أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار - صفحة 2

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
mi-17

المشرف العام
فريق

المشرف العام  فريق
avatar



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 24317
معدل النشاط : 30157
التقييم : 1207
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار    الأربعاء 21 يونيو 2017 - 12:45

«أبو الثوار».. قضية تجسس مع حكمت فهمى وأنور السادات (26)

كانت الاعتقالات والمحاكمات جزءًا أصيلاً من حياة عزيز باشا المصرى بعد نجاته من حبل المشنقة للمرة الثانية عام 1942. حيث تم القبض عليه بعد مقتل أمين عثمان ثم بعد اغتيال الدكتور أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء، ومن بعد ذلك أيضًا اغتيال النقراشى باشا، وكذلك فى قضية العثور على سيارة تحمل مدفعًا رشاشًا ومواد متفجرة.
كانت مصر خلال تلك المرحلة قد تحولت إلى غابة، صراع مسلح بين الأحزاب، ورغبة ثورية محمومة للاستقلال ولمقاومة المحتل الإنجليزى.

فى الثالث عشر من أغسطس عام 1942، كان الاعتقال الأول بعد خروجه من السجن. يؤكد عزيز المصرى فى أكثر من حوار صحفى، أكثرها دقة وتفصيلاً حواره مع محمد عبدالحميد: إن أنور السادات تسبب فى هذا الاعتقال. ويكرر محمد صبيح نفس الرواية، لكن أنور السادات فى «البحث عن الذات» يمر عليها سريعًا.

يقول عزيز: أنور السادات، ذكر اسمه فى التحقيقات التى لحقت قضية الجاسوس الألمانى الشهير جون إبلر، والذى جنده روميل من القاهرة ويعطيه أسرار التحركات البريطانية.

يضيف فى حواره مع محمد عبدالحميد: الولد الأسمر أنور السادات زج باسمى، لا أعرف عن عمد أو دون قصد، ولقد عاتبته كثيراً عن أقواله لأننى طوال معرفتى به معجب بشخصيته الثورية وأيضًا بدهاء الثعلب فى حركاته وتصرفاته وهو يتحرك وسط الخلايا الثورية الموجودة فى القاهرة.. ولقد أكد لى بعد ذلك، أنه لم يذكر اسمى على أساس اتهامى أو اشتركى فى أى عمل من أعمال الجاسوسية، إنما جوابه جاء عرضيًا عندما نفى أى وجود لى فى أى عملية اتصال مع جون إبلر الجاسوس الألمانى خاصة بعد ضبط جهاز الإرسال الذى كان يستخدمه فى إبلاغ المعلومات. وأعترف أننى تضايقت كثيراً بالرغم من هذا التبرير من جانبه. ولكنى ما لبثت أن نسيته تمامًا وراء تلاحق الأحداث وتكرار اللقاءات معه بعد ذلك.. وان كنت بين الحين والآخر أقول له: يا أنور لن أنسى أنك أبلغت عنى.

كان يضحك وهو يقول: حاول أن تنسى يا باشا. لقد اعتقلوك لأنك زعيم، أنك ترفض الملك والأحزاب والإنجليز، وكلنا كنا نتعاطف مع الألمان.

الروايات كثيرة وغنية بالتفاصيل- وبعضها متناقض حول الجاسوس جون إبلر والتى ظهرت فيها إلى السطح حكاية الراقصة والممثلة حكمت فهمى، والتى وصلت شهرتها إلى أوروبا وإلى هتلر وروميل حيث رقصت أمامهما هناك.

و«إبلر» ولد فى ألمانيا عام 1914، ثم سافر إلى القاهرة بصحبة والدته الألمانية، ثم انتقل معها إلى بورسعيد وهناك تزوجت بالمحامى المصرى صالح جعفر، وكما اعطى الزوج اسمه لزوجته، أعطاه كذلك لابنها الذى أطلق عليه اسم «حسين» ومن هنا أصبح «جون إبلر» هو حسين صالح جعفر. أتقن «إبلر» اللهجة المصرية وعاش فى جو عائلى يميل إلى الإباحية فى سلوكياته. وبمضى الوقت أصبح هاويًا للجلوس فى البارات والملاهى الليلية، وتعرف على حكمت فهمى. وهناك روايتان لمكان معرفته بها، الأولى أنه شاهدها وهى ترقص فى إحدى صالات القاهرة.. ثم بدأت العلاقة بينهما، والرواية الثانية، أنه شاهدها وهى ترقص عندما عملت فى ألمانيا، وأنه تعرف بها هناك مدفوعًا من المخابرات الألمانية للإيقاع بها ولكى تعمل جاسوسة لصالح ألمانيا من القاهرة.

حكمت فهمى راقصة مشهورة- فى ذلك الوقت- وممثلة مغمورة ظهرت فى 7 أفلام مصرية أشهرها فيلم العزيمة سنة 1939، حيث كانت تقوم بدور فردوس صديقة البطلة فاطمة رشدى. بعد تدريب «إبلر» فى مقر قيادة روميل، بدأت أغرب رحلة لجاسوس ألمانى يدخل مصر عبر دروب وسهول الصحراء الغربية.. كانت رحلة الصحراء قاسية ولكنه اجتازها بنجاح حتى وصل إلى أسيوط وهو يرتدى ملابس عسكرية إنجليزية ويحمل بطاقة عسكرية بأنه ضابط إنجليزى. وصل القاهرة فى عربة جيش إنجليزية. وكان معه زميله بيتر مونكاستر وكانت أوراقه المزورة مكتوبا فيها أنه ضابط أمريكى. فى فندق شبرد تواصل «إبلر» مرة أخرى مع الراقصة حكمت فهمى..

خلال شهور معدودة نجحت «الشبكة الألمانية» فى مد روميل بمعلومات مهمة عن تجهيز الإنجليز فى العلمين. لكن وفى إحدى «الليالى الحمراء» لـ«إبلر» مع يهوديات البارات وكانت لهم صلة بالوكالة اليهودية ومع النشوة والخمر، فانطلق يغنى بالألمانية «نشيد ألمانيا فوق الجميع» وشاركه زميل آخر، وأناس أخرى تمتدح هتلر، فوصلت المعلومات لقوات الاحتلال الإنجليزى، فتم القبض عليهما، وأمام رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل الذى كان يزور مصر فى هذا التوقيت، قدما اعترافًا كاملاً مقابل حياتهما.. فى اليوم التالى: تم القبض على حكمت فهمى وكذلك السادات.

وعن حكمت فهمى يقول عزيز «قامت بدور مزدوج.. فمرة لحساب المخابرات الألمانية، وأخرى لحساب المخابرات الإنجليزية. ومن هذه الصفة جمعت الكثير من المال.. وتعرفت على كثير من الرجال خاصة طبقة الباشوات ورجال المال والأعمال».

ويضيف «كانت أسمهان على علاقة بالمخابرات الألمانية، وفى نفس الوقت تلعب دوراً معنيًا مع المخابرات الإنجليزية. كانت ترتاد فندقى الكونتننتال وشبرد، وتقف الكثير من الوقت وسط القيادات الإنجليزية تشرب الويسكى، كانت أمينة البارودى على نفس الوتيرة.

وأؤكد أن حادث مصرعها بالقرب من رأس البر لا علاقة لأم كلثوم به من قريب أو بعيد «هذه الشائعة» أطلقها الإنجليز، وأقول إن المخابرات الإنجليزية كانت وراء مصرعها بعد أن اكتشفوا دورها المزدوج ولقربها من أحمد حسنين باشا».

يعود عزيز المصرى لمسار قضية الجاسوس إبلر: بعد الاستماع إلى شهادة أنور السادات وحسن عزت، تم القبض علىّ وكذلك تم القبض على عبدالغنى سعيد، وكانت زوجته ألمانية.

كنت قد أخبرت هوارد وكانت صلتى بالمخابرات الألمانية أن «إبلر» غير صالح لمهمته لأنه انحرف بها إلى حياة الليل فى القاهرة.. بل إننى توقعت فشله والقبض عليه، وخاصة بعد أن علمت أنه ينفق بلا حساب من الجنيهات الإنجليزية المزورة التى كان يحملها معه. ولقد تحقق كل شىء توقعته، وأذكر أننى أخبرت بذلك أنور السادات والذى أخبرنى بدوره أن جهاز الإرسال معطل، وقد طلبت من أنور السادات إصلاحه لجون إبلر فى عوامته.. هذا الجهاز لم يكن معطلاً بالفعل، وإنما كان الخلل من القائمين على جهاز الاستقبال.

تم القبض على عزيز المصرى بعد شهادة السادات ضده، ولم تسفر التحقيقات معه عن شىء إلا أنه بقى قيد الاعتقال لنحو مائة عام.. وتم الإفراج عنه فى 20 نوفمبر 1942.

فى فبراير 1945، قام محمود العيسوى- وكان من الإخوان المسلمين باغتيال أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء. أطلق العيسوى النار على «ماهر» فى مبنى مجلس النواب، لكنه فى التحقيقات اعترف بأنه من شباب الحزب الوطنى.. وحكم عليه بالإعدام.

تم اعتقال عزيز المصرى والتحقيق معه لأسابيع. وتدهورت صحته فى الحبس فتم نقله إلى المستشفى الايطالى.

يكتب صبرى أبوالمجد عن ذكرياته فى هذه المحاكمة خلال مقدمة كتابه «عزيز المصرى وصحبه» فيقول: «كان عبدالرحمن الطويل باشا النائب العام الذى يتولى القضية معنا يحترم عزيز باشا المصرى ويوقره، فلا يجلس الطويل باشا إلا إذا جلس عزيز باشا. وكان يقوم من كرسيه إذا قام (عزيز) من كرسيه».

كان «المصرى» وقتذاك ثائراً للغاية، يتهم النائب العام بالخضوع لسلطة الحكومة فى اعتقال هذا العدد الوفير من المتهمين بالرغم من أن محمود العيسوى، قاتل أحمد ماهر، كان معترفًا باغتياله.

وكان يؤكد فى كل مناسبة أنه لا صلة لأحد غيره بالتهمة. كان الطويل باشا يخشى باستمرار حدة لسان عزيز المصرى ويتحاشى باستمرار ثورته.. ولذا فإن التحقيق معه لم يستغرق وقتًا طويلاً.

كان الشباب الثورى وبعضهم ضباط جيش وشرطة وآخرون من المثقفين والكتاب الرافضين للاحتلال البريطانى يسعون إلى عزيز المصرى. ورغم الرقابة عليه وعيون البوليس السياسى التى كانت ترصده فى كل لحظة على مدار اليوم، لم يرفض زيارات الشباب الثورى، فى هذه الأثناء قتل أمين عثمان فى 1946، وبعد مقتله قام النقراشى باشا رئيس الوزراء بحملة اعتقالات كبيرة جداً.. وكان ضمن المعتقلين عزيز باشا المصرى وكان عمره حينئذ 65 عامًا.

كانت أسئلة الاستجواب عن الشباب الذين يزورنه، وبعضهم متهم باغتيال أمين عثمان، فكان رده: الزيارات لم تنقطع عندى منذ خروجى من المعتقل.. ومعظم الشباب الذين يزورننى لا أعرفهم.. وكنت أقول لهم: إن نصفكم من القلم السياسى. وكان من ضمن المقبوض عليهم فى القضية أنور السادات، فأكد عزيز فى التحقيقات أنه لا يعرف سواه «أعرف ولد اسمر اسمه السادات» أعرفه من الجيش لأنه كان ضابط كويس فى سلاح الإشارة.


يتبع ......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mi-17

المشرف العام
فريق

المشرف العام  فريق
avatar



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 24317
معدل النشاط : 30157
التقييم : 1207
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار    الجمعة 23 يونيو 2017 - 13:18

«أبو الثوار».. اللقاء الأول مع عبدالناصر: معركة مع زينب (27)

انطلق تنظيم الضباط الأحرار فى 1939 على يد جمال عبدالناصر. كان الضابط الشاب الذى تخرج مع عدد من أصدقائه الوطنيين قد اجتمعوا فى منقباد بمحافظة أسيوط، حيث أقسموا، وهم مازالوا نفراً قليل العدد على مقاومة الإنجليز وتحرير مصر.
كان السادات إلى جوار عبدالناصر وعدد آخر من الضباط الأحرار. «السادات» يقول إنه مؤسس «الضباط الأحرار» كما يؤكد فى قصة حياته «البحث عن الذات» لكن جمال حماد- المؤرخ وعضو مجلس قيادة الثورة فى كتابه الموسوعى «أسرار ثورة 23 يوليو»- ينفى ذلك تمامًا. ولكنه يؤكد أنه كان خط الاتصال الأول لهؤلاء الضباط مع «عزيز المصرى» مثلما كان هناك أكثر من خط اتصال مفتوح مع قيادات الإخوان المسلمين وعلى رأسهم حسن البنا، كما أن هناك علاقة خاصة ربطت عبدالناصر بالضابط الإخوانى عبدالرحمن السندى الذى يؤكد عزيز المصرى أنه كان يجمع السلاح من الجيش- القطع الصغيرة ويرسلها للإخوان.

من بين مذكرات عديدة لقيادات مجلس قيادة الثورة، أنقل عن جمال حماد بداية تواصل «الضباط الأحرار» مع عزيز المصرى كما سأنقل رواية عزيز المصرى عن هذه العلاقة وبدايتها. لكن اللافت أن كتاب «البحث عن الذات» للسادات يخلو تمامًا من زيارات قام بها الضباط لعزيز فى بيته فى عين شمس، وكان خيطهم الأول فيها، أنور السادات وحسين ذوالفقار وعبدالمنعم عبدالرؤوف، رغم أن السادات كتب عن ذلك أكثر من مقال صحفى، كما ذكرها فى عدة خطب سياسية، وجاء على ذكرها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أكثر من مرة فى أحاديثه السياسية. يكتب جمال حماد فى أسرار ثورة 23 يوليو: «خلال قيامه بمهام وظيفته كرئيس لهيئة أركان الجيش- 1939- بدأ عزيز المصرى ينتهج سياسة إصلاحية للنهوض الحقيقى بالجيش بإدخال النظم الحديثة إلى تشكيلاته المختلفة، مما أوقعه فى صراع مع البعثة العسكرية البريطانية، فأخذ ينتقد علانية أعمالها ويكشف أهدافها الخفية ومهام سياستها فى بيع الأسلحة القديمة لمصر بأبهظ الأثمان، مما جعله يصفها بأنها بعثة تجارية وليست عسكرية. وبفضل صدق وطنيته وثقافته الواسعة وشخصيته الفذة استحوذ عزيز المصرى على تأييد وإعجاب الضباط المصريين الشبان الذين وجدوا فيه طرازاً غير قادتهم الجهلاء الخانعين للإنجليز، وتوقعوا على يديه خلاص الجيش مما يعانيه من ضعف وتخلف وخضوع للمستعمر».

مع إجبار الإنجليز لعلى ماهر رئيس الوزراء على إقالة «عزيز» بعد أن عمل عشرة أشهر فقط فى رئاسة الأركان ازداد تعلق الضباط الشبان بعزيز. كان الرجل بشخصيته الساحرة وجاذبيته الفذة هو المرشح الطبيعى الذى هيأته الأقدار ليقود الضباط المصريين الشبان إلى العمل السياسى حتى اعتبروه الأب الروحى لهم، وسرعان ما أخذوا يسعون فرادى وجماعات إلى بيته بالمطرية يستمعون فى انبهار وإعجاب وهو يحدثهم عن أنفسهم باعتبارهم الوسيلة الوحيدة للخلاص من الاستعمار وأعوانه.

وكان من الطبيعى إزاء مشاعر الغضب والإحباط من المستقبل التى كانت تتأجج فى نفوس ضباط الجيش من الشباب المتوثب الشديد التحمس ضد أعداء بلاده المستعمرين وضد قياداته الجاهلة المتسلطة على مرؤوسيهم من المصريين، والخانعة الذليلة أمام ضباط البعثة العسكرية البريطانيين أن يبدأ بعض الضباط الشبان فى العمل السياسى السرى داخل الجيش المصرى عن طريق إنشاء مجموعات سرية تضم زملاءهم من رفاق الدفعة والسلاح للإسهام سراً فى العمل السياسى الإيجابى ضد المحتل الغاصب.

فى إحدى خطبه فى ذكرى ثورة يوليو والتى نشرتها صحيفة الأهرام عام 1965 يحكى الرئيس جمال عبدالناصر قصة اتصاله ورفاقه بعزيز المصرى «فى سنة 42 وجدنا فى هذا البلد ناس ما بيخافوش.. ناس بيقولوا رأيهم بصراحة.. يمكن من الجيل الماضى. أنا أذكر فى سنة 42 رحنا لعزيز المصرى ويمكن كان معايا كمال حسين وعبدالحكيم والبغدادى. رحنا للفريق عزيز فى بيته وكان فى عزبة النخل. قلنا له إحنا ضباط. قال والله ما أنا عارف أنتم ضباط ولا باعتكم البوليس السياسى. على العموم.. حتى لو بوليس سياسى.. حاتكلم.اسألوا اللى انتم عايزين تقولوه.. قلنا إيه العمل، قال العمل: الثورة. عزيز المصرى راجل عنده الآن حوالى 88 سنة من الأجيال الماضية لكنه كان ثائراً. قبض عليه ماخفش. اعتُقل ماخفش. ماخفش إنه يتكلم قدام ناس ما يعرفهمش. كان ده بيدينا أمل. إن فيه أمل. فيه مثل عليا. فيه ناس بتعتبر أنه لابد من إرادة التغيير وأن الشعب حيمشى مع إرادة التغيير.

ويروى عزيز المصرى فى أكثر من حوار صحفى منشور، قصة هذه الزيارة الأولى من جمال عبدالناصر له علمًا بأن السادات كان يزوره بشكل منظم.

«مازال أول لقاء محفوراً فى ذاكرتى وخيالى وكأنه وقع بالأمس. كانت خادمتى زينب خيرالله على وشك أن تصطدم به فى معركة سلامها، عصا طويلة غليظة- شومة- أمسكت بها وأوشكت أن تهوى بها على مقدمة كتفه وظهره، ولولا تدخل القدر لتمت المعركة، وضرب عبدالناصر علقة ساخنة فى بيتى الذى حضر إليه لأول مرة زائراً ليرانى وأراه.. ليجلس معى فى أول حديث منظم ومرتب حول تنظيم الضباط الأحرار.

ذات مساء كنت أجلس فى حجرتى بمنزلى فى عين شمس وجاءت إلىّ زينب تطرق الباب فى هدوء تستأذن فى الدخول وأخبرتنى أن هناك مجموعة من الشباب يرتدون الملابس المدنية يرغبون فى لقائى والجلوس معى، خاصة بعد اغتيال أحمد ماهر وأمين عثمان والنقراشى. وكان منزلى لا يخلو أبداً من مراقبة رجال القلم السياسى. ولكن قلت لزينب وهى تنتظر الإجابة منى على مقابلة الشباب: إننى متعب. أرجو أن تقدمى لهم على الفور اعتذارى لتوعكى. وخرجت زينب وأغلقت الباب وراءها. وبعد دقيقة وربما أكثر سمعت صوتًا عاليًا.. سمعت صوت زينب الهادئ، أصبح هادراً يطلب من الزائرين الانصراف والحضور فى وقت آخر لأن حالتى الصحية غير جيدة.. ثم ساد الصمت بعض الوقت وبعدها سمعت صوتًا مرتفعًا ينادى الطباخ لإحضار عصا غليظة وزادت الضوضاء فى ردهة المنزل.. وأقدام كثيرة تتحرك، وتصطدم بأرضية الصالة. خرجت لأستطلع الأمر، وعندما فتحت باب حجرتى، وتقدمت بضع خطوات داخل الصالة، وجدت زينب تمسك بالعصا وتتجه نحو شاب طويل أسمر تنوى الاعتداء عليه بشراسة. طلبت منها فى دهشة تفسيراً لما أراه أمامى، وتقدم الشاب الطويل الأسمر خطوة إلى الأمام.. ثم خطوة أخرى، وكان الخجل باديًا على وجهه وقال: آسف لما حدث.. نحن أولادك يا باشا.. نحن من ضباط الجيش وكان من المفروض أن يسبقنا إليك أنور السادات حتى يعرفك بقدومنا، ولكن للأسف لم نجده هنا ليقدمنا إليك.. وأجزم أنه فى الطريق إلينا الآن. بعد هذه الكلمات، تقلصت بداخلى جميع همومى الشخصية وشعرت بالانتعاش، وأحسست بالحيوية تسرى فى جسدى.. ولم يكن هذا الشاب الأسمر سوى جمال عبدالناصر. ولا أذكر من الأسماء سوى عبدالحكيم عامر وجمال سالم وحسن إبراهيم. أقول بحق إننى كنت أمام ثورة جامحة رافضة لجميع الأوضاع السياسية فى مصر. كل واحد من الحاضرين كان يتحدث وفى أعماقه جبل من الهموم والألم والرغبة فى التغيير. وعندما تحدث جمال عبدالناصر عن أحوال مصر وفساد الملك واستغلال الحاشية لهذه الظروف لمصالحها وتحقيق أهدافها الشخصية. كان جسده يهتز ويداه تلوحان فى عصبية زائدة. وتحدث عن الجيش وأنه لا يجيد إلا السير فى الاحتفال بالمحمل الشريف الذى يحمل كسوة الكعبة إلى الأراضى المقدسة.. وهناك أيضًا إسرائيل.. دولة باغية معتدية وشرسة زرعتها إنجلترا وسط الجسد العربى لتكون شوكة تدمى بها أجسادنا وظهورنا وتدمر نهضتنا وتساعد على كبوتنا.. وإذا استمر حالنا على ما هو عليه فمن المعقول أن تبتلع حدود الدول المجاورة لها ومنها مصر.. وتدوس على تراب وطننا خطوة وراء الأخرى..

إن ذلك لن يتم إلا إذا تغيرت أحوال مصر.. وتغيرت كل السلطة فى جميع القطاعات.. إن الثورة هى الأمل.. ثورة الشعب وأخرى داخل الجيش ونرجو الله أن يوفقنا فى هذا النضال الشريف.

كان الجلوس مع عبدالناصر ومع الزملاء من ضباط الجيش يعطينى الإحساس بالدفء العاطفى والراحة العقلية.. كنت أحس بامتزاج ثورتى داخل ثورتهم.. كانت أمسية لا تنسى. كان عقلى مستريحاً لما أراه أمامى من أن شباب مصر.. ضباط مصر بخير».

وكان لعزيز المصرى علاقة طيبة مع الإخوان المسلمين، خاصة مؤسس الجماعة حسن البنا، كما كان لعبدالناصر علاقات متينة مع الإخوان و«البنا»، وفى معرض تصريحات الاثنين تفاصيل عديدة عن التواصل، ولكنه فى حواراته عن هذه المرحلة يتحدث عزيز بتفاصيل مهمة عن علاقة عبدالناصر وعدد من الضباط الأحرار بالإخوان يقول: «التشكيل الإخوانى داخل الجيش كان يقوده عبدالمنعم عبدالرؤوف وهو الذى قدم جمال عبدالناصر إلى المرشد حسن البنا. وكان أيضًا شاهد رؤية لعبدالناصر وهو يقسم يمين الولاء للجماعة. ولقد سألت فى ذلك جمال عبدالناصر بشكل مباشر، فقال لى: إننى أحب الإخوان المسلمين، لأنهم جماعة تدعو إلى الدين والتمسك بالشريعة الإسلامية، وذلك يجد هوى فى نفسى وأعماقى. ويشرح عزيز المصرى العلاقة الخفية بين جمال عبدالناصر وعبدالرحمن السندى- المشرف على التنظيم الخاص- الإرهابى- للجماعة. ويبدأ بالقول «حذرت حسن البنا من اتجاهات عبدالرحمن السندى العدوانية، ولقد أحس مكتب الإرشاد بالخطر». على الجانب الآخر كان يعلم أسرار أماكن السلاح الذى كانت تملكه الجماعة، وكان على علاقة قوية بالعديد من الضباط فى القوات المسلحة. لقد كانت علاقة السندى قوية جداً مع جمال عبدالناصر.. كان ضمن الضباط الشباب الذين يجمعون السلاح من الجيش- القطع الصغيرة- وإرسالها إلى الإخوان.. ولقد استمرت علاقة السندى قوية بعبدالناصر.. بل إنه كان عينه داخل الجماعة.. كما أوعز إليه بالانشقاق على المرشد الثانى حسن الهضيبى واحتلال رئاسة الجماعة.. وكان جزاؤه الفصل من الجماعة، إلا أن عبدالناصر عينه فيما بعد فى شركة (شل) لكن السندى قبل ذلك شارك فى عمليات سيئة لم أوافق عليها وكانت سبة فى جبين الإخوان مثل اغتيال المستشار الخازندار وكذلك اغتيال النقراشى باشا بعد عشرين يومًا من قرار حل الجماعة».


يتبع ......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mi-17

المشرف العام
فريق

المشرف العام  فريق
avatar



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 24317
معدل النشاط : 30157
التقييم : 1207
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار    الجمعة 23 يونيو 2017 - 13:19

«أبوالثوار»..«الأب الروحى» يعتذر عن قيادة الثورة (28)

كان لثورة يوليو أب ر وحى وهو الفريق «عزيز على المصرى» وكان لهذه الثورة قائد وهو اللواء أ.ح محمد نجيب. وكان لها صناع وهم البكباشى (المقدم) أ.ح جمال عبدالناصر ومجموعة الضباط الأحرار الذين اشتركوا معه فى الثورة.
وكان لهذه الثورة جنود مجهولون هم ضباط الصف والجنود الذين خرجوا تحت قيادة الضباط الأحرار فى حماسة وإيمان ليلة 23 يوليو، وحققوا لهذه الثورة النجاح والنصر، ولكن لم تسجل لهم أسماء لم تسمع عنهم أنباء.

هذه جملة تقريرية مهمة كتبها المؤرخ جمال حماد، عضو الضباط الأحرار، والذى كتب بيان الثورة. بالتوازى مع علاقة «عزيز» الأبوية مع الضباط الأحرار، جمع حوله آلاف من الشباب وأبنائه الضباط الذين قرروا الكفاح المسلح ضد الإنجليز فى القناة. يقول الصحفى والسياسى محمد صبيح إن عزيز راح يبث فيهم الحمية، ويتولى بتعبئة قواهم، وتوجيههم، وأحس عزيز أن شبابه قد عاد، وأمل حياته يوشك أن يتحقق، وراح مع الموثوق بهم من أبنائه الضباط وأركان الحركة الوطنية يرسم الخطط. كان لعزيز دور مهم فى حركة الكفاح المتجهة إلى القناة.

مع الاشتراكيين (مصر الفتاة) والإخوان وشباب الوفد وجماعات الضباط الأحرار فى الجيش المصرى وضباط وجنود البوليس.. ومن الإنصاف أن نذكر بالفضل دور فؤاد باشا سراج الدين وعبدالفتاح باشا حسن.

«وبقيام الثورة تحقق الحلم والأمل الذى عاش من أجله.. والأمل الذى جذبه إلى مصر وقد رفض من أجله عرش اليمن». كان قيام حكم وطنى خالص فى مصر، يركز جهوده كلها لإجلاء الإنجليز، ثم ينطلق فى عملية تعمير داخلى ضخمة، تشيع الرخاء فى البلاد، مع تمكين المواطنين من المشاركة فى الحكم على أسس ديمقراطية سليمة، حتى يحس كل فرد بمعنى المواطنة والاعتزاز بمصريته ثم بعروبته.

هذه هى الآمال التى تجسمت فجأة فى خاطر عزيز المصرى والإذاعة تردد بيان الثورة الأول الذى أذاعه أنور السادات، والذى ميزه من صوته وهو أقرب تلاميذه له.

يقول عزيز «لقد لاحظت فى كثير من أحاديث الضباط معى أنهم يكررون كلمة انقلاب، أكثر مما يرددون كلمة الثورة. وكنت أقول لهم: إن الانقلاب يمكن أن يعقبه انقلاب آخر كما كان يحدث فى سوريا فى ذلك الوقت، وطلبت منهم رفع شعار الثورة.. لأن الثورة أقوى وأشمل وأن الشعب المصرى عندما يقوم بتأييد ثورة الجيش، فهى بالنسبة له ثورة من داخله، لأنه رافض للملك والأحزاب والاحتلال ويرغب فى التغيير الشامل. دارت مناقشات طويلة- موجودة فى حوارات عزيز المصرى الصحفية مع عبدالناصر- كانت فى غالبها فى هذه المرحلة عبارة عن «خارطة طريق» أو نصائح تتعلق بالعامل مع الأحزاب القائمة والإخوان المسلمين والكفاح فى القناة. وعن عرض جمال عبدالناصر لعزيز المصرى تولى قيادة الثورة يحكى عزيز المصرى «فى أعقاب حريق القاهرة، جمعنا لقاء حاسم فى منزلى. كان أبطال اللقاء: جمال عبدالناصر، أنور السادات، صلاح سالم، عبدالحكيم عامر.. كانت أمسية مثيرة.. بدأ الاجتماع بصمت شديد، ثم ما لبث عبدالناصر أن بادره قائلاً فى حماس: لقد جئنا إليك- يقصد عزيز المصرى- لأننا أولادك وتلاميذك ونعرف حق قدرك، ونعلم إخلاصك وتعاطفك معنا.. وطالما جلسنا معك وتحدثنا إليك لساعات طوال يومًا بعد آخر. وأنت تعرف عنا الكثير، وعرفت هوياتنا وكل خططنا وأهدافنا وما عزمنا عليه من أجل مصر. وأنت تعلم تمامًا فى أننا فى مجملنا أصحاب رتب متوسطة تقف عند رتبة البكباشى وقليل جداً من يحمل رتبة القائمقام.. وأن عصب الضباط الأحرار ممن يحملون رتبتى اليوزباشى والصاغ، لذلك قررنا أن يكون لنا كبير.. وأن يكون لنا قائد له قدره وقيمته وأهميته وتاريخه المعروف حتى يرضى عنه الشعب.. لذلك قررنا اختيارك قائداً لثورتنا.

يضيف عزيز «كان الحديث مفاجأة لى.. وكان القرار من الضباط الأحرار يثلج صدرى ويسعدنى إلى أقصى مدى.. وفى نفس الوقت شعرت بولاء الضباط نحوى.. ومدى احترامهم وحبهم لشخصى.. وبصراحة شديدة لم أكن حماسيًا فى ردى، ولا منفصلاً فى قرارى، وقلت لهم: إذا وضع أى واحد منكم مكانى.. فلن يشعر بسعادتى، ولكن أريد أن أفصح ما بداخل صدرى: أولاً أن هذا الطلب كان مفاجأة لى ولم يدر بخلدى فى وقت من الأوقات. وثانيًا: أنا رجل عسكرى بعيد عن الجيش قرابة أحد عشر عامًا.. وثالثًا: أنا رجل اقترب من السبعين عامًا وربما تجاوزت ذلك بعدة أشهر. ورابعًا: أنا لا أريد هذه القيادة هروباً منها، ولكن لأنى عازف عنها ورافض لها. ربما لأننى لست الشخص المناسب أو أننى غير صالح لهذه المهمة. ابحثوا عن غيرى، ولكن إن شئتم أن أكون صاحب رأى ومشورة.. أو مساعداً فى اتخاذ أى قرار. روحى لكم.. كأب يحب أولاده ويتمنى لهم أكثر مما يتمناه لنفسه.

يشرح عزيز المصرى فى حواره مع محمد عبدالحميد مبررات الرفض: ما ندمت على ذلك فى يوم من الأيام لأننى بالرغم من علاقتى القوية بهم جميعًا لم أكن أريد أن أسلب القيادة منهم، لأنهم كانوا أحق بذلك منى.. وكان لابد أن تكون لهم الريادة، وتلك القيادة ولقد أثبتت الأيام بعد ذلك حكمة قرارى عندما جاء محمد نجيب ليقود الثورة فى بدايتها باعتباره صاحب رتبة كبيرة، ثم كيف حدث الخلاف الذى أدى إلى حجبه من أداء وظيفته كرئيس للجمهورية، ثم إقالته وتحديد إقامته.. ولم أكن أريد لنفسى أن أكون مكانه. يستكمل عزيز: قال لى جمال عبدالناصر: من ترشح لنا للقيام بهذه المهمة.. قلت له: الأمر لا يمكن حسمه بهذه السرعة.. ولكن علينا أن نستعرض الأسماء وعلينا أن ندقق تمامًا فى الاختيار حتى لا يكون من نختاره سببًا فى إفشاء أسراركم عند الملك وحيدر باشا- القائد العام للقوات المسلحة، وطلبت منهم الحضور بعد عدة أيام ومعهم كشف بالأسماء المختارة لاختيار الشخصية المناسبة لهذه المهمة الشاقة.

وبعد قرابة الأسبوع، كان اللقاء الثانى، وبعد استعراض الأسماء كان الاتفاق على اللواء محمد نجيب الذى نقل من سلاح الحدود إلى سلاح المشاة غدراً، وكان محمد نجيب شخصية معقولة ومقبولة فى وقت واحد.

أما جمال حماد فى «أسرار ثورة 23 يوليو» فيسرد التفاصيل بلغة المؤرخ المدقق «كان جمال عبدالناصر وبفضل قوة شخصيته وصفاته المتميزة وحركته الدؤبة بين الضباط الأحرار قد تمكن من إقناع زملائه أعضاء لجنة القيادة التى تتولى قيادة التنظيم بانتخابه رئيسًا لهم بالإجماع، ولكن العمل السرى يختلف تمامًا عن العمل العلنى وشخصية عبدالناصر، والتى كان لها وزنها فى تنظيم يعمل أفراده تحت الأرض لم يكن لها ذلك الوزن بالمرة فى المجال العلنى على مستوى الجيش، فما هو إلا مقدم أركان حرب غير معروف إلا فى دائرة محدودة من الضباط بحكم زمالتهم له فى الدفعة أو السلاح.. وبالجيش مئات يحملون نفس رتبته ومؤهلاته: «كان زملاؤه من أعضاء لجنة القيادة قد أقنعوه بضرورة إسناد قيادة الحركة المزمع قيامها إلى ضابط كبير الرتبة له شهرته وشعبيته داخل الجيش وخارجه، ليتسنى تكتل الجيش والشعب من ورائه بمجرد إذاعة البيان الأول للحركة.

ووافقت اللجنة على رأيه ولم يكن بين كبار ضباط الجيش من تتوافر فيه الشروط المطلوبة سوى ثلاثة أسماء: الفريق عزيز المصرى، واللواء فؤاد صادق، واللواء محمد نجيب.

وبدأت الاتصالات بعزيز المصرى ولكن الرجل آثر أن يظل أبًا روحيًا للحركة فقط. وكان له عذره فقد كان فى الحلقة السابعة من عمره وأمضى اثنى عشر عامًا خارج الجيش. وكان التسلسل الطبيعى هو إجراء الاتصال بعد ذلك باللواء فؤاد صادق وهو القائد الذى عرف بشجاعته وثباته فى ميدان القتال بفلسطين عام 1948 حينما كان قائداً عامًا للقوات المصرية أثناء المرحلة الأخيرة من الحرب بعد تنحية اللواء أحمد المواوى عن القيادة.. وهو القائد الذى استحوذ على حجة الضباط وإعجابهم فقد فرض هيبته على اليهود فى فلسطين، كما فرض احترامه على الرئاسات فى القاهرة، وكان يتمتع بشهرة داخل الجيش وخارجه، وبالتالى تتوافر فيه جميع الشروط. لكن الرأى استقر على محمد نجيب الذى قبل العرض «الذى توفرت فيه أوائل عام 1952، أفضل الصفات التى تؤهله لقيادة حركة عسكرية ناجحة يقوم بها الجيش.

وبالعودة إلى عزيز وفى حواره مع محمد عبدالحميد ورداً على سؤاله حول معرفته بموعد قيام الثورة يقول «كان الموعد الذى أعره هو صباح 21 يوليو.. ولقد كان حزنى شديداً عندما جاء صباح هذا اليوم كالأيام العادية، ولم أسمع أى أخبار عن الثورة، حتى شعرت بخيبة أمل شديدة.. ورن جرس التليفون قبل الغروب وكان صوت عبدالناصر يقول: لا تقلق يا باشا. موعدنا معك إن شاء الله بعد يومين.. وجميع الزملاء بخير.

يقول عزيز: لقد قضيت أسوأ أيام حياتى، لكن رسالة جمال عبدالناصر معى كانت أشبه بالدش البارد. استمعت من جهاز الراديو إلى آخر نشرات الأخبار فى المساء حول أخبار الملك الذى يقضى الصيف فى الإسكندرية. بعد أذان الفجر دعوت الله سبحانه وتعالى أن تنجح الثورة وتقضى على الملك والفساد والاستعمار.. تنفست الصعداء وأنا أسمع صوت أنور السادات يعلن الثورة ويعلن انتهاء الفساد والظلام واليأس، وكان السؤال: هل أنام بعد أن نجحت الثورة.. وكان الجواب: لن أنام. فى الحادية عشر دق جرس التليفون.. وجاء صوت أنور السادات هادئًا متزنًا بعد نجاح الثورة وقال لى: لقد نجحنا سيادة الفريق. نجحنا وحققنا حلمك الكبير.. مبروك لنا جميعًا. وإن جمال عبدالناصر يقول لك أيضًا: مبروك.


يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mi-17

المشرف العام
فريق

المشرف العام  فريق
avatar



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 24317
معدل النشاط : 30157
التقييم : 1207
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار    السبت 24 يونيو 2017 - 15:16

«أبوالثوار».. العودة من موسكو.. رأى صريح في عبدالحكيم عامر (29)

فى 5 يناير 1954 كان مانشيت صحيفة الأهرام على ثلاثة سطور هكذا:


طرد سفير تركيا من مصر. لحملاته المستمرة على سياسة قادة الثورة وتوجيهه ألفاظًا نابية لجمال عبدالناصر. مجلس الوزراء يقرر رفع الحصانة الدبلوماسية عنه ويأمره بمغادرة البلاد فى 24 ساعة.
 وفى التفاصيل أن السفير فؤاد طوغاى تلفظ بعبارات معادية لمصر ومناوئة لحكومتها إذ قال عن مصر فى إحدى الحفلات التى أقامها أخيراً أنها بلد قذر وتطاول على نائب الرئيس جمال عبدالناصر، لذا فإن وزارة الإرشاد أعلنت فى بيان رسمى أن مجلس الوزراء قرر فى اجتماعه مساء أمس الأول طرد السفير واعتباره شخصًا معاديًا. وفى صباح اليوم التالى غادر السفير فعليًا القاهرة.

المانشيت الثانى فى الصحيفة وعلى مساحة كبيرة إلى اليسار وفى نفس مستوى المساحة للمانشيت الرئيسى:

«عزيز المصرى يعرض موقف موسكو من سياسة مصر الجديدة». كان عزيز«بعد أن رفض عرضًا من عبدالناصر لقيادة ثورة يوليو، قد تم تكريمه بتعيينه سفيراً فى الخارجية، وقد عرضت عليه سفارة مصر فى ألمانيا الغربية بعد أن أدى اليمين القانونية فى بداية مارس 1953، أمام الدكتور محمود فوزى، وزير الخارجية. تدخل عبدالناصر ورأى أن وجود «عزيز المصرى» فى موسكو أكثر فائدة للثورة من وجوده فى ألمانيا التى يرتبط بها فكريًا وعسكريًا.

بالفعل سافر عزيز إلى موسكو فى 16 يوليو من العام نفسه بعد أن زار رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية وحصل على خطاب التكليف كسفير لمصر فى موسكو.

الاجتماع الذى أشرت إليه كان مهمًا للغاية، ولخص فيه عزيز المصرى ملامح موقف روسيا من التواجد البريطانى فى مصر، خاصة منطقة القناة ومدى مساندتها فى المحافل الدولية للمطالبة بالجلاء. كما تم استعراض مواقف القوى الإقليمية خاصة واشنطن والهند. لكن «عزيز» شرح لقيادات الدولة و«الثورة» أهمية التعاون الاقتصادى مع الاتحاد السوفيتى.

يكتب محمد صبيح، وهو رفيق عزيز المصرى فى السياسة والسجن عن ظروف اختيار عزيز المصرى ليكون سفيراً لمصر فى موسكو، أن حكومة الثورة رأت أن تستفيد من طاقة عزيز المصرى باشا فعرضت عليه أن يمثل الثورة فى بلد جديد، علاقاتنا به يشوبها غموض شديد بسبب العهد الملكى، ويعنى به الاتحاد السوفيتى.. والساسة هناك فى موسكو، لابد لديهم ملف كامل عن عزيز المصرى.

.. وقد وجد عزيز المصرى عند وصوله إلى موسكو تقديراً لشخصيته، ربما شابه شىء من الحذر، لما يعرفونه عن علاقاته العميقة الوثيقة بالألمان.. هى علاقات غير مذهبية، ولكنها تنتمى إلى الثقافة أولاً، ثم تنتمى إلى العسكرية البروسية الأصيلة. إلا أن حيوية عزيز المصرى، وقوة شخصيته أذابت هذا الجليد وغيره، وبدأ التفهم السوفيتى لثورة مصر وطموحها والآفاق الواسعة التى تحقق أحلامها.

كان عبدالناصر حريصًا بالفعل على التواصل مع الاتحاد السوفيتى، وكان يريد رمزاً لهذه المرحلة الثورية. يقول عزيز المصرى فى حواره مع محمد عبدالحميد، ضمن كتابه «أبوالثائرين»: «إن عبدالناصر زارنى ذات مساء وكان معه حسين إبراهيم وعبدالحكيم عامر وأنور السادات»، وفى هذه الأمسية تطرق الحديث إلى الاتحاد السوفيتى.. وكان هناك إجماع على الاتجاه إلى هذه الدولة باعتبارها قوة عالمية لابد من محاولة جادة للانفتاح عليها، وفجأة قال لى جمال عبدالناصر: عندى فكرة أرى أن توافق عليها.. هذه الفكرة تدور حول محور حديثنا الآن.. لابد من اختيار شخصية كبيرة جداً تقوم بهذه المهمة.. ومن مميزات هذه الشخصية القدرة التامة على أن تكون عينًا لنا لمعرفة أحوالها، واتجاهاتها وإمكانية التعاون معها فى المستقبل من منطق الند للند.. وقال أيضًا: ما رأيك أن تكون سفيراً لنا فى الاتحاد السوفيتى للفترة التى تراها مناسبة لك، أو التى تختارها ولك مطلق الحرية فى ذلك. ووافقت دون تردد وسافرت للاتحاد السوفيتى.. وكانت تجربة تستحق التسجيل.

ركز «عزيز» فى روسيا على تسليح الجيش المصرى. لقد كان يعلم جيداً أن الإنجليز لن يسمحوا بذلك، خاصة بالحجم والكمية والأعداد المطلوبة من الآليات والمعدات والدبابات والطائرات. كانت من خطته أثناء وجوده هناك جس نبض مسؤولى الاتحاد السوفيتى فى تسليح مصر.

تعمق عزيز فى دراسة وفهم النظرية الشيوعية، ووجد أنها «تعطل فى الإنسان الإحساس بالطموح ويجعله يفقد الشعور بالملكية الخاصة حتى فى الأشياء الخاصة الصغيرة».

لم يعجبه التصنيف السائد هناك «فالعامل فى درجة أعلى من المزارع أو الفلاح.. وتزايد نفوذ عضو الحزب الشيوعى عن كل درجات العمال والفلاحين والموظفين. قارن بينها وبين الحياة فى ظل المجتمعات الطبيعية وكذلك فى ظل المجتمع الإسلامى الذى يحترم حرية الفرد ويؤمن فى نفس الوقت بسياسة الثواب والعقاب».

يقول عزيز «آمنت أن هذه النظرية لا يمكن أن تصلح للتطبيق فى أى مجتمع إسلامى.. وأشفقت على الشيوعيين المصريين» وقلت لعبدالناصر فيما بعد «مجتمع الاتحاد السوفيتى لا يوافقنا ولكن علينا أن نتجه إلى نظام الحكم هناك.. نأخذ منه ما يوافقنا عاد عزيز إلى مصر والأزمات السياسية فى عنفوانها بين رفقاء الثورة.. ومن كل اتجاه.. صراعات فرضتها الأحداث والظروف، وأخرى فرضتها التشبث بالسلطة أو إزاحة المنافسين عنها. يقول عزيز «كانت هناك أخطاء يمكن إصلاحها، وأخطاء يستحيل إصلاحها.. عشت هذه الأجواء حتى جاءت الكارثة بعدوان 1956.. هذا العدوان الذى تنبأت به قبل وقوعه بعام أو عامين».

كان لابد للإنجليز أن يعتدوا على مصر وكان لابد للفرنسيين أن يشاركوا فى ذلك الكرنفال التأديبى الذى أرادته بريطانيا وفرنسا لإفشال الثورة وخلع عبدالناصر وعودة الاحتلال من جديد.

لقد كانت هناك أسباب ومسببات. وفشل العدوان وكان من المفروض أن تسلط الثورة الضوء على الطريق الذى سوف نسلكه، ولكنها سارت وغاصت أقدامها فى الماء والطين. وكان من المفروض أن تعيد الثورة طريقها وتقوم بتشييده بالعلم والتأخى ونظام الحكم السليم، ولكنها تاهت فى صحراء مترامية الأطراف دون بوصلة تقود للاتجاه السليم.

ينقل محمد عبدالحميد عن عزيز المصرى رأيه فى عبدالحكيم عامر وقيادته للجيش «وجدت من يخبرنى من أعضاء مجلس قيادة الثورة بنية جمال عبدالناصر ترشيح عبدالحكيم عامر ليكون قائداً عامًا للجيش، وأن الاتجاه العام بينهم ترشيح زكريا محى الدين لهذا المنصب لأنه الأقدر والأكثر صلاحية لأن إمكانياته الشخصية تؤهله لذلك. لم أكن مستريحًا على الإطلاق لأن يتولى عبدالحكيم عامر هذا المنصب لأنه شخصية مجاملة أكثر من اللازم وتغلب عليه عادات أولاد البلد أو أنجال الأعيان.. وأنا لا يمكن أن أطلق عليها سذاجة، بقدر ما أقول إن شخصيته قد تصلح لأى عمل إلا أن تكون هى القيادة العليا التى تسيطر على الجيش. ولقد شعرت بألم شديد عندما صدر القرار بترقيته لرتبة المشير ثم تعيينه قائداً عامًا للجيش.

«لقد سيطر عامر على الجيش وتعامل كأنه عمدة بلغة (الجدعنة) أو المجدعة.. وتلك كانت كارثة.. كنت أحس أن الجيش المصرى يسير نحو الهاوية.. بل إننى أقول إن عبدالحكيم عامر قدم جيشه لقمة سائغة لإسرائيل تلعب به كما تشاء.. وتحركه كما تريد. ولا تخافه ولا ترهبه لأنه تحول إلى جيش من المرتزقة.. القيادات جاهلة ولكنها مفروضة عليه لأنها من (بطانة) المشير عامر».

كنت أتوقع من عبدالناصر أن يكشف القائد العام للجيش المصرى بعد عدوان 1956.. كانت إدارة المعركة يغلب عليها طابع السذاجة. كان المشير قائداً جاهلاً لا يدرى تمامًا أبسط قواعد وأصول إدارة المعركة.

وينقل محمد صبيح إن بعض تلاميذ عزيز المصرى من كبار المسؤولين استشاروه فى الموقف العسكرى فى 1956، فأشار بسحب القوات التى كانت تعبر القنال وقتها انطلاقاً من الجبهة، وأشار بسحب القوات الموجودة فى سيناء، مع حرب مؤخرة تعوق تقدم اليهود حتى تصل الوحدات من سيناء سليمة. وبهذا يتوحد خط القتال، ولا يصطاد الإنجليز والفرنسيون الجيش المصرى فى كماشة هما طرفها الغربى واليهود طرفها الشرقى، وهو ما سمى وقتها بتوحيد الجبهة.. وقد أخذت القيادة بهذه المشورة السليمة.. ونجت قواتنا من الفخ الذى كان يدبر لها، وتمكنت من ضمان سلامة القوات، وإيقاف الزحف الإنجليزى الفرنسى من بورسعيد إلى الإسماعيلية والسويس.

فى هذه الأثناء، وكان «عزيز» على مشارف الثمانين، يعيش عيشة هادئة فى حدود المعاش الذى قررته له وزارة إسماعيل صدقى قبل عشرين عامًا- فى حدود 79 جنيهًا فى الشهر. يكتب محمد صبيح أن «عزيز» وجد أن حديقة عين شمس التى يمتلكها لا تدخل له دخلاً مناسبًا فباعها لتكون على مسكنه هناك مدرسة، واشترى بثمنها أسهمًا فى شركة الغزل والنسيج بالمحلة، ولكن جزءًا من هذه الأسهم أمم فى 1961.. وكان عزيز يسأل فى دهشة: لمن يكون الاستثناء.. إذا لم يكن لى؟.. وعندما رُفع معاش الفريق المتقاعد إلى 200 جنيه فى الشهر، لم يفكر أحد فى تطبيقه عليه على الرغم من بطولاته، وعلى الرغم من حاجته إلى الدواء والعناية الطبية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mi-17

المشرف العام
فريق

المشرف العام  فريق
avatar



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 24317
معدل النشاط : 30157
التقييم : 1207
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار    الأربعاء 28 يونيو 2017 - 13:43

«أبوالثوار»: عبدالناصر يشيّعه إلى «قبر مجهول» ( 30 والاخيره )

تمضى الفصول الأخيرة فى حياة عزيز المصرى فى هدوء رغم الأجواء السياسية الصعبة. آثر الصمت والهدوء. احتراماً وإجلالاً لجمال عبدالناصر ورفاقه مع رفضه لعدد من السياسات العسكرية والسياسية الخاطئة. لم يشأ أن يثور ضدها وهو الثائر فى كل مكان وزمان عاش منه داخل حدود مصر وخارجها. مواقفه من عبدالحكيم عامر وأخطاء الجبهة العسكرية فى حرب 1956، ظهرت للملأ فى حوارات لم تنشر فى حياته. الذى نشر فى سنوات حياته العشر الأخيرة، على فترات متناثرة، حوارات معه حول «الميثاق الاشتراكى» ورأيه فيه. ذكرياته مع الإيطاليين فى حرب ليبيا. معاركه فى اليمن وفى البوسنة. استحوذ على اهتمام الصحف فى هذه الفترة خبر لقائه بابنه عمر من زوجته الأمريكية فرنسيس دريك بعد 25 عامًا من الغربة. تنشر «الأهرام» فى 2 أغسطس 1960، أن «عمر» التقى والده أمس، بعد فراق دام 25 عامًا. كان عمر قد سافر مع والدته وعمره 4 سنوات، وهناك منح الجنسية الأمريكية وحارب فى كوريا، وهو الآن يدرس الأدب الكلاسيكى. وكان منظر اللقاء الذى حالت الظروف دون إتمامه طوال 25 عامًا منظراً مؤثراً جعل الدموع تسيل من عيون كل من كانوا فى المطار.
خبر آخر فى العام التالى- 1961- عن عمر أيضًا وأنه حضر للقاهرة وحضر مع والده تسجيل التليفزيون لذكرياته. وفى التفاصيل أن عمر المصرى- أستاذ علم الاجتماع بجامعة بكنجهام الأمريكية ومعه عروسه (18 سنة) التى تزوجها هناك حضرا تسجيل «عزيز» لذكرياته لمجلة التليفزيون مع عباس أحمد رئيس تحرير مجلة التليفزيون. وكانت عودة عمر المصرى لها أثر كبير فى تحسن حالة عزيز المصرى حيث خرج من غرفة نومه لأول مرة بعد مرض استمر 6 أشهر. ومن المقرر أن يذيع التليفزيون التسجيل مساء السبت القادم وفى ساعتين كاملتين سيروى فيهما تاريخ حياته وكفاحه.

وقد حاولت طويلاً العثور على هذا الحوار من خلال المسؤولين فى التليفزيون.. ولكن دون جدوى. هناك تسجيل آخر لعزيز المصرى مع المذيعة كاميليا الشنوانى لكن لم أتوصل إليه أيضًا. وتهتم فيه كل صحف 1959 بخبر منح الرئيس جمال عبدالناصر وشاح النيل لكل من لطفى السيد- أستاذ الجيل- وعزيز المصرى وذلك فى الذكرى السابعة للثورة. وعلمت الأهرام أن الرئيس سيسلمهما الوشاح بنفسه. وفى بداية 1960 يتسلم «عزيز» فعليًا «القلادة» من الرئيس عبدالناصر فى قصر القبة.. وتنشر الصحف صورة الفريق عزيز المصرى فى صدر الصفحات الأولى وهو يعانق عبدالناصر فى سنواته الأخيرة، وبعد أن باع منزله وحديقته فى عين شمس لكى ينفق من ثمنهما على حياته وعلاجه، عاش لبضعة شهور فى الزمالك. وكان يتردد على نادى الجزيرة.

يكتب محمد صبيح أن الشباب الذين يعرفون قدره كانوا يذهلون بما بقى لديه من آثار القوة والحيوية.. فى إحدى المرات أذهل رواد نادى الصيد عندما كان يصيب الهدف وهو جالس بطريقة معجزة بالنسبة لسنه وظروفه.

ولكنى عندما بدأت أزوره، فى مسكنه الجديد، كان هذا العهد قد انتهى، وكف عن الخروج والتنزه، وما أكثر ما حاولنا أن نستحثه على الخروج، فكان يعدّ حتى إذا جاء أوان التنفيذ زهد، وهكذا قضى على الصقر أن تقص أجنحته فلم يبق لديه إلا دنيا الذكريات.

ذكريات الصياد الشاب. والعجيب أن ذاكرة عزيز المصرى ووعيه كادا أن يفقدا نهائيًا فى هذه الأسابيع الأخيرة، فلا يكاد يعرف من قابل بالأمس، وربما نظر إلى بعض من يترددون عليه وسأله عن اسمه، أما عندما يرجع إلى الماضى البعيد، إلى ذكريات الصياد الشاب فهنا تنحل العقدة، وتنشط الذاكرة وتبعث، وينطلق اللسان كما اعتاد أن ينطلق، وتنبسط نفسه ويلوح الانشراح على محياه، ولذلك فقد كنا نستزيده من هذه الذكريات بالرغم من أننا أصبحنا نحفظها عن ظهر قلب لكثرة ما كررها وسمعناها من قبل، ولكن حديثه عنها أصبح هو سلوانا الوحيد للاطمئنان عليه.
■ ■ ■
وفى 15 يونيو 1965 ينسدل الستار عن مسيرة أبوالثوار العرب بعد صراع مع أمراض الشيخوخة. وتخطئ معظم الصحف فى سنه، فالأهرام تكتب فى الصفحة الأولى أنه توفى عن 94 عامًا. واختلفت سنه فى كل جريدة ما بين 90 و88، لكن الثابت عندى أنه توفى عن 85 عامًا.

وتؤكد الأهرام فى خبرها فى الصفحة الأولى، وكان له بقية فى صفحة داخلية أن الرئيس جمال عبدالناصر سيشارك فى تشييع الجنازة اليوم- 16 يونيو 1965- من جامع عمر مكرم.

وفى تفاصيل ظروف الوفاة جاء ما يلى: «أن وطأة الشيخوخة قد اشتدت على الفريق عزيز المصرى منذ 4 شهور تقريبًا، ومنذ ذلك الوقت ظل تحت رعاية طبية مستمرة تولاها الدكتور مصطفى قناوى واللواء طبيب أحمد الناقة. وخلال الأشهر الأربعة قطع الأطباء الأمل فى حياته ثلاث مرات. كان فى كل مرة يفقد وعيه، ثم يفيق بعد لحظات. وفى العاشرة من صباح أمس بدأ الفريق عزيز المصرى ينازع الموت حتى فارق الحياة فى الرابعة بعد الظهر. وكان بجواره فى تلك اللحظات السيد صلاح الدسوقى محافظ القاهرة واللواء بالمعاش السعيد عزيز الألفى أحد تلامذته فى مدرسة الشرطة.

وإضافة إلى نشر محافظة القاهرة وكلية الشرطة عزاءين لهما بحجم بارز فى الأهرام نشرت العائلة- نصيًا فى صدر صفحة الوفيات يتضح فيهما خريطة علاقاته الأسرية المحدودة فى القاهرة، فهو والد عمر وخال يوسف ذوالفقار وناجية هانم ذوالفقار ونعمت سعد الخادم وفاطمة ممتاز ومحمد ذوالفقار وراجية طيلان.

وفى اليوم التالى تتصدر صورة الرئيس جمال عبدالناصر والصفحات الأولى وكذلك فى «التليفزيون المصرى» وهو يؤدى الصلاة على الفريق عزيز المصرى ويسير فى مقدمة الجنازة العسكرية المهيبة التى تجمع فيها آلاف المصريين وذلك من أمام عمر مكرم وحتى ميدان طلعت حرب. كما اشترك فى الجنازة نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة ورئيس الوزراء وقادة الجيش وعدد من كبار الضباط والدبلوماسيين العرب. وابتداءً من هذا التاريخ ولشهور طويلة، يحتفى كبار الكتاب وكذلك عدد من الصحفيين فى استعراض مسيرة الرجل وكيف أنه ربى جيلاً من الضباط الأحرار.. والمطالبة بتدريس سيرته فى المدارس والجامعات وأنه كان نبراسًا للثوار العرب ولثورة يوليو نفسها.
■ ■ ■
ومن بين المقالات الرائعة والعديدة التى جاءت كرثاء لعزيز المصرى كتب مصطفى أمين مقالاً طويلاً فى اليوم التالى لتشييع عزيز المصرى ومما جاء فيه:

كان أشبه ببطل فى أسطورة، أو فارس فى إحدى قصص ألكسندر ديماس، وعندما كان يجلس ليتكلم كان يبدو كأنه فوق حصان، وكان يشير بيديه دائمًا إشارة الرجل الذى يمسك بمدفع رشاش. وكانت كلماته أشبه بالقنابل أو الديناميت أو الرصاص!.

هذه هى صورة عزيز المصرى كما عرفته فى عام 1930 وأنا تلميذ فى المدرسة الخديوية، ومحرر تحت اسم مستعار فى مجلة الرغائب التى يصدرها الأستاذ محمد على حماد. وكان عزيز المصرى يومها مديراً لمدرسة البوليس.. وبهرتنى آراؤه.. كنا نتكلم عن الدستور، وكان هو يتكلم عن الثورة. وكنا نتزعم المظاهرات ضد حكومة إسماعيل صدقى، وكان هو يرى أن المظاهرات كلام فارغ، وأن الوسيلة الوحيدة هى الاغتيالات وإراقة دم الإنجليز. وأعجبنى الرجل عندما رفض بشدة أن أكتب موضوعاً عن قصة حياته المثيرة المليئة بالمغامرات. وقال إنه يفضل أن يعمل فى صمت، حتى لا يلفت إليه الأنظار، وفى الوقت المناسب، سوف ينقض على الطغاة، وعندئذ لا مانع من أن يدلى يومها بأحاديث! وكانت له آراء غريبة.. منها إذا تولى الحكم فسوف يتفق مع مهربى الحشيش على أن يهربوا مسدساً مع كل رطل حشيش.. وكان لديه إحصاء عن كمية الحشيش التى تدخل مصر، ووجد أنه بهذا الاتفاق يصبح الشعب كله مسلحاً فى خلال 7 سنوات! وعندما قلت له وما قيمة المسدس فى يد الحشاش.. ثار وقال «إن يوم يمسك الحشاش بالمسدس يفيق!».

وعندما حصلت على البكالوريا أقنعنى عزيز المصرى أن أدخل مدرسة البوليس أو المدرسة الحربية، وكان يقول إنه قبل أن يدير مدرسة البوليس لأن مهمة البوليس فى عهد الاحتلال هى أن يقاوم الثورات.. وهو يريد أن يرى ضباط بوليس جدداً يتعاونون مع الثورة ضد الاحتلال.. وقال لى عزيز المصرى إنه يرى أن البلد ليس فى حاجة إلى صحفيين، وإنما فى حاجة إلى ضباط بوليس وجيش بعقلية جديدة!

والغريب أننى تأثرت يومها بهذا الرأى، وكان الأستاذ التابعى مسجوناً فى سجن مصر بتهمة إهانة وزير العدل ومأمور الحصاينة.. وكنت نائباً لرئيس تحرير روزاليوسف، فكتبت إليه وهو فى السجن خطاباً أخبره أننى قررت أن أدخل مدرسة الحربية أو مدرسة البوليس!

وثار التابعى، وكتب إلىّ من السجن خطاباً يلعن خاشى، ويقول إن مستقبلى أن أكون رئيس تحرير لا مأمور قسم السيدة زينب، وعدلت عن هذه الفكرة، وغضب علىّ عزيز المصرى لأننى فضلت كلية الحقوق على مدرسة البوليس.

واستمرت صلتى بعزيز المصرى.. يقربنى تارة.. ويغضب علىّ تارة أخرى.. ولكنى كنت أعتبره دائمًا أبا الثوار.. كان دائمًا يعطى الأمل بإمكان الثورة وبقدرة هذا الشعب على الثورة.

أما كامل الشناوى فكتب فى الأخبار فى نفس اليوم 19 يونيو:

«تروى أسطورة قديمة أن أحد القادة الأبطال، اشتد عليه المرض، ودخل فى غيبوبة الموت، واستدعى له أهله قسيس الكنيسة ليقف بجواره وهو فى طريقه إلى الله.

وأفاق القائد من الغيبوبة لحظة ولما رأى القسيس سأله ماذا يريد؟ فقال له القسيس: استغفر الله فاستغفر القائد.

قال القسيس اسأل الله أن يرحمك ويرحم أصدقاءك.

فقال القائد: اللهم ارحمنى وارحم أصدقائى.

قال القسيس: اسأله أن يرحم أعداءك.

وهنا انتفض القائد من الدهشة وأجال بصره فى القسيس وقال له:

أعدائى؟ أين هم؟ لقد قتلتهم جميعاً!!

وصعدت روح القائد الذى تعود الانتصار على أعدائه فى جميع المعارك التى خاضها.

قفزت هذه الأسطورة إلى ذاكرتى وأنا أقرأ نبأ وفاة عزيز على المصرى. فهذا المكافح المناضل القائد البطل ظل طول سنين حياته، التى أشرفت على التسعين، يخوض المعارك ضد المستبدين والمستعمرين والإقطاعيين، وقبل أن يواجه عدوه الأخير، وهو الموت، كان قد قضى على أعدائه جميعًا.

لقد قابلت عزيز المصرى أربع مرات، وكنت كلما انتهيت من مقابلته تمنيت أن ألقاه مرة أخرى، فهو شخصية ذكية، مثالية، تجر وراءها أمجاداً من حق كل عربى، وحر، ومسلم أن يفخر بها. فإن عزيز المصرى بطل من أبطال العروبة والحرية والإسلام».

■ ■ ■

ويكتب موسى صبرى يوميات الأخبار، عدد 23 يونيو 1965 عن عزيز المصرى وتحت عنوان «عندما طلب منى عزيز المصرى تكوين خلية سرية من الصحفيين»:

«لقيت عزيز المصرى أكثر من مرة.. فى المؤلفات التى أرَّخت الحكم العثمانى.. والحركة العربية.. والحرب الليبية.. ثم لقيته فى القصص البطولية التى سمعتها عنه من أنور السادات والطيار حسن عزت عام 1943 عندما كنا فى معتقل الزيتون.. كان عزيز المصرى وقوداً دائم الاشتعال. ناراً متأججة لا تخمد، حركة مستمرة لا تتوقف، كان يتبنى كل ضابط شاب ليصنع منه ثورة متنقلة، كان يكشف لكل من حوله نوايا الاستعمار.. وألاعيب عملاء الاستعمار.. كان مؤمناً بألا خلاص لمصر إلا بالثورة.. لم يكن يعرف أنصاف الحلول ولم يكن يؤمن إلا بالاستشهاد طريقاً وحيداً لجلاء الغاضب، ثم لقيت عزيز المصرى ذات يوم فى عام 1948 بعد نكبة فلسطين فى منزل الموسيقار مدحت عاصم.. وكان معنا الفنان المخرج أحمد بدرخان، قال لى بعد اللحظات الأولى من لقائنا:

- ماذا تعمل؟

قلت: بالصحافة.

قال: الصحافة لن تخرج المستعمر من مصر.

قلت: الصحافة تقدم الحقائق للرأى العام.

قال: تقصد الأكاذيب.. الغش.. الخداع.. النفاق.. تصارع الأحزاب.

قلت: ولكن هناك صحفيين شباناً مؤمنين ببلدهم ومستقبل هذا الشعب.

قال: الشعب لن يتحرك بالمقالات.. لابد من الثورة.. والثورة تحتاج إلى تنظيم.

ثم صمت لحظة وانشغل تفكيره فى شىء لا أدريه ثم سألنى فجأة:

هل لك أصدقاء من الصحفيين.. رجالة.. مستعدين يشتغلوا للبلد.

قلت: أعتقد هذا.

قال: ومستنى إيه؟.. كونوا خلية خلية من ثلاثة.. والثلاثة يكونون ثلاث خلايا.. وهكذا.. البلد عاوزة ثورة.

وهكذا كان عزيز المصرى مبشراً بالثورة فى كل مكان.. ومع كل شخص حتى حينما يلقاه لأول مرة.

ثم اتجه بحديثه إلى أحمد بدرخان..

وقال له: لابد من فن ثورى.. وسينما ثورية.. وموسيقى ثورية.. طلعوا أفلام جد.. أفلام تصنع رجالاً لهذا البلد.

ومن وحى هذا اللقاء، قرر أحمد بدرخان إنتاج فيلم «مصطفى كامل» الذى صودر قبل الثورة.. وفشلت محاولاتى مع على ماهر للإفراج عنه بعد أن تولى الحكم فى 27 يناير 1952. وخسر فيه أحمد بدرخان كل ما يملك.. ولم ير «مصطفى كامل» النور إلا بعد ثورة 23 يوليو.. وكان مدحت عاصم قد وضع موسيقاه.. وكان ختام الفيلم نشيد الثورة بهذه الكلمات وهى من نظم مدحت عاصم أيضاً..

الثورة يا مصر الثورة

ع الظلم والاستعمار

بالدم لآخر قطرة

بالروح بالمال بالنار

يا نعيش فى مصر الحرة

يا نموت موت الأحرار

الثورة يا مصر الثورة..

ولكل من اتصل بالثائر عزيز المصرى ذكريات عن حياته وأفكاره الثورية لا تنفد.. يروى لنا قلم مدحت عاصم بعضاً منها فيقول:

فى صبيحة إلغاء المعاهدة عام 1951 اتصلت بى السيدة زينب مديرة منزل عزيز المصرى وراعيته المخلصة الأمينة فى أحلك اللحظات، قالت إنه يطلبنى.. لما التقيت به قال لى:

«إن السياسيين والملك يحسبون أنهم يخدعون الشعب بهذه الألاعيب السياسية.. اتصل بكل من تعرف، لتشكيل فرق من الفدائيين تجعل حياة المستعمرين جحيماً، وأخبرنى باتصالاتك أولاً بأول.. وفى المساء كنت فى مكتب كامل الشناوى بجريدة الأهرام، وحضر لفيف من الشباب المعروف بالنشاط السياسى.. وجاء ذكر ضرورة المقاومة الشعبية للقوات البريطانية فى القنال، وتطورت المناقشات إلى خطب سياسية، وأظهرت أن كلاً منهم يريد أن يبدو زعيماً صغيراً، وأخذت المشاحنات تشتد.. لولا لباقة كامل الشناوى.. وفى الفجر كنت مع عزيز المصرى أنقل له هذه الصورة.. فقال: هؤلاء لوثتهم السياسة، يجب الابتعاد عن كل من لهم نشاط سياسى سابق.

ومرت أيام قصيرة.. وبدأت تظهر بين شباب الجامعات والعمال والفلاحين بواكير ثورية تقبل على التضحية فى إخلاص وإيمان.. وسعد عزيز المصرى بهذا التحرك الثورى.. ولكن الأصابع الحزبية ومناورات القصر بدأت تمتد إلى هذا العمل الجليل، واستغلت هذه المناورات اسم عزيز المصرى، فما كان منه إلا أن ذهب إلى قصر عابدين وصرخ فى وجه كبير الياوران «أنتم قوادون، وهذا المجنون يجر البلاد إلى الخراب، ولكن أبلغه أن الأمر سينتهى به إلى الطرد والتشريد».
■ ■ ■
ويكتب حافظ محمود فى الجمهورية فى 25 يونيو 1965 مقالاً طويلاً بعنوان «قصة عزيز المصرى»:

يوم ماتت مارلين مونرو انخلع قلب الصحافة الأمريكية وكأنها أحست أن مادة من مواد الإثارة ستضيع من يدها، فأخذت تنشر عنها ما لم تتسع صفحاتها لنشره عن أبطال العالم، وانعكست هذه الصورة على وجه من أوجه صفحاتنا فاحتل خبر انتحار مارلين أماكن عزيزة من الصفحات الأولى ونشرت صورتها، بل صورها بأحجام كبيرة وملأ هذا شيئا غير قليل من التحقيقات الصحفية المترجمة عن حياتها ومماتها وأشياء أخرى مع التغاضى عن الخدمات السينمائية التى أدتها مارلين فى معسكرات لا تعتبر صديقة لنا.. ويومئذ قلنا إن للموت جلاله وأحكامه..

أما يوم مات عزيز المصرى فقد نشر نبأ وفاته حقا على الصفحة الأولى فى جميع الصحف. لكن فى اختصار، ونشرت صورته حقاً، لكن على نصف عمود. ونشر موجز لتاريخ حياته، لكن فى عشرة أسطر، ثم نشرت صورة تشييع جنازته، لكن على صفحة الوفيات ولم تخل الصحف خلال هذا الأسبوع من نشر تحقيق صحفى عن تاريخه، ولكن فى صحيفة أو اثنتين..

إن المقارنة هنا مؤلمة.. فهل نحن لا نزال نعتمد فى مادتنا الصحفية على ما يأتى من الخارج، ثم إن بعض الأقلام الصحفية غير مزودة حتى الآن بما يستحق النشر عن أركان تاريخنا. أم هى الاهتمامات الصحفية عند بعضنا لها طابع آخر..؟

قد يتعذر الكتاب المحدثون بأنهم لم يعاصروا نشاط عزيز المصرى وأنا أيضاً، بل وربما أساتذتى أيضاً لم يعاصروا هذه الفترة. لكننا نشأنا وفى أسماعنا الشىء الكثير عن عزيز ولو لم نجد هذا الشىء فى أسماعنا فإن من واجبنا أن نرجع إلى المراجع التى تحدثنا حديث الذين كان لهم أثر بالغ فى تاريخنا حتى لا تقصر أقلامنا عما تستطيع أقلام غيرنا أن تطاله عن أبطال أو شبه أبطال تعتبر بطولاتهم بطولة طفلة بالنسبة لما قام به عزيز المصرى.

ولو لم يكن عزيز المصرى بطلا من أبطال تاريخنا لما ذهب جمال عبدالناصر، رئيس الجمهورية، ليشترك بنفسه فى تشييع جنازته. فأغلب الظن أن السيد الرئيس لم يذهب ليعزى شخصاً نعرفه من أسرة عزيز المصرى.. واليقين أن عزيز لم يكن يوم مات أحد الرسميين الذين يقتضى العرف أن يسير رئيس جمهورية بنفسه وراء نعشه، إنما كان الأمر كله تقديرا لبطولة رجل كانت البطولة الوطنية صديقة بكل حياته.
■ ■ ■
أما الصحفى الشاب فهمى هويدى فقد أعد تحقيقا مصوراً رشيقا للصفحة الأخيرة فى الأهرام والتى كان يشرف عليها كمال الملاخ فى عدد 22 يونيو- أى بعد وفاته بخمسة أيام فقط- حول وصية عزيز المصرى كتب فيه:

بين سجلات الشهر العقارى وصية كتبها عزيز المصرى فى يناير عام 1960، وجهها إلى «رجال الدولة وكل من يهمه الأمر»، وهب فيها كل منقولات بيته إلى سيدة تحمل اسم: زينب خير الله، بعد ذلك بسنتين – فى يناير 62- سجل عزيز المصرى وصية أخرى طلب فيها أن تدفن إلى جواره فى المقبرة التى أقامها لنفسه بجبانة المجاورين، نفس السيدة، زينب خير الله.

والذين عرفوا عزيز المصرى طوال الـ33 عاماً الماضية، لم يكن يستقبلهم فى بيته غير وجه هذه السيدة، تستقبلهم وتقودهم إلى حجرته، ثم تودعهم وتعود لترعى الرجل الذى عرف الوحدة منذ سفر زوجته الأمريكية وابنه عمر فى عام 1935. ولقد كانت زينب ـ هى الأخرى تعانى من الوحدة التى علمتها الصمت والانطواء منذ ولدت ولم تر أباها، ومنذ ذلك الوقت الذى لم يكتب لها التوفيق فى زواجها، غير أن مجرى حياتها تغير عندما جاءوا بها إلى منزل عزيز المصرى فى عام 1932، لتعلم ابنه الصغير اللغة العربية. لكن الابن وأمه سافرا بعد ثلاث سنوات، وبقيت زينب مديرة لبيت عزيز المصرى، ثم أصبحت كاتمة أسراره وموضع ثقة، وفى أشد لحظات حياة عزيز المصرى حرجا. لم يكن يجد بجواره غير صديقة عمره زينب.

فى السجن كانت تأتى بالطعام إليه كل يوم. وفى المرض كانت تسهر الليل بطوله إلى جانبه. وعندما عين سفيراً لمصر فى موسكو عام 52 كانت زينب خير الله ـ وحدها- رفيقة رحلته وغربته ثم مات عزيز المصرى ولم يترك سوى معاش شهرى 88 جنيهاً، ورصيد فى أحد البنوك لا يتجاوز 500 جنيه وسيارة شيفورليه 55 يقودها عجوز اسمه مختار، لكن أكثر ما تعتز به زينب خير الله، شريط مسجل بصوت عزيز المصرى يحمل كلمات كلها وفاء لصديقة العمر. لا شىء غير الشريط يدور الآن فى البيت الذى خيم فيه الصمت فجأة، ومع كلمات الرجل الغائب تتساقط دموع زينب خير الله بغير انقطاع.
■ ■ ■
وتنتهى مسيرة عزيز المصرى بدفنه فى مقبرته.. الخبر المنشور فى الصحف فى يوم تشييعه، أن الرئيس عبدالناصر والمصريين شيعوه فى جنازة عسكرية بحضور كبار رجال الدولة، وأنه دفن فى مقبرته التى بناها لنفسه فى مقابر الخفير.

يكتب السياسى والصحفى محمد صبيح- صديق عزيز المصرى- فى خاتمة كتابه «بطل لا ننساه» أنه فى الهزيع الأخير من حياة هذا الرجل العظيم، تنبه إلى أنه لا يملك مدفنًا، يؤوى رفاته بعد وفاته، مخاطبا فى هذا الشأن أحد تلاميذه، السيد صلاح الدسوقى، محافظ القاهرة وقتها، الذى سارع بتقديم قطعة صغيرة من الأرض (60 متراً) فى مقابر الخفير بالقاهرة، فأقام عزيز المصرى عليها مدفنًا متواضعًا، وفى جانب منه على يسار الداخل إلى الضريح أنشأ أيضًا مدفنًا لخادمته زينب.

قصدت مقابر «الخفير» مستعينًا بالخبر والتفاصيل التى ذكرها «صبيح» ومستعينًا بباحث متخصص فى «الجبانات المملوكية» وأبرزها «الخفير» وهو الأستاذ مختار الكسبانى، الذى حالت ظروفه الصحية أن يأتى معنا. وصلنا إلى مقربة من الوصف الذى حصلنا عليه.. استعنا بالأهالى الذين يعيشون فى المقابر «المجاورين». لجأنا إلى أكثر من «تُربى» وإلى كبرائهم فى المهنة، ثم تواصلنا مع قسم شرطة الجمالية الذى تتبعه مقابر «الخفير» بلا جدوى.. فشلنا فى الوصول إلى مكان المقبرة وتكررت زيارتى مرة أخرى- آخرها قبل نشر هذه الحلقة بيومين فقط. معلومات متضاربة عن مقبرة «عزيز المصرى» بأنها هناك ولكن لا وسيلة للوصول إليها. فمن قائل إنها قد تكون قد سُرقت بواسطة «التربية» وسكنها آخرون، أو أذيلت «الرخامة»! التى تحمل هوية صاحبها وتاريخ وفاته، حيث لا يسأل عنه أحد. وهناك رأى آخر عندى أنه قد تكون أزيلت بعد ذلك بسنوات محدودة عندما قامت الدولة بشق الطرق للوصل بين طريقى «صلاح سالم» و«الأوتوستراد». لاحظت إهمالاً وغيابًا تامًا للدولة فى هذه المنطقة، حيث مقابر العظماء من أمثال طلعت حرب وعمر مكرم فى قبضة «التربية».

مات «عزيز المصرى» أبوالثوار العرب.. الأب الروحى للضباط الأحرار ولثورة يوليو، بعد ثلاثة شهور فقط من الوفاة الغامضة لملك مصر الأخير فاروق فى روما. دُفن فاروق فى مقبرة العائلة العلوية الملحقة داخل مسجد الرفاعى إلى جوار عائلته، وذلك بضغوط سعودية مع عبدالناصر فى ذلك الوقت. ولم تهتم بخبر وفاته الصحافة فى ذلك الوقت. لكن بقى له ضريح معلوم. أما «عزيز المصرى» فاهتم به الجميع ولكن أصبح قبره مجهولاً. مؤرخ كبير كتب لى تعليقًا قصيراً وأنا أسأله عن معلوماته عن قبر عزيز المصرى.. وهل يملك ما يفيدنا فى هذا الشأن وقلت له إن الثابت عندى أنه فى «مقام الخفير» على بعد خطوات من طريق صلاح سالم، ولما كان المؤرخ الكبير لا يملك معلومة تنفعنى وأراد أن يخفف عنى، قال لى: أحد القادة المغمورين والذى لم يقدم أى شىء يذكر للثورة وأقصد «صلاح سالم» يحصل على كل هذا التكريم بإطلاق اسمه على أهم شوارع القاهرة، حيث رئاسة الجمهورية وأهم الوزارات والهيئات.. بينما أبوالثوار قبره مجهول!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الفريق عزيز المصري ......ابو الثوار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: شخصيات تاريخية-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2017