بعد الحرب1945 – 1958"، ترجمة سمير عبده، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق،1983.
(8) بشارة الخورى، "حقائق لبنانية"، دار الطليعة، بيروت، 1961.
(9) بشير العوف "حقيقة الانقلاب السوري"، مكتبة دمشق للطباعة والنشر، دمشق،1949.
(10) "مجموعة خطب وتصريحات جمال عبدالناصر"، وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، قسم2
وقسم4، فبراير 1962 – يونيه 1964.
(11) جورج بيره، "المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في سورية"، سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدني، والتحول الديموقراطي في الوطن العربي، مركز ابن خلدون، القاهرة،1998.
(12) جاك دوما وماري لوروا، "جمال عبدالناصر من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة"، دار الآداب، بيروت،1979.
(13) خيرية قاسمية، "الحكومات العربية في دمشق 1918- 1920"، دار المعارف المصرية، القاهرة،1971.
(14) خالد العظم، "مذكرات خالد العظم"، ج3، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1973.
(15) خالد محمد عابد ، "العسكريون والحكم في سورية"، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة،1987.
(16) ديفيد بن جوريون، "إسرائيل تاريخ شخصي"، ج3، ترجمة مركز البحوث والمعلومات بجهاز الأمن القومي، القاهرة.
(17) رالف كرو، "دراسة عن القوى السياسية في سورية في ضوء انتخابات عام 1954 – 1955"، دار الحياة، دمشق، 1983.
(18) زوقان قرقوط، "تطور الحركة الوطنية في سورية1920 – 1939"، دار الطليعة، بيروت، 1975.
(19) سامي الجندي، "البعث"، دار الطليعة، بيروت،1968.
(20) سامي عصاصة، "أسرار الانفصال مصر .. وسورية"، مطابع مؤسسة الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة،1989.
(21) شارل جورج بدران، "أطلس العالم"، بيروت، مطابع فالاردي، 1986.
(22) شارل سان برو، "الخفايا السورية"، مترجم، هيئة الاستعلامات المصرية، القاهرة.
(23) صلاح زرنوفه، "أنماط الاستيلاء على السلطة في الدول العربية (1950 – 1985)"، مكتبة مدبولي، القاهرة،1992.
(24) صلاح نصر، "عبدالناصر وتجربة الوحدة"، الوطن العربي للنشر والتوزيع، بيروت، 1986.
(25) صلاح الدين البيطار، "السياسة العربية بين المبدأ والتطبيق"، المكتب التجاري، بيروت،1960.
(26) ضيف الرزاز، "التجربة المرة"، دار الطليعة، بيروت،1967.
(27) عبدالغني الجمسي، "مذكرات"، المطبوعات الشرقية، باريس، 1990.
(28) عبداللطيف البغدادي، "مذكرات"، ج2، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977.
(29) عبدالكريم زهر الدين، "مذكرات"، دمشق،1980.
(30) فضل الله أبو منصور، "أعصاير دمشق"، دار الفكر الجديد، بيروت، 1959.
(31) فؤاد شكري ومحمد أنيس والسيد رجب حراز، "نصوص ووثائق في التاريخ الحديث والمعاصر"، دار النهضة، القاهرة، 1970.
(32) محمد حسنين هيكل، "سنوات الغليان .. حرب الثلاثين سنة"، ط1، ج1، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1988.
(33) محمد حسنين هيكل،" أكتوبر 1973السلاح والسياسة"، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 1993.
(34) محمد حسنين هيكل، "ما الذي جرى في سورية"، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1962.
(35) محمد فوزي (فريق أول)، "حرب الثلاث سنوات"، دار المستقبل العربي، بيروت،1984.
(36) موشى ديان، "قصة حياتي"، ترجمة جهاز الأمن القومي، القاهرة، 1980.
(37) ميشيل عفلق، "معركة المصير الواحد"، دار الطليعة، بيروت، 1958.
(38) محمد عبدالغني سعودي وآخرون، " جغرافية الوطن العربي"، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 1987.
(39) محمد كرد علي "مذكرات محمد كرد"، دار دمشق للطباعة، دمشق، 1948.
(40) نيقولاس فان دام، " الصراع على السلطة في سورية، الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة"، مكتبة مدبولى، القاهرة، 1995.
(41) ياسر علي هاشم، "الدور السوري في لبنان"، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1989.
الوثائق
(1) محاكمات دمشق
* المستند239، لائحة الادعاء في التآمر ضد أمن الدولة، 22 ديسمبر 1956، نشره مكتب الوثائق العربية في دمشق، تحت الرقم 239.
* المستند243، تقرير عبدالحميد السراج في شأن التآمر، وكذلك محاكمات 26 فبراير و8 يونيو 1957، مكتب الوثائق العربية.
(2) محاضر جلسات محكمة الشعب العراقية، " المحكمة العسكرية العليا"، وزارة الدفاع العراقية، مطبعة الحكومة، بغداد، ج1 و5، 1958 – 1959.
(3) محاضر محادثات الوحدة، دار الأهرام، القاهرة، 1963.
(4) سجلات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجلسة الثانية عشرة، 20 سبتمبر1957.


الموسوعات العلمية:
(1) موسوعة "المورد"، دار العلم للملايين، بيروت، 1983.
(2) موسوعة "مقاتل"، شبكة الإنترنت، "الغزو الإسرائيلي للبنان".
(3) موسوعة "مقاتل"، شبكة الإنترنت، الصراع العربي – الإسرائيلي، اتفاقيات السلام العربية – الإسرائيلية.
(4) موسوعة "مقاتل"، شبكة الإنترنت، الجولة العربية – الإسرائيلية الرابعة، "المعارك السورية – الإسرائيلية".


الدوريات
(1) حسن أبو طالب، " قمة الدار البيضاء وعودة مصر"، مجلة "السياسة الدولية"، العدد97، يوليه 1989.
(2) حسن أبو طالب، "المواقف العربية إزاء المؤتمر الدولي للسلام"، مجلة "السياسة الدولية"، العدد103، القاهرة،
يناير1991.
(3) غسان سلامة، "الحرب اللبنانية في قراءتها وفي سبل الخروج منها"، "المستقبل العربي"، بيروت، العدد122، يونيه1988.
(4) "التقرير الإستراتيجي العربي"، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 1985.
(5) "التقرير الإستراتيجي العربي"، "مؤسسة الأهرام"، القاهرة، 1990.


الدراسات والنشرات
(1) "تجربة الوحدة"، نشرة صادرة عن حزب البعث العربي، دار الشرق، دمشق، فبراير1962.
(2) المنظمة العربية لحقوق الإنسان، "تقرير حقوق الإنسان في الوطن العربي"، القاهرة،1997.
(3) "دراسة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي"، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة،1997
(4) "دراسة أسلوب اتخاذ القرار في العالم العربي"، مركز الدراسات الإستراتيجية، القاهرة،1998.
(5) "دراسة إستراتيجية لمسار السلام السوري – الإسرائيلي"، المركز الإعلامي، القاهرة، 1999.
(6) "دراسة القوميات والطوائف في الوطن العربي"، مركز الدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 2000.
(7) "دراسة المسار السوري – الإسرائيلي"، مركز الدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 2000.
الجرائد والمجلات
(1) الفورد كارلتون، "الانقلاب السوري عام 1949"، "ميدل إيست جورنال"، العدد الرابع،1950.
(2) بييرروندو، "الميول الإقليمية والوحدوية في سورية"، جريدة "لوريان"، العدد الرقم5، الصادر في مايو 1958.
(3) ريتشارد ديدييه، جريدة "جازيت دي لوزان"، الأول من يوليه 1949.
(4) محمد حسنين هيكل، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 9 سبتمبر 1957.
(5) جريدة "الأهرام" العدد الصادر في 18 مايو 1951.
(6) جريدة "الأهرام"، القاهرة، العدد الصادر في 9 نوفمبر 1955.
(7) جريدة "لأهرام"،القاهرة، العدد الصادر في 29 سبتمبر 1961.
(8) جريدة "الأهرام"، القاهرة، العدد الصادر في 9 مارس 1963.
(9) جريدة "الأهرام"، القاهرة، العدد الصادر في 2 يناير1997.
(10) جريدة "الأهرام"، القاهرة، العدد الصادر في 16 ديسمبر 1999.
(11) جريدة "الحياة"، بيروت، العدد الصادر في 27 فبراير 1954.
(12) جريدة "الرأي العام" السورية، دمشق، الثاني من يناير 1958.
(13) جريدة "الشرق الأوسط"، العدد العاشر، 21 أكتوبر1956.
(14) جريدة "البعث" السورية، دمشق، العدد الصادر في 28 يونيه 1956.
(15) جريدة "لوريان"، بيروت، العدد الصادر في18 فبراير 1949.
(16) جريدة "لوريان"، بيروت، العدد الصادر في 20 فبراير 1949.
(17) مجلة "الدفاع الوطني" الفرنسية، باريس، العدد الصادر في أبريل 1975.
(18) "النيويورك تايمز"، العدد الصادر في 14 سبتمبر 1957.
(19) جريدة "هاآرتس" الإسرائيلية، العدد الصادر في 18 ديسمبر 1999.
(20) يوسف بريئيل، "سورية سوف تخرج عن إطار المواجهة مع إسرائيل"، جريدة "دافار" الإسرائيلية، العدد الصادر في 23 يوليه 1982، ترجمة يحيى محمد عبدالله.
(21) صلاح البيطار (وزير الخارجية السوري)، مؤتمر صحفي، دمشق، 31 مايو 1957، نشرته جريدة "الرأي" العام السورية، في الأول من يونيه 1957.


الإذاعات
(1) مصطفى طلاس، حديث للتليفزيون المصري (برنامج رئيس التحرير)، أكتوبر 2000.
(2) محاكمة فاضل الجمالي، يوم 20 سبتمبر 1958، الشهادة الواردة على لسان فاضل الجمالي (إذاعة لندن، في 23سبتمبر 1958).
(3) تقارير استماع، صادرة عن وزارة الإرشاد القومي المصري، الفترة من ديسمبر 1959 إلى يناير1960.
(4) إذاعة إسرائيل،"خبر عن الوحدة بين مصر وسوريا والتعليق عليها"، 28 فبراير 1958.


ثانياً : الأجنبية
(1) General Catroux, "Dans La Bataille de La Méditerranee”, paris, 1949.
(2) Cordel Hull, The memoirs of Cordel Hull, Robert Speller and Sons, New york , 1998, Vol.2.
(3) Doreen Warriner, "Land Reform and its development in the middle East", Oxford London, 1957.
(4) George Lenczowski, "Oil and State in the Middle East", New York, Mc Graw Hill, 1957.
(5) Hourani, A.H; "Syria and Lebanon", Oxford University Press, London, 1946.
(6) KirK George: "The Middle East in the war", Oxford, London. 1952.
(7) Mosh Mouz, Syria under Assad Domestic Constriction and Regional Risks, London, Sydney, 1987.
(8) Nicols Ziyadeh, " Syria and Lebanon,Macmillon London", 1957.
(9) N. Van Dam, The Struggle for Power in Syria,1982.
(10) Rabinofich, ," Syria Under the ba’th", London.
(12) www.cia.gov / cia /publications / fact book / goes/ sy.html.
(12) The middle East and North Africa, 1989, Europa Publication Limited, London, 1990.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

سورية من الاستقلال الى حافظ الاسد ( شامــــل )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين