أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
khaybar

رائـــد
رائـــد



الـبلد :
التسجيل : 05/12/2007
عدد المساهمات : 947
معدل النشاط : 38
التقييم : 8
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين   الأربعاء 16 أبريل 2008 - 23:10

المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين



وقعت هذه الحادثة في أثناء حرب التحرير الجزائرية؛ إذ كانت ثمة قرية صغيرة وفقيرة لا تكاد تملك من أسباب الحياة إلا النزر اليسير، ورغم ذلك كانت كلما توفرت لها قطعة سلاح أو بعض طلقات البارود هاجمت قوات الاستعمار الفرنسي الرابضة علي مداخلها.. وفي كل مرة تفعل ذلك كانت تعاقب بحملة تأديب وحشية تقتل فيها قوات الاستعمار من يقع في أيديها من المقاومين وتخرب بيوت القرية وتفسد زرعها وتقتل ماشيتها نكاية وتنكيلا بها.. ورغم ذلك لم تتوقف القرية عن هذه العادة؛ مهاجمة القوات الاستعمارية كلما تيسر لها سلاح وبارود ولو كان قليلا وبدائيا.
استدعي قائد القوات الاستعمارية شيوخ ووجهاء القرية وأخذ يحاول إقناعهم بعدم جدوي ما يفعلون، وشرح لهم كيف أن موازين القوي ليست لصالحهم ومن ثمة فلا فائدة من هجماتهم، وكيف أن قواته من القوة بمكان لا تفلح معه طلقات البارود البدائية، وذكرهم بأن القرية طوال سنوات الهجوم البدائي هذه لم تتمكن ولو من قتل جندي واحد من قواته المستعمرة، وأن العقاب الذي تناله القرية والتنكيل الذي يقع بأهلها يحتم عليهم التفكير في جدوي هذا العبث!
أمام منطقية كلام القائد الفرنسي وقوة حجته لم يستطع وجهاء القرية سوي أن يطلبوا منه أن يمهلهم يوما أو يومين في الرد، وبعدها جاءوا اليه مسلمين بحجته مقرين بمنطقه؛ لكنهم رغم ذلك اعتذروا عن أنه ليس باستطاعتهم أن يوقفوا عادتهم في قتال الفرنسيين بكل بندقية قديمة يحصلون عليها أو بعضا من طلقات البارود تتوفر لهم.. سألهم القائد الاستعماري عن السبب متعجبا، فقالوا نخشي إن أوقفنا قتالكم أن تفسد تربية أبنائنا!!
روي لي تفاصيل هذه الواقعة الزعيم والمجاهد الجزائري الكبير السيد عبد الحميد مهري الأمين العام السابق لجبهة التحرير وأحد أبرز قادة حرب التحرير الجزائرية. كنت قد التقيت به في مؤتمر دولي عن (الأمة في قرن) نظمته مؤسسة خالد الحسن للدارسات والأبحاث في العاصمة المغربية الرباط، وكان من أقدار الله الطيبة أن يعرج حديثنا إلي خبرة حركة التحرر الجزائرية وأسباب عدم تدوينها ودراستها وما إذا كان من الممكن أن تستفيد منها الأمة في الوقت الراهن خاصة في قضية فلسطين التي افترق فيها المفاوضون عن المقاومين حتي وقع الصدام داخل حركة التحرر الوطني لشعب واحد.
عودة للواقعة التي رواها السيد عبد الحميد مهري؛ فوجهاء القرية رغم إقرارهم بغياب أي توازن للقوي وقناعتهم باستحالة تأثير أسلحتهم البدائية في ترسانة السلاح الفرنسي اعتبروا أنه لا مفر من الاستمرار في القتال والمقاومة لأن القضية أبعد من التأثير علي الأرض أو تغيير موازين القوي؛ بل هي تتمثل في أن التسليم بالأمر الواقع وما فيه من اختلال يتطلب تغييرا في منظومة القيم التي تربي ونشأ عليها الشعب الجزائري العربي المسلم؛ فهو يعني إسقاط فكرة المقاومة ومن ثم الإقرار بالهزيمة والانكسار وما يترتب عليه من قبول بالتبعية والذيلية والإقرار بمنطق الاستعمار وهو ما سيجر فسادا كبيرا علي الأبناء والأجيال الجديدة التي إن قبلت بالتعايش مع الاحتلال فستفقد نخوتها وما تربت عليه من أخلاق وشيم ترفض الخضوع.
الحق أن السيد عبد الحميد مهري فتح عيني علي أبعد من ذلك وهو ما يتصل بالانقطاع الذي جري في تجربة النضال والتحرر العربي والذي أدي بحركة تحرر ـ مثل فتح ـ لها وزنها ودورها التاريخي الي أن تفقد البوصلة وتضرب صفحا عن خبرات الآخرين فتدخل في تيه المفاوضات ولا تخرج منه بعد أن غرقت وأغرقت في بحر أوسلو وما جره ذلك من نكبة علي النضال الفلسطيني.
لن أذكر نص حديثي مع السيد عبد الحميد مهري إذ كان أقرب الي دردشة لم تسجل نظرا لطبيعة جلستنا التي كانت علي مقهي في الرباط نتابع منه مسيرة شعبية خرجت تساند أهل غزة.. ولكنني سأنقل هنا الأفكار الأساسية التي طرحها المجاهد الكبير وأراها تستحق من الزملاء الجزائريين أن يعودوا اليها مع الرجل بشيء من التفصيل والتوسع إضافة الي أنها تنبه إلي أهمية العودة الي خبرة حركة التحرير الجزائرية تدوينا ودرسا واستخلاصا للدروس.
في معرض ذكرياته التي رواها لي كان عبد الحميد مهري يقارن بين تجربتي النضال الجزائري والفلسطيني فيتوقف كثيرا عند ضرورة فهم العلاقة بين السلاح والسياسة في فعل التحرر ومن ثمة التوافق بين المقاومة والمفاوضة . فمن أهم مكتسبات الخبرة الجزائرية أن الجزائريين ظلوا قادرين علي إدارة علاقة تكامل بين المقاومة والمفاوضة دون أن يحدث تعارض بينهما أو تناقض ومن ثمة مواجهة كما جري في الحالة الفلسطينية التي انتهت الي معادلة صفرية لا بد أن يزول فيها أحد طرفي المعادلة: المقاومة أو المفاوضة!
مع تصاعد الثورة واضطرار دولة الاستعمار الفرنسية الي التفاوض مع قادتها، حسم قادة الثورة الجزائرية موقفهم سريعا وتلخص في رفض ربط المفاوضات بوقف القتال معتبرين أن السلاح هو ورقة من أوراق الضغط في التفاوض لا يجوز التخلي عنها بل هي أهم أوراق التفاوض فعلا، إذ لم يضطر العدو للتفاوض إلا تحت تأثيره ولن يقدم أي تنازلات إلا تحت وطأته.
روي لي السيد مهري أن الحكومة الفرنسية أرسلت لقادة حركة التحرر بتصورها للتفاوض معها وكان يتمثل في ثلاثة مطالب أو شروط هي بالترتيب: وقف القتال، ثم إجراء انتخابات بين الشعب الجزائري، ثم بدء التفاوض مع من يختارهم الشعب.. وقد قبل المقاومون بهذه المطالب لكن مع إعادة ترتيبها بحيث تكون: بدء المفاوضات مع قادة المقاومة، ثم إجراء الانتخابات لاختيار ممثلي الشعب الجزائري، والانتهاء بإيقاف القتال وفق اتفاقات محددة.
لقد رأت قيادة حركة المقاومة أن إيقاف القتال ليس فقط تضييعا لأقوي أوراقها في التفاوض بل وبداية لنقل المعركة داخل الصف الجزائري، فالقتال حق للشعب طالما وجد جندي مستعمر واحد علي أرضه، والتنازل عن ذلك هو لصالح العدو، والأخطر ـ وهو الخطوة التالية ـ أن يطلب من قادة المفاوضات التحكم في السلاح وضبطه باعتبار أنه لا يصح أن يتفاوضوا إلا بعد وقف القتال، ثم الانتقال الي ضرورة إلزام الجميع بوقفه لإتاحة فرصة للتفاوض تقريبا وهو ما جري مع الفلسطينيين!
مباشرة حسم الجزائريون موقفهم: التفاوض يكون منفصلا عن القتال، ووقف القتال هو رهن بتحقق مطالب المفاوضين، ودون ذلك لا التزام من المفاوضين بوقف القتال فضلا عن إلزام غير المفاوضين به..
قال الجزائريون وقتها ان الالتزام بوقف القتال أوالسعي لإلزام بقية الشعب به هو من مهام الدولة المستقلة وليس من مهام حركات التحرر، وطالما لم يقبل المحتل بالدولة الجزائرية ولم يقر بسيادتها علي أرضها فليس من حقه أن يطلب شيئا هو من مهام الدول ومما يطلب منها، وعليه فليس علي الحركة (جبهة التحرير) أي مسؤوليات تجاه المستعمر خاصة إذا كان ينظر اليها كحركة إرهابية!
وقرر قادة الثورة وقتها أنه من العبث أن تلزم حركة مقاومة نفسها بما تلتزم به الدول فتقدم ضمانات وتقوم بمهام هي من صميم مهام الدولة دون أن تكون لها صلاحيات هذه الدولة، وكان الدفع الذي يطرحونه في وجه مطالب سلطات الاحتلال الفرنسي: أننا ما زلنا حركة مقاومة ولسنا دولة حتي تلزمونا بتفاهمات واتفاقات لا تقع إلا بين الدول، خاصة وأنكم ما زلتم تنظرون الينا كحركة إرهابية.. اعترفوا بنا واعطونا الاستقلال ثم لنعقد اتفاقيات ملتزمة بيننا كدولتين يمكن أن نرعي فيها مصالحكم السياسية والاقتصادية بل والثقافية في الجزائر، ولكن جزائر ما بعد الاستقلال!
حاول الرئيس الفرنسي وقتها ـ شارل ديغول ـ التلاعب بالمقاومين فأعلن قبيل المفاوضات عن هدنة من جانب واحد التزمت فرنسا فيها بوقف القتال وأطلقت سراح عشرة آلاف أسير جزائري ونقلت قادة المقاومة من السجون إلي إقامات جبرية.. كل ذلك لدفع المقاومة الجزائرية لتبني فكرة وقف القتال لكنها أصرت علي موقفها فرفضت الهدنة من جانب واحد واعتبرتها كأن لم تكن بل وصعدّت في وتيرة القتال لتوصل رسالة أن التفاوض مسار منفصل تماما عن القتال وليس بديلا عنه.
وتوقف السيد عبد الحميد مهري في حديثه معي عند درس بالغ الأهمية في التجربة الجزائرية مفاده أن التفاوض هو آلية من آليات إنجاح المشروع الوطني وليس مقصدا في ذاته، ومن ثمة فلا بد من مرجعية نهائية للمفاوضات والتي يجب أن تتمثل في الدولة المستقلة. فقد حرص قادة الثورة الجزائرية قبل دخول المفاوضات علي إعداد وثيقة استراتيجية شاملة تؤكد أن المرجعية النهائية لهذه المفاوضات هي الدولة المستقلة وليس مجرد التفاوض.
فالتفاوض لمجرد التفاوض والتفاوض علي أي شيء وكل شيء والتفاوض في كل خطوة وحول كل جزئية هو عبث وتضييع لمشروع التحرر، ولا بد أن تتحدد المرجعية النهائية وهي الدولة المستقلة ذات السيادة ويكون التفاوض علي التفاصيل، وهو ما أصر عليه الجزائريون فنجوا من الضياع في متاهات التفاوض العبثي اللانهائي.
ومن دروس حركة التحرر الجزائرية التي حدثنا عنها السيد عبد الحميد مهري خطأ مقولة اننا كلما كنا معتدلين كلما قبل بنا الخصم (العدو) فتيسرت سبل حل الأزمة. رفض قادة الثورة الجزائرية هذه المقولة بل وعملوا علي الضد منها، ورفض فريق التفاوض تقديم نفسه كتيار معتدل في إزاء تيارات أخري متشددة يسعي إلي تحييدها وحصارها، ورفض فكرة المظهر المعتدل حتي علي المستوي الرمزي حتي إن السيد مهري قال ان فريق المفاوضين ظل طيلة ستة أشهر من المفاوضات يرفض مجرد السلام أو التصافح مع ممثلي الاستعمار الفرنسي علي طاولة المفاوضات!
من يتأمل خبرة حركة التحرر الجزائرية خاصة حين يرويها مجاهد بوزن السيد عبد الحميد مهري وتأثيره ومصداقيته يتعجب من هذا الانقطاع العجيب الذي وقع بين حركة التحرير الوطني الفلسطينية وبين مثيلتها الجزائرية علي الرغم من أن الجزائر احتضنتها حينا من الدهر ومن أرضها أعلن ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية!
لقد اختطت قيادة فتح مسارا بدا فيه أنه أهدرت تماما كل هذا التراث التحرري أو كأنها ما سمعت به أو عايشت من قاموا به زمنا.
مباشرة تعلق الثوار الفلسطينيون بالتفاوض واعتبروه في ذاته نصرا يجب الحفاظ عليه، وضيّعوا من أجله ورقة المقاومة، بل واعتبروا أن التفاوض والقتال ضدان لا يجتمعان، فتحركوا بكل قوة لوقف المقاومة وتجريد المقاومين ورفاق السلاح السابقين من أي شرعية حتي وقع المحذور وتواجه المقاومون والمفاوضون أبناء المشروع التحرري الواحد!
لقد آمن ثوار فتح السابقون بالتفاوض طريقا وحيدا لنصرة قضيتهم؛ التفاوض علي كل شيء وأي شيء وفي كل خطوة بل والتفاوض علي التفاوض ومن أجل التفاوض! دون مرجعية نهائية.. حتي خيار الدولة استبدل به سلطة حكم ذاتي ليس لها من الدولة إلا أعباؤها ومهامها وعصا غليظة تقطع بها ظهور أبناء وطنها دون أن تملك من أمرها شيئا!
ولأنها وضعت التفاوض في مواجهة المقاومة فقد تحول التفاوض من آلية غير مسلحة للمقاومة (الحرب بطرق دبلوماسية) الي أداة لضرب المقاومة وسحب غطاء الشرعية من المقاومين، خاصة بعدما أعلن المفاوضون أنفسهم وكلاء حصريين لحركة التحرر الفلسطيني!
ثم وجدنا حالة الاعتدال المجاني؛ سيل من القبلات والمجاملات والقفشات والصور التذكارية مع العدو حتي بدا المفاوض الفلسطيني كأنما هو مقاول يفاوض علي شراء قطعة أرض وليس مناضلا يجاهد لاسترداد أرضه من مغتصب!
من يـتأمل ما جري في مسلسل التفاوض الصهيوني الفلسطيني سيشعر أن قادة إسرائيل ربما كانوا أكثر وعيا بخبرة حركة التحرير الجزائرية من قادة حركة التحرير الفلسطينية.
ذكرت للسيد مهري ما قد يكون من تحفظ علي المقارنة بين تجربة الاستعمار في كل من الجزائر وفلسطين فرفضه بشدة وأكد أن طبيعة المشروع الاستعماري واحد في كل منهما، فالاستعمار الفرنسي ـ بعكس مثيله في تونس والمغرب مثلا ـ كان شاملا إحلاليا يري أن الجزائر ليست مستعمرة وإنما هي أراض فرنسية وراء البحار، ومن ثمة فقد قام بتفكيك هياكل الدولة في الجزائر تماما خاصة بعد فشل ثورة الأمير عبد القادر (1830ـ1847) وأعاد بناءها كجزء من الدولة الفرنسية، وهو ما كان من الصعب بل والمستحيل تكراره لاحقا فكان أن أبقي الاستعمار الفرنسي علي هياكل الدولة في تونس واكتفي بإخضاعها للإدارة الفرنسية، أما في المغرب فقد أبقي حتي علي هياكل المجتمع نفسه وتنظيماته مكتفيا بالسيطرة عليها من خارجها.
.. ثم إن الاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن مجرد حامية عسكرية بل زادت قواته عن 600 ألف جندي وكان له وضع قانوني دولي يقر بالجزائر كأرض فرنسية وكان له غطاء عسكري دولي من خلال حلف الناتو الذي تعامل مع الجزائر كأرض فرنسية.
أي أن حركة التحرير الجزائرية أعادت بناء الدولة من الصفر والمجتمع الجزائري تعرف علي فكرة الدولة من جديد إذ لم تكن لديه دولة من الأساس.
في عام 1930 احتفلت فرنسا بمئوية احتلالها للجزائر؛ أرض فرنسا فيما وراء البحار، كانت ثورات التحرير قد توقفت تماما لما يقرب من ربع قرن قضت فيها قوات الاستعمار علي كل بؤر المقاومة الفاعلة والمحتملة.. لكن بعد ربع قرن آخر وفي عام 1954 كانت الأجيال التي فتحت عيونها علي العيد المئوي لاحتلال بلادها هي نفسها التي قادت ثورة التحرير الجزائرية ونالت الاستقلال.


</FONT>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
khaybar

رائـــد
رائـــد



الـبلد :
التسجيل : 05/12/2007
عدد المساهمات : 947
معدل النشاط : 38
التقييم : 8
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين   الأربعاء 16 أبريل 2008 - 23:22

بعضهم يستعد للانفصال بالضفة الغربية


كان إجراء انتخابات مبكرة خيارا ما زالت الرئاسة الفلسطينية تكرر الدعوة اليه ضمن خيارات عديدة جري تداولها منذ وقت مبكر جدا للانقلاب علي نتائج الانتخابات التشريعية التي وضعت حماس في موقع الشريك في صنع القرار الوطني اوائل عام 2006، غير ان ما تناقلته وسائل اعلام خلال الاسبوع الماضي علي لسان معاونين كبار للرئيس محمود عباس، عن أن احتمال اللجوء الي هذا الخيار في الضفة الغربية فقط قبل انتهاء ولاية الرئيس اوائل العام المقبل بحجة عدم حدوث فراغ يعطي لحكومة الاحتلال الاسرائيلي ذريعة عدم وجود حكومة شرعية فلسطينية كمسوغ جديد للتنصل من توقيع اتفاق مع الجانب الفلسطيني، انما ينذر بمغامرة وطنية لها ابعاد خطيرة علي الوحدة الاقليمية بين قطاع غزة والضفة التي لم تتوقف الرئاسة عن اتهام حماس بتقويضها.
والمثير للاستغراب ان يجري تعويم خيار كهذا عبر وسائل اعلام الاحتلال في وقت لا توجد أي استراتيجية وطنية ولا أي قيادة فاعلة ولا أي اطار عمل واضح للمفاوضات ولا أي ضمانات دولية لنتائج أي اتفاق يتم التوصل اليه ولا أي مشاركة دولية في التفاوض، حيث ترك المفاوض الفلسطيني لرحمة اختلال ميزان القوة لصالح الاحتلال، ولا أي وقف للاستيطان ودون ان تعطي دولة الاحتلال للجانب الفلسطيني أي شيء.
ومما يثير الاستهجان اكثر ان توقيع اتفاق مع دولة الاحتلال، الذي يتخذ منه الدعاة لمغامرة كهذه ذريعة للاقدام علي مغامرتهم، يصبح مع كل يوم جديد ابعد من أي وقت مضي، بدليل تراجع كل اركان فريق التفاوض الفلسطيني عن تفاؤلهم السابق الذي بنوه علي وعد الرئيس الامريكي جورج بوش لهم باقامة دولة فلسطينية قبل انتها ولايته في كانون الثاني (يناير) المقبل نتيجة لانهيار عملية انابوليس التي يجمعون علي انها تتحطم الآن علي صخرة استشراء سرطان الاستيطان اليهودي خصوصا في بيت المقدس، بحيث اصبح المفاوض الفلسطيني اكثر تواضعا فيما يعد شعبه به، اذ تراجع المفاوض عن وعده بدولة بنهاية العام الحالي الي وعده باتفاق علي قضايا الوضع النهائي ، قبل ان يشكك الرئيس عباس في القاهرة اخيراً في احراز أي تقدم حتي لانجاز متواضع كهذا لم تتمخض لقاءاته الدورية كل اسبوعين مع رئيس وزراء حكومة الاحتلال ايهود اولمرت منذ ايار (مايو) المنصرم ولا الاجتماعات السرية لفريقه المفاوض (التي زادت علي 50 لقاء سريا غير اللقاءات العلنية حسب يديعوت احرونوت في 30 الشهر الماضي) عن كتابة حرف واحد فيه.
لماذا اذن التهافت علي اجراء انتخابات مبكرة بذريعة انقاذ اتفاق لن يتم، بعد ان تهافتت وانهارت كل المسوغات التي كانت الرئاسة تتذرع بها للتهافت عليه حتي لو كان تأبيد الانقسام الوطني ثمنا للوصول اليه؟ وهل يوجد أي تفسير مقنع لمواصلة اللهاث وراء هذا التهافت غير التورط في رهانات عقيمة علي الولايات المتحدة، تورط لم يعد اصحابه قادرين علي الانفكاك منه ويصرون علي الاستمرار فيه حد الانفلات بالضفة الغربية فقط وسلخها عن الجسم الوطني، في مغامرة سيكون تأبيد الانقسام الوطني حد الانفصال الاقليمي نتيجة مؤكدة لها، وكذلك توريط مصر في تحمل مسؤولية قطاع غزة كخيار لا مهرب منه في ظل الحصار المحكم الذي يفرضه الاحتلال علي القطاع، او تحويل المواجهة مع الاحتلال هناك الي مواجهة فلسطينية مصرية، وهو ما لا يخفي الاحتلال انه هدف يسعي اليه؟
سوغ مسؤول فلسطيني رفيع المستوي خيار اللجوء الي انتخابات تشريعية ورئاسية في الضفة الغربية فقط بالقول ان الاسرائيليين لن يعودوا قادرين علي القول انه لا يوجد احد يسلمون السلطة اليه اذ ستكون هناك حكومة منتخبة جديدة ، كما قال هذا المسؤول ليديعوت احرونوت الاسرائيلية مؤخراً، مضيفا ان اصلاح الاجهزة الامنية الفلسطينية يتقدم بوتيرة عالية لكي تكون هذه الاجهزة قادرة علي فرض النظام والامن في الضفة الغربية بنهاية العام كما يأمل مسؤولو سلطة الحكم الذاتي. ولم يفت هذا المسؤول تسويغ المغامرة الوطنية التي يحض عليها بمسؤولية حماس عنها لان الرئيس لن يكون امامه أي خيار غير الاعلان عن انتخابات رئاسية وتشريعية في الضفة الغربية... اذا لم تتراجع حماس عن الانقلاب !
لقد اصبح هذا الانقلاب قميص عثمان لكل موبقات شركاء السلام الموهوم ومسوغا لفشلهم، فوزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس علي سبيل المثال عندما سئلت في رام الله خلال زيارتها قبل الاخيرة اوائل الشهر المنصرم لماذا لم تحقق عملية انابوليس اية نتائج حملت المسؤولية لـ انقلاب حماس ، غاضة النظر عن حقيقة ان عملية انابوليس نفسها ما كان لها أن تنطلق اصلا لو لم يحدث ذلك الانقلاب ، ومتجاهلة كذلك الحقيقة الاهم وهي ان فشل عملية السلام واتفاقيات اوسلو المنبثقة عنها هو السبب الذي دفع الشعب الفلسطيني الي البحث عن بدائل لهما لدي حماس تحديدا مما اوصل الحركة الي الشرعية الفلسطينية التي يحاول الشريك الفلسطيني منذ ذلك الحين حرمانها واختطافها منها واحتكارها لنفسه، ليحاول البعض الان، بعد ان قاربت شرعية هذا الشريك علي الانتهاء، دفع الرئيس الي تجديدها بمغامرة غير محسوبة العواقب الوخيمة المترتبة عليها، فقط من اجل ان يبقي شريك فلسطيني في عربة سلام توقف محركها عن العمل منذ بدأت.
ان الذين انقلبوا علي الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني ما زالوا يجدون في الحسم العسكري الذي اضطرت حماس اليه في حزيران (يونيو) الماضي ذريعة لاتهامها بالانقلاب علي الرغم من تتالي انكشاف الأدلة علي تورطهم هم في الانقلاب عليها. فاذا كان التنسيق الامني طبقا لخطة تنيت (2001) حسب خريطة الطريق (2003) التي اعتمدها الشركاء الثلاثة في انابوليس (27/11/2007) غير كافية لاثبات التورط الفلسطيني في الانقلاب علي حماس، فقد جاءت لتثبت ذلك الوثائق السرية التي كشفتها مجلة فانيتي فير عن الخطة التي اقرتها ادارة بوش ونفذتها رايس ونائب مستشار الامن القومي الامريكي ايليوت ابرامز والجنرال كيث دايتون ومساعد وزيرة الخارجية ديفيد ولش (والرجال الثلاثة كانوا مرافقين لرايس في زياراتها جميعا تقريبا) وتخصيص ميزانية قدرها 86.4 مليون دولار لاشعال حرب اهلية فلسطينية للانقلاب علي الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني بالتنسيق مع اطراف محسوبة علي حركة فتح في سلطة الحكم الذاتي، واذا كان تقرير فانيتي فير لم يقنع البعض حتي الان بان البعض الفلسطيني متورط فعلا، فربما تقنعه تصريحات المبعوث السابق للجنة الرباعية الدولية جيمس وولفنسون لهيئة الاذاعة الاسترالية في الاول من الشهر الجاري عن القضية بين فتح وحماس اللتين اسماهما جناحي القيادة الفلسطينية .
قال وولفنسون: لقد ظهرت الحقيقة في الاسابيع القليلة الماضية بانه كان هناك قرار سياسي اتخذ دون علمي، دون علم احد بما كان ينبغي ان يكون في الاساس غزوا تقوم به قوات لفتح كان يجري تدريبها في مصر للدخول (الي القطاع) والاستيلاء علي غزة مضيفا ان السبب وراء اغلاق مكتبه الذي دفعه الي الاستقالة كان ان الولايات المتحدة واسرائيل، وليس حتي اسرائيل، بل الولايات المتحدة وفتح قد طبخوا صفقة للذهاب الي غزة وتنظيفها !
ان الدعوة الي انتخابات محصورة في الضفة الغربية ومقرونة باستمرار حصار قطاع غزة وسياسة عزل حماس التي حصدت اغلبية اصوات الناخبين في الانتخابات الاخيرة هو كلام حق يراد به باطل ولا يترك مجالا للمراقب سوي ان يستنتج بان الاهداف من هذه الدعوة هي نفسها المتوخاة من الانقلاب علي نتائج الانتخابات التي نقلت الحركة الي قلب الشرعية الفلسطينية التي ينكرونها عليها بحجة الانقلاب الذي يوجد اجماع وطني، في مقدمته حماس ذاتها، علي رفضه في الجوهر سواء أسمي انقلابا ام حسما عسكريا كاسلوب لحسم أي جدل وطني، لكن البادئ كان اظلم.
لذلك فان الاتحاد الاوروبي، المانح الاكبر لسلطة الحكم الذاتي، عندما تجتمع اللجنة المشتركة في الربيع الحالي، ينبغي ان يراجع سياسة دعمه لخطة الاصلاح الفلسطينية (2008 ـ 2010) التي اعتمدها مؤتمر المانحين في باريس التي تشمل دعم العملية الديمقراطية، والتي مولت انشاء لجنة الانتخابات المركزية لكي لا يكرر خطأه بتمويل سياسة القفز فوق نتائج الانتخابات الاخيرة عبر آلية تيم التي استبدلها الاتحاد بآلية بيجاس في شباط (فبراير) الماضي، لأن نتائج هذه السياسة كانت عكسية ومأساوية علي الشعب الفلسطيني وقضيته ووحدته الوطنية، وهذه الاخيرة شرط مسبق لنجاح اي عملية للسلام يقول الاتحاد الاوروبي انها الهدف الرئيسي لدوره القيادي في تمويل سلطة الحكم الذاتي، والا فان التمويل الاوروبي لن يكون اكثر من تمويل للانقسام الفلسطيني وهدر لأموال دافع الضرائب الاوروبي علي عملية لن تقود ابدا الي أي سلام، لانها لا تقوم علي اساس الوحدة الوطنية الفلسطينية واحترام خيارات الناخب الفلسطيني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: مواضيع عسكرية عامة - General Topics-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين