أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
maiser

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 23/01/2010
عدد المساهمات : 2756
معدل النشاط : 2797
التقييم : 132
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....   الجمعة 12 نوفمبر 2010 - 22:44

المقدمة


تحتوي أراضي كل دولة، ومسارح عملياتها، على مجموعة من الأهداف الحيوية، التي تختلف نوعاً وأهمية، وهي تشمل:

1. الأهداف الإستراتيجية، مثل العاصمة السياسية، ومراكز القيادة العليا، والمنشآت الصناعية المهمة، وكلها تؤثر تأثيراً بالغاً في قدرة الدولة على مواصلة الحرب. ويؤدي سقوطها أو تدميرها، إلى تغييرات جذرية في الموقفين، السياسي والعسكري معاً.

2. الأهداف العسكرية، ذات الاتصال المباشر بالعمليات الحربية، مثل مراكز القيادة والاتصالات، وتجمعات القتال للقوات البرية، والقواعد الجوية والبحرية، ومواقع الصواريخ العملياتية، والاحتياطيات الإستراتيجية والعملياتية، ومصانع الأسلحة، وما إلى ذلك، وكلها ذات تأثير مباشر في سير العمليات.

3. الأهداف الاقتصادية، وتتصل بالصناعة والزراعة، والنفط والتعدين ... إلخ. ويؤثر الموقف الاقتصادي في قدرة الدولة على مواصلة الحرب.

4. الأهداف السياسية، وتشمل المؤسسات الحكومية والإدارية، التي تُكوِّن البناء السياسي للدولة، وتنظّم الحياة اليومية للشعب، في شتى المجالات.

أولاً: مستويات وأسس الدفاع الجوي

1. مستويات الدفاع الجوي

أ. أقسام الدفاع الجوي

لقد قسم الدفاع الجوي، وفق معيار الارتباط وتنظيم قوى ووسائل الدفاع الجوي، إلى قسمين رئيسيين، وذلك بناء على نوع المهمة الموكولة إليه، والعمليات التي قد يكلف بها، ونوع المنطقة المدافع عنها. ويتكون كل قسم من شبكة متكاملة، من أسلحة الدفاع الجوي المختلفة، حسب متطلبات الدفاع المراد إنشاؤه. وهذان القسمان هما:

(1) دفاع جوي إقليمي

تؤمِّن وحداته الحماية الجوية للأهداف، الحيوية والإستراتيجية، في الدولة، كالمؤسسات العامة والمصانع والموانئ والمطارات والمدن ... إلخ. ويبنى الدفاع عن تلك المنشآت الوطنية المهمة، لأن إلحاق الضرر بها، يؤدي إلى اهتزاز الصمود الوطني، سواء من الناحية الاقتصادية أو النفسية. لذا، يجب أن يخطط الدفاع عن تلك المنشآت تخطيطاً دقيقاً ومتكاملاً، يحقق السيطرة على سماء المنطقة المدافع عنها، وذلك بصد الطائرات المغيرة، قبْل أن تقترب إلى مواقع، تهدد منها سلامة المنطقة. ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن يتهيأ لذلك النوع من الدفاع ما يلي:

(أ) أجهزة إنذار مبكر، تتمكن من اكتشاف الأهداف الجوية، على ارتفاعات مختلفة.

(ب) مركز قيادة وسيطرة، يتولى إدارة المعركة الجوية، وينسق جهود أسلحة الدفاع الجوي المختلفة (طائرات اعتراضية، صواريخ، مدفعية ... إلخ).

(ج) شبكة من أسلحة الدفاع الجوي، المختلفة المدى والارتفاع والكفاءة (صواريخ متوسطة المدى، صواريخ قصيرة المدى، مدفعية مضادّة).

(د) طائرات اعتراضية.

(2) دفاع جوي مسرح عمليات

ويعرف بـ"الدفاع الجوي التكتيكي"، على أساس أن الدفاع الجوي الإقليمي، يمثل الدفاع الجوي الإستراتيجي. كما يطلق عليه "الدفاع الجوي عن القوات في مسارح العمليات"، سواء برية أو بحرية. وهذا النوع من الدفاع تضطلع به وحدات الدفاع الجوي العضوية، والوحدات المساندة لها، لحماية التشكيلات الميدانية، ومناطق الإسناد والتجمع، ومراكز القيادات. ومصدر الخطر على هذه التشكيلات، يكمن في الطائرات ذات الارتفاع المنخفض، ومن أجل ذلك، فهو يُصمم تصميماً، يوفر لوحداته الخصائص التالية:

(أ) خفة الحركة.

(ب) الرؤية.

(ج) كثافة النيران.

(د) أجهزة تسديد دقيقة.

(هـ) الميدان الجيد للرمي.

ويقسم الدفاع الجوي عن القطاعات، عملياً، إلى نوعين هما:

1. الدفاع عن النقطة: ويقصد به تنظيم وإجراءات عمل الوسائل المضادّة، المعدَّة للاشتباك على مسافات قصيرة، وارتفاعات قليلة. ويستهدف حماية مساحات صغيرة من الأرض، تنتشر عليها القوات، من مستوى لواء أو كتيبة، أو حماية أهداف محددة، كالمطارات والموانئ، والمصانع ومحطات الرادار، والجسور وقواعد إطلاق الصواريخ م/ ط.

2. الدفاع عن المنطقة: ويقصد به تنظيم وإجراءات عمل الوسائل المضادّة، المعدَّة للاشتباك على مسافات متوسطة وارتفاعات متوسطة، كذلك. كما أنها تعمل، في بعض الأحيان، ضد الأهداف المحلّقة على ارتفاعات عالية، ومن مسافات تفوق المتوسطة. ويستهدف الدفاع عن المنطقة حماية أهداف أكبر، كمناطق انتشار الفرق والفيالق، والجيوش الميدانية، والقواعد الجوية الكبيرة، والمناطق الصناعية والمدن المهمة.



إن تقسيم الدفاع الجوي إلى دفاع جوي إقليمي ودفاع جوي تكتيكي، يعيبه كونه نظرياً، إلى حدٍّ ما. وذلك مرده إلى أن الدفاع الجوي عن الإقليم، يؤمن، في الوقت عينه، الدفاع الجوي عن القوات المنتشرة على هذا الإقليم (مسرح العمليات). كما أن الدفاع الجوي عن القوات مكمل، على مستوى ما، للدفاع الجوي عن أرض الإقليم. وعليه، يصعب التمييز بينهما، في بعض الأحيان. كما أن هناك تداخلاً وتكاملاً، بين الدفاع الجوي عن النقطة والدفاع الجوي عن المنطقة، كما هو الحال في الدفاع الإقليمي ودفاع مسرح العمليات.



ب. أنواع الدفاع الجوي

يمكن أن تضطلع وحدات أسلحة الدفاع الجوي بنوعين من الدفاع، وذلك وفق مكونات وخفة حركة العنصر المدافع عنه. هذان النوعان هما:

(1) الدفاع المتحرك

وفيه تستخدم وحدات الدفاع الجوي لحماية أهداف حساسة متحركة، مثل عناصر القتال، وعناصر الإسناد والقيادة والسيطرة، إذ توضع الأسلحة، البعيدة إلى متوسطة المدى، في موضع، يوفر التغطية للمنطقة، ككل. أما الأسلحة المتوسطة المدى، فتنتقل، على قفزات، كلما تقدمت وحدات الخط الأمامي. أما الأسلحة القصيرة المدى، فتوضع في الإسناد، مع عناصر المناورة الأمامية، وتواكب تحركاتها.

(2) الدفاع الثابت

وفيه تستخدم وحدات الدفاع الجوي لحماية نقاط أو مناطق حساسة ثابتة، مثل مراكز الإمداد والتموين، والمطارات والمدن، والقواعد الجوية والمنشآت الصناعية. وفيه توضع الأسلحة، البعيدة والمتوسطة المدى وضعاً، يتيح لها أن تعطي نيران متساوية، تقريباً، على أي اتجاه هجوم على هذه النقاط الحساسة، مع إمكانية التكثيف على طرق الاقتراب الأكثر احتمالاً. أما الأسلحة القصيرة المدى، فتكون مع أو بالقرب من النقطة الحساسة في وضع، يمكن جميع أسلحة الدفاع الجوي، قصيرة المدى، أن تشتبك، جميعها، مع الطائرات المهاجِمة، وذلك للتقليل من مشكلة التسديد. وتوضع الأسلحة، المتوسطة إلى البعيدة المدى، خارج النقطة الحساسة للمنطقة المدافع عنها لتوفير الاشتباك المبكر، وتكثيف النيران نحو اتجاهات الهجوم المحتملة أو غير المتوقعة.

قبْل اختتام الحديث عن أنواع الدفاع الجوي، يجب التنويه بأن المقصود بالدفاع المتحرك والدفاع الثابت، ليس كون السلاح مقصوراً أو ذاتي الحركة، كما قد يفهم. وإنما المقصود هو المهمة، التي تكلف بها وحدات وأسلحة الدفاع الجوي، هل هي هجوم أو انسحاب أو تحركات عسكرية وما شابهها في العمليات، التي تستلزم وتستوجب الحركة والدفاع عن نقاط حساسة، في وسط الإقليم، أو في المناطق الخلفية لمسرح العمليات، والتي تستوجب الثبات.

وفي جميع الأحوال، سواء كان "الدفاع الجوي عن نقطة"، أو عن منطقة، فلا بدّ أن يستوفي العناصر الأربعة الآتية:

1. أسلحة إيجابية.

2. عنصر إنذار.

3. مركز/ مراكز عمليات.

4. أجهزة/ منظومة اتصال.

مع اختلاف أعداد الأسلحة والمعدات وأنواعها، في كل حالة من الحالتين.

فعند تنظيم "الدفاع (م/ ط) المباشر عن نقطة"، تُستخدم عادة الأسلحة قصيرة المدى، مثل الصواريخ التي تُطلق من الكتف، من نوعَي ستينجر وستريلا Stinger, Strela، أو الصواريخ الخفيفة من نوع شبرال Chaparral، أو الرشاشات بأنواعها المختلفة.

وقد يُكتفَى بكتيبة مدفعية (م/ ط)، تعمل بالتسديد المكشوف. ويتوقف عدد ونوع الأسلحة والمعدات المُكلَّفة بالدفاع الجوي عن نقطة ما، على أسبقية الحماية لها ومعايير المفاضلة بين النقاط وعلى مساحة هذه النقطة، وأهميتها، وطبيعة الأرض المحيطة بها، وأبعاد التهديد الجوي ضدها.

أمّا الدفاع الجوي عن المنطقة، فإنه يعتمد على مجموعة كاملة من الأسلحة الإيجابية، وتشمل المقاتلات الاعتراضية، وعائلة متكاملة من صواريخ أرض ـ جو، والمدفعية المضادّة للطائرات. إضافة إلى شبكة استطلاع وإنذار، متكاملة، وخالية من الثغرات، وتُغطي كافة الارتفاعات. ويُقاد الدفاع الجوي عن المنطقة بوساطة شبكة متعددة المستويات، من مراكز العمليات. ويرتبط بعضها ببعض، عبْر منظومة اتصال شاملة.

2. أُسس بناء الدفاع الجوي عن المناطق والنقاط الحيوية

لا تختلف القواعد والمبادئ، الواجب إتباعها، والشروط اللازمة لبناء دفاع جوي فعّال، عن الأهداف الحيوية الكبيرة (دفاع منطقة)، عن تلك التي ينبغي مراعاتها، عند تنظيم الدفاع الجوي عن هدف حيوي صغير (دفاع نقطة)، وإنْ اختلف المستوى.

وقد أوضحت خبرة الحروب، التي جرت خلال العقود الثلاثة الماضية، ضرورة مراعاة الآتي، لنجاح عمليات الدفاع الجوي:

1. توافر معلومات عن المهمة، والأهداف الحيوية، والعدو الجوي، وقواتنا.

2. اختيار منظومة أسلحة الدفاع الملائمة.

3. تخطيط جيّد، يحقق تكامل الدفاع.

4. الاستعداد القتالي العالي للقوات (الجاهزية القتالية).

5. إجراءات كفيلة بحرمان العدو الجوي من تحقيق المفاجأة، وانتزاع المفاجأة منه (وتسمى المفاجأة المضادّة).

6. فاعلية الدفاع الجوي، وقدرته على الصمود في مواجَهة الهجمات الجوية المعادية.

7. تنفيذ مبدأ الحشد، بعد دراسة جيدة، على الرغم من محدودية الإمكانات.

8. المناورة، بصورها المختلفة، بما في ذلك المناورة الإلكترونية.

9. إعداد المقاتل إعداداً جيّداً.

10. توافر قيادات على مستوى عالٍ من الكفاءة.

ثانياً: المعلومات وأهميتها

تُعَدّ المعلومات، الوافية الدقيقة الموثوقة، في الدفاع الجوي، الضوء الذي ينير طريق النصر للقوات. أمّا غيابها، أو افتقادها الدقة، فيؤدي إلى كوارث مدمِّرة. وتشمل المعلومات، التي يحتاج إليها الدفاع الجوي، الآتي:

1. المهمة

تصدر المهمة، شفوياً أو تحريرياً، إلى القائد، المنوط به تنفيذها، وتُدعَّم بأمر عمليات مكتوب، ويحدد فيها عناصر تحليل المهمة والهدف أو الأهداف الحيوية، المقرر حمايتها من الهجوم الجوي، ووقت الاستعداد، وبعض المهام الفرعية. وعند تحليل المهمة يجب أن نضع في اعتبارنا النقاط التالية:

أ. الهدف النهائي للعملية التي ستتم مساندتها.

ب. الواجبات الأساسية والضمنية، ودرجة المخاطرة المقبولة للمعدات، خاصة الثقيلة منها (كالباتريوت)، الهوك، الشاهين، المدفعية المضادة عيار (35 مم).

ج. جوانب القوة والضعف لكافة أنظمة الدفاع الجوي المستخدمة في الدفاع.

د. المهام المستقبلية المحتملة.

هـ. عدد ونوع المنشآت والمرافق الحيوية، أو الوحدات المراد الدفاع عنها وترتيبها ضمن جدول الأسبقيات.

و. تحديد أفضل توزيع لأسلحة الدفاع الجوي المكلفة بتنفيذ المهمة.

2. دراسة الأهداف الحيوية

تُجري القيادة العامة للقوات المسلحة (رئاسة هيئة الأركان العامة) دراسة مُوَسَّعة، لتحديد الأهداف الحيوية، تشترك فيها الوزارات، والهيئات المختلفة، وتستغرق فترة غير قصيرة، وتهدف إلى:

أ. حصْر جميع الأهداف الحيوية، في الدولة.

ب. توصيف هذه الأهداف ، وتحديد فئاتها.

ج. تحديد درجة أهمية كل هدف.

د. وضْع أسبقيات لها.

وتُراجَع هذه الدراسة، دورياً، لإضافة الجديد إليها، وتعديل الأسبقيات، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. عندما يتلقّى قائد الدفاع الجوي (عن الدولة، أو المنطقة الحيوية، أو الهدف الحيوي)، مهمته للدفاع عن هدف/أهداف حيوية، فإنه يبدأ، مع هيئة قيادته، في دراسة النقاط الآتية:

أ. نوع الهدف الحيوي (قاعدة جوية ـ قاعدة بحرية ـ مدينة ـ مصافي نفط ـ منطقة حشد للقوات ـ مصنع حربي ... إلخ).

ب. درجة أهمية الهدف الحيوي.

ج. أبعاده.

د. طبيعة الأرض المحيطة به، وصلاحيتها للدفاع.

هـ. موقعه، بعداً وقرباً، من جبهة القتال.

و. وضْعه، بالنسبة إلى منظومة الدفاع الجوي الأكبر.

ز. تشكيلات الدفاع الجوي المتعاونة.

ثم يخرج من هذه الدراسة بأفكار مبدئية، حول الآتي:

أ. عدد ونوع المعدات والأسلحة، اللازمة للدفاع عن هذه الأهداف الحيوية.

ب. خطة تمركز الوحدات، بما في ذلك المواقع الرئيسية والبديلة والهيكلية، ومراكز قيادتها الرئيسية والبديلة، ومنظومة الاتصال، وخطة الخداع ... إلخ.

ج. خطة الإنذار (مواقع الرادار، نوع الأجهزة في كل موقع، الدفاع م/ ط المباشر والدفاع المحلي لهذه المواقع، أسلوب إذاعة الإنذار، ومستوياته ... إلخ).

ثم يُعيد القائد، وهيئة قيادته، الدراسة، مرَّة ثانية، من وجهة نظر العدو. على أساس من المعرفة العميقة، الشاملة، بكل ما يتعلق بالعدو، الذي سيواجهونه. وتهدف الدراسة، في هذه المرَّة، إلى تحديد مجموعة من العوامل، تشمل الآتي:

أ. عدد الطائرات، التي ستهاجم الهدف الحيوي، في موجات الهجوم المختلفة.

ب. تشكيل الهجوم.

ج. اتجاهات الاقتراب المحتمَلة.

د. الأهداف الحيوية الفرعية، التي سيهاجمها العدو.

هـ. الأسلحة المستخدمة في الهجوم.

و. الاستطلاع الإلكتروني، والإعاقة الإلكترونية المعادية.

ز. توقيت الهجوم المحتمَل.

مثال على ذلك: إذا كُلِّف القائد بالدفاع عن قاعدة جوية رئيسية، قريبة من جبهة القتال، وتتمركز فيها قاذفات مقاتلة حديثة، فعليه أن يتوقع، ويحدد الآتي:

1. ستكون هذه القاعدة، ضمن أهداف الضربة الجوية الرئيسية الأولى، وإنها ستُهاجَم غير مرة.

2. سيراوح عدد الطائرات المعادية، في الهجمة الأولى، بين … و... وفي الهجمات التالية … … (بناء على حساب إمكانات العدو).

3. طرق الاقتراب المحتمَلة، هي، بالترتيب، كالآتي ... ، ... ، ... .

4. سيشمل تشكيل الهجوم، الآتي:

5. مجموعة إسكات، لقصف مواقع الدفاع الجوي عن القاعدة، وتستخدم الصواريخ المضادّة للإشعاع، من نوع ....

6. مجموعة قصف الهدف الحيوي، لتدمير مدارج الطيران، ودشم الطائرات، ومركز القيادة. وتستخدم الأسلحة الآتية ... ، ... .

7. مجموعة الحراسة، وتتكون من المقاتلات الاعتراضية، لحماية طائرات الهجوم من تدخل المقاتلات الاعتراضية.

8. مجموعة الإعاقة الإلكترونية ، وتشمل طائرات من نوع ... ونوع ... وتُوجَّه إعاقة إلكترونية إيجابية ... وسلبية ....

9. طائرات استطلاع إلكتروني، وتحلِّق ... .

10. طائرات قيادة وسيطرة، لإدارة عملية الهجوم الجوي.

11. طائرات الهجوم مجهَّزة بمعدات تحذير ضد صواريخ الدفاع الجوي، ومزوَّدة بمعدات إعاقة إلكترونية سلبية، من نوع ... وإيجابية ... .

12. أساليب الهجوم، ومسافات إطلاق الأسلحة المتوقَّعة، هي ... .

ومن المفضل، أن تضع القيادة غير سيناريو للأحداث، وبعد مناقشتها، تتضح المهمة تماماً. ويمكن أن تتبلور الخطة، التي تحقِّق دفاعاً جوياً فعالاً، إذا روعيت فيها القواعد والمبادئ، التي ستذكَر في هذه الدراسة.

3. معلومات عن العدو

تُمثل معرفة العدو، أول الطريق إلى هزيمته. فالدفاع الجوي يحتاج إلى معلومات، لأن يقاتل قوة ملموسة، لها أبعاد محددة. ولهذا، يجب أن يعرف عنها كل شيء.

وتتعاون أجهزة الاستخبارات، ووسائل الاستطلاع المختلفة، مع قوات الدفاع الجوي، على الحصول على المعلومات الآتية عن القوات الجوية المعادية:

أ. عدد الطائرات وأنواعها، وسرعتها، ومداها، ونسبة صلاحيتها للقتال.

ب. القواعد الجوية (عددها، وتمركزها، وتجهيزها، وبُعدها عن الحدود).

ج. عدد الطيارين، ومستواهم، وفئاتهم، وعدد الطلعات اليومية، التي يستطيع الطيار تنفيذها في يوم القتال الأول، والثاني، والثالث ... وهكذا.

د. ومن المعلومات السابقة، يمكِن تحديد عدد الطلعات الجوية المعادية المتوقّعة (كثافة الهجوم الجوي).

هـ. خُطط العدو، وأهداف الهجوم.

و. بإضافة هذه المعلومة، يمكِن توزيع عدد الطائرات المهاجمة على الأهداف الحيوية.

ز. تكتيكات العدو الجوي، وأساليبه للاقتراب. وبهذا، يمكِن استنتاج اتجاهات الاقتراب، وارتفاعاتها.

ح. أنواع الأسلحة، وكيفية إطلاقها، وقدراتها التدميرية، وتصميم كل سلاح، بالتفصيل، لمعرفة مَواطن قوّته، ونقاط ضعفه؛ وكل سلاح له نقاط ضعف، يمكِن استغلالها لشل فاعليته.

ط. معدات الحرب الإلكترونية، بالتفصيل، ومنها يمكن اتخاذ الإجراءات المضادّة، وتدريب القوات على مواجهتها، وتوجيه إعاقة إلكترونية، ضد الأجهزة الموجودة في الطائرات المعادية.

ي. اتصالات العدو بالدول والشركات المنتجة للطائرات ومعداتها، والأسلحة جو/أرض، جو/جو، والتعاقدات الجاري التفاوض في شأنها، أو تنفيذها.

ك. صناعة الطيران، والصناعات المتصلة بها، لدى العدو. وبهذا، يمكِن متابعة التطور في القوات الجوية المعادية.

ل. أساليب الهجوم الجوي بالأسلحة المختلفة، ضد الأهداف الحيوية. ويمكِن الحصول على هذه المعلومة من مراقبة تدريبات العدو اليومية، ومناوراته الجوية، وتحليل العمليات الجوية، التي يجريها في مختلف المواقع. ومن ذلك، يمكِن تصوُّر شكل الهجوم على الهدف أو الأهداف الحيوية، ووضْع الخطط الكفيلة بإحباطه، وتدريب القوات عليها.

م. إعادة تمركز الطائرات المعادية في القواعد المختلفة.

ن. أوضاع استعداد الطائرات، والوقت اللازم للإقلاع من كل وضع. وهو أحد المؤشرات، التي تساعد على تحديد نية الهجوم لدى العدو، والتوقيتات المتوقَّعة للبدء فيه.

س. أسلوب القيادة والسيطرة على العمليات من الأرض أو من طائرات أواكس AWACS.

ع. مراكز توجيه المقاتلات، ووسائله.

وتهدف دراسة العدو إلى الوصول إلى النتائج الآتية:

أ. وضع صورة أقرب ما تكون إلى الواقع، الذي سوف يواجِه الدفاع الجوي، في العمليات المقبِلة.

ب. تحديد المعدات والأسلحة الملائمة، كمّاً ونوعاً، وإعداد القوات الإعداد الملائم، وبناء تجميع الدفاع الجوي، القادر على صدّ الهجوم الجوي المعادي، واستنباط الأساليب الفاعلة لتحييد أسلحته.



ويصبح هذا كله بلا معنى، إنْ لم يُتابَع؛ حتى يمكِن تجديد هذه المعلومات بصفة مستمرة، وتطوير الخطط والأساليب المضادّة وفقاً لها. والواقع، أن المعلومات هي الأساس، الذي يُبنَى عليه القرار. والقرار الذي يُبنَى على معلومات غير محدثة، هو، بالتأكيد، قرار خاطئ، مهْما بُذِل فيه من جهد؛ فقد كان صالحاً لموقف سابق. ولكنه لا يتلاءم مع ما استجدّ من أمور؛ والعدو يطور إمكاناته بصفة مستمرة.

والخلاصة، أن العدو يجب أن يكون كتاباً مفتوحاً، مقروءاً، ومفهوماً، ومتجدداً بصفة مستمرة، أمام قادة ووحدات الدفاع الجوي.

ثالثاً: ملامح معركة الدفاع الجوي وموقف قواتنا

1. ملامح معركة الدفاع الجوي

تتّسم معركة الدفاع الجوي بمجموعة من الملامح الخاصة، من أهمها الآتي:

أ. قدرة العدو الجوية على مهاجَمة جميع الأهداف الحيوية في المنطقة المدافَع عنها، في وقت واحد، بعدد كبير من الطائرات.

ب. فاصل زمني محدود، بين الهجمة الجوية والأخرى. ولاسيما إذا كان لهذه الأهداف الحيوية، أهمية خاصة، من وجهة نظر العدو، مثل مواقع رادار الإنذار، في بداية العمليات، ومواقع صواريخ أرض/جو، وأرض/أرض، ومناطق حشد القوات البرية، التي تتأهب للهجوم، والجسور والمعابر، التي ستعبُر عليها، إذا كان هناك مانع مائي، يفصِل بين القوات المتحاربة والقواعد الجوية ... وما إلى ذلك.

ج. طرق اقتراب مفتوحة، من جميع الاتجاهات، أمام الطائرات المعادية، فقد يؤثِر العدو بعضها على الآخر. ولكن ليس هناك ما يمنعه من الاقتراب من أي منها. ومن ثَمّ، فعلى الدفاع الجوي، أن يتوقع الهجوم الجوي من كل الاتجاهات.

د. حرية العمل، على جميع الارتفاعات، متاحة للطائرات المعادية.

هـ. زمن إنذار محدود، لا يزيد على دقائق معدودة، في أحسن الأحوال. وحرمان وحدات الدفاع الجوي، استطراداً، من الوقت الكافي للاستعداد، على الرغم مما يحتاج إليه هذا الاستعداد من إجراءات كثيرة.

و. اعتماد العدو، بشكل موسَّع، على العديد من معدات الحرب الإلكترونية. وتشمل طائرات الاستطلاع الإلكتروني، وطائرات الإعاقة الإلكترونية، ومراكز حرب إلكترونية برِّية، وهي ذات إمكانات كبيرة، إضافة إلى ما تحمِله طائرات الهجوم من معدات إعاقة، رادارية وحرارية، بعضها إيجابي، وبعضها سلبي، وجميعها قادر على "إعماء" أجهزة استطلاع الدفاع الجوي، وتضليل النوعيات المختلفة من الصواريخ. كما تُجهَّز جميع طائرات القتال الحديثة، بأجهزة تحذير من صواريخ أرض / جو MAWS Missile Approach Warning System ، وأجهزة استقبال، لتنبّه الطيار عندما يدخل في نطاق الكشف الراداري للدفاع الجوي المعادي RWR Radar Warning Receiver وتعمل هذه الأجهزة، كذلك، على تحليل الطاقة الكهرومغناطيسية، التي تبثّها أجهزة رادار الدفاع، وتحدد خواصّها.

ز. تسليح متطور ومتنوع، للطائرات المهاجمة، قادر على إنزال خسائر كبيرة بالأهداف الحيوية، لو نجحت الطائرات في قصْفها.

ح. اشتراك أعداد كبيرة ومتنوعة من معدات الدفاع الجوي وأسلحته، في المعركة. وهو ما يحتاج إلى تنسيق جيّد بين هذه الأسلحة، وسيطرة حاسمة، وخدمات إدارية متنوعة، حتى يمكِن تحقيق أقصى عائد قتالي من هذه القوات.

ط. صعوبة اكتشاف الطائرات المهاجِمة، لِصِغر حجمها، وسرعتها العالية، وقدرتها على المناورة، ومهارة الطيار في الاستفادة من طبوغرافية الأرض، للاقتراب المستور.

ي. قِلة زمن الاشتباك، المتاح لسلاح الدفاع الجوي. فإذا كانت سرعة الطائرة المعادية 900 كم/ ساعة فقط، وكان مدى الصاروخ 15كم، فإن معركة الصاروخ مع هذه الطائرة، لا تستغرق سوى دقيقة واحدة. أما إذا كان الصاروخ أرض / جو قصير المدى (5 كم)، فإن زمن الاشتباك، المتاح له، لا يتجاوز 20 ثانية. وعليه في هذه الثواني القليلة، أن يُدمِّر الهدف.

2. إلمام شامل ودقيق بموقف قواتنا، ويشمل معلومات عن:

أ. عدد الوحدات

إن أول سؤال يتبادر إلى ذهن القائد هو: "هل يكفي عدد الوحدات الموجودة تحت إمرته، لبناء منظومة دفاع جوي، قادرة على مواجَهة كمّ الهجمات الجوية المتوقعة؟".

ومن البديهي أن الإجابة عن هذا السؤال، تعتمد، أساساً، على معرفة دقيقة، وشاملة، بالعدو الجوي، وتقدير سليم لأهمية الأهداف الحيويةـ المُكلَّف بالدفاع عنها ـ من وجهة نظره.

وإذا تبين للقائد أن ما لديه من وحدات الإنذار وصواريخ أرض/ جو والمدفعية م/ ط، هو غير كافٍ، فعليه أن يحدد مطالبه، ويرفعها إلى القيادة الأعلى.

وتكاد تُجمع كتب التاريخ على أن القائد، يخرج من هذه الدراسة، في العادة، وهو قلق من عدم كفاية ما لديه لتحقيق المهمة. ولكن عليه أن يضع في حسبانه أن لعدوه نقاط ضعفه هو الآخر، وأنه يعاني نقصاً في هذا المجال أو ذاك. ولقد عانت قوات التحالف، أثناء حرب تحرير الكويت، نقص الإمكانات، في بعض المجالات. وكان من أوضحها عدم كفاية أجهزة الاستطلاع، اللازمة لتحقيق اكتشاف وإنذار مبكر من صواريخ سكود Scud العراقية.

وعلى ذلك، فيجب ألاّ يتوقع القائد أن تلبى كل مطالبه؛ فهذا لا يحدث على أرض الواقع.

ب. نوعية الأسلحة والمعدات

يراجع القائد الخواصّ، الفنية والتكتيكية، لأسلحته ومعداته، مسترشداً في ذلك بالمواصفات المثالية المذكورة في هذه الدراسة، ونوعية الطائرات المعادية، وتسليحها، وتجهيزاتها الإلكترونية. وذلك بهدف التحديد الواقعي لإمكاناتها القتالية، ومعرفة ما بها من أوجُه الضعف.

وعادة ما يتضح من هذه الدراسة، أنه يمكِن إجراء بعض التعديلات، أو الإضافات، محلياً، بالإمكانات الذاتية، أو بمساعدة دول صديقة.

فعلى سبيل المثال، تمكَّن الدفاع الجوي المصري، قبل حرب أكتوبر 1973، من تعديل صواريخ سام-2 Sam-2 ، إذ أضاف إليها قدرات جديدة على الاشتباك بالطائرات، التي تحلِّق على ارتفاعات منخفضة نسبياً. وكان ذلك مفاجأة للطيران الإسرائيلي. كما جُهِّزت معدات الرادار والصواريخ بأجهزة Identification Friend or Foe IFF حديثة، مما كان له أثر إيجابي في سرعة ودقة تمييز الطائرات الصديقة من المعادية، ومَن ثمّ، سرعة استيضاح الموقف الجوي، أثناء القتال. وكذا، تأمين الطائرات الصديقة.

كما رُفِعت هوائيات بعض أجهزة الرادار على صوارٍ، ومن ثمّ ازداد مدى كشفها، وازدادت قدرتها على اكتشاف الطائرات، التي تُحلِّق قريباً من الأرض.

وهذه بعض الأمثلة التي توضح، أنه حتى الدول التي لا تصنع سلاحها، يمكِنها إجراء بعض التعديلات المهمة، التي ترفع من إمكاناتها القتالية بوضوح.

وعلاوة على ذلك، فإن معرفة عيوب الأسلحة والمعدات، تتيح الفرصة للتغلب عليها، سواء بالتخطيط الجيد، أو بابتكار وسائل استخدام وأساليب تكتيكية جديدة.

ج. الحالة الفنية للأسلحة والمعدات

تُعَدّ الحالة الفنية للأسلحة والمعدات (الصلاحية)، من أهم العوامل التي تُحَدِّد قدرة الوحدة على الاستمرار في القتال لفترات طويلة، من دون خلل أو أعطال. ولهذا، يدفع القائد بمجموعات من المهندسين إلى تقدير الحالة الفنية للوحدات، وإصلاح ما يمكِن إصلاحه داخل المواقع، ووضع خطة شاملة لرفع كفاءة جميع الوحدات، وتحديد ما يجب سحبه إلى الورش، من دون الإخلال بأوضاع (درجات) الاستعداد، المحدَّدة من القيادة الأعلى، مع مراعاة الوقت المتيسر لتنفيذ هذه الإجراءات.

د. الذخائر وقطع الغيار

يُقدِّر القائد كميات الذخائر التي يحتاج إليها، وكذلك أنواعها، بناءً على كثافة الهجوم الجوي المتوقع، ومعدل النيران لكل سلاح. كما يسحب قطع الغيار والأجزاء الاحتياطية، التي يحتاج إليها، بناءً على معدلات الاستهلاك، ومدى تعرّض هذه الأجزاء للإصابة والتدمير، (المعروف أن الهوائيات هي أكثر الأجزاء تعرّضاً للقصف).

وتُجري هذه الدراسة، عادة، القيادة الأعلى (قيادة قوات الدفاع الجوي)، واضعة في حسبانها الآتي:

(1) الكميات المتاحة.

(2) إمكانية الحصول على هذه الاحتياجات، قبْل الحرب وأثناءها، وسرعة الإمداد بها.

(3) معدلات الاستهلاك.

(4) مدة الحرب المتوقعة.

هـ. كفاءة القيادات والقوات

من البديهي، أن يكون القائد، وهيئة قيادته، على دراية بمستوى قادته المرؤوسين، وقياداته الفرعية، وقواته. ومع ذلك، فإن تقدير الموقف، الذي يجريه بعد استلام المهمة، يجب أن يشمل مراجعة دقيقة لمستوى هذه القوات. وأسرع طريقة لذلك، هي إعادة دراسة تقارير المشروعات التدريبية، التي نفذتها الوحدات، في الأشهر الأخيرة، والإجراءات التي اتُّخذت للتغلب على مشاكلها، وما حققته هذه الإجراءات من نجاح. ثم إجراء مشروع تدريبي اختباري للوحدات، لتقرير الموقف الحالي، بواقعية. ويجب أن تشمل هذه التدريبات تجهيزات مراكز القيادة، وشبكات القيادة والسيطرة، والإنذار، إضافة إلى مستوى القادة المرؤوسين، وقدرتهم على التصرف في المواقف القتالية الصعبة، وإجادتهم العمل في حالات "لامركزية" القيادة ذاتياً، عندما يتعذر الاتصال بالقيادة الأعلى، ومدى إلمامهم بإمكانات العدو وأساليبه وأسلحته. ومن البديهي، أن تشمل هذه الدراسة مستوى الجنود كذلك.

وبناءً على ذلك، توضع خطة لرفع المستوى، تشمل دورات تدريبية مُركّزة، تُنفَّذ محلياً، على مستوى الوحدة، أو التشكيل، وقد تُنفَّذ على مستوى أكبر، إذا احتاجت إلى إمكانات خارج قدرة التشكيل.

كما يدفع القائد بمجموعات إلى مراجعة موقف الوحدات، وتكون لها الصلاحية لحل مشاكل الوحدات المرؤوسة، من الفور.

و. إجراءات أخرى

ويشمل تقدير موقف قواتنا كذلك، مراجعة تشكيل القتال الحالي، من حيث كفاءة انتخاب المواقع، وقُدرة التحصينات على الصمود لأحدث ما لدى العدو من أسلحة، وتأمين المواقع البديلة، ومحاور التحرك، وإجراءات التأمين الفني، وخطة الإخفاء والخداع ونسَب استكمال الأفراد والأسلحة والمعدات.

ومن البديهي، أن يدرس القائد، وهيئة قيادته، خطة الدفاع الحاليةـ إن وُجدت ـ بما في ذلك خطة الإنذار، وخطة الدفاع ضد العدو البري، وتطويرها، إذا لزم الأمر.

رابعاً: اختيار منظومة أسلحة الدفاع الجوي الملائمة

لتحديد نوع السلاح الملائم، يدرس القائد، وهيئة قيادته، مجموعة من العوامل، من أهمها الآتي:

1. المستوى التقني

تطورت طائرات القتال تطوراً كبيراً، خلال العقود الثلاثة الأخيرة. ولكي يتمكّن السلاح المضادّ للطائرات، من مواجَهة هذا التطور، يجب أن يكون على المستوى عينه من التطور، وأن تتوافر له الإمكانات التالية:

أ. الاكتشاف والتتبّع الآليّان، لعدد كبير من الطائرات.

مثال: بطارية صواريخ باتريوت Patriot، يمكِنها تتبع 90 هدفاً، في وقت واحد.

ب. تقدير الموقف إلكترونياً، وتحديد أسبقية الاشتباك بالأهداف المعادية، وعدد الصواريخ، وطريقة التوجيه، بناءً على أهمية هذه الأهداف ومسافاتها، وزمن بقائها ... إلخ. وتُتاح هذه القدرة لكل منظومات الصواريخ الحديثة، تقريباً.

ج. قِصر زمن رد الفعل.

مثال: منظومة سكايجارد Skyguard المختلطة (صواريخ + مدفعية م/ ط)، زمن رد الفعل للصواريخ 8 ثوانٍ، وللمدافع 4.5 ثوانٍ.

د. معدل عالٍ من النيران، لوحدات الصواريخ.

مثال: منظومة صواريخ Chaparral الأمريكية، يمكِنها إطلاق صاروخ واحد، كل ثانية.

هـ. معدل عالٍ من النيران لوحدات المدفعية (م/ ط)، وتعدد سبطانات المدفع، وسرعة الدوران في الاتجاه والارتفاع.

و. قدرة على التعامل مع الأهداف شديدة السرعة. وهذا يتطلب درجة عالية من الآلية، باستخدام حواسب إلكترونية رقمية، ذات سَعة كبيرة، وسرعة أداء عالية.

ز. إمكانية الاشتباك بأكثر من هدف، في وقت واحد. وذلك من طريق تعدد قنوات التوجيه في وحدات الصواريخ Multi-Target Channel.

مثال: تستطيع بطارية صواريخ Patriot الاشتباك بتسع طائرات، في وقت واحد.

ح. دِقة عالية في توجيه صواريخ أرض/جو، وجو/جو. وأجهزة تسديد وإطلاق آلية، في وحدات المدفعية م/ ط، إضافة إلى سرعة ابتدائية عالية، وقوة تأثير ملائمة للمقذوف.

ط. احتواء جميع أسلحة الدفاع الجوي ومعداته على أجهـزة تعارف إلكترونية Identification Friend or Foe -IFF، لضمان سلامة طائراتنا، وعدم إصابتها بنيران الأسلحة الصديقة.

ي. استخدام الصواريخ الحديثة، التي تُوجَّه بالأشعة دون الحمراء، والتي يمكِنها الاشتباك بالطائرات، المقتربة والمبتعدة، على حدٍّ سواء .

مثال: الصاروخان الأمريكيان Chaparral وStinger، المعدَّلان.

وقد كان الاشتباك بهذا النوع من الصواريخ مقصوراً، في الماضي، على الأهداف المبتعدة فقط.

ك. قُدرة عالية على المناورة للصاروخ (المقذوف)، كي يتمكّن من ملاحقة الطائرات الحديثة، التي تستطيع المناورة بقدرة حوالي (18 g)

ل. استخدام الصواريخ الحديثة (إن أمكَن)، التي تُوجَّه بالأوامر، من دون وجود رؤية مباشرة، بين محطة التوجيه والهدف. وذلك، لوجود آلة تصوير تليفزيونية في مقدمة الصاروخ، واتصال مباشر بالألياف الضوئية مع محطة التوجيه.

مثال: الصاروخ الأمريكي Fibre Optic Guided Multi Purpose Missile FOG – MPM

م. درجة حساسية عالية جداً للمقذوف، حتى يمكِنه تدمير الطائرات صغيرة الحجم، الموجَّهة من بُعد.

ن. إمكانية الاشتباك، لفترات طويلة، من دون الحاجة إلى إعادة التعمير.

مثال: مركبة الصاروخ الأمريكي بليزرBlazer، التي تحوي 44 صاروخاً.

س. قُدرة على العمل، لفترات طويلة، في مختلف الظروف الجوية، ليلاً ونهاراً، من دون أعطال. وهو ما يُعبَّر عنه بمتوسط الزمن بين الأعطال MTBF - Mean Time Between Failures.

ع. قدرة المدافع م/ ط على الاشتباك بالأهداف الأرضية. وثمة أنظمة صواريخ ، حالياً، تتمتع بالقدرة نفسها.

مثال: منظومة صاروخ أداتس ADATS - Air Defence Anti-Tank System، المضادّة للصواريخ، وللدبابات أيضاً.

ف. استخدام رادارات مجهَّزة بحواسب إلكترونية، تعمل على توجيه الهوائيات آلياً، وذلك لضمان استمرار تتبُّع الأهداف السريعة، المناوِرة. أو باستخدام آلة التصوير التليفزيونية، المُركَّبة على الهوائي نفسه.

ص. تَوافر معدات التمييز بين الأهداف المتحركة والأهداف الثابتة، حتى يمكِن اكتشاف الطائرات المعادية، على الارتفاعات المنخفضة، ومراعاة تجهيز معدات قيادة النيران بذاكرة إلكترونية، تحتفظ بإحداثيات الهدف، حتى يمكِن الاستمرار في تَتبُّعه، في حالة اختفائه خلْف الهيئات الأرضية.

ق. اختيار الأسلحة، التي لا تحتاج إلى عدد كبير من الأفراد لتشغيلها.

ومن حُسن الحظ، أن أغلب هذه الشروط تتوافر في أسلحة الدفاع الجوي ومعداته الحديثة، المعروضة في أسواق السلاح.

2. القدرة على العمل في ظروف الحرب الإلكترونية (مقاومة الإعاقة الإلكترونية)

أصبحت الحرب الإلكترونية عنصراً رئيسياً، في أي عمليات جوية. وتبعاً لذلك، تنوعت المعدات والتكتيكات، التي تُستخدم لشل منظومات الدفاع الجوي.

ولأن الدفاع الجوي، يعتمد، أساساً، على المعدات الإلكترونية، لاكتشاف الطائرات المعادية وتتبُّعها، والحصول على معلوماتها، وتوجـيه الصواريخ، والمقاتلات وقيادة نيران المدفعية م/ ط، فقد أصبح من الضروري، أن يستخدم الأجهزة والوسائل الحديثة الآتية:

أ. أجهزة رادار قادرة على تغيير تردداتها، آلياً، لدى حدوث الإعاقة المعادية، وتشفير أوامر تشغيل الصاروخ.

ب. وسائل بديلة لاكتشاف الهدف وتتبُّعه (تليفزيون ـ أشعة تحت الحمراء ـ ليزر).

مثال: منظومة صاروخ Blazer، مزودَّة بآلة تصوير أمامية، تعمل بالأشعة تحت الحمراءFLIR - Forward Looking Infra - Red.

ج. أجهزة رادار من النوع أُحادي النبضة Mono – Pulse. وهذه تحقق درجة عالية من التحصين ضد الإعاقة والتشويش الإلكترونيين، علاوة على دِقة عالية في توجيه الصواريخ.

د. أساليب فنية جديدة لتوجيه الصاروخ، مثل طريقة التتبُّع عبْر صاروخ TVM Track – Via – Missile، المستخدمة في بطاريات Patriot . وتتغلب هذه الطريقة على الإعاقة الضوضائية عريضة النطاق، والإعاقة السلبية بالرقائق المعدنية.

هـ. أجهزة الاستشعار السلبية Passive Sensors (تستقبل فقط، ولكنها لا تشع، أي لا ترسل)، لمقاومة الصواريخ المضادّة للإشعاع ARM - Anti-Radiation Missile.

و. أجهزة الاستشعار، التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء.

ز. أجهزة لادار LADAR - Laser Detection And Ranging ، وهي أجهزة استشعار حديثة، تجمع بين الرادار والليزر. وتستخدم الموجات الضوئية، المنبعثة من الليزر، كمرسل من جهاز الرادار. أما المُستقبِل، فيعتمد على تقنية الكهروبصريات. وتتميز أجهزة لادار بالدّقة العالية، وعدم تعرّضه للإعاقة الإلكترونية (حتى الآن).

ح. المُستقبِلات (أجهزة الاستقبال) اللوغاريتمية. وهي ذات قدرات عالية على مقاومة أنواع مختلفة من الإعاقة.



ط. أجهزة التعارف IFF، التي تُوجِّه السؤال إلى طائرات محددة، بدلاً من الأجهزة الحالية، التي ترسل السؤال إلى جميع الطائرات، وتتعرض للتداخل والتشويش المعادي.

3. خفة الحركة

من البديهي، أن تتلاءم خفة حركة السلاح مع المهمة، التي يُكلَّف بها. فإذا كان مُكلَّفاً بحماية منطقة حيوية، أو هدف حيوي ثابت في العمق، مثل القواعد الجوية، أو المناطق الإدارية الرئيسية، فلا يلزم أن يكون سلاحاً ذاتي الحركة، ويكفي أن تتهيّأ له القدرة على إجراء المناورة، في زمن معقول. أما إذا كان السلاح مستخدماً مع وحدات المشاة الآلية، فيجب أن يكون السلاح محمَّلاً على عربات خفيفة. وإذا كُلِّف بوقاية وحدة مدرعة، فمن الضروري أن يُركَّب على مجنـزرة. وقد كان ذلك أحـد الدروس المستفـادة من حرب أكتوبر 1973، مثال: صواريخ سام ـ6، والكروتال.

وقد استوعبت مؤسسات الصناعات الحربية هذا الدرس ، ومن ثَمَّ، توسعت في إنتاج أسلحة الدفاع الجوي ومعداته ذاتية الحركة.

وعلاوة على ذلك، يُفضَّل أن تكون المعدات صغيرة الحجم، وأن يكون عدد مُكوِّنات وحدة النيران قليلاً. وهذا هو الاتجاه السائد في تصنيع الأسلحة الحديثة. فبطارية Patriot فيها جهاز رادار واحد، وعربة قيادة نيران واحدة، للسيطرة على ثمانية قواذف (32صاروخاً). بينما تحتوي بطارية هوك Hawk على خمسة أجهزة رادار وعربتين رئيسيتين، إضافة إلى ذيل إداري طويل. وتتكون البطارية من ستة قواذف، تحمل 18 صاروخاً فقط.

ويجب أن يتميز سلاح الدفاع الجوي بسرعة الاستعداد للاشتباك، أي سرعة التحول من وضْع الحركة إلى وضْع الإطلاق، ويفضل وجود نسبة من الأسلحة، قادرة على الاشتباك، أثناء التحرك.

ومن الضروري احتواء منظومة الدفاع الجوي على بعض الأسلحة والمعدات، التي يمكن نقْلها جواً، حتى تتمكّن القيادة من الاستجابة السريعة للمواقف المتغيرة.

4. مدى السلاح

يتوقف مدى سلاح الدفاع الجوي، على نوع المهمة، التي يُكلَّف بها. فإذا كان عليه أن يحمي تشكيلاً مدرعاً، أثناء التحرك ، فيجب أن يكون مداه أطول من مدى المقذوف المضادّ، إضافة إلى بُعد موقِع سلاح الدفاع الجوي عن الحدّ الأمامي للقوات.

مثال: إذا كان التشكيل المدرع، يتوقع هجوماً بصواريخ هيلفاير Hellfire، التي تُطلقها الطائرات العمودية، من مسافة 8 كم، وأن موقع وحدة الدفاع الجوي، سيكون خلْف الحد الأمامي للدفاعات، بمسافة 1 ـ 2 كم، فمن الضروري أن يكون مدى السلاح الجوي 9 كم، على الأقل.

وعلى كلٍ، فلا بدّ أن يتنوع مدى أسلحة الدفاع الجوي، لتكون قادرة على تغطية المجال الجوي، من مسافات بعيدة، بقدر الإمكان، واستمرار الاشتباك بالطائرات المعادية، على جميع الارتفاعات.

غير أن الاتجاه الحديث، الذي طُبِّق في حرب تحرير الكويت، هو استخدام مقذوفات جو/أرض، التي تطلق من مسافات بعيدة جداً Stand – off Weapons، قد تصل إلى 90 كم. ولا توجد أسلحة دفاع جوي أرضية، تتفوّق عليها في المدى، إلا قليلاً، مثل صاروخ Patriot ـ 160 كم وصاروخ سام ـ 5 (150ـ 300 كم)، والصاروخ (75 -100 كم).

وهنا يأتي دور المقاتلات الاعتراضية، إذ تُكلَّف بمهمة اعتراض الطائرات المعادية ـ التي تحمل هذه الأسلحة ـ على مسافات بعيدة. ومن المتوقع، في هذه الحالة، وجود دوريات حراسة طائرة، للقاذفات المعادية. وهذا يعني أن المقاتلات، ستدخل في معارك جوية ضد مقاتلات العدو. ومن ثَمّ، يجب أن تزيد مسافة صواريخ جو ـ جو على مثيلاتها في المقاتلات المعادية، لأن الطيار، الذي يُسلَّح بصاروخ ذي مدى أطول، تكون لديه فرصة مبكرة لإصابة المقاتلة الأخرى.

وثمة عامل آخر، يتعلق بمدى عمل المقاتلات الاعتراضية، التي تُكلَّف بحراسة القاذفات، إذ يجب أن يسمح مداها بمصاحبة القاذفات، من البداية إلى النهاية. وقد حدث أثناء معارك الهجوم الجوي الألماني على بريطانيا، في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، أن استخدم الألمان مقاتلات مسر شميت – 109 Messerschmitt BF-109 ، لحراسة القاذفات، التي كُلِّفت بقصف لندن، ولكن المقاتلات فشلت في تنفيذ هذه المهمة، لأن مداها كان يراوح بين 100 و125 ميلاً فقط، وهو أقلّ من مدى المهمة، التي كُلِّفت بها القاذفات. ونتيجة لذلك، انفردت المقاتلات الاعتراضية البريطانية بالقاذفات الألمانية، وأسقطت منها أعداداً كبيرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
maiser

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 23/01/2010
عدد المساهمات : 2756
معدل النشاط : 2797
التقييم : 132
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....   الجمعة 12 نوفمبر 2010 - 22:54

خامساً: تكامل الدفاعات

ظهرت أهمية التكامل في الدفاع الجوي، منذ أكثر من ربع قرن عندما بدأت القاذفات الألمانية، تنقضّ على المواقع البريطانية للمدفعية الثقيلة المضادّة للطائرات، من عيارَي 3 و 3.7 بوصات، التي لا يسمح معدلها البطيء في الحركة، الأفقية والرأسية، للسبطانة، بالتعامل مع هذه الغارات الخاطفة. ومن ثَمّ سارعت القيادة البريطانية إلى تدعيم هذه المَواقع برشاشات خفيفة مضادّة للطائرات، ذات قدرة على الاشتباك السريع، بغلالة كثيفة من النيران، في زمن قصير. وحقَّقت هذه الأسلحة الخفيفة نتائج، لا بأس بها.

ويُنفَّذ التكامل في الدفاع الجوي على ثلاثة مستويات، هي:

1. التكامل في المستوى الإستراتيجي

يُعَدّ تكامل أجهزة المعلومات في القوات المسلحة، أحد أمثلة هذا المستوى. وبوساطته، يحصل الدفاع الجوي على معلومات شديدة الأهمية، عن القوات الجوية المعادية. كما يحصل باقي أفرع القوات المسلحة والدفاع المدني، على الإنذار من الهجوم الجوي، من مراكز عمليات الدفاع الجوي. إضافة إلى ما تحتاج إليه أجهزة الدفاع الجوي من معلومات، لتأمين أعمال قتالها، وإجراءاتها.

2. التكامل في المستوى العملياتي

تتكوَّن منظومة الدفاع الجوي عن المنطقة الحيوية، أو النقطة الحيوية، من أربعة عناصر رئيسية، هي: الاستطلاع، ومراكز العمليات، والأسلحة الإيجابية، وأجهزة الاتصال.

وتتوقف نتيجة المعركة على مدى النجاح في تحقيق التكامل، بين هذه العناصر الأربعة.

وتشمل مجموعة الاستطلاع أنواعاً مختلفة من أجهزة الرادار. منها ما يمتاز بالمدى البعيد، ومنها ما يخصص لاكتشاف الطائرات، على الارتفاعات المنخفضة، وبعضها يُحمل، جواً، في طائرات الإنذار المبكر. وقد تشمل مجموعة الاستطلاع وحدات مراقبة بالنظر، أو يُستَبدل بها أجهزة استشعار، تُزرَع في الأرض، على طرق اقتراب الطائرات المعادية، وتُنفَّذ مهام المراقبة بالنظر، بقدر أكبر من الكفاءة.

وتُعَدّ مجموعة الاستطلاع، مصدر المعلومات الرئيسي عن الموقف الجوي، بكافة أبعاده. ومن البديهي، أن تذهب هذه المعلومات، من الفور، إلى مراكز العمليات، حيث يتم تقدير الموقف الجوي المعادي، مقترناً بموقف قواتنا وإمكاناتها، وجاهزيتها للقتال. وبناءً على ذلك، يتَّخذ القائد قراره، ويُخصِّص المهام لوحداته، ويدير أعمال قتالها.

ثم يأتي دور العنصر الثالث، وهو الأسلحة الإيجابية، التي يُناط بها تنفيذ هذا القرار، واعتراض الطائرات المعادية بالمقاتلات، والصواريخ أرض/ جو، والمدفعية المضادّة للطائرات (م/ ط)، مع استخدام الحرب الإلكترونية.

أمّا عنصر الاتصالات، فمهمته نقْل الأوامر والبلاغات، بين مراكز العمليات، ووحدات النيران والاستطلاع، محققاً، بذلك، الترابط الضروري بين عناصر الدفاع الجوي.

ممّا سبق، تتضح أهمية التكامل، على المستوى العملياتي، لبناء منظومة متماسكة، يمكِنها تحقيق المهمة بنجاح.

3. التكامل في المستوى التكتيكي

يهتم المستوى التكتيكي بتكامل المكوِّنات الفرعية، لكل عنصر من العناصر السابقة، فيما بينها. والواقع، أن تكامل الأنواع المختلفة من أجهزة الاستطلاع ومعداتها، هو الذي يُحقِّق إنذاراً مبكراً من الهجوم الجوي، ويكفل استمراراً لسريان المعلومات عن الموقف. ولهذا، يجب، عند احتلال مَواقع الرادار، مراعاة شمولها أجهزة، تعمل على نطاقات تَردّد مختلفة. فإذا تعرَّض أحدها للإعاقة الإلكترونية، أمكن الأجهزة الأخرى اكتشاف الطائرات المعادية وتتبُّعها. أما إذا وَجّه العدو إعاقة، على نطاق عريض، فإن تأثيرها، سيكون مختلفاً من جهاز إلى آخر. ومن ثَمّ يمكِن بعض الأجهزة، التي تأثرت تأثراً خفيفاً، أن تستمر في تتبُّع أهدافها، خلال الإعاقة. والواقع، أن تكامل جميع عناصر الاستطلاع، هو الذي يُحقِّق "حقل إنذار" مستمر، على جميع الارتفاعات، وفي كافة الظروف.

أمّا الأسلحة الإيجابية، وهي قوة النيران في الدفاع الجوي، فإن لكلٍّ منها مَواطن قوّته، ولكنها لا تخلو بعض نقاط الضعف. فإذا تكاملت هذه الأسلحة، فإن الناتج سوف يتجاوز العيوب إلى المميزات فقط؛ لأن نقاط القوة في كل سلاح، ستتغلب على نقاط الضعف في السلاح الآخر.

فالمقاتلات، مثلاً، تتميز بطول المدى، وتستطيع اعتراض الطائرات المعادية، من مسافات بعيدة، قبْل أن تتمكّن من إطلاق مقذوفاتها جو/أرض، ذات المدى البعيد، من خارج مناطق نيران الصواريخ أرض/ جو. كما يمكِن تكليف المقاتلات باعتراض طائرات الحرب الإلكترونية وتدميرها، وكذلك طائرات القيادة والسيطرة، التي تعمل من مسافات بعيدة. وهو ما لا تستطيعه أسلحة الدفاع الجوي الأرضية. كما يمكِن دفْع المقاتلات بسرعة إلى المناطق، التي فَقَدت فيها وحدات الصواريخ والمدفعية (م/ ط) كفاءتها، أثناء القتال، إلى أن تستعيد تلك الوحدات موقفها وكفاءتها.

ومع ذلك، فهناك قيود على استخدام المقاتلات. فقدرتها محدودة على العمل المستمر. ولا يمكن إلقاء عبء الدفاع الجوي على عاتقها، لفترة طويلة. كما أن نسبة المقاتلات المجهَّزة للقتال ليلاً، في الأحوال الجوية الرديئة، تكون، في العادة، ضئيلة. فقد كان تحت إمرة قيادة القوات الجوية الأمريكية، في المسرح الأوروبي، في أوائل الثمانينيات، أي في ذروة الوجود الأمريكي هناك، 120 مقاتلة اعتراضية ليلية فقط، من إجمالي 1500 طائرة قتال. وذلك على الرغم من أن حلف وارسو كان قادراً، في ذلك الوقت، على توجيه هجمات جوية ليلية، بقوة 500 طائرة.

وتظهر أهمية الصواريخ أرض/جو، في قدرتها، باستثناء قليل من الأنواع الخفيفة، على الاشتباك بالطائرات المعادية، ليلاً ونهاراً، وفي كافة الأحوال الجوية. كما أن قدرتها على العمل المستمر، عالية جداً، إذا قورنت بالمقاتلات.

وقد ظهر، في السنوات الأخيرة، أنواع متعددة من الصواريخ أرض/ جو، تختلف فيما بينها، من حيث المدى، والارتفاع، ووسائل التوجيه. ويتفوّق كل منها على الآخر في بعض الجوانب، بينما يحتاج إليه في جوانب أخرى. والواقع، أن هذا التنوع، يُحقِّق تكاملاً جيداً، داخل عائلة الصواريخ، لتغطية الثغرات في الدفاع، سواء في المحور الرأسي أو الأفقي.

وتتميز الصواريخ أرض/جو بدقة عالية. ومع ذلك، يحُدّ بعض القيود من كفاءتها، في أحوال معينة. فهي غير قادرة على الاشتباك بالطائرات، التي تظهر، فجأة، على مسافات قريبة، نظراً إلى طول زمن رد الفعل، مقارنةً بالمدفعية (م/ ط)، ولأن سرعة الصاروخ، تكون بطيئة عند بدء انطلاقه، ويحيط بمَوقع الصواريخ منطقة "ميتة"، قطْرها عدة كيلومترات. وكثير من الصواريخ أرض/جو ذات قدرة محدودة على الاشتباك بالطائرات، التي تُحلِّق على ارتفاعات قريبة من الأرض. أما وحدات المدفعيـة (م/ ط)، فيمكِنها فتح النيران، في زمن قصير جداً، إضافة إلى أن سرعة مقذوف المدفعية، ومن ثَمّ قوة الصدم، تصبح أكثر قوة، على المسافات القريبة، مما يساعد على زيادة احتمال تدمير الطائرات المعادية. وتتحقق أعلى كفاءة للمدفع (م/ ط)، عندما يشتبك بالطائرات القريبة. وقد أُدخلت عِدَّة تحسينات على المدفعية (م/ ط)، في السنوات الأخيرة، أدت إلى زيادة السرعة الابتدائية للمقذوف، وقدرته التدميرية، وزُوِّدت المَدافع بوسائل تسديد وإطلاق آلية، زادت من سرعة ودقة الاشتباك بالأهداف، التي تظهر فجأة. إضافة إلى ذلك ، فإن هذه المَدافع، عندما تشتبك، بالتسديد المكشوف (أي استخدام الأجهزة البصرية في التسديد)، تصبح السلاح الوحيد غير المعرّض لأي نوع من أنواع الإعاقة الإلكترونية. وتتميز المدفعية م/ ط، بمعدَّل عالٍ من النيران، كما أنها غير معقدة الاستخدام، وتسهل صيانتها وإصلاحها، إضافة إلى خفة حركتها، وقدرتها على الاشتباك، أثناء التحرك.

ولهذا، فعلى الرغم من تنوع عائلة الصواريخ وميزاتها الكثيرة، فهي لا تخلو من بعض العيوب، التي يمكِن تلافيها بوساطة المدفعية م/ ط. وهكذا نشأت فكرة الجمع بين السلاحَيْن، في وحدة نيران واحدة. وأُنتجت، منظومات الدفاع الجوي، التي تجمع الصواريخ والمَدافع معاً، مثل منظومتَي Skyguard ، وسيناء ـ 23.

وقد حسم مبدأ تكامل الأسلحة الإيجابية، الجدل الذي استمر لفترة. وكان محوره: أيّها أفضل لتحقيق الدفاع الجوي، المقاتلات أم الصواريخ؟ وأصبح النقاش يدور حول الأنواع الملائمة من مختلف الأسلحة، التي تُحقِّق التكامل، والأعداد التي تحقق التوازن بينهما.

وخلاصة القول، إن التكامل الصحيح، في منظومة الدفاع الجوي، يحقق:

أ. إنذاراً مبكراً ومستمراً ضد الهجوم الجوي.

ب. اشتباكاً مستمراً بالطائرات المعادية، من مسافات بعيدة، وطوال خط سيرها.

ج. إمكانية الاشتباك، على جميع الارتفاعات.

د. سد الثغرات في منظومة الدفاع الجوي، نتيجة لتدمير، أو إصابة، أو عطل بعض الأجهزة، أثناء القتال.

هـ. صعوبة نجاح العدو في إعاقة جميع أجهزة الدفاع الجوي الإلكترونية.
وقد كان التكامل أحد أسباب نجاح الدفاع الجوي العربي، في حرب أكتوبر 1973، وهو ما شد انتباه العالم، آنذاك، على عكس ما حدث في حرب يونيه 1967، حين كان الاعتماد، بصورة أساسية، على صواريخ سام ـ 2، وحدها.


سادساً: الجاهزية القتالية

1. الاستعداد للحرب، يصون السلام

يواجه الدفاع الجوي، عادة، طائرات تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتستطيع أن تقترب من أهدافها خِفْية، وتصبح فوقها، بعد دقائق معدودة. وهي طائرات تحمل ترسانة متنوعة من أسلحة الدمار، قادرة على إنزال خسائر فادحة بالأهداف الحيوية. ومن ثم، فإن الستار يُرفع، دائماً، في مسرحية الحرب على مشهد الهجوم الجوي الحاشد، الذي يؤدي، إذا نجح، إلى حسْم الحرب، من بدايتها، لمصلحة المهاجم، كما حدث في أول سبتمبر 1939، في الهجوم الألماني على بولندا، وكما حدث في 5 يونيه 1967 في الهجوم الإسرائيلي على مصر وسورية، وكما حدث في حرب تحرير الكويت، عندما نجحت القوات الجوية للتحالف في شل فاعلية الدفاع الجوي العراقي، حققت السيادة الجوية، منذ البداية حتى النهاية.

لذلك كله، صار من المحتوم، أن يكون الدفاع الجوي جاهزاً دائماً للاشتباك الفوري.

غير أن الاستعداد الفوري لقوات الدفاع الجوي، يعني أن تكون مراكز العمليات ووحدات الضرب مع مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات في حالة استعداد دائم على مدار الساعة. وهذه كلها أمور مستحيلة، ولا يمكِن احتمال نفقتها، بأي حال من الأحوال. وإذا حدث هذا، فإنه يؤدي، بعد أيام قليلة، إلى نفاد طاقة الأفراد كلية، واستهلاك جميع المُعدَّات.

إذاً، فهي معادلة صعبة. يحتم أحد طرفيها، أن يكون الدفاع الجوي جاهزاً للقتال، في أي لحظة، بينما يتطلب الطرف الثاني تخصيص الوقت اللازم، للتدريب والراحة، وصيانة المعدات، وممارسة الحياة اليومية، داخل المعسكرات. وللبحث عن حلّ لهذه المشكلة، يجب تحليلها إلى عناصرها الأولية. وعندئذٍ، يتضح أن الجاهزية القتالية، تعتمد على عاملين أساسيين، هما:

أ. توفير أقصى زمن إنذار ممكِن.

ب. تقليل زمن تحوُّل الوحدات من حالة الاستعداد العادية، إلى وضْع الاشتباك الفعلي.

ويرتبط العاملان، كلاهما بالآخر، ارتباطاً وثيقاً. كما أن كلاًّ منهما، يحتوي على عددٍ من العوامل الفرعية، كما يتضح فيما يلي:

أ. زمن الإنذار )

إن أقصى ما يتمناه قائد وحدة الدفاع الجوي، أثناء القتال، أن تُتاح له عِدَّة دقائق، لإنذاره من اقتراب الطائرة المعادية، يستعد، خلالها، للبدء في الاشتباك، لصدّ الهجوم الجوي.

ويتحدد زمن الإنذار المطلوب بمعادلة بسيطة، تقضي بألاّ تقلّ هذه الدقائق عن مجموع الزمن، اللازم لاستعداد الوحدة لفتح النيران، مضافاً إليه الزمن، الذي تستغرقه عملية الاشتباك نفسها.

ويشمل زمن الاستعداد مجموعة من الأزمنة اللازمة لتقدير الموقف، ثم تشغيل المعدات، والتقاط الهدف المعادي بأجهزة الرادارات، وعمل حسابات الاشتباك، وتجهيز الصواريخ للإطلاق. أما عملية الاشتباك، فتشمل الزمن اللازم لإطلاق الصاروخ، وزمن طيرانه، حتى يلتقي بهدفه. ويجب أن تكون نقطة اللقاء الأولى بين الصاروخ والطائرة، على أقصى مدى مؤثر للصاروخ، حتى يمكن معاودة الاشتباك بالهدف مرَّة ثانية، وثالثة، إن أمكَن الرسم التخطيطي المرفق . أمّا إذا كان الاعتراض سيجري بوساطة المقاتلات، فيجب أن يوضع في الحسبان الأزمنة التي تستغرقها عمليات الإقلاع، والوصول إلى منطقة الاعتراض، ثم عملية التوجيه، والبحث عن الهدف، ثم دورة الاشتباك به.

ومراكز عمليات القطاع. هي المسؤولة عن توفير هذه الدقائق. وحساب أقلّ زمن إنذار، يجب تحقيقه، هو شرط أساسي في بناء هذه الشبكة. ومن البديهي، أنه كلما ازداد زمن الإنذار، الذي يمكِن الحصول عليه، تحررت وحدات النيران من القيود، التي تفرضها أوضاع الاستعداد المتقدمة. وبعد الوصول إلى أقلّ زمن تحتاج إليه الوحدات، فإنه يصبح قيداً، يلتزم به المُخطط، عند إنشاء منظومة الإنذار.

وتتوقف إمكانات هذه المنظومة على مجموعة من العوامل، مثل أماكن تمركز مَواقع الرادار، وبُعدها من الحدود. فإذا كانت تتمركز قريباً من الحدود، وبعيداً عن المناطق الحيوية، المُدَافع عنها، فإن عمق الإنذار، يكون أكبر. أمّا إذا كانت تتمركز على شاطئ البحر، فإن قدرة أجهزة الرادار على الكشف، تكون محدودة، لأن الطائرات المعادية، عندما تقترب، على ارتفاع منخفض، من اتجاه البحر، تختفي الإشارات المنعكسة منها، داخل الإشارات المنعكسة من أمواج البحر. كما يختلف زمن الإنذار المتيسر، تبعاً لمدى كشف الجهاز، وقدرته على اكتشاف الطائرات، على الارتفاعات المختلفة. ومن الطبيعي، أن يتوقف مدى الكشف، كذلك، على أسلوب العدو الجوي في الاقتراب، ومهارة الطيار المهاجم، وقدرته على الاستفادة من الهيئات الأرضية، ومعرفته للثغرات الموجودة في حقل الإنذار، إن وُجدت. ويجب أن يضع المُخطِّط في حسبانه المشاكل، التي تعترض أجهزة الرادار، عند التعامل مع الطائرات العمودية، التي تطير فوق سطح الأرض مباشرة، وتستخدم الهيئات الأرضية الصغيرة في التخفي، ثم الصعود، فجأة، وقصْف أهدافها، والعودة إلى مكمنها بسرعة. وهو الأسلوب المعروف باسم Nap – of – the Earth.

وينبغي للمُخطِّط مراعاة خُلوّ نطاق الكشف الراداري من الثغرات، بقدر الإمكان، وأن يعمل على تغطية كافة الارتفاعات، مستعيناً على ذلك بأجهزة رادار الكشف المنخفض Gap – Fillers. وكذا زيادة كثافة التغطية الرادارية، في الاتجاهات الأكثر احتمالاً لاقتراب الطائرات المعادية منها.

وتُقدِّم أجهزة الرادار المحمولة جواً، حلاًّ جذرياً لمشكلة الكشف، على الارتفاع المنخفض. وتتأثر إمكانات حقل الإنذار ـ إلى حدٍّ كبير ـ بالإعاقة الإلكترونية المعادية ECM Electronic Countermeasures. ولهذا السبب، يجب اتخاذ كافة الإجراءات الفنية والتكتيكية، لمواجَهتها ECCM Electronic Counter-Countermeasures، على النحو الوارد في هذه الدراسة.

وعلى كلٍّ، يجب ألاّ يقتصر حقل الإنذار على أجهزة الرادار، وحدها، وإنما يشمل مجموعة متنوعة من أجهزة الاستشعار Package، التي تعتمد على تقنيات مختلفة.

ومن الضروري، أن يتأكد المُخطِّط من وجود غير وسيلة اتصال، لاستمرار تدفق المعلومات، بالسرعة والدقة اللازمتين، إلى مراكز تجميع المعلومات وتصفيتها. ووجود غير طريقة لوصول هذه المعلومات إلى وحدات الضرب (الأسلحة الإيجابية)، حتى إذا فشلت إحداها، أو تعطلت، لسبب ما، يمكِن الاعتماد على الطريقة البديلة الثانية، أو الثالثة.

وتندمج مجموعة الإنذار والقيادة والسيطرة والاتصالات، في منظومة واحدة، يُرمز إليها بـ C3I، وهي الأحرف الأولى للكلمات الآتية: Command, Control, Communications & Intelligence وتستحوذ هذه المنظومة، عادة، على جزء كبير من الميزانية، المُخصَّصة لبناء أي منظومة دفاع جوي حديثة.

ب. قُدرة الوحدات على التحول إلى وضْع القتال

هذه هي الدعامة الثانية، التي يرتكز عليها الاستعداد القتالي للدفاع الجوي. وتُقَاس هذه القُدرة بالزمن، اللازم للتحول من وضْع استعداد معين، إلى آخر أكثر تقدماً. وتتأثر بمجموعة من العوامل، مثل أنواع الأسلحة، ومستوى تدريب القوات، ومدى صلاحية محاور التحرك، والمسافة المفروض أن تقطعها الوحدة، لتصل إلى المَوقع الجديد، وموقف العمليات، وغير ذلك من العوامل.

وقد تحتاج الوحدة إلى دقائق قليلة، لتكون جاهزة للاشتباك، إذا كانت موجودة، بالفعل، في مَوقعها القتالي. وربما يلزمها يوم أو أكثر، إذا كانت في ميدان الرماية، أو في ورش الإصلاح. وهذا يعني أن قُدرة القوات على التحول إلى وضع القتال، تتوقف، أساساً، على الموقفين، السياسي والعسكري. فلا شك أن أوضاع وحدات الدفاع الجوي، وقت السلم، تختلف عنها أثناء توتر الموقف السياسي، وظهور نُذُر الحرب في الأفق. أما إذا بدأ القتال، فإن الوضع يتغير كليةً. ومع ذلك، يجب أن يكون الدفاع الجوي جاهزاً للتصدي، لِما قد يواجهه من تهديد، في كل حالة.

ففي وقت السلم، يُنتَظَر أن يواجِه الدفاع الجوي عمليات اختراق متباعدة، للمجال الجوي، بغرض الاستطلاع. ويرى بعض المحللين العسكريين أن الاستطلاع الجوي، بالطائرات، يكاد يفقد قيمته، في وقت، انتشرت فيه أقمار الاستطلاع وتنوعت. وهذا الرأي ليس دقيقاً، لأن الدول تحتاج إلى تكملة معلومات الأقمار الصناعية، والتدقيق فيها بوساطة طائرات الاستطلاع. بدليل أن برامج إنتاج هذه الطائرات وتطويرها، لا تتوقف، لا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا في روسيا، ولا في غيرهما من الدول المنتجة للسلاح.

وعلى الدفاع الجوي، في وقت السّلم، أن يواجه، كذلك، الطائرات، التي تضل طريقها، وتقترب من المجال الجوي للدولة، أو ربما تخترقه. فعليه أن يُصَحِّح مسارها، ويمنعها من التحليق فوق المناطق التي يدافع عنها. فالأخطاء من هذا النوع، قد تُسبِّب أضراراً، مادية وبشرية، مثل حـادث الفرقـاطة الأمريكية، ستـارك USS Stark، التي قصفتها طائرة عراقية، في 17 مايو 1987، خطأً، وأدى هذا الحادث إلى قتل 37 بحاراً، وإصابة 21 آخرين. كما أن عدم اكتشاف هذه الطائرات مبكراً، لا يعطي الفرصة لتبيُّن هويتها، وقد يؤدي التسرع في الاشتباك بها، إلى تدميرها. وقد حدث هذا الموقف عدة مرات في الثمانينيات. وفي جميع الحالات السابقة، لم يكن هناك حرب بين مَن قَصَفَ ومَن قُصِفَ.

ومن ذلك، يتضح أن على الدفاع الجوي، أن يكون يقِظاً، ومستعداً، حتى في أوقات السلم. والترجمة العملية لذلك، تحتم تشغيل نسبة مُحددة من معدات الإنذار، لتأمين عمليات اكتشاف طائرات الاستطلاع المعادية، وغيرها من الطائرات الضالة، من مسافات بعيدة، خارج الحدود، والإنذار المبكر منها. كما تعني ضرورة وجود نسبة محددة من الأسلحة، في أوضاع الاستعداد الفوري لاعتراض هذه الطائرات، عند الضرورة.

ويتوقف عدد الوحدات، الجاهزة فوراً، على مجموعة من العوامل، يحددها موقع الدولة الجغرافي، وتمركز الوحدات، والأهداف الحيوية، والموقف الدولي العام.

أمّا مراكز العمليات، فهي، دائماً، في حالة عمل مستمر، وإن كان من الطبيعي، أن تعمل في السلم بأطقم مخفّضة.

هذا عن موقف الدفاع الجوي، في السلم. ولكن هناك حالة تعرفها منطقة الشرق الأوسط، وهي حالة "اللاسلم واللاحرب". وفيها يتوقع الدفاع الجوي إغارات فعلية، من نوع عملية "المَرّة الواحدة"، مثلما حدث عندما دمَّرت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووي العراقي، في 7 يونيه 1981، وأغارت على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، أول أكتوبر 1985. وهذه الإغارات تُمثِّل مشكلة صعبة للدفاع الجوي، لأنها، وإن كانت نادرة، فهي تحدث على أي حال، والواجب توقُّعها، والاستعداد لمواجَهتها.

أمّا في حالات التوتر أو الأزمات، فمن الملاحظ، أن عاصفة الحرب، لا تهبّ فجأة، وإنما تسبقها بعض الرياح الساخنة، كجرس إنذار أول، يُنَبِّه القوات إلى ضرورة البدء في التحول من أوضاع السلم، إلى حالة من التأهب، استعداداً للحرب. وليس من الضروري، أن يكون التوتر السياسي واضحاً، ومباشراً، ومصحوباً بإنذارات، كما حدث في حرب تحرير الكويت. بل إن الموقف يكون غامضاً، في العادة، وتصاحبه جهود سياسية، لحل الأزمة سلمياً. وفي جميع الأحوال، فلا بدّ أن يكون الدفاع الجوي يقظاً. وأن يتوقع زيادة نشاط الاستطلاع الجوي المعادي، بأنواعه المختلفة، إضافة إلى بعض الغارات الصغيرة المتفرقة. ومن أهم الأمور، في هذه الفترة، أن تكون الوحدات حذرة جداً، في ما يتعلق ببث طاقة أجهزتها الإلكترونية في الأثير،وأن تتخذ كافة الإجراءات المضادّة للاستطلاع الإلكتروني المعادي، وعليها أن تَتَّبِع نظاماً صارماً للسيطرة على الإشعاع، بهدف المحافظة على سرِّية تردّدات وخواصّ معداتها.

ويجري، في حالات التوتر، إلغاء الإجازات، وإعادة الوحدات من ميادين التدريب إلى مَواقعها، والانتهاء، بسرعة، من عمليات الإصلاح والصيانة الدورية، وما إلى ذلك.

وتهدف الدراسة، التي تُجرى في هذه الفترة، إلى استقراء التوقيت المحتمل لبدء الهجوم المعادي، ومن ثَمّ الوقت المتيسر للاستعداد، قبل بدء القتال. ويوضع مخطَّط للإجراءات، التي ستنفَّذ خلال هذه الفترة.

وتشترك كافة أجهزة الاستخبارات، على المستويين، السياسي والعسكري، في هذه الدراسة، مستفيدة من إلمامها العميق بقدرات العدو وإمكاناته، والوقت الذي يحتاج إليه لإجراء التعبئة، وحشد القوات، وإعادة التمركز، وغيرها من الإجراءات، اللازمة لبدء الهجوم. وهي مؤشرات لها قِيمتها، عند تحديد الموعد التقريبي لبدء العمليات الحربية.

هذا على فرض أن قواتنا تلتزم بالدفاع. أمّا إذا كانت تخطط للهجوم، فإن توقيت بدء الحرب لا بدّ أن يكون معلوماً لدى القيادة.

ويجري، خلال هذه الفترة، التدقيق في الخطط، ومراجعة موقف القوات، واتخاذ مجموعة من الإجراءات السريعة، لرفع إمكاناتها القتالية.

والخلاصة، أن الدفاع الجوي، في حالات التوتر، يكون في أوضاع أعلى جاهزيةً. بمعنى زيادة اليقظة، وزيادة عدد الوحدات الجاهزة من فورها، سواء للإنذار، أو للصدّ، مع التركيز على الاتجاهات والتوقيتات الأكثر احتمالاً للهجوم، وتدعيم مراكز العمليات بالأطقم الكاملة. وذلك، لمواجَهة التزايد المُتوقَّع في أعمال العدو الجوية. مع الوضع في الحسبان، أن العمليات قد تبدأ في أي لحظة.

2. في الحرب

من البديهي، أن تتحول جميع وحدات الدفاع الجوي، إلى وضع القتال، لدى الإنذار باقتراب موجات الهجوم الجوي. ومع ذلك، فقد يحدث أن تكون الموجات الأولى خداعية، بوساطة طائرات موجَّهة من بُعد، تُجهَّز بمعدات، تُرسل نبضات مماثلة لتلك المنعكسة من طائرات القتال، وتُمثِّل هجوماً فعلياً، تضطر وحدات الدفاع الجوي، حياله، إلى الاشتراك بكل قوّتها في صدِّه. وأثناء ذلك، تندفع القاذفات المعادية نحو مَواقع الدفاع الجوي، التي تكون منهمكة في صدّ الهجوم الخداعي، وتقصفها بالصواريخ والقنابل. ويمكن القاذفات، في مثل هذا الموقف، استخدام أفضل تكتيكات الهجوم، فضلاً عن فرصة الإفلات من نيران الدفاع الجوي.
وقد يدفع العدو، في بداية العمليات، بمجموعة من طائراته الموجَّهة، من دون طيار، إلى تحقيق هدف آخر، وهو إجبار الدفاع الجوي على تشغيل جميع أجهزة الاستشعار لديه. وبهذا، يتمكن العدو من الحصول على معلومات قَيِّمة عن التشكيل


سابعاً: المفاجأة، والمفاجأة المضادّة

المفاجأة هي المبدأ الوحيد المشترك، في جميع قوائم مبادئ الحرب. ويضعها المفكر العسكري البريطاني الشهير، ليدل هارت Liddell Hart ، في مقدمة هذه المبادئ.

وتؤدي مفاجأة الدفاع الجوي، من قِبل العـدو الجـوي، إلى نتائج خطيرة. ففي بيرل هاربر Pearl Harbor، وإثر الهجوم الياباني، في صباح 7 ديسمبر 1941، بلغت الخسائر الأمريكية 2403 قتلى و1300 جريح، و1000 مفقود، وتدمير وإصابة 347 طائرة قتال، وإغراق أربع سفن حربية كبيرة، ومجموعة من القطع البحرية الصغيرة. بينما كانت خسائر اليابان طفيفة.

ونظراً إلى أن الدفاع الجوي ذو طبيعة دفاعية، فقد يبدو أنه حُرِم من ميزات تحقيق المفاجأة، ولم يبقَ له إلاّ أن "يكون رد فعل لأعمال العدو". أي أن تكون أنشطته مجرد ردود أفعال لِما يقوم به الطيران المهاجِم. ولكن خبرة الحرب في فيتنام، وعلى جبهة قناة السويس، خلال حربَي الاستنزاف وأكتوبر 1973، أوضحت أن المفاجأة موضوع ذو شقّين:

1. الشق الأول، يهدف إلى حرمان العدو المهاجِم من تحقيق المفاجأة، وهذا أمر ممكِن.

2. أمّا الشق الثاني، فهو "المفاجأة المضادّة". بمعنى أن يفاجئ الدفاع الجوي عدوّه المهاجِم، بأعمال لم يكُن يتوقعها. وهو أمر يمكن تحقيقه.

1. منع المفاجأة الجوية

في تعريفه المفاجأة، يقول كارل فون كلاوزفيتز Karl Von Clausewitz : "إنها تتحقق بالأعمال غير المتوقَّعة". فإذا كانت المفاجأة هي رد الفعل التلقائي، أمام موقف غير منتظر، فإن كلمة "توقُّع"، تعني "لا مفاجأة". أي إذا عُرِف أن أمراً ما سيحدث، في توقيت محدَّد، وفي زمان معروف، فلن يفاجأ أحد بحدوثه. ومن ثَمّ، فإن المعرفة ـ أي المعلومات ـ هي كلمة السِّر، لمنع المفاجأة، لأنها الأساس المتين، الواقعي، لتجهيز القوات، واستعدادها لاكتشاف العدو الجوي، وصدّه، بكفاءة. ولن تكون المعلومات ذات فائدة، إذا لم تصل في الوقت الملائم، وإذا لم تترجم، نظرياً وعملياً، ترجمة صحيحة. نظرياً، بمعنى معرفة دلالة هذه المعلومات. وعملياً، باتخاذ الإجراءات الملائمة لمواجَهة ما تعنيه.

2. تحقيق المفاجأة المضادّة

يستطيع الدفاع الجوي، على الرغم من طبيعته الدفاعية، أن ينتزع المفاجأة من العدو الجوي، في حالات كثيرة. ويتضح ذلك من الأمثلة التالية:

أ. إذا تبيّن للطيار المهاجِم، عندما يقترب من أهدافه، أن الدفاع الجوي المضادّ، قد اكتشف موجات الهجوم مبكراً، وأنه جاهز لمواجَهتها.

ب. إذا اتضح للطيار المهاجم، أن أسلحة الدفاع الجوي أكثر فاعلية مما كان يظن.

ج. إذا فُتِحَت عليه نيران مؤثّرة، من حيث لا يتوقع.

د. إذا اكتشف الطيارُ المهاجم أنه هاجم موقعاً هيكلياً، بدلاً من الهدف الحقيقي، الذي كُلِّف بتدميره.

هـ. إذا تبيّن له أن الإعاقة الإلكترونية، التي استخدمها ضدّ الدفاع الجوي، لم تكُن مؤثرة.

و. إذا لاحظ أن صواريخه "الذكية" Smart ، قد فقدت ذكاءها، وسقطت بعيداً عن الهدف.

في جميع هذه الحالات، وما شابهها، سوف ينتزع الدفاع الجوي المفاجأة من العدوّ، ويحقق المفاجأة المضادّة. ومن ثَمّ، يفقد الطيار المهاجم اتّزانه، في معركة، يحتاج فيها إلى منتهى الثبات. وبذلك، يصبح فشله أمراً كبير الاحتمال.

وقد أفرد أحد الكتب الغربية، التي عالجت حرب أكتوبر 1973، فصلاً للحديث مع الطيارين الإسرائيليين. واللافت، أن أكثر عبارة تردّدت على ألسنتهم كانت: "لقد فوجئت". قال أحدهم: لقد سمعت "أغنية سام". ومن الفور، نفَّذت كل الإجراءات، التي تُحقِّق الهروب من الصاروخ المضادّ. ومع ذلك، فقد أصيبت طائرتي، وتمكَّنت من القفز بالمظلة. وكان طيارو الفانتوم Phantom يُسَمُّون الإشارة، التي يطلقها جهاز الإنذار من انطلاق الصواريخ العربية، باسم "أغنية سام ـ "Sam Song".

وقال آخر : لقد فوجئت بصاروخ سام ـ 6، ينطلق نحوي، بينما كنت أُحلِّق فوق منطقة، أعرف أنها خالية تماماً من الدفاع الجوي.

وإضافة إلى المهارة في تنفيذ القواعد، التي تناقشها هذه الدراسة، يوجد بعض الإجراءات، التي تسهم، بفاعلية، في تحقيق المفاجأة المضادّة، مثل:

أ. الكمائن

لتنفيذ الكمائن الجوية، تُدفع المقاتلات الاعتراضية، في سِرِّية تامة، إلى احتلال مناطق معيّنة، على ارتفاعات منخفضة، بهدف اعتراض الطائرات المعادية، على طرق الاقتراب البعيدة، خارج مدى أسلحة الدفاع الجوي الأرضية. ويتوقف نجاح الكمائن الجوية على عِدَّة عوامل، من أهمها: اختيار المكان والتوقيت الملائمين، واستمرار إمداد المقاتلات بالمعلومات عن الطائرات المعادية. ومن المؤكد، أن استخدام طائرات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر، في توجيه هذه المقاتلات، يسهم، إلى حدّ كبير، في نجاح مهمتها.

وتنجح أسلحة الدفاع الجوي المساندة للقوات البرية، بصفة عامة، في تنفيذ مهام الكمائن. ولكن صواريخ أرض/ جو، التي تُطلق من الكتف، تُعدّ من أكثر الأسلحة الملائمة لهذه المهمة. إذ يمكِن دفعها إلى المَوقع الملائم بسرعة، ويسهل إخفاؤها في الأراضي الصحراوية. كما يمكِن إسقاطها خلْف خطوط العدوّ، ضمن وحدات المظلات والصاعقة. ومن هذه المَواقع المخفاة، وغير المتوقَّعة، يمكنها أن تُفاجئ طائرات العدوّ، أثناء اقترابها، بنيران مؤثرة، وتُلحق بها خسائر ملموسة، وتُجبرها على تجنّب الطيران على ارتفاعات منخفضة. ومن ثَمّ، تستطيع أجهزة الرادار اكتشافها، من مسافات بعيدة، وتدخل في مناطق نيران الصواريخ متوسطة المدى.

ومن أهم شروط نجاح الكمين، اختيار التوقيت والمكان، والسلاح، والقوة الملائمة، والتدريب العالي، والإخفاء الجيّد لمَوقعه. ويجب أن يتميز الجنود، المكلَّفين بتنفيذ الكمين، بالمرونة وخفة الحركة، وسرعة التصرف في المواقف الحرِجة، إضافة إلى الإلمام بتكتيكات المشاة، خاصة ما يتعلق بالاستخدام الجيّد للأرض.

ويجب أن يُغيَّر مَوقع الكمين، بعد كل اشتباك، فتتحقق له الوقاية، وتُستنزف نيران الطائرات المعادية في قصف الموقع الأول، أو على الأقل، تُجبر قيادة العدوّ على تخصيص مجهود جوي، أو دوريات برية، للبحث عن مواقع الكمائن التي أطلقت النيران.

ب. الإخفاء والخداع

مع وجود وسائل الاستطلاع الحديثة، التي سلَّحها العلم بأعيُن حادّة، وآذان مرهفة، ترى بعض المدارس العسكرية اللجوء إلى وسائل الإخفاء، لتعمية المهاجِم عن تشكيل القتال وحجم القوات، بات أمراً غير ممكن. وهذا الرأي ليس صحيحاً، في جميع الأحوال. لأن الإخفاء، في الحروب الحديثة، أمسى غير قاصر على تلوين المعدات بلون الأرض الخلفية، وتغطية الأسلحة بشباك التمويه، وإنما اتّسع مداه، ليشمل الخصائص الفنية للأسلحة والمعدات، وتكتيكات القتال. والأهَم من ذلك كله، هو إخفاء مستوى المقاتل، وكفاءته في استخدام سلاحه.

وفي هذا الصدد، قال الجنرال موشى ديانMoshe Dayan، وزير الدفاع الإسرائيلي، إبان حرب أكتوبر 1973، تعليقاً على الخسائر الفادحة في القوات الجوية الإسرائيلية: "لقد كنّا نعلَم كل التفاصيل عن أسلحة الدفاع الجوي المصري ومَواقعه. ولكن الأمر، الذي كنّا نجهله، هو كفاءة المصريين في استخدام هذه الأسلحة".

ج. ستائر الدخان

بوساطة ستائر الدخان، يمكن إخفاء تشكيل القتال، وتفاصيل المَواقع، والأهداف الحيوية الصغيرة، وما يجري في داخلها. وتُعاوِن ستائر الدخان، إلى حدّ كبير، على إجراءات الخداع، بتصوير مواقف تختلف عن الواقع. ويمكن بوساطتها استنزاف جهود العدو الجوية، في قصف مساحات من الأرض، خالية من أي هدف حيوي.

ويؤدي استخدام الدخان إلى تضليل الأسلحة، الموجَّهة بالرؤية المباشرة. كما يشل فاعلية الأسلحة، الموجَّهة بالليزر، لأن الليزر لا يستطيع اختراق الدخان أو الغبار.

غير أن الدخان سلاح ذو حدَّين، لأن استخدامه بطريقة غير مدروسة بدِقة، أو غير مُنَفَّذة بإتقان، يؤدي إلى كشف المواقع، وتحديدها للعدوّ، بدلاً من إخفائها.

د. المواقع الهيكلية

تؤدي المواقع الهيكلية دوراً مهمّاً في تضليل الطيار المهاجِم. فعندما يدخل في منطقة الهدف، ويستعد للقصف، يجد أمامه هدفين، بدلاً من واحد، لا يدري أيهما الحقيقي؟ ويتردد الطيار لحظة، ثم يقصف أحدهما، ويمضي. وبذلك يكون احتمال قصْف الهدف الحقيقي، قد نقص من 100% إلى 50% فقط. وليس هذا فحسب، فالواقع، أن لحظة التردد هذه، تجعل الطيار المهاجم أكثر عُرضة للإصابة بأسلحة الدفاع الجوي، كما تُقلِّل، كذلك، من قدرته على الإطلاق في اللحظة الملائمة. ولكن نجاح هذا الأمر، يتوقف على مدى إلمامه بأحدث المعلومات عن هدفه وعن الموقف الذي يواجهه. ولهذا، يجب أن يتوسع الدفاع الجوي في تنفيذ المناورة بوحداته، خاصة بعد تنفيذ العدوّ استطلاعه الجوي.

ومن الممكِن، كذلك، استخدام بعض المعدات الهيكلية، داخل المواقع الحقيقية. ومثالاً لذلك، مَواقع الرادار والصواريخ الموجَّهة رادارياً، إذ تكون الهوائيات أكثر معدات المَوقع تعرضاً للقصف، لكبر حجمها، ولاستحالة وضْعها داخل "دشم" خرسانية. ومع ذلك، فإن إصابة هذه الهوائيات، تؤدي إلى توقّف المَوقع كله عن العمل. ولهذا، يمكِن وضْع مجموعة هوائيات هيكلية، أو أكثر، داخل الموقع الواحد، مما يقلّل من احتمال قصْف الهوائيات الحقيقية. ويمكِن، بمساعدة أفكار الخداع الإلكتروني، أن تمتص هذه الهوائيات الهيكلية بعض الهجمات الموجهة بالصواريخ المضادّة للإشعاع.

ويجب أن يوخذ في الحسبان، عند إعداد خطة إنشاء المواقع الهيكلية وتنفيذها، أن العدوّ على درجة عالية من الذكاء والخبرة، ولا يسهل خداعه. لهذا، فإن إضفاء مظاهر الحياة الحقيقية على شبكة المَواقع الهيكلية، يحتاج إلى تخطيط واعٍ، وتنفيذ صارم، يشمل مداومة إصلاح هذه المَواقع، وما فيها من معدات، وبث الحياة فيها، واستمرار حركة الشاحنات منها وإليها، وتجهيزها بمصادر الإشعاع، الكهرومغناطيسي والحراري. ومن الممكِن مركزة بعض الأسلحة القديمة، الموجودة في المخازن (التي أُخرجت من واجب العمليات)، لتؤدي دور مصادر النيران الحقيقية (حتى لو كانت غير مُصوَّبة). كما يجب أن تدخل هذه المَواقع الهيكلية في إطار خطة الإخفاء بستائر الدخان، أثناء القتال. ولا بد من اندماج شبكة المَواقع الهيكلية في شبكة المَواقع البديلة، وبذلك يتم احتلالها بمعدات حقيقية، من آن إلى آخر. وأخيراً، فلِكي ينجح الإخفاء والخداع، يجب أن يُخطَّط لهما مركزياً، وأن تتعاون جميع المستويات على تنفيذ الخطة. إذ إن أي خلل بسيط في وضْعها أو تنفيذها، قد يؤدي إلى كشْفها.

ثامناً: القدرة على الصمود والفاعلية

لا يعني الصمود مجرد امتصاص الضربات المعادية. وإنما يعني قتالاً شرساً، وإيجابية مطلقة، وفاعلية مستمرة، تُكبِّد العدو خسائر كبيرة، وتمنعه من تنفيذ مهامه. في مقابل خسائر محتمَلة (ومقبولة) في منظومة الدفاع الجوي.

وعند التخطيط لأي عملية "هجوم جوي"، يأخذ المُخطِّط في حسبانه، بادئ ذي بدء، مشكلة التغلب على الدفاع الجوي المعادي. ولهذا، فهو يحشد مجموعة متنوعة من الأسلحة والمعدات، لتدميره، أو على الأقل، إسكاته.

وتشمل هذه المجموعة الآتي:

1. الإعاقة الإلكترونية، بصورها المختلفة.

2. الصواريخ الطوافة، كروز Cruise، وغيرها من صواريخ أرض/ أرض.

3. أسلحة الخمد Suppression Weapons.

4. المقاتلات الاعتراضية، لحماية طائرات الهجوم، من مقاتلات الدفاع الجوي المعادي.

ويتلقّى الدفاع الجوي، عادة، الضربة الأولى. فإذا فشل في صدّها، فإن الطريق يصبح مفتوحاً، وآمناً، أمام موجات الهجوم الجوي التالية، التي تُوجَّه إلى أهم الأهداف الحيوية، العسكرية والمدنية.

أمّا إذا صمد الدفاع الجوي، واستطاع أن يُسقِط عدداً مؤثراً من الطائرات المعادية، فإن الموقف يتغير جذرياً. وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل، أو تعديل خطة الهجوم الجوي التالي.

ومن المُسلَّم به، أن الدفاع الجوي، سوف يصاب بخسائر؛ فلا توجد حرب بلا خسائر. ولكن المهم هو الفاعلية في صدّ الهجوم، بأقلّ خسائر ممكِنة، وسرعة استعادة الموقف، وسدّ الثغرات، التي تحدث في الدفاع (حائط الدفاع الجوي)، في أقل وقت ممكِن.

وهذا يعني، أن فاعلية تشكيل الدفاع الجوي، وقدرته على الصمود، تتحقق بالآتي:

1. تقليل خسائر الوحدات، نتيجة القتال، إلى أقلّ حدّ ممكِن.

2. سرعة استعادة الموقف، بعد كل معركة جوية (بين الدفاع الجوي والطائرات المهاجمة).

1. تقليل الخسائر

ويتحقق بمجموعة متكاملة من الشروط، أهمها الآتي:

أ. اختيار الأرض الملائمة

عند وضْع خطة التمركز لوحدات الدفاع الجوي، ينبغي للمخطِّط انتخاب المَواقع، التي تحقق لتشكيل القتال أقصى زمن إنذار ممكِن من اقتراب العدوّ الجوي، وأكبر استفادة من إمكانات السلاح.

ب. تماسك التجميع

عندما تتشابك عِدَّة حلقات، يصير من الصعب فقدان إحداها. وينطبق ذلك على تجميع الدفاع الجوي. ويتحقق هذا التماسك نتيجة للآتي:

(1) تعاون بالنيران، بين الوحدات المُكوِّنة للتجميع.

(2) تكثيف حماية الأجناب.

(3) خلوّ التجميع من الثغرات، التي قد تنفُذ منها الطائرات المعادية.

(4) تراكم الدفاعات، على المستوى الرأسي (إن أمكَن).

وتتضح أهمية التعاون بالنيران، عندما يحاول العدوّ الجوي فتْح ثغرة في نطاق الحماية، فيركِّز هجوم طائراته في مَوقع أو اثنين من مَواقع التجميع. وفي هذه الحالة، يصبح من الضروري، أن يتلقّى الموقعان دعماً نيرانياً من المَواقع الأخرى، لمواجهة كثافة النيران المعادية.

وفي بعض الأحيان، عندما يُواجَه العدوّ الجوي بتجميع دفاع جوي قوي، ومتكامل، فإنه يُركِّز هجومه، في البداية، في المَواقع الموجودة في الأطراف. فإذا نجح في تدميرها، فإنه يواصل هجومه ضد المَواقع الأخرى، إلى أن يتبدّد تشكيل القتال. ولهذا، فإن تقوية أطراف التشكيل، من أهم العوامل، التي تحافظ على ثباته وتماسكه.

ج. الدفاع ضد أسلحة الخمد

أسلحة الخمد، هو الاسم الذي يطلق على الأسلحة المُخصَّصة لتدمير، أو إسكات الدفاع الجوي. وتشمـل أنواعاً مختلفة من الصواريخ، التي تدخل في طائفة الأسلحة الذكية Smart Weapons؛ إذ إن لها قدرة على التصرف، طبقاً للموقف.

وتشمل أسلحة الخمد الصواريخ المضادّة للإشعاع، مثل صواريخ: هارم HARM الأمريكي، وألارم ALARM الإنجليزي، وأرمات ARMAT الفرنسي، وغيرها. كما استُخدِمت الصواريخ الطوافة، من نوع توماهوك Tomahawk بأعداد كبيرة، في حرب الخليج، ضد مَواقع الدفاع الجوي العراقي. وأطلقت إسرائيل صواريخ لوتس، وزائيف، وجابرييل ـ 2، ضد مَواقع الصواريخ السورية، في سهل البقاع اللبناني، عام 1982.

ويُطلق أغلب أسلحة الخمد، من خارج مدى أسلحة الدفاع الجوي البرية. ولهذا، فإن الدفاع ضدها، يُعَدّ من أعقد المشاكل، التي ما زالت تواجِه الدفاع الجوي.

ومن الناحية العملية، فإن أفضل طريقة للتغلب على صواريخ كروز، هي توجيه ضربات وقائية ضد منصات إطلاقها. أمّا اعتراضها، في الجو، فما زال أمراً صعباً، نظراً إلى أنها تطير على ارتفاعات شديدة الانخفاض، علاوة على صِغَر مساحة سطحها العاكس للرادار. وهذا وذاك يؤديان إلى تعذُّر اكتشافها، رادارياً، واعتراضها في الجو. وتعمل وزارة الدفاع الأمريكية، حالياً، في برنامج لتجهيز المقاتلات F-14, F-15, F-18 بجهاز جديد، يحتوي على مجموعة مختلفة من المستشعرات، وتطوير صاروخ Aim-9 جو/ جو، حتى تتمكن هذه الطائرات من اعتراض صواريخ كروز، في المراحل الأولى من الطيران. ولكن هذا المشروع ما زال في بدايته. ولذا، فإن تدمير منصات الإطلاق، قبل الحرب، أو عند بدء العمليات، هو الحل الأمثل، حتى الآن.

أمّا الصواريخ المضادّة للإشعاع، فإن أفضل طريقة لمواجهتها، هي اعتراض الطائرات التي تحملها، بوساطة المقاتلات، قبْل أن تصِل إلى خط إطلاق هذه الصواريخ. إضافة إلى بعض الإجراءات السلبية، مثل قيام وحدة الدفاع الجوي بالاشتباك، من دون بث طاقة كهرومغناطيسية، والاكتفاء بوسائل التسديد الكهروبصرية. وقد ورد في أحد المراجع الروسية، أنه يمكِن تضليل الصواريخ المضادّة للإشعاع، باستخدام عدد كبير من الوسائط الإلكترونية، التي تعمل في نطاق تردّدي واحد. كما أعلنت شركة داسو Dassault الفرنسية، أنها تتعاون مع شركة بريطانية على إنتاج أجهزة خداعية إيجابية، تعرف باسم LAD، لتضليل الصواريخ المضادّة للإشعاع.

د. تجنّب ثبات التجميع

لا توجد هناك قوات جوية تهاجم هدفاً ما، ما لم يكْن لديها معلومات دقيقة عنه. ولهذا، فهي عادة ما تنفذ استطلاعاً جوياً أخيراً، قبْل الهجوم بفترة قصيرة، لتدقيق معلوماتها، وتعديل خططها، إذا اقتضى الأمر. وعلى الدفاع الجوي أن يَعُدّ هذا الاستطلاع النهائي إيذاناً بهجوم جوي وشيك، وأن يحاول تغيير شكل التجميع، بقدر الإمكان، خلال الوقت المتيسر.

وقد حدَث، إبان حرب الاستنزاف، على جبهة قناة السويس، أن كانت الطائرات الإسرائيلية، تنفذ استطلاعها الأخير، قبْل آخر ضوء، لتعقبه بالهجوم الفعلي، في أول ضوء من اليوم التالي، ونجحت مرَّة. ولكنها في المرّات التالية، كانت تهاجم مواقع هيكلية، يُدافَع عنها بوحدات قوية من المدفعيـة (م/ط)، التي كانت تنجح، أحياناً، في إسقاط بعض الطائرات المعادية، مقابل لا شيء، سوى بعض المعدات الهيكلية. وواظبت إسرائيل على هذا الأسلوب، إلى أن اكتشفت الخدعة، في النهاية.

أمّا في حرب تحرير الكويت، فقد واجهت طائرات التحالف مصاعب جمَّة، في مطاردة منصات صواريخ سكود Scud .وكان نجاح التحالف محدوداً في هذه المطاردات، لأن تلك المنصات، كانت تغيّر مواقعها بصفة مستمرة.

هـ. تحصين المَواقع

أثبتت خبرة القتال أهمية تحصين مَواقع الدفاع الجوي، بشرْط أن يكون هذا التحصين قادراً على مواجَهة قوة تأثير الأسلحة المعادية. وبذلك تتحقق الوقاية لمعْظم معدات المَوقع، كما أن وجود أطقم القتال داخل مَواقع محصنة، يهيئ لهم بعض الأمان، واستطراداً، الثبات المطلوب لتنفيذ سلسلة الإجراءات المعقدة، المتعلقة بالاشتباك، وهي إجراءات غاية في الدقة والسرعة، وتحتاج إلى أعصاب ثابتة وهادئة. كما يساعد التحصين على تنفيذ عمليات الإصلاح، التي ينفذها المهندسون داخل المَوقع، عادة، تحت نيران مركَّزة من العدو.

و. مقاومة الإعاقة الإلكترونية

تُعَدّ مقاومة الإعاقة الإلكترونية من أهم عوامل الصمود في الدفاع الجوي. وتتحقق بمجموعة من الإجراءات، تشمل الآتي:

(1) اختيار الأسلحة والمعدات الملائمة.

(2) إجراء المناورة الإلكترونية بمهارة، و السيطرة على عمليات البث في الأثير، والمحافظة على سِرِّية التردّدات، وخواصّ الإشعاع ... إلخ.

(3) تَفهُّم كامل لعناصر الحرب الإلكترونية، ومهام كل عنصر، وترابط بعضها ببعض.

(4) معرفة عميقة بمعدات الحرب الإلكترونية لدى العدو، وإمكاناته، وأساليبه في استخدامها، ومتابعة التطورات العالمية، في هذا المجال.

(5) تدريب الجنود، وإكسابهم القدرة على تنفيذ الإجراءات المضادّة للإعاقة الإلكترونية، وإمكان اكتشاف الهدف المعادي، من خلال الإعاقة. والاستفادة القصوى من أجهزة المحاكاة، للوصول إلى مستويات عالية. وينبغي أن يجرى هذا التدريب يومياً.

وعلى القائد، وجهاز التخطيط، أن يعملوا بالمبدأ القائل: إن أي جهاز رادار، يمكِن إعاقته. كما أن أي إعاقة، يمكِن مقاومتها Any Radar can be Jammed , any Jammer can be countered.

ز. التأمين ضد أسلحة العدو البرية وطائراته العمودية

يلجأ العدو، في كثير من الأحيان، إلى قصْف مَواقع الدفاع الجوي، بمدفعية الميدان، أو مهاجمتها بالمدرعات، وأحياناً، بغارة الطائرات العمودية عليها. ولهذا، يجب التخطيط لحماية هذه المَواقع من هذا التهديد، بالتنسيق والتعاون مع القوات البرية.

ح. القيادة والسيطرة والاتصالات

يؤدي تدمير مركز القيادة، أو انقطاع الاتصال مع الوحدات، إلى أن تتفكك منظومة الدفاع الجوي وتصبح القوات من دون سيطرة. ولمنع ذلك يجب:

(1) تحصين مراكز القيادة تحصيناً ملائماً، لمواجَهة أسلحة العدوّ.

(2) إنشاء مراكز العمليات البديلة، مجهَّزة بالمعدات، ومحتلة بأطقم بديلة، وقادرة على ممارسة القيادة، من الفور. مع وجود خطة شاملة لانتقال طاقم مركز القيادة الرئيسي، (أو ما تبقى منه)، في أسرع وقت، إلى المركز البديل. ويُفضَّل العمل من مراكز العمليات البديلة، أثناء المشروعات التدريبية.

(3) وجود غير وسيلة اتصال بين مراكز القيادة الرئيسية والبديلة والوحدات المرؤوسة، والجوار، والقيادة الأعلى. أي وجود وسائل اتصال بديلة، دائماً.

(4) وجود خطة إصلاح وطاقم مدرَّب، لاستعادة موقف منظومة الاتصال، في أسرع وقت ممكن.

2. سرعة استعادة الموقف

تهدف الإجراءات السابقة إلى المحافظة على فاعلية تشكيل الدفاع الجوي، وإسقاط أكبر عدد من الطائرات المعادية، وتقليل خسائرنا إلى أقلّ حدّ ممكِن. ومع ذلك، فمن المؤكد، أن قواتنا ستتكبد بعض الخسائر، في الأرواح والأسلحة والمعدات والمَواقع ... إلخ.

ومن الأمور التي يعرفها العسكريون، الذين خاضوا الحروب الحديثة، أو درسوها، أن الفاصل الزمني بين كل هجمة جوية وأخرى، خاصة في جبهة القتال، ربما لا يزيد على نصف ساعة. ومن ثَمَّ، فإن مبادرة القيادة إلى دفع الرجال والاحتياجات اللازمة، لاستعادة الموقف خلال هذه الفترة المتاحة، تصبح أمراً حتمياً، حتى يتمكن التشكيل من صدّ الهجمة الجوية التالية، وهو أقرب ما يكون من مستواه الأول. ومن الخطأ، أن تنتظر قيادة التشكيل إلى حين انتهاء الهجوم، وحصْر الخسائر بوساطة الوحدات، وحساب الذخائر المستهلكة، وكتابة التقارير، وما إلى ذلك من الإجراءات الرتيبة. وبعدها، تبدأ القيادة في تجهيز الاحتياجات، ودفْعها من المستودعات، ومن ورش الإصلاح، إلى المَوقع المطلوب، بعد انقضاء ساعات، يكون فيها الموقف قد ازداد سوءاً. وربما لا تصل هذه الاحتياجات على الإطلاق، بسبب ظروف القتال.

والصحيح هو أن تُخطِّط القيادة لعمليات استعادة الموقف مسبقاً، أي قبْل بدء العمليات، بناءً على ما لدى القيادة من معلومات، دقيقة وشاملة وعميقة، عن العدوّ، وأسلحته، وأساليبه، وكل ما سبق ذكْره في هذه الدراسة عن العدو الجوي. إضافة إلى معرفة تفصيلية بنقاط الضعف في تشكيل الدفاع الجوي، وفي أسلحته، وأكثرها تعرضاً للقصف (مثال: كتائب الأطراف، وهوائيات الرادار). وعلى القيادة أن تُعِد أطقم الإصلاح والاحتياجات اللازمة، كمّاً ونوعاً، وتُحدِّد المناطق الملائمة لتمركز هذه المجموعات، لتدفع إليها عند رفْع حالات الاستعداد القتالي للقوات.

ويجب، عند اختيار مناطق تمركز مجموعات استعادة الموقف، مراعاة عدَّة عوامل، تشمل الطرق المتاحة، ومدى تأمينها، ودرجة إشغالها، أثناء العمليات. كما يجب أن تُجهَّز بوسائل الاتصال، ووسائل النقل اللازمة. ومن الطبيعي، أن هذا التقدير المُسبق، لن يكون مطابقاً تماماً للموقف. ومع ذلك، فسيكون من السهل دفْع الاحتياجات القليلة الباقية، لدى ظهور الحاجة إليها، أثناء متابعة القتال.

فإذا نجحت القيادة في استعادة الموقف، بسرعة وكفاءة، فإن التشكيل سيواجِه العدوّ، في الهجوم التالي، وهو أقوى، نسبياً، مما كان عليه في الهجوم الأول. لأن العدوّ، في الهجوم التالي، لن يستطيع في الغالب، أن يستعيض ما خسره من الطيارين والطائرات، خلال الفترة نفسها.

وقد اتُّبع هذا الأسلوب في حرب أكتوبر 1973، وكان ذلك أحد أسباب صمود تشكيل الدفاع الجوي، في جبهة قناة السويس، حتى أَطلقت عليه وسائل الإعلام اسم "حائط الصواريخ". ولم تنجح إسرائيل في إحداث ثغرة في هذا التجميع، إلاّ بوساطة الوحدات المدرعة.

وقد عُرِف عن القائد الألماني الشهير، إرفين روميل Erwin Rommel، سرعة استعادته للموقف، ومقابلة خصْمه بعدد من المدرعات أكبر مما كان يتصور. وكان ذلك واحداً من أهم أسباب قوّته.

وخلاصة القول، إن النجاح في استعادة الموقف، يعتمد على التخطيط الدقيق والتحضير الجيّد، والتصور المسبق لأبعاد المعركة المقبِلة، ودراسة مسرح العمليات، ومحاور الإمداد والإخلاء، والإمكانات المحلية، والاحتفاظ بأعداد احتياطية من الوحدات، والأسلحة والذخائر، وقطع الغيار، والرجال، تتلاءم مع معدلات الاستهلاك الكبيرة في الحرب الحديثة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
maiser

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 23/01/2010
عدد المساهمات : 2756
معدل النشاط : 2797
التقييم : 132
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....   الجمعة 12 نوفمبر 2010 - 23:02

تاسعاً: الحشد والمناورة

1. الحشد

الحشد هو تركيز القوى الملائمة في المكان والزمان الملائمين. وفي الدفاع الجوي، يُعَدّ الحشد من أكثر مبادئ الحرب صعوبة، عند التطبيق، نظراً إلى كثرة الأهداف الحيوية، وانتشارها على اتساع رقعة الدولة. ويؤدي توزيع الموارد المتاحة، على جميع هذه الأهداف، إلى بعثرة الإمكانات. وهذا يعني، على سبيل المثال، أنه إذا كان على القائد أن يدافع عن عشرة أهداف حيوية، وليس لديه سوى عشر وحدات، فمن الخطأ، أن يُخصَّـص وحدة واحدة لكل هدف، ويتصور بذلك أنه حقَّق الوقاية لجميع الأهداف، لأنه، في الواقع، لن ينجح في الدفاع عن أيٍّ منها بوحدة واحدة، ذات إمكانات محدودة. أمّا الحل الصحيح، فهو تركيز هذه الوحدات للدفاع عن الأهم، فالمُهم، من هذه الأهداف الحيوية، في الوقت المتوقع أن تتعرض فيه للهجوم. وقد يقال إن هذه مغامرة، تُعرِّض باقي الأهداف الحيوية للتدمير. وهذا غير صحيح، لأن الحشد يعتمد على الجرأة، وليس المغامرة. أمّا الجرأة، فتُبنى على تقدير سليم لمجموعة من العوامل، تشمل الآتي:

أ. موقف العدوّ الجوي وإمكاناته ونواياه وخططه وأهدافه وتسليحه ... إلخ.

ب. عدد الأهداف الحيوية، وأهمية كل هدف، وتأثيره في الحرب، في مراحل القتال المختلفة. والتوقيت المحتمل لمهاجمة هذه الأهداف، طبقاً لأسبقيتها من وجهة نظر العدوّ. إذ إن العدوّ، هو الآخر، لا تتأتى له الإمكانات، اللازمة لمهاجمة جميع الأهداف في وقت واحد.

ج. قواتنا وإمكاناتها القتالية (نيران ـ مناورة ... إلخ).

د. عدد الوحدات، اللازمة لتوفير دفاع جوي فعال عن كل هدف حيوي.

ولنذكر مثالاً عملياً، من الحرب العالمية الثانية، لتنفيذ مبدأ الحشد. فعندما أصدر مارشال الجو الألماني، هيرمان جورنج Herman Wilhelm Goering ، أوامره بتركيز القصف الجوي ضد لندن، في شهر سبتمبر 1940 (بدأ القصف في 7 سبتمبر)، سارعت القيادة البريطانية إلى حشد إمكانات الدفاع الجوي، لحماية المدينة. ولهذا، تكبَّدت موجات الهجوم الجوي خسائر كبيرة، في هذا الشهر، بلغت 582 طائرة، وذلك، طبقاً للوثائق الألمانية الرسمية، التي نُشِرت بعد الحرب.

ومثال آخر من حرب أكتوبر 1973. عند تنظيم الدفاع الجوي عن المعابر، التي أقيمت على قناة السويس، والتي كانت نقاطاً حيوية صغيرة، ولكنها، مع ذلك، على درجة كبيرة من الأهمية، لأنها الشرايين، التي تنقل القوات والإمدادات، من الغرب إلى الشرق. كان هناك لحظات حرجة جداً، بعد عبور طلائع المشاة، وحدها، واقتحامها خط بارليف، وانتظارها إقامة الجسور، وعبور المدرعات، لدعم أعمال قتالها، وتثبيت أقدامها في سيناء.

وكان العدوّ يُدرك أهمية هذه المعابر. ولهذا، خصّص أغلب قواته الجوية لمهاجمتها. واستماتت الطائرات الإسرائيلية في محاولة تدميرها. ولكن جميع هذه المحاولات، باءت بالفشل، لأن هذه المعابر، كانت محمية بحشد ملائم من جميع أسلحة الدفاع الجوي، وتكبَّدت الطائرات المعادية خسائر كبيرة، مما اضطر القيادة الإسرائيلية، بعد آخر ضوء من اليوم الأول للقتال، إلى إصدار أوامر متكررة إلى طياريها، بعدم الاقتراب لمسافة 15كم من قناة السويس. وتم التقاط هذه الإشارة، وأذاعتها وكالات الأنباء العالمية، ولم تنكِرها إسرائيل.

وقد جاء هذا الحشد على حساب أهداف حيوية أخرى، لم يُوفَّر لها دفاع جوي، لأنها لم تكُن معرَّضة للهجوم، في ذلك الوقت، وليس لها القدر الكبير من الأهمية، أو التأثير في سَير الحرب. والواقع، أن تركيز العدوّ هجومه ضد المعابر، كان على حساب أهداف أخرى، لم يقُم بقصفها.

ومن الواضح، أن تطبيق مبدأ الحشد، يعتمد على مبدأ آخر، هو المناورة، التي تحقِّق نقْل القوات اللازمة إلى المكان الملائم، وفي الزمان الملائم.

2. المناورة

لا تخلو معركة من معارك الدفاع الجوي، من استخدام المناورة، بصورة أو بأخرى، لِما لها من دور فَعال في وقاية القوات، وفي تنفيذ الحشد، وفي تضليل العدوّ عن حقيقة تشكيل القتال. وتُحقِّق المناورة الدعم المطلوب، الذي تحتاج إليه الاتجاهات في المواقف الحرِجة. وللمناورة صور متعددة، نعالج منها في هذا المقام ثلاثة أنواع رئيسية، هي:

أ. المناورة بالقوات

تُنفَّذ المناورة بالقوات، باستخدام المقاتلات، أو بوحدات فرعية صغرى، مثل وحدات الصواريخ الخفيفة، أو بوحدات كاملة، قد تصل إلى لواء صواريخ أرض/ جو. وقد تُجرى بتجميع متكامل من هذه الأسلحة الثلاثة.

(1) المناورة بالمقاتلات

تُعَد المقاتلات الاعتراضية أقدر أسلحة الدفاع الجوي على إجراء المناورة؛ إذ يمكِن دفعها، في وقت قصير، إلى مسافات بعيدة، خارج مناطق عمل صواريخ أرض/ جو، في دقائق معدودة. وهذا يحتاج إلى إنذار مبكر من اقتراب العدوّ، وإلى معلومات مستمرة عن الموقف الجوي، كما يتطلب نظام توجيه دقيقاً، حتى تتمكن المقاتلات من المناورة في الاتجاه المطلوب، في التوقيت الملائم، واكتشاف الطائرات المعادية، واعتراضها بكفاءة. وينبغي أن تُجرى هذه المناورة في إطار تعاون كامل مع باقي أسلحة الدفاع الجوي. ولكن المناورة بالمقاتلات، هي إجراء مؤقت، يُلجأ إليه، عادة، لسد الثغرات، التي قد تحدُث أثناء القتال، أو للدفاع عن هدف حيوي، لفترة محدودة، إلى حين وصول وحدات الدفاع الجوي الأرضية.

(2) المناورة بالوحدات الصغرى

تُجرى هذه المناورة، عادة، بالصواريخ الخفيفة، التي تُطلَق من الكتف، مثل صاروخي Stinger، SAM – 7، وما شابههما من الأسلحة، التي تتمتع بخفة حركة عالية. وتُستخْدم، في العادة، لتغطية الثغرات، وسدّ طُرق الاقتراب أمام العدوّ الجوي. وتتميز هذه العمليات الصغيرة بسهولة التنفيذ وسرعته، وتُحقِّق مفاجأة العدوّ بالنيران، من حيث لا يتوقع. وتضطر الطائرات المعادية، إمّا إلى تجنُّب هذا الطريق، على الرغم من كونِه الأفضل، أو محاولة تدمير هذه الأسلحة، التي تعترض طريقها، وهو ليس عملاً سهلاً، لأن مَواقع هذه الأسلحة تكون صغيرة الحجم، ويسهل إخفاؤها، بينما يصعب تحديدها وإصابتها، من الجو. كما أنها تتمتع بخفة حركة، تعِينها على الانتقال، بسرعة، من مَوقع إلى آخر، بعد كل اشتباك، إضافة إلى قدرتها على تحقيق اشتباكات ناجحة، من مَواقع سريعة التجهيز. ويمكِن تنفيذ هذه المناورة بسرعة عالية، لو استُخْدِمت طائرات النقل الجوي، والطائرات العمودية، في نقْل هذه الأطقم، وإسقاطها، من الجو، في الأماكن المطلوبة.

(3) المناورة بوحدات كاملة

مع تطَوُّر القتال، يفقِد بعض المناطق أهميتها، وتتأخر أسبقية بعض الأهداف الحيوية. بينما تظهر مناطق وأهداف حيوية جديدة، تحتاج إلى تأمين الدفاع الجوي عنها. وهذا يؤدي إلى سحب وحدات كاملة من مَواقعها، والمناورة بها في اتجاهات جديدة. ويُنَفَّذ ذلك، إمّا بتخفيف الدفاعات القائمة، أو بإخلاء الوحدات تماماً. ويحتاج كلا الأمرين إلى إجراء مناورات رئيسية، وفرعية، لتحقيق اتّزان الدفاعات في الموقف الجديد.

وعندما تنجح قواتنا البرية في الهجوم، وتستولي على أراضٍ جديدة، يصبح من الضروري، أن يُجري تشكيل الدفاع الجوي المناورة بوحداته، ليَمُد مظلة الحماية أمام هذه القوات، في مسرح عملياته الجديد.

ويعتمد نجاح المناورة، في هذه الأحوال، على عِدَّة شروط، من أهمها:

(أ) وضْع خطة مركزية، على مستوى قيادة التشكيل، لضمان التعاون والتنسيق بين جميع العناصر، والمحافظة على قُدرَة التجميع على الصدّ، أثناء تحرك بعض الوحدات. ومن البديهي، ألاّ تتحرك جميع الوحدات، في وقت واحد.

(ب) شبكة من المَواقع المجهَّزة من قبْل، إذا كانت المناورة ستُجرى في إطار مسرح العمليات القديم. أمّا إذا انتقلت الوحدات إلى أرض جديدة، فيجب تدعيمها بوحدات المهندسين، لعمل تجهيزات سريعة، حتى لا تتمركز وحدات الدفاع الجوي في أراضٍ مكشوفة، وتتعرَّض للقصف المعادي، ليس بوساطة الطائرات فقط، وإنما بمدفعية الميدان، كذلك، وبالدبابات والصواريخ أرض/ أرض التكتيكية، وغيرها من أسلحة القوات البرية.

(ج) مُعَدَّات خفيفة الحركة؛ ومن حسن الحظ، أن كثيراً من أسلحة الدفاع الجوي الحديثة، أصبحت ذاتية الحركة.

(د) معرفة جيدة بالأرض، وتأثير التضاريس في الإمكانات القتالية للسلاح والوحدة والتشكيل، خاصة في الصحراء.

(هـ) وسائل نقل جيدة وطرق ملائمة للتحرك، من حيث التمهيد والاستتار، إن أمكَن.

(و) وسائل اتصال جيدة، وسريعة الإنشاء، لضمان استمرار القيادة والسيطرة على القوات، وتنظيم التعاون فيما بينها، ومع الجوار. ويجب أن تكون وسيلة الاتصال مؤَمَّنة ضد تنصّت العدّو. وعموماً، يجب مراعاة السرِّية الكاملة، أثناء التخطيط والتنفيذ، حتى لا يكتشف العدوّ هذه التحركات، ويهاجم التشكيل، وهو في أضعف حالاته.

(ز) تأمين حماية الوحدات القائمة بالمناورة، ضد هجمات العدو، الجوية والبرية والبحرية. ويمكِن تحقيق هذه الحماية بالإمكانات الذاتية، أو الخارجية، أو بكلتيهما معاً.

(ح) يُفضَّل أن تُجرى المناورة ليلاً؛ فما زال الليل ستاراً، لا بأس به، لإخفاء القوات. وعلى الرغم من تقدُّم أجهزة الرؤية الليلية، فإنها لا توفر الوضوح الشامل للموقف، مثلما يحدث نهاراً.

(ط) وأخيراً، فمن الضروري، أن يكون الرجال على مستوى تدريبي مميز، وأن تكون كفاءتهم عالية، في تجهيز الوحدة للتحرك وللاشتباك.

ب. المناورة بالنيران

تعني المناورة بالنيران، قدرة قائد الوحدة على تركيز نيران وحداته في هدفٍ محدد، أو توزيعها على عِدَّة أهداف، طبقاً للموقف. ويعتمد نجاحها على حُسْن إلمام القائد بالموقف الجوي، وتقدير أهمية الأهداف المعادية، وموقف وحداته، ومدى تعرّضها للهجوم. وتسهم المناورة بالنيران في تقليل الخسائر في قواتنا، وإسقاط أكبر عدد من الطائرات المعادية، كما يتضح من الأمثلة التالية:

(1) من المعروف أن احتمال تدمير الطائرات المعادية، يزداد بوضوح، عندما تُقاتل وحدات الدفاع الجوي في ظروف، تخلو من الإعاقة الإلكترونية. وفي بداية حرب فيتنام، كان تدمير طائرة أمريكية واحدة، يحتاج إلى صاروخين أو ثلاثة صواريخ. وعندما استخدمت الطائرات الأمريكية الإعاقة الإلكترونية، ارتفع عدد الصواريخ، اللازمة لتدمير طائرة واحدة، إلى ثلاثين صاروخاً. ولهذا، فإن طائرات الإعاقة الإلكترونية، تُمثِّل الأسبقية الأولى، في قائمة الاشتباك. ومن ثَمَّ، يُركِّز القائد نيران وحداته في تدمير هذا الهدف الخطير. وينطبق القول نفسه على طائرات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر. وهذه إحدى صور المناورة بالنيران.

(2) قد، يحدث، أحياناً، عُطل في أحد المكوّنات العديدة لوحدة الدفاع الجوي، أو تخرج وحدة من واجب العمليات، نتيجة للقصف المعادي. وليس أمام القائد، أثناء الهجوم الجوي، إلاّ أن يناور بنيران الوحدات الأخرى، لتغطية الثغرة، التي حدثت نتيجة لذلك.

(3) ظهرت في السنوات الأخيرة، صورة جديدة من صور المناورة بالنيران، وهي تحويل النيران من هدف جوي (طائرة)، إلى هدف أرضي (دبابة). وقد كان ذلك مقصوراً، في الماضي، على وحدات المدفعية
(م/ ط). أمّا الآن، فقد أنتجت الصناعات الحربية صواريخ مضادّة للطائرات والدبابات معاً، وتسهم هذه الخاصية في وقاية مَواقع الدفاع الجوي من نيران الأسلحة البرية.


ج. المناورة الإلكترونية

يزداد التلاحم، يوماً بعد يوم، بين العمليات الجوية والحرب الإلكترونية. وقد ظهر ذلك، بوضوح، في حرب تحرير الكويت، حين استُخدمت صور الحرب الإلكترونية ضد الدفاع الجوي العراقي، على النحو الآتي:

(1) الاستطلاع الإلكتروني: لتحديد خواصّ الأجهزة الإلكترونية المعادية، والتنصّت على شبكات الاتصال.

(2) الهجوم الإلكتروني": وينقسم إلى نوعين رئيسيين، هما: الإعاقة، الإيجابية والسلبية، وتسمى القتل الناعم Soft – kill، والتدمير، ويسمى Hard – kill، ويُنفَّذ، عادة، بالصواريخ المضادّة للإشعاع Anti – Radiation، مثل صاروخَي Harm وAlarm وغيرهما.

وتسهم المناورة الإلكترونية، إلى حدّ كبير، في مواجَهة هذه التهديدات الخطيرة. وعلى الرغم من تعدد أساليب المناورة الإلكترونية، فمن الممكن حصرها في الآتي:

(3) المناورة بالتردّدات: وهي أكثر صور المناورة الإلكترونية شيوعاً، وأبسطها استخداماً، إذ إن تصميم المعدات الإلكترونية الحديثة، يسمح بإجراء المناورة آلياً. وهي، في الواقع، عملية هروب متكرر، بالتردّدات، من أجهزة الاستطلاع والإعاقة المعادية، التي تحاول، بدورها، متابعة التردّد الجديد وإعاقته. وتَحدُث عملية تغيير التردّد هذه بوساطة الحاسب الآلي. ولهذا، فهي تتم في أزمنة متناهية القِصر. ومع ذلك، فهناك حدود لإمكاناتها، إذ إن جهاز الرادار، مهْما بلغت قدرته على تغيير التردّد، فهو، في النهاية، محصور في نطاق حيّز معيّن من الترددات لا يمكِن تجاوزه.

(4) تخيُّر الوقت الملائم لبثّ الطاقة في الأثير: وتحديد فترات قصيرة لهذا البث، والمناورة الزمنية، بالأجهزة والترددات، التي تقوم بالإشعاع، في كل فترة.

(5) ظهرت وسائل حديثة، لتشغيل أجهزة الرادار، تعتمد على تقسيم النبضة إلى أجزاء صغيرة. وبالتحكم في زمن التأخير، وضبط الطور Phase، يمكِن الحصول على نبضة ضيقة، تتضاعف فيها قوة الإشارة، ويصبح من الصعب إعاقتها.

(6) المناورة بأجهزة الاستشعار المختلفة، الرادارية والكهروبصرية: وتلك التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، حتى يمكِن تأمين معلومات مستمرة عن العدوّ الجوي، بالوسائل التي لم تتعرض، على نحوٍ مؤثر، للإعاقة المعادية.
(7) المناورة بمعدات ومَواقع إلكترونية هيكلية: تكُون قادرة فقط على بث الطاقة في الأثير، وذلك باستخدام أجهزة الإرسال القديمة. أمّا أجهزة الاستقبال وشاشات العرض، وما إلى ذلك، فلا داعي لوجودها.


عاشراً: إعداد المقاتل والقيادة

1. إعداد المقاتل

هناك اتجاه متزايد، في الدفاع الجوي، نحو استخدام الأسلحة والمعدات المتطورة. وهي على درجة كبيرة من التعقيد، وتحتاج إلى عناية فائقة، في التعامل معها وصيانتها، لكي تبقى صالحة، وقادرة على الاستمرار في القتال، لفترة طويلة. كما تحتاج إلى مهارة عالية، في الاستخدام، حتى يمكِن الحصول على أقصى إمكاناتها القتالية. إضافة إلى ذلك، فإن مقاتل الدفاع الجوي، يواجه مجموعة هائلة من التحديات، لذلك، يجب أن يُوفَّر له الاستعداد، الفكري والنفسي، الملائم لمواجَهة هذه التحديات، وأن يكون قادراً على اكتساب مهارات عالية، تُمكِّنه من الاستخدام الصحيح لسلاحه، بكفاءة وفاعلية، في ظروف القتال.

ويمكن إعداد هذا المقاتل، إذا تهيّأت الشروط الثلاثة الآتية:

أ. اختيار الفرد الملائم

أجرت الجيوش الحديثة دراسات مُوسَّعة، لتحديد القدرات، الذهنية والنفسية والبدنية، الواجب التمتع بها في كل فئة من فئات المقاتلين، بناءً على طبيعة المعركة، التي سيخوضونها. كما وضعت الأساليب والاختبارات، التي تُمكِّن من قياس هذه القدرات بدقة. وعندما تُتّبع هذه الطرائق العلمية الحديثة، يصبح الحصول على المقاتل، الملائم للعمل في وحدات الدفاع الجوي وتشكيلاته، أمراً يسيراً.

وعلى كلٍّ، يجب أن يتميز هذا المقاتل بسرعة البديهة، والقدرة على التصرف السريع، وقوة الأعصاب، والصبر، والقدرة على تحمّل الإجهاد لفترة طويلة، وأن يكون على قدر من الذكاء، يؤهله لاستيعاب معداته وأسلحته المعقدة، في وقت قصير.

ب. الإعداد الجيّد

"العرق في التدريب، يوفِّر الدم في القتال". حكمة تتناقلها أجيال العسكريين، أثبتت الحروب صِدقها.

ويبدأ التدريب بدراسات نظرية، فنية وتكتيكية، يتلوها التدريب العملي، ثم التدريب الجماعي، من مستوى الطاقم حتى مستوى التشكيل. وأخيراً، الاشتراك في المناورات، العملياتية والإستراتيجية، التي تجمع أفرع القوات المسلحة معاً.

وقد تطورت أجهزة المحاكاة Simulators، بوضوح، في السنوات الأخيرة، وأصبحت تؤدي دوراً مهماً في تدريب الأطقم على تمرينات مشابهة للقتال. كما حدَث توسُّع في استخدام الحواسب الإلكترونية، في المباريات الحربية، التي تُجرى لتدريب القيادات. ومع ذلك، فلا غنى عن التدريب "الحيّ" على اكتشاف الطائرات الحقيقية وتتبّعها، في ظروف الحرب الإلكترونية، والرماية بالذخيرة الحية، وما إلى ذلك. ولهذا، أنشأت الجيوش الحديثة ميادين للتدريب والرماية، وجهَّزتها بأحدَث المعدات، التي تُحقِّق الواقعية في التدريب. وبوجه عام، ينبغي أن يجري التدريب في ظروف أقرب ما تكون إلى القتال الحقيقي، ويُفَضَّل المبالغة في صعوبة وتعقيد الظروف، التي يتم فيها التدريب.

وقد حدَث، أثناء حرب أكتوبر 1973، أن استخدمت إسرائيل مجموعة متنوعة من أحدَث معدات الإعاقة الإلكترونية . بعضها كان يتمركز في سيناء، وهى محطات أرضية فائقة الإمكانات، وبعضها الآخر حملته الطائرات. ولهذا، أطلقت وكالات الأنباء على هذه الحرب اسم "الحرب الإلكترونية الأولى". ومع ذلك، فلم تؤثر هذه الإعاقة في أداء الدفاع الجوي المصري. وعندما سُئِل بعض الجنود، آنذاك، عن مدى تأثير هذه الإعاقة في عملهم، أجابوا بأنها تقلّ كثيراً عمّا قابلوه أثناء التدريب. ويوضح هذا المثال، أن هناك فرقاً كبيراً بين الجندي، الذي يجد نفسه، أثناء القتال، في موقف يواجهه، أول مرة، وبين جندي آخر، تدرَّب على ما هو أصعب من هذا الموقف، بل اكتسب القدرة على التصرف، حتى في المواقف، التي لم يصادفها من قبْل.

ولعلّ ذلك يعيِد إلى ما سبق ذكره عن ضرورة معرفة العدوّ، والاستيعاب الجيّد لإمكاناته وأسلحته وتكتيكاته. فهدف التدريب النهائي، هو إعداد المقاتل لمواجَهة هذا العدوّ. وهذا يعني أن التدريب، يجب أن يكون مُوجَّهاً، وهادفاً.

ويرى بعض العسكريين أن التدريب، يتوقف، تلقائياً، عند بدء القتال. وهذا الرأي يجانبه الصواب، لأن القتال هو الذي يصقل مهارات الضباط والجنود. وفي أثنائه، يكون المقاتل أكثر استعداداً للتعلم، وأكثر تقبلاً لفهْم أخطائه وتصحيحها. وأفضل وسائل التدريب، في هذه الحالة، هي أن يبلور القائد، في فترات الهدوء، التي تتخلّل موجات الهجوم الجوي، الدروس المستفادة من العملية القتالية السابقة، وتعميمها على مرؤوسيه، وإضافة الجديد، لتحسين الأداء، وإثراء حصيلة المعلومات عن العدوّ، وتطوير سُبُل التعامل معه، وهو أمرٌ يمكن أن يحدث في دقائق.

2. القيادة

القيادة، بالنسبة إلى القوات، كالعقل، بالنسبة إلى الإنسان. فهي التي تُخطِّط، وتُنظِّم، وتُدير المعركة، وتواجه المواقف المختلفة. وعليها تقع مسؤولية اتخاذ القرار السليم، في الوقت الملائم، ومتابعة حُسْن التنفيذ، وتذليل المصاعب.

وهناك مثل إنجليزي قديم ـ كثيراً ما يتردد في الكليات العسكرية ـ يقول: "ليس هناك جندي سيئ، ولكن هناك ضابط غير كفؤ" There's no bad soldier, but bad officer.

وفي المكتبة كتب كثيرة، تتحدث عن القائد الجيّد، وما يجب أن يتصف به، من شخصية قوية، وجرأة، ومقدرة على التفكير السليم، في المواقف الصعبة، واتخاذ القرار الصحيح، وسط ضباب المعركة. وهي أمور معروفة جيّداً، ولا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح.

ومن ثَمَّ، كان لا بدّ من مراعاة الأُسس السليمة، لاختيار القادة، طبقاً لمتطلبات الدفاع الجوي، وما يحتاجون إليه من مواصفات خاصة، ثم وضْعهم على الطريق الصحيح، بالتأهيل العلمي الملائم، والتدرج في ممارسة القيادة، عملياً، منذ بداية خدمتهم العسكرية.

ومن البديهي، أن يعتمد القائد الجيّد على هيئة قيادة قوية، يتوافر لها الآتي:

أ. تفكير علمي منطقي، وإبداع في تخطيط العمليات وتنظيمها، وإعداد جيد للقوات، واستخدام أساليب جديدة وتكتيكات متطورة، لا يتوقعها العدوّ.

ب. معرفة عميقة، وتفصيلية، بأبعاد معركة الدفاع الجوي، ومقدرة على التحليل والاستنتاج، ومن ثَمّ، بُعد النظر، وتصوُّر شكل العمليات المقبِلة، وتوقُّع الأحداث، وإجراء حوار مستمر بين هيئة القيادة، من نوع: "ماذا؟ .. لو.."، أي ماذا نفعل، لو اتخذ العدوّ هذا الإجراء أو ذاك؟ وهكذا يمكِن تجهيز القوات، لمواجهة أغلب المشاكل، أثناء القتال.

ج. ثقافة عسكرية عالية، ومستوى جيّد من الثقافة العامة، يؤديان إلى سَعة الأفق، ومرونة الفكر.

د. اطّلاع واسع، ومستمر، على النشرات والدراسات والكتب العسكرية، التي تُصدرها مراكز الدراسات الإستراتيجية في العالم. ومتابعة مستمرة لِما تنتجه مؤسسات الصناعة الحربية العالمية.

هـ. قدرة على التفكير السريع في جميع أنساق القيادات، ومواجهة المواقف المتغيرة.

و. فهْم عميق للقيادة المركزية، وأهميتها في معركة الدفاع الجوي. مع ترك مساحة معقولة للقادة الأصاغر، لإظهار المبادرة الخلاقة، والاستعداد، عند الضرورة، للتحول إلى اللامركزية، مع المحافظة على التعاون بين الوحدات الفرعية.

ز. ولمّا كان الدفاع الجوي، يتعامل مع كمٍّ هائل من المعلومات، التي تتغير بسرعات فوق صوتية، فقد أصبح من المحتوم، أن تعمل قيادات الدفاع الجوي، من مراكز عمليات مجهَّزة بأنظمة قيادة آلية، حيث تتولى الحواسب الإلكترونية، وأجهزة الاتصال الحديثة، نقْل المعلومات، وتحليلها، وتصنيفها، وعرْض الموقف الجوي على شاشات القيادة، لحظة بلحظة، مع تقديم مقترحات القرار إلى القائد، الذي قد يأخذ بها ، وقد يُعدِّلها، أو يتخذ قراراً جديداً. ولكنه، في جميع الأحوال، سيجد ما يحتاج إليه من معلومات، جاهزاً أمامه، فوراً، ومعروضاً في أفضل صورة.

والخلاصة، إن الحرب أصبحت صراعاً بين العقول، في الدرجة الأولى. كما أن توافر أحدث الأسلحة ـ مهْما بلغ مستوى تقنيتها ـ من دون وجود الضابط الكفء، والفرد الجيّد، يجعل هذه الأسلحة تتحول إلى كتل من الحديد البارد، عديمة الجدوى.



اتمنى ان يعجبكم الموضوع..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
maiser

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
التسجيل : 23/01/2010
عدد المساهمات : 2756
معدل النشاط : 2797
التقييم : 132
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....   السبت 13 نوفمبر 2010 - 22:02

ايه يا جماعة مفيش اى ردود؟؟؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الدفاع الجوى عن الاهداف الحيوية.....

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: الدفاع الجوي و انظمة الرادار - Air defense-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين