أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

((,,"أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ",,))

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 ((,,"أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ",,))

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Field marshal

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
المزاج : عصبى
التسجيل : 07/03/2011
عدد المساهمات : 2141
معدل النشاط : 2567
التقييم : 407
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: ((,,"أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ",,))   الأحد 15 مايو 2011 - 22:54

[center]أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ

شوقي بدر يوسف




يمثل مصطلح أدب أكتوبر في الساحة الأدبية العربية نموذجا تسجيليا ابداعيا للأدب الأنساني الذي ارتبط بهذه المناسبة التاريخية العظيمة، والذي عبر عنها ونسج من خطوطها الأساسية وقائع أدبية قد لا تكون علي مستوي الحدث نفسه، إلا أنها تمثل وثيقة باقية تشهد بأن أدبنا العربي لم يكن معزولا عن مجتمعه في زمن السلم والحرب حتي أن هذا الحدث العظيم قد طغي علي حدث آخر هام كان جديرا

بالساحة الأدبية أن تعطيه من الأهمية مكانا جديرا به ألا وهو رحيل عميد الأدب العربي طه حسين الذي رحل في أكتوبر 1973 وعجلة الحرب دائرة. وإذا كانت حرب أكتوبر قد فاجأت الجميع بقدرتها علي تحقيق الذي كان مستحيلا في يوم من الأيام حيث كان التنبؤ بما يحدث علي الساحة العربية سياسيا وعسكريا واجتماعيا ضربا من الخيال في ظل ظروف الهزيمة التي منيت بها العسكرية المصرية في حرب 1967.

وإذا كان التدريب الطويل والعنيف علي صنع هذه المفاجأة قد جاء مبهرا ومذهلا إلي حد جعل العالم كله وقد بات مشدوها غير مصدق لم حدث فإنها أيضا قد فاجأت الأدباء بحدوثها هكذا بدون مقدمات وأيضا بنتائجها المذهلة والغير متوقعة فجاءت ثمارها الإبداعية الأولي في الشعر والقصة والرواية والمسرحية انعكاسا انفعاليا آنيا حماسيا للحرب وما صاحبها من تداعيات علي المستوي المحلي والعالمي.

وقد طرحت حرب أكتوبر، في جملة ما طرحت من نتائج قلبت جميع الموازين العامة والخاصة، دور الأدب في الحرب، ماضيه وحاضره، تراثه ومعاصرته نتاجه الآني والمستقبلي.

وموقف الأدب من الحرب هو موقف التفاعل والامتزاج، والرؤية الأدبية عن سير الحرب تحتاج إلي نقاش دائم في هذا الزمن الصعب الملئ بكل الإحتمالات، ولا شك أن درجة الوعي في هذا الزمن يجب أن تكون عالية ومؤثرة ومثمرة، ومهمة الأديب في هذا الوقت هي تخطي تخوم الأحداث والتغلغل داخلها إنسانياً واجتماعياً، وسبرغور أحداثها، والبحث الدائم عن المواقف الإيجابية.

فالحرب متابعة سياسية بوسائل أخري، والسياسة لا تنفصل عن الثقافة، وكل هذا هو جماع التجربة الذهنية الإنسانية.إن الحرب حدث تاريخي، وعصرنا هو في الغالب عصر صنع التاريخ، وقد أصبح التفكير التاريخي أو التفكير بالأحداث الكبري في التاريخ واتخاذ موقف منها شئ في ضمير الناس، نفذ إلي جميع مجالات الوعي المعاصر وبذلك صار التاريخ أساسا وشرطا لا غني عنهما لكل معرفة تتطلع إلي الاحاطة بالفن والفلسفة واستخدامها، لا في تحليل الأحداث بل في تغييرها إلي الأفضل.

إن كتابا عظاما مثل بلزاك وتولستوي وجوركي وتشيكوف وهمنجواي ومالرو وبريخت وفايس وغيرهم، قد كانوا عظاما لأنهم نقلوا اهتمام أدبهم ونشاطه إلي الأساس الاجتماعي والسياسي وارتفعوا بدرجات متفاوتة عن التقدم من خلال الإمساك بالنقطة الجوهرية في كل ما عالجوه، وقد عرفوا أن التاريخ أساس وشرط لابد منه فلم يزوروا عن أحداثه الكبيرة بل علي العكس من ذلك كانوا. فقد كان بلزاك في تعريته للبورجوازية يعطي أدبه أساسا اجتماعيا، وكان تولستوي وجورجي من زاويتين مختلفتين يعطيان أدبهما أساسا اجتماعيا وسياسيا في آن واحد وقد كتب تولستوي رائعته "الحرب والسلام" مستندا إلي أحداث التاريخ السياسي والاجتماعي والعسكري، كما كتب شولوخوف "الدون الهادئ" وهمنجواي "وداع للسلاح" ومالرو "الأمل" وبريخت "الأجراء" وبيتر فايس "وحش أنجولا". وليس أدل علي عمق الكلمة التي تواكب المدفع والرصاصة في تأثيرها علي المجتمع زمن السلم والحرب من تلك الشهادة التي أوردها "ستالين" وقد كان يقف علي رأس أكبر قوة مقاتلة في الحرب العالمية الثانية في معرض خطابه التقييمي لنتائج الحرب: "أن الكاتب ايليا اهر نيورج" أسهم اسهاما كبيرا في كسب الحرب وسحق العدو" وهذه شهادة هامة من سياسي كبير إلي أديب كبير تعبر عن التقييم المتبادل بين أدب الحرب وواقعها المعبر عنه علي المستوي القومي والدلالي.

ذلك أن أهرنبورج لم يحمل بندقية ولم يطلق رصاصة بل شرع قلمه وعبأ شعبه بشحنات هائلة من الوعي ضد العدو المغتصب وقاتل بمقالاته وقصصه وأخبار المعارك بمثل الضراوة التي كان يقاتل بها جنود بلاده العدو النازي. وإذا كانت مهمة الأدباء، هي أن يهندسوا النفس البشرية في زمن السلم، فإن هذه المهمة في زمن الحرب ترتفع إلي مستوي أعلي بكثير من مستواها في زمن السلم، فالحرب باعتبارها استمرارا للسياسة بوسائلها المختلفة تعتبر فعل طارئ علي فعل قائم وهو زمن السلم. ودور الكلمة الذي كان في زمن السلم وظيفته الأساسية هندسة النفس البشرية، فإنه يصبح في زمن الحرب تحريض هذه النفس علي العمل بأقصي طاقتها وفق هندستها السابقة.

وليس ببعيد عن الأذهان ذلك الأدب الرائع الذي كتب خلال الحرب العالمية الثانية، والذي استهدف رفع الروح المعنوية للشعب المقاتل، فقد دوت فيه الكلمات والأشعار والأناشيد الحماسية دوي القنابل المتساقطة علي النازيين في كل مكان، وكان لكل شعب أدبه الحربي الخاص به وأغنياته الجريئة وأشعاره الباقية، إذ كان المحاربون والمقاومون والأدباء، كل من موقعه علي خريطة الجبهة يناضل ويلهم، ويحرض ويتحرض ويشعل نار الحقد علي الأعداد، وبهذه النار يستخدم كلماته الحارقة التي تنتشر بين المواطنين فتدفعهم إلي بطولات جديدة ومواقف جريئة للدفاع عن وطنهم. ولسوف يبقي الكثير من الأدب الذي كتب خلال الحرب العالمية الثانية، لا شاهدا علي هذه الحرب بوقائعها وبطولاتها فحسب، بل شاهدا علي دور الكلمة فيها، الكلمة التي حاربت وانتصرت وكبدت العدو خسائر فادحة في العتاد والأفراد بتأثيرها المباشر وغير المباشر علي الشباب المحارب الذي يحمل قلبه علي كفه وبندقيته علي كتفه.

وفي حرب أكتوبر عبر الأدباء العرب في بدايات الحرب تعبيرا صار بعض هذا التعبير رمزا خالدا لتعانق الكلمة مع المدفع في وقت من أحلك الأوقات فقال توفيق الحكيم مقولته التي أصبحت رمزا للعبور وهي "عبرنا الهزيمة" حتى أن هذه المقولة صارت نشيدا يتغني به العرب وقت المعارك.


توفيق الحكيم



لقد وجد توفيق الحكيم بحق في العبور تأكيدا لأصالة شعبنا وعبورا للهزيمة التي كانت بداخل كل منا بعد نكسة يونيو1967 فكتب يقول: "عبرنا الهزيمة بعبورنا إلي سيناء، ومهما تكن نتيجة المعارك، فإن الأهم هي الوثبة، وهي المعني. أن مصر هي دائما مصر، تحسبها الدنيا قد نامت ولكن روحها لا تنام. وإذا هجعت قليلا فإن لها هبه ولها زمجرة، ثم قيام، وقد هبت مصر قليلا وزمجرت، ليدرك العالم ما تستطيع أن تفعل في لحظة من اللحظات، فلا ينخدع أحد في هدوئها وسكونها، وكانت يدها التي بدرت منها حركة اليقظة هي جيشها المقدام بصيحة رئيسها الوطني بالقيام. سوف تذكر مصر في تاريخها هذه اللحظة بالشكر والفخر. نعم عبرنا الهزيمة في الروح. وشعرنا أنه قد حدث ويحدث في داخلنا شئ، لقد كان جو الهزيمة جو سجن واختناق والآن نحن نتنفس هواء نقيا، هواء الحرية والانطلاق، وهذا هو المعني الحقيقي للانتصار"


نجيب محفوظ

أما نجيب محفوظ والتي كانت حرب أكتوبر في رأيي أحد الدوافع التي لفتت أنظار العالم إلي أدبه وفنه الروائي مما جعله يحصل علي جائزة نوبل في الأدب عام 1988 أي بعد خمسة عشر عاما من انتصار أكتوبر المجيد. فإنه انفعل تماما بالمعركة الكبرى التي ردت الروح إلي الجسم الخامد الساكن فكتب يقول: "ردت الروح بعد معاناة طعم الموت ست سنوات رأيت المصري خلالها يسير في الأسواق مرتديا قناع الذل، يثرثر ولا يتكلم، يقطب بلا كبرياء، يضحك بلا سرورن يتعامل مع المكان وهو غريب، ويساير الزمان بلا مستقبل، من حوله عرب متقاربون وقلوبهم شتي، وأصدقاء من العالم يصطفون عليه بإشفاق لا يخلو من زراية، وعدونا يعربد بأسرنا في السماء، يتحدانا علي الأرض، ضربة في سوريا، لطمة في لبنان، وأسأل النفس الحزينة ما العمل؟ ما المصير؟ القتال منا يقال محال والاستسلام محال، والاستنزاف لا يتوقف، ثم ردت الروح بعد معاناة الموت ست سنوات، روح مصر تنطلق بلا توقع، تتعملق وتحلق بلا مقدمات، تتجسد في الجنود، بعد أن تجسدت في قلب ابن من أبر أبنائها تقمص في لحظة من الزمان عصارة أرواح الشهداء العظام من زعمائها وأتخذ قراره ووجه ضربته فإلي الأمام.. ومهما تكن العواقب فقد ردت إلينا الروح والعصر والمستقبل".

لقد لجأ الروائي الكبير إلي كتابة المقالات القصيرة المتتابعة تحت عنوان دروس أكتوبر، ولم يكتب كما عودنا قصصه القصيرة الجميلة أو حواراته، ولا نقول رواياته لما نعرفه من صعوبة كتابة الروايات بسرعة ونحن نعلم أن الرواية تستغرق من نجيب محفوظ عاما كاملا بين كتابة ومراجعة، فكأن نجيب محفوظ يبرهن لنا بمقالاته علي صعوبة التعبير الفني والأدبي الفوري خلال اندلاع المعركة.


نزار القبانى

وعلي الجبهة السورية لم يكتب نزار قباني شاعر سوريا وشاعر العربية شعرا ولا قصيدا لأن العمل الأدبي علي حد قوله بطبيعته يحتاج إلي حد أدني من الصبر والنضج والتخمر، بينما لا تحتاج الرصاصة إلا للمسة أصبع تنطلق من ماسورتها ومن هنا يتضح أن منطلق المدفع يختلف عن منطلق الكلمة والقصيدة والجملة والحرف.

لذلك كتب نزار قباني نثرا أقرب ما يكون إلي الشعر والصورة الشعرية: "قبل السادس من أكتوبر 1973 كانت صورتي مشوشة وغائمة وقبيحة، كانت عيناي مغارتين تقشش فيهما الوطاويط والعناكب، وكان فمي خليجا مليئا بحطام المراكب الغارقة، وكانت علامتي الغارقة المسجلة في جواز سفري هي أنني أحمل علي جبيني ندبة عميقة اسمها حزيران، أما عمري في جواز سفري القديم.. فقد كان مشطوبا لأن العالم كان يعتبرني بلا عمر.. واليوم (6 أكتوبر 1973)، يبدأ عمري.. واليوم فقط.. ذهبت إلي مديرية الأحوال المدنية، وأريتهم صك ولادتي التي حدثت في مستشفي عسكري نقال.. يتحرك مع المقاتلين في سيناء والجولان، فاعتبروني طفلا شرعيا. وسجلوني في دفتر مواليد الوطن، لا تستغربوا كلامي، فأنا ولدت تحت الطوافات، والجسور العائمة التي علقها مهندسوا الجيش المصري علي كتف الضفة الشرقية وخرجت من أسنان المجنزرات السورية التي كانت تقرقش الصخور في مرتفعات الجولان، اعترف لكم بأن ولادتي كانت صعبة"


محمود درويش



ومن داخل الأرض المحتلة، ودوران المعارك علي أشده ترك محمود درويش الشعر وأتجه هو أيضا النثر الحواري وهو الخبير بانعكاسات الحرب داخل إسرائيل، كشاعر عربي عاش حياته كلها حتي وقت قريب داخل اللعبة الإسرائيلية وأيقن أن كل انتصار إسرائيلي هو انتماء إسرائيلي أيضا ومسادة يهودية، وقد عبر محمود درويش عن مشاعره الجياشة في حواريه قصيرة مع سجانه اليهودي في حيفا، حواريه فيها خيال الشاعر وإبداع الفنان وثقة الانسان العربي وصلابته التي استمدها من معركة أكتوبر المجيدة كتب محمود درويش: "يحدث هذا.. يحدث هذا أحيانا، يحدث هذا الآن: أن تركب حصانا في زنزانة وتسافر.. يحدث أن تسقط جدران الزنزانة، وتصير آفاقا لا حدود لها:


- ماذا فعلت بالحائط؟


- أعدته إلي الصخور.


- وماذا فعلت بالسقف؟


- حولته إلي سرج


- وماذا فعلت بالقيد؟


- حولته إلي قلم.


غضب السجان، ووضع حدا للمناقشة، قال إنه لا يحب الشعر، ثم أغلق باب الزنزانة. عاد إلي في الصباح.. وصاح:

- من أين هذا الماء؟


- من النيل


- من أين هذا الشجر؟


- من بساتين دمشق.


- من أين هذه الموسيقي؟


- من قلبي


غضب الحارس.. ووضع حدا للمناقشة، قال أنه لا يحب الشعر، ثم اغلق الزنزانة، وعاد في المساء:


- من أين هذا القمر؟


- من ليالي بغداد.


- من أين هذا الكأس؟


- من كروم الجزائر.


- ومن أين هذه الحرية؟


- من القيد الذي وضعته في يدي أمس.


صار السجان حزينا.. ورجاني أن أمنحه حريته".


تلك كانت أحاسيس كبار الأدباء بعيدا عن إبداعات القصة والرواية والمسرحية لم تعبر عنها سوي كلمات قليلة مقطرة ذات دلالة عالية الإيقاع والتأويل. إن الأدب صورة للواقع الإنساني وهو فعل حياة ووجود متكامل يستمد مقوماته من جماع فعل الإنسان فيها، ومن جماع رؤية الكاتب لهذا الفعل الإنساني في ماضيه وحاضره ومستقبله إن أدب الحرب وأدب المعارك هو جزء لا يتجزأ من الأدب الإنساني علي إطلاقه. وفي أكتوبر 1973 قامت الحرب وأرتبط الفعل الإنساني بالأدب الإنساني في إبداع قد يكون استجابة عفوية للحدث العظيم الذي كلل بالنصر. إلا أن عفويته جاءت تسجيلية وتصويرية تعبر عن المناسبة التي عبرت عنها ولعل رواية إسماعيل ولي الدين: "أيام من أكتوبر" والتي نشرت في الملحق الأسبوعي لمجلة الثقافة في 14 ديسمبر 1973 هي خير مثال علي ذلك ثم جاءت رواية "المصير" لحسن محسب ورواية مصطفي وشاحي "الحب في أرض القمر"


حنا مينا

أما القصة القصيرة فقد انعكس إنتاجها علي أدب حرب أكتوبر من خلال ثلاث مجموعات قصصية صدرت عقب الحرب مباشرة هي "حكايات الغريب" لجمال الغيطاني و"من يذكر تلك الأيام لحنا مينا ونجاح العطار ومجموعة "قصص الدم والرصاص" لعبد الفتاح رزق، أما القصص التي كتبت من وحي روح أكتوبر هي مجموعة مشتركة بعنوان "من وحي أكتوبر" لصلاح إبراهيم السيد وعزيزة صادق وبعض قصص مجموعة "حكايات الحب اليومية" للدكتور نعيم عطية.

والملاحظ في قصص اسماعيل ولي الدين والغيطاني وحنا مينا ونجاح العطار هذا التفاوت في التناول من ناحية الشكل والبناء الفني والتمرس في الكتابة القصصية يظهر ذلك واضحا في هذه القصص التي أحرزتها ظروف المعارك والاستجابة التلقائية لكتابها حيث نجد أن قصة اسماعيل ولي الدين "أيام من أكتوبر"هي أقرب إلي العمل الإعلامي منها إلي القصة وهو يحاول اتخاذ شكل القصة المطولة لتصوير انعكاسات أحداث المعركة طوال أيام حدوثها وتأكيد ما هو معروف للجميع من أن فكر يونيو لم يكن هزيمة حقيقية لأننا لم نحارب ولم نستعد للحرب، لذلك هزمنا قبل أن نحارب، أما قصص جمال الغيطاني وقد كان يعمل مراسلا حربيا أثناء المعركة وقبلها لذا جاءت أعماله تحمل كثير من الصدق الفني المتوقع من كتاباته في مثل هذه الظروف، وفي مجموعة "حكايات الغريب" لجمال الغيطاني تتراوح القصص بين القصة القصيرة والقصة الطويلة القصيرة وتشكل رؤية لأحداث حرب أكتوبر علي المستويين العسكري والمدني، فنطالع أحداث الحرب من خلال الشخوص العسكرية وأيضا المدنية،والناس في قصص الغيطاني عاديون بسطاء صناع وفقراء كادحون، ومع ذلك فهم يبدون المقاومة البطولية وأعمال الفداء ببساطة، فنري كيف يكتشف هؤلاء الناس البسطاء ذواتهم، وكيف تظهر طاقاتهم الخلاقة خلال أحداث الحرب، وقد أتاح عمل الأديب الصحفي كمراسل حربي، فرصة الاقتراب من الحرب ورجالها ومواقفها والتعايش معها والاقتراب من مواقفها الساخنة والمتوترة بها ومن هنا أفادت الصحافة عمله الأدبي وأثرته وزودته بالخبرات الواقعية لعالم الحرب، كما ساعده عمله الصحفي أيضا علي الإيجاز في العبارة والتبسيط في اللغة فنحن لا نطالع عبارات فخمة أو صياغة لغوية تحفل بالصنعة ولكن نطالع لغة أقرب إلي أسلوب التحقيق الصحفي البسيط، غير أن الفن والجمال يظهران في تركيب الجمل الثرية بالصور، ومن خلال تدفق هذه الصور تتشكل قصص المجموعة بمهارة وبساطة ودون تصنع أو أفتعال.


جمال الغيطانى


وقد أهدي الغيطاني قصص المجموعة إلي الشهيد "إبراهيم الرفاعي" من قادة القوات الخاصة، وقد كتب الغيطاني من خلال قصة هذا الشهيد الذي خاض حروب 1956، 1967 والاستنزاف واقتحام سيناء حتي استشهاده في معارك أكتوبر العظيمة دفاعا عن الإسماعيلية ثلاث أشكال أدبية، الأولي واقعية في شكل معلومات صحفية والثانية علي هيئة قصص قصيرة طويلة (39 صفحة) بعنوان "أجزاء من سيرة عبد الله القلعاوي" والثالثة رواية طويلة بعنوان "الرفاعي" وفي قصته القصيرة احتفظ الغيطاني بمعظم المعلومات عن شخصية الشهيد البطل، وأضاف إليها حداثة الشكل الفني والمهارة في تركيب المعلومات وتوظيفها توظيفا فنيا جريئا، فقد كتبت من خلال عدة رؤي لزملاء الشهيد وجنوده وزوجته. وضربت القصة في عدة أزمنة وأمكنة لتعرض لنا معارك البطل وجسارته القتالية وسلوكه البسيط كانسان عادي يتحرق شوقا لتحرير بلاده والثأر من العدو بسلاحه ووعيه وإيمانه تعبيرات الانسان المصري غير المحدودة. وتقدم قصة "أجزاء من سيرة عبد الله القلعاوي" نموذجا فذا لبطل من أبطال القوات الخاصة في معارك حرب أكتوبر ويقوم المعمار الفني لهذه القصة علي تنوير شخصية عبد الله القلعاوي وإضاءة حياته وبطولاته المتعددة خلال المعارك والمهام القتالية التي قام بها فتطالع معارك البطل التي قام بها في الماضي والحاضر، ونتعرف علي ترجمة كاملة لحياته، وعلاقاته الانسانية وقصة حبه وزواجه وأسرته ورؤيته وأسلوب حياته وسلوكه المتسم بالبطولة والوعي والقوة.

أما المجموعة التي كتبها الأديبين السوريين "حنا مينا ونجاح العطار" التي أصبحت بعد ذلك وزيرة الثقافة السورية وهي مجموعة "من يذكر تلك الأيام" وقد عبرت المجموعة عن واقع حرب "تشرين" أكتوبر المجيد التحريرية، وكان قصص المجموعة عبارة عن لوحات قصصية تسجيلية "نتاج واقع وذات في آن واحد" ففي قصة "السمكة الطائرة" التي اشترك الكاتبان في كتابتها وهي تجربة جديدة في مجال الصحافة العربية للقصة القصيرة، لأن الكاتبين يتبادلان القص والتسجيل والرؤية من زوايا متعددة، وتصور قصة معارك الطيران العربي السوري خلال حرب أكتوبر من خلال وصف تسجيلي لتلك المعارك الجوية الرائعة علي لسان بطلها الطيار "أ.ح" الذي اسقط خمسا من طائرات الفانتوم المعادية وأثنين من طائرات الميراج، وأصيبت طائرته المقاتلة في معارك مرصد جبل الشيخ الرهيبة في الجو وعلي قمم ذلك الجبل المهيب.

والشخصية في قصة "السمكة الطائرة" مثلها تماما في قصة "أجزاء من سيرة عبد الله القلعاوي" لجمال الغيطاني، شخص عادي وابن من أبناء الأمة لا يتمتع بقوي خارقة، ولا يملك سوي الوعي بقضيته والإصرار علي الانتصار علي العدو وتحرير تراب أرضه المستعمرة منذ 5 يونيو 1967، أما المضمون الإجتماعي فقد جاء من خلال انحداره عن أب فلاح مناضل هو الآخر قتل دفاعاً عن الأرض أثناء اشتراكه في مظاهرة تطالب بحقوق الفلاحين في أراضيهم، وقد أسهمت هذه الحادثة الهامة في تشكيل فكر شخصية بطل القصة ووعيه السياسي والاجتماعي، وكان عمر الابن آنذاك ستة أعوام، ومن جراح أبيه تفتحت في نفسه ستة جروحعبرت عن الواقع ومأساة الفقد واليتم ومحاكاته القادمة مع الحياة واستعداده الذي لابد أن يكون لمجابهة الواقع بكل ما فيه من مجهول مظلم ، وهكذا عرف قيمة الأرض، هكذا تبرر القصة وتمهد للتحول في فكر البطل الطيار وتشكيل وعيه السسياسي، وتقرن ذلك وتربطه بالتكوين الذاتي للبطل في حبه للطائرات وارتباطه بعالمها الفني والشكلي حتي صار يسبح بطائرته الخيالية في أحلام اليقظة قبل أن يلتحق فعلاً بسلاح الطيران، وهنا تنساب القصة بشاعرية لتصوره طفلاً يركض وراء الفراشات ويصطاد العصافير، ويصنع طائرات الورق والحيطان ويتسلق الأشجار، هذا هو البطل كما جسدته القصة طفلاً حالماً وصبياً يافعاً، حتي جاءت حرب "تشرين" فتفجرت كل مكوناته الاجتماعية والذاتية وتحققت كل أحلام الطيران والسباحة في الجو، والانقضاض البطولي علي طائرات العدو، والقتال المتكافئ في المهارة والفن، وتبرز في هذه القصة المشاعر القومية والرؤية الحادة لحرب أكتوبر وتحرير الأرض العربية، يقول البطل: " في اليوم العاشر من تشرين الأول كانت تجربتي القتالية الفعلية الأولي، كانت فوق بيروت وقد أحسست كما لو أنني أقاتل فوق دمشق، كل المدن العربية هي مدننا، وكل أجواء الأرض العربية أجواؤنا، وحيثما كنا فيها نقاتل بالمشاعر ذاتها، مشاعر العربي الذي يحمي أرضاً عربية ومواطنين عرباً هم أهله واخوته" ومن هنا تتصاعد درامياً وتتوتر رواية المعارك الجوية التي ترد علي لسان البطل وعن طريق الحوار المتبادل بينه وبين كاتبي القصة "حنا مينا ونجاح العطار" وعبر وصف تسجيلي لأدق معارك الطيران العربي في القطر العربي السوري، كما عنيت القصة بتصوير مشاعر البطل الطيار قبل المعارك وخلال الاشتباكات العنيفة؛ تصويراً إنسانياً فهو يخاف ويقلق ويتوتر لكن كل ذلك يذوب في آتون القتال.

ولعل الرواية التى ارتبط أسمها بحرب أكتوبر على الساحة العربية، هى الرواية الناطقة بلسان الموقف الإنسانى الذى كان حدث الحرب هو محوره الأساسى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.


يوسف القعيد

وقد كانت الرواية المصرية أو الفلسطينية هى الناطقة بلسان أدب الحرب خاصة أدب المقاومة فى الأرض المحتلة، وقد حررت حرب أكتوبر السرد الروائي من عقاله، فانطلق يعبر عن أسئلة ظلت تدور فى الأذهان قرابة سبع سنوات هى مرحلة اللا سلم واللا حرب التي عاشتها الأمة العربية، وظهرت فى الساحة المصرية العديد من الأعمال السردية ارتبطت أحداثها وشخوصها بوقائع الحرب وإرهاصاتها، تتمثل فى أعمال جمال الغيطانى "الرفاعى"، يوسف القعيد "يحدث فى مصر الآن"، حلمى القاعود "أكتوبر حبى"، شحاته عزيز "بدر 73" و"سرى للغاية"، حسن محسب "المصير"، مجيد طوبيا "أبناء الصمت"، محمود الوردانى "نوبة رجوع"، محمد الراوى "عبر الليل نحو النهار"، ابراهيم عبد المجيد "قناديل البحر"، خيرى عبد الجواد "حرب أطاليا"، مختار السويفى "زرع النوى".

أما الأدب الفلسطيني (أدب المقاومة) فقد كانت درجة وعيه بأدب أكتوبر وتأثره بها تتمثل فى هذه الأعمال التي بلورت مراحل المقاومة قبل الحرب وأثنائها، فظهرت روايات "المجموعة 778" لتوفيق فياض، "الوقائع الغريبة فى اختفاء سعيد أبى النحس المتشائل" لأميل حبيبى.

ورغم ضخامة الإنجاز وروعة الحدث وعبقريته فإن رواية أكتوبر لم ترق لمستوى الحدث، ولم تتجاوز قامته المديدة، وربما يظهر الكاتب والنص الذي يصل إلى هذه القامة العتيدة فى تاريخ وطننا المعاصر، فلم تظهر رواية "الحرب والسلام" إلا بعد عشرات السنين من غزو نابليون لروسيا.

وكما كتب جورج لوكاتش عن علاقة الأدب بالوجود الاجتماعي وما ينتج عنه من مؤثرات ورؤى: "لا غنى لكل عمل أدبي كبير عن عرض أشخاص في تضاد شامل لعلاقاتهم بعضهم مع بعض ومع وجودهم الاجتماعي ومع معضلات هذا الوجود. إن مقدرة الشخصيات الأدبية على التعبير عن نظرتها إلى العالم فكرياً تؤلف جزءً مكوناً ضرورياً وهاماً من الترجمة الفنية للواقع".

لقد كان الأدب فى حرب أكتوبر سلاحاً مثل بقية الأسلحة، يؤصل اللحظة، ويعيش مسألة الحياة والموت، ويمزج الواقع بالخيال، ولكنه كان أولاً وأخيراً أدب حرب له رؤيته الخاصة ومؤثرا ته التي لا غنى عنها أبداً للإنسان العربي.



المراجع:


- أدب المعركة حرب 6 تشرين 73، أحمد محمد عطية، دار الجبل، بيروت1974


- أدب أكتوبر، أحمد محمد عطية، دار آتون، القاهرة 1979


- أدب الحرب، د.نجاح العطار وحنا مينه، دار الآداب 1976


- الثقافة، عدد خاص أكتوبر العظيم، العدد 13 أكتوبر 1974


- دراسات فى الواقعية، جورج لوكاتش، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة رواية حرب 73 لم تتخلق بعد (تحقيق) ما هو حس الوطن العربى، بيروت 1975
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد علام

مشرف سابق
لـــواء

مشرف سابق  لـــواء



الـبلد :
المزاج : كلنا من اجل مصر
التسجيل : 20/02/2010
عدد المساهمات : 12009
معدل النشاط : 11382
التقييم : 863
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: ((,,"أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ",,))   الثلاثاء 17 مايو 2011 - 16:07

لاتنسي ايضا رائعة يوسف السباعي " الرصاصة لاتزال في جيبي " والتي كتبها في اثناء حرب الاستنزاف بعنوان " رصاصة واحدة في جيبي " ثم حملت اسمها الحالي بعد معركة اكتوبر .

ولكني احب ان اهديك قصيدة نزار قباني عن حرب اكتوبر علي الجبهة المصرية :

(١)

تجمع مصر حروف اسمها الجميل..
وتعيد تطريزه على حواشي منديلها المبلل بالدموع
تكتبه، بالخط الكوفي العريض، على جدار النهار..
تسترده من قاع البحر..
وأسنان سمك القرش..
وحطام المراكب الغارقة..
تُلصق الميم إلى جانب الصاد..
وتُلصق الصاد إلى جانب الراء..
وفجأةً..
تتدلى من سقف العالم نجفةٌ من الزمرد الأخضر..
إسمها : مصر


(٢)

تستعيد مصر خاتمها من تحت الماء..
وتعيد تركيب الفيروزات الثلاث... التي سقطت من خاتمها، وهي تغسل يديها بماء قناة السويس في صيف عام ١٩٦٧
تمسح ما تراكم عليه من صدأ وحشائش بحرية..
وتعيده إلى مكانه في المتحف المصري فيطمئن التاريخ على نفسه..
وتطفو على مياه القمر..
زهرة لوتس إسمها مصر...

(٣)


ست سنوات .. ومصر تبحث عن خاتمها المسروق لجأت إلى الكهنة ، والعرافين ، وقارئي الغيب..
فأخبرها رئيس الكهنة أن خاتمها موجود في بطن حوت كبير .. كبير .. رأسه عند شواطئ فلوريدا ..وذيله في مياه إسرائيل..
ذهبت
إلى الوسطاء، وأصحاب الكرامات، وصانعي الحجابات، فأخبروها أن خاتمها
موجود في صندوق ملك الجان.. وأنه لن يعيده إليها إلا إذا رهنت لديه
أساورها ، ورهنت أطفالها ، وصامت سبعة أيام من كل أسبوع..

وصامت مصر ٢١٩٠ يوماً
وانتظرت ٢١٩٠ يوماً
وشحب وجهها ، ونقص وزنها، وسكنت عصافير الحزن عينيها الجميلتين..
واشتكت
مصر إلى الانتربول، وإلى محكمة العدل، وإلى القضاة ذوي البيروكات البيضاء
والمطارق الخشبية، فاكتشفت أن القضاة واللصوص يؤلفون شركة واحدة لسرقة
المجوهرات...

(٤)

تتعرف مصر على وجهها في مرايا سيناء..
تقرأ اسمها في كتاب الشهادة.. ومزامير العبور..
تقرؤه في فرح المغامرة، وأبجدية الإقتحام..
تقرؤه على معاطف الجنود المسافرين إلى الضفة الثانية للكبرياء..
تقرؤه في جراحهم المتلألئة تحت الشمس كأحجار الياقوت .. وحقول شقائق النعمان..
وتكتشف مصر صوتها في رصاص مقاتليها...
لا في حناجر مغنّيها..

(٥)

تضع مصر خاتمها الفاطمي في إصبع يدها اليسرى..
وتصبح عروساً..
يقطع القمر إجازته .. ويرقص كزوربا اليوناني في ميدان التحرير ..
تتبرع
أشجار القطن في الدلتا بكل أزهارها البيضاء لغزل طرحة العروس . تركب مآذن
الأزهر القطار السريع المتجه إلى الإسماعيلية لتبرم عقد الزواج.

يخرج الفراعنة نساء ورجالاً وأطفالاً من غرف نومهم في الأقصر وأسوان والكرنك ووادي الملوك ويرشّون مصر بماء الورد..
يبيع التلاميذ كتبهم الجامعية.. ويدفعون مهر العروس.
ينزل عمرو بن العاص عن حصانه، ويقدم للعروس عباءته وسيفه.. ويقرأ لها سورة الفتح..

(٦)

يا مصر..
بطاقة عرسك بيدي.
فهل تسمحين لي أن أمشط شعرك القادم من غابات الحزن..
وألثم يديك المحترقتين بالنار...
وأشيل ثوبك المثقوب برصاص البطولة؟.
هل تسمحين لي أن أكون شاهد الزفاف ؟
****
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

((,,"أدب أكتوبر بين الوعي والتاريخ",,))

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين