أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

مذكرات رأفت الهجان

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | .
 

 مذكرات رأفت الهجان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 5:39

الحقيقة والأكذوبة (ح 1)



في يوم كهذا قبل 34 عامًا، كان يرقد في سريره ينتظر الرحيل، يكتب بأصابعه المريضة آخر الكلمات عن حياته، تلك التي حفلت بكثير من المغامرات والأسرار التي لم تكن سوى لعبة، بل أخطر ألعاب الدنيا، لم يختر هو أن يلعبها، بل فُرضت عليه، لكنه أتقنها حتى أصبح ملكها، إنها لعبة الجواسيس التي قادته من قلب القاهرة لقلب تل أبيب، ليصبح عينًا لا تنام، تراقب كل شيء وأي شيء في أرض العدو، ويصبح أهم «قطعة» للمخابرات المصرية في لعبة شطرنج، ربما لن تنتهي أبدًا، بينها وبين الموساد، إنه جاك بيتون، أو رفعت الجمال، أشهر جاسوس في تاريخ مصر، إنه من تعرفه أنت باسم «رأفت الهجان».

«المصري لايت» تنشر مذكرات الجاسوس المصري رفعت الجمال على حلقات، كما كتبها هو بخط يده، وحسب روايات زوجته، «فولتراود الجمال»، التي نشرتها في كتاب يحمل اسم «قصة الجاسوس المصري رفعت الجمال.. 18 عامًا من الخداع لإسرائيل»، عام 1994، وذلك بمناسبة اقتراب ذكرى وفاته في 30 يناير 1982.



«رسالة أخيرة على فراش الموت»

«لا أعتقد أنه من الإنصاف أبدًا أن يشتدّ بي المرض على هذا النحو، ولكن هذا أوصلني على الأقل إلى الاقتناع بأن أشرع فورًا في تدوين الحقيقة المتعلقة بي وبحياتي»، كلمات بدأ بها الجاسوس الراحل مذكراته، التي كتبها بخط يده وتركها لزوجته بعد وفاته، لتكشف لها الجانب الآخر من حياة زوجها، شخصيته المصرية التي تتخفّى خلف قناع إسرائيلي يحمل اسم جاك بيتون، لم تكن تعرف هي أن اسمه كان رفعت الجمال، لم يكن أبدًا يدين بالولاء لنجمة داوود الزرقاء وكان له عالم سري لم يفصح لها عنه أبدًا، وكانت السطور القادمة ستحمل لها كثيرًا من المعلومات عن شخصية زوجها، كانت المفاجآت قادمة وكثيرة.

«قد يقول قائل إنني عشت أكذوبة، لكن لم يكن أمامي خيار آخر. سأحاول أن أكتب كل شيء بلغة إنجليزية صحيحة قدر استطاعتي، وأنتِ يا (فالتراود) تعرفين أنني لم أكن قط أجيد الكتابة بالإنجليزية، فقد اعتدتِ دائمًا أن تصححي لي رسائلي، ومع ذلك فهذا بعض من حقيقتي، وأنا على ثقة من أنك ستفهمين كل شيء، وفور أن أفرغ من كتابة هذه المذكرات، سأعطيها إلى محامينا ليسلمها لك بعد ثلاث سنوات من وفاتي».



ربما يتساءل القارئ عن سر الثلاث سنوات، كما توقّع «الجمال» أن ينتاب التساؤل ذاته زوجته، ليطرح السؤال ويجيبه بنفسه: «لماذا ثلاث سنوات؟ حسنًا، أحسب أنه عندئذ سيكون قد مضى بعد الوفاة وقت كافٍ لتتماسكي وتصبحي فيه من القوة بحيث يمكنك تحمّل الصدمة التي ستشعرين بها عند قراءتك لهذا الكلام. إنني بصدد كتابة قصة حياتي الحقيقية، فثمة أشياء كثيرة لم تعرفيها عني، وكم أنا سعيد إذ أفرغ لك أخيرًا كل مكنون صدري، فعلى الرغم من أنك كنتِ رفيقة حياتي زمنًا طويلًا، فقد اضطررت لأن أعيش حياة المتوحد بلا رفيق أو صديق، لم يكن أمامي من سبيل آخر، احتفظت بكل شيء لنفسي رغمًا عني، حتى لا أعرضك أنت والطفلين للخطر، والآن حانت اللحظة التي استدعاني فيها الله، أشعر أنه يريدني إلى جواره».

واستطرد في رسالته: «ها هو مرضي ينهش جسمي من داخله، أحس بعض الألم وأخشى أن يزداد الأمر سوءًا، ليس الموت هو ما أخشاه بل الألم، فأنت تعرفين أني كنت دائمًا أخاف الألم مهما كان ضعيفًا، وأنا الآن على يقين من أنني مضطر إلى أن أصمد في مواجهة ما هو أسوأ».



لم يكن الألم يفارقه، ليس فقط بسبب المرض لكن كذلك بسبب حزنه على الآخرين، فأكمل رسالته قائلًا: «كم هو مؤلم أشد الألم على نفسي أيضًا أن أراكِ تعانين، وعلى الرغم من أنك تجاهدين بقوة لإخفاء المعاناة إلا أنني أستطيع أن أرى أنك تتعذبين، فأنا أعرفك جيدًا، وكم هو مرير على نفسي أيضًا أنني لن أستطيع أن أرى ابننا يكبر ويشب على الطوق، إنه الآن في السابعة عشر من عمره، في مرحلة يصبح بعدها رجلًا يافعًا، كم كنت أحب أن أكون له الهادي المرشد عبر سنوات نُضجه وتطوره، فقد راودني الأمل دائمًا في أن أراه في الجامعة، لكنني الآن لن أراه حتى حين يتخرج في المدرسة الثانوية، إن هذا ليؤلمني حقًا، هل تعدينني بأنك سوف تحرصين على أن يحصل على أفضل تعليم، أن تساعديه بكل قدرتك على المساعدة؟».

وتابع: «إنه لا يزال غرًا غير محنك تمامًا، بيد أن ثقتي فيه كبيرة. إنني على يقين من أنه سوف ينجح في كل ما يتصدى لعمله، لا يقلقك كسله، فقد اعتدت أن أكون كذلك، أعرف أنه يثق في ذكائه، ولكنني آمل في أن يكون مثابرًا دؤوبًا حتى يمكنك الاعتماد عليه. قولي لابنتنا إن بوسعها أن تثق تمامًا في أنني كنت أحبها دائمًا مثل حبي لابني. إني فخور بها، وأعرف أنها لن تخذلك. لا تكوني قاسية عليها، إنها شديدة الحساسية، وعلى الرغم من أنها عنيدة شيئًا ما إلا أنها تحبك وتحبني حبًا غامرًا، ولن تفعل أبدًا شيئًا يُغضِب أبويها».



وكأن الوقت يداهمه ويشعر بملك الموت يحوم حوله، قرر أن يختتم رسالته التمهيدية إلى زوجته: «أجد لزامًا عليّ أن أبدأ فيما أريد أن أبوح به إليك قبل أن يضيق الوقت ويحين الأجل، وقد بات حتمًا مقضيًّا. إنها قصة طويلة، وبينما تمضين في قراءتها سينمو السخط في نفسك عليّ، وتغضبين مني، وتودين لو أنك لم تلتقِ بي يومًا، غير أنني أعرف ما عرفته دائمًا، وهو أنك تحبينني حبًّا عميقًا جدًّا، ولك أن تثقي في أنني أبادلك نفس هذا الحب بنفس القدر. إن ما سوف تقرئينه هو الحقيقة كلها عن حياتي وعملي وشخصيتي. لا تُصدري حُكمًا قبل أن تفرغي من القراءة، وأرجو أن تصدقي أنني لم أكن أستطيع أن أفضي إليك بشيء، وإنني التزمت هذا النهج مُرغَمًا حمايةً لك وللطفلين. أنتم جميعًا حبي الأكبر، وأغلى شيء في حياتي».

وأنهى رسالته: «نحن الآن في شهر أغسطس 1981 ولست أدري كم بقي لي من الزمن قبل أن أقضي نحبي. أحس ببرودة في جسدي، وبأنني لستُ على ما يرام أبدًا، غير أنني سعيد إذ أستطيع أخيرًا أن أقصّ عليكم الحقيقة عن شخصي وحياتي، لذلك اقرئي هذه الصفحات لنلتقي من خلالها مرة ثانية، وكوني على يقين من أنك حبي الدائم، إن حبي لك وللطفلين لم يكن قط أكذوبة».


1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 5:46

يكشف شخصيات عائلته الحقيقية (ح 2)



«لقد ولدت في اليوم الأول من شهر يوليو من عام 1927 في مدينة دمياط بمصر، وهي مدينة تطل على الضفة الشرقية من الفرع الأيمن لنهر النيل، تقع على بُعد أحد عشر ميلًا من المكان الذي يصب النيل فيه ماءه في البحر المتوسط، ولعلك الآن تدركين لماذا كنت دائمًا أقرأ ما يرد تحت برج السرطان في أبواب الحظ في الصحف، على الرغم من أن جواز سفري يوضح أنني من برج الأسد. إن اسمي هو رفعت علي سليمان الجمال، كنت الشقيق الأصغر لثلاثة إخوة، أخي غير الشقيق سامي من الزواج الأول لأبي، وأخي الشقيق لبيب، وأختي نزيهة»، بهذه الكلمات بدأ الجاسوس المصري تعريف زوجته بعائلته وبقصة حياته في صغره.

واستطرد: «كان أبي، علي سليمان الجمال، تاجر فحم بالجملة، وشخصية محترمة لها مكانتها، ويحمل لقب «أفندي» الذي يعادل لقب «فون» في ألمانيا أو «سير» في بريطانيا العظمى. واسم العائلة الجمال، هو اسم الأب المؤسس لها، والذي استقر في دمياط منذ أجيال مضت، وتهيأت له فيها حياة ناجحة ميسورة بفضل تربية الجمال، ومن هنا جاء لقب الأسرة، الجمال، والذي يعني مُربّي الجِمال».



وأضاف: «كانت أمي رتيبة تنحدر من أسرة راقية، وكانت امرأة عصرية إلى حد ما، تتحدث الإنجليزية والفرنسية اللتين تعلمتهما في إحدى المدارس الخاصة. ولد أخي لبيب في العشرين من يناير 1923، أما أخي غير الشقيق سامي، الذي كان أكبر منا سنًا بفارق كبير، فقد أرسله أبي إلى القاهرة للدراسة تحت رعاية أقارب والدي، بعد أن قرر أن يلحقه بالمدرسة المتوسطة في القاهرة بعد أن أنهى بامتياز تعليمه في المدرسة الابتدائية بدمياط.

وعاد إلينا سامي في صيف 1930 وعمره سبعة عشر عامًا. كان قد أتم الدراسة الثانوية بتفوق والتحق بالجامعة ليصبح فيما بعد معلمًا للغة الإنجليزية. كان سامي يتحلى بمواهب عالية وكنت دائمًا شديد الإعجاب به، أذكر أننا التقطنا صورة تضم جميع أبناء الأسرة، فكان سامي هو الوحيد الجالس على مقعد وكنت أنا جالسًا في حجره، وكان هذا مدعاة لشعوري بزهو كبير، ولعلك تذكرين أنني قلت لكِ إن سامي كان معلمي عندما جاء ابنه محمد ليقيم عندنا في ألمانيا وقدمته لك باعتباره ابن أستاذي. كان سامي عاقلًا وحكيمًا ولذا كنت أكن له احترامًا عظيمًا».



واستمر في كشف أسراره: «أما أخي لبيب فكان من النوع الذي يُعمِل فكره ويحظى بقدرة جيدة على الحسابات، ومن ثم أصبح محاسبًا فيما بعد، وكنت أتعارك معه كثيرًا، غير أنه كان أخي في نهاية الأمر، هل تذكرين يوم أن حضر إلى بيتنا وقدمته إليكِ باعتباره رجل أعمال صديقًا من مصر. لم يلحظ أي منكم شيئًا فيما عدا ابننا دانييل الذي أصر على أن ثمة تشابهًا بيني وبين لبيب يشي بأننا أخوان، ولعلك تفهمين الآن سبب غضبي حين تشبث دانييل بملاحظته هذه.

كانت أختي نزيهة امرأة ذات قلب حنون طيب، والتحقت بمدرسة البنات الوحيدة في المدينة، وهي مدرسة خاصة. إنني أحبها كثيرًا جدًا إذ كانت دائمًا طيبة جدًا معي، حتى عندما تحتدم المنازعات بيني وبين سامي ولبيب.

كنت شيطانًا صغيرًا. لم تواجهني مشاكل تُذكر في المدرسة التي التحقت بها، وكانت هذه المدرسة أيضًا مدرسة خاصة مجاورة لمسجد عبدالغني المقابل لقسم أول شرطة. كنت كسولًا إلى حد ما، ولعلك تدركين الآن من أين جاء كسل ابننا.

تُوفي أبي عام 1936 وكنت في التاسعة من العمر، وكانت نزيهة في الحادية عشرة، وكان لبيب في الثالثة عشر، أما سامي، البالغ من العمر آنذاك الثالثة والعشرين، فكان قد تخرج في الجامعة منذ فترة، وأصبح يعمل مدرسًا للغة الإنجليزية في المدرسة الابتدائية في مصر الجديدة بالقاهرة، وأحسب أنكِ تعرفين مصر الجديدة جيدًا، حيث كان مكتب شركتنا (آجيبتكو)».



وأكمل «الجمال» قصته وهو على فراش الموت: «أصبح سامي رأس الأسرة منذ ذلك الحين، ومن ثم أتى بنا جميعًا، ومعنا أمنا إلى مصر الجديدة، كان يسكن في شارع يعقوب أرتين، المتفرع من ميدان الإسماعيلية، وأشرفت أمي على شؤون البيت، واستطاعت نزيهة أن تحقق حلمها، وتلتحق بالمدرسة الثانوية للبنات في مصر الجديدة.

التزم لبيب بمشورة سامي والتحق بمدرسة تجارية متوسطة، حيث تعلم إمساك الدفاتر والإدارة، والتحقت أنا بمدرسة ابتدائية حكومية تحت رعاية سامي كولي أمري. وفي صيف 1940، أكملت تعليمي بالمدرسة الابتدائية بتفوق، وستجدين في هذه الأوراق شهادتي المدرسية. كنت آنذاك في الرابعة عشر من العمر، وكان سامي يريد أن يتزوج ويبدأ حياته الأسرية الخاصة.

قرر سامي هو وأمي أن التحق بمدرسة تجارية للحصول على مؤهل متوسط، وإذا كنت أريد مزيدًا من التعليم الأرقى، فإن بإمكاني أن أعمل نهارًا وألتحق بمدرسة مسائية، وبذا يمكنني أيضًا أن ألتحق بالجامعة، وبدا هذا أفضل الحلول نظرًا لأن لبيب لم يكن راغبًا في رعايتي وتولي مسؤوليتي لفترة أطول كثيرًا، وهكذا تحدد مصيري، لم تكن لدي أدنى فكرة عن كل هذا وقبلت قرار عائلتي، ونظرًا لأنني كنت في الرابعة عشر من عمري فلم يكن أمامي خيار آخر».



1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 5:52

«تزوجت شقيقتي الملازم أحمد شفيق وحرمت من حنانها» (ح 3)



بعد حديثه عن عائلته وشخصياتها في الحلقة الماضية، انتقل «الجمال» للحديث عن نفسه، في مذكراته، قائلًا: «كنت أنتمي إلى جيل الحرب العالمية، وتأثرت بالبريطانيين وحاولت أن أبدو بريطانيًا. كنت أتحدث الإنجليزية بلكنة بريطانية، والفرنسية بلكنة فرنسية، إذ كان معلمي من باريس. وتغير سلوكي بحكم الظروف المحيطة بي. وغضب شقيقي لبيب وأمي لذلك واستشعر سامي حرجًا من ذلك، بعد أن أصبح المدرس الخصوصي الذي يعلم شقيق الملكة فريدة اللغة الإنجليزية.

وكان من بين زملائي في الفصل الدراسي، الذي جاهدت كثيرًا لكي أتلاءم معه، عدد كبير من هواة الذهاب إلى السينما. كنت أستمتع بالسينما كثيرًا، وكيفت سلوكي وفقًا لما تقدمه من أفلام، وأخذت أحاكي ما أراه في السينما، وأصبحت مشهورًا جدًا بين أقراني في الفصل، واعتدت أن أذهب إلى السينما مرات ومرات لكي أدرس أدوارًا بذاتها من حيث الحركات وطريقة الكلم لكي أحاكيها في المدرسة».



غيرت السينما حياته، كما وضح في روايته، حين أوضح: «من خلال السينما اتسعت مداركي ومعارفي عن التاريخ العربي مثلما عرفت منها الكثير من الأعمال الأدبية العالمية، وأضحت السينما مدرستي الثانية، وخلال عام 1940، تهيأت لي الفرصة لزيارة استوديوهات السينما في مناسبات مختلفة، وأثناء إحدى هذه الزيارات، كان يجري تصوير فيلم كوميدي بطولة بشارة واكيم، وانتظرت إلى أن دخل هذا النجم الكبير إلى غرفة المكياج وغاب عن الأنظار، وتسللت إلى غرفته التي يغير فيها ملابسه، وكانت مفتوحة.

ظللت في مخبئي هذا أقلد دورًا من أدوار بشارة واكيم المشهورة بصوته وبأسلوبه المتميزين، وفجأة وجدته واقفًا أمامي وأخذتني الصدمة. أخرجني من مخبئي وعنفني أمام الماكيير المسؤول عن عمل الماكياج له، وسأل بشارة واكيم الرجل عن رأيه في أدائي فأجاب أنه ظن أنني بشارة واكيم نفسه.

وتحول بشارة واكيم إلى إنسان ودود، وسألني عن اسمي وعمري وعملي، وقال إنني موهوب أصلح للسينما، وطلب مني أن أعود بعد أن أكمل الدراسة. أحسست بنشوة غامرة، وكان قراري أن أكمل الدراسة وأصبح ممثلًا».



لم تستمر السعادة كثيرًا في قلب الفتى اليافع، ليتبدل حاله سريعًا: «في بداية عام 1943، تزوجت أختي نزيهة من الملازم أول أحمد شفيق، وتركت شقتنا التي نسكن فيها جميعًا وانتقلت أمي إلى دكرنس حيث يعيش أخوها. وكان سامي بصدد تأسيس أسرته الخاصة، وشرع في البحث عن شقة أسكنها أنا ولبيب. لم أكن آنذاك في نظر لبيب أكثر من مهرج، وكانت تروعه فكرة أن يتولى هو أمري. كان على وشك التخرج في المدرسة الثانوية التجارية وتقدم بطلب للتوظف في بنك باركليز. وأخيرًا، عثر سامي على شقة لنا في شارع الجامع الاسماعيلي، بالقرب من ميدان لاظوغلي.

وهكذا فجأة وجدت نفسي محرومًا من أمي وأختي مرة واحدة. كانت نزيهة دائمًا هي الأقرب لي دون بقية أفراد الأسرة، كانت تكتم السر، ومن ثم كنت أودعها الكثير من أسراري، والآن، على بغتة ودون توقع، فقدت كل هذا.

تذكرت أن لبيب هو صاحب فكرة إلحاقي بمدرسة تجارية. وفهمت الآن أن لا أحد يريد تولي مسؤوليتي، ومن ثم بات لزامًا أن أعتمد على نفسي، وأن أقوم بكل شؤوني في أسرع وقت. ولكي أفعل ذلك، كان يتعين علي أن أكمل دراستي، وشعرت بالصدمة حين أدركت أن أمامي عامًا دراسيًا واحدًا فقط، ينبغي لي بعده أن أعول نفسي، ولهذا تعمدت على سبيل الاحتجاج أن أرسب في امتحان نهاية العام الدراسي للصف الثالث في الأول من يونيو».



لم يتفاجأ الفتى من رد فعل أسرته على رسوبه: «أتى هذا بالنتيجة المتوقعة، وثار الجميع، فلم يحدث أن رسب أي منا في أي امتحان، وبدا ذلك غريبًا لكل الأسرة، نظرًا لأن جميع درجاتي على مدار السنوات الدراسية كانت جيدة.

تزوج سامي بابنة محرم فهيم، الذي كان آنذاك رئيسًا لنقابة المحامين، ثم انتقل مع زوجته إلى شقة في شارع دسوق في مصر الجديدة. وهكذا بقيت وحدي مع لبيب، الذي بدأ للتو عمله كاتبًا في أحد البنوك فور تخرجه من المدرسة. كانت هناك ملاحق لامتحانات نهاية العام تجري قبيل العطلة الصيفية، غير أنني كنت مصرًا على ألا أبدأ حياتي العملية مبكرًا، ومن ثم رسبت مرة ثانية».



وأكمل روايته: «ظل لبيب يندب حظه الذي ربطه بي في شقة العزوبية المشتركة. كان يقول إنني عديم القيمة وإنني التافه الوحيد في أسرتنا المحترمة. سئمت هذا الكلام، وأردت أن أغير الحال، ولكنني لم أكن أعرف كيف أفعل ذلك. اجتزت امتحان نهاية العام الدراسي للصف الثالث في يونيو 1945، بحيث لم يبق أمامي غير عام دراسي واحد.

ثم ماذا بعد؟

في عيد ميلادي السابع عشر زرت ستوديو مصر، حيث كنت قد التقيت من قبل ببشارة واكيم. كنت محظوظًا، فقد كان الرجل موجودًا وتذكرني. قلت له إنني أعتزم ترك المدرسة دون أن أدري ماذا أفعل بعد ذلك. سألني إذا ما كنت أريد أن أمثل في فيلمه، تملكني الخوف وقلت له إنني ليس عندي أدنى فكرة عن التمثيل، فقال إنني أصلح لأداء أدوار أشخاص من كل الجنسيات، كنت شابًا يبلغ طوله 5,8 قدم ( 173.7 سم)، أسود الشعر، فاتح البشرة».

كانت للمقابلة الثانية مع بشارة واكيم وقع كبير على المراهق رفعت الجمال حين يقول: «تغير بذلك مصيري، واستقر عزمي أكثر مما مضى على أن أشق طريقي ومستقبلي في السينما، وعندما أخبرت لبيب بذلك شعر بصدمة، وقال إن هذا عار ولا يليق بأحدنا أن يمتهن مثل هذا النوع من الأعمال. لم أعبأ بكلامه وقررت أن أكون جزءًا من عالم السينما الساحر، وقد ملأني الحماس لذلك، أديت دورًا صغيرًا في فيلم بشارة واكيم وكان اسمي فيه رفعت علي، واشتريت من أول ما كسبته هدية لأختي نزيهة وابنها بكر المولود الجديد، وقصدت بيتها لأراهما، واستقبلتني نزيهة رقيقة دافئة العواطف كعهدي بها دائمًا، ولسوء الحظ حضر زوجها وانفجر في غضبًا، وقال إنني إنسان بلا قلب ولا فائدة، وخرجت من عندها مجروحًا وغاضبًا».



وبعيدًا عن غضب العائلة كان «الجمال» يتحسس أولى خطوات النجاح وكان بصدد التعرف على عالم لم يعرفه من قبل: «حقق الفيلم نجاحًا باهرًا، مما جعلني أشعر بزهو كبير، وأحس زملائي في المدرسة بالفخر والغيرة مني، لم يهمهم إن كان دوري صغيرًا أم كبيرًا، وكان من الطبيعي أن يفسد لبيب علي الاستمتاع بشهرتي الجديدة، ولم يكف عن الشكوى مني والصراخ في وجهي.

وخلال العام الدراسي 1945/1946 ظهرت في فيلمين آخرين، وعقدت العزم أيضًا على أن أكمل دراستي. وأكملت بالفعل دراستي في صيف 1946 بينما كنت أمثل في فيلم جديد، وهنا قابلت «بيتي»، وهي راقصة شابة، وأصبحت أول حب في حياتي، كانت مراهقة طائشة، ولكنها كانت آنذاك ذات شأن كبير بالنسبة لي، فقد فتحت أمامي عالمًا جديدًا، كانت تكبرني بعام واحد، ولكنها كانت تفوقني تحررًا وخبرة وعلمتني الكثير، ووصل الأمر إلى أني انتقلت للعيش معها، حيث كانت تسكن قريبًا من الاستوديوهات التي تعمل بها، كانت هي أول امرأة قبلتها، وبالطبع كان الرأي السائد في تلك الأيام هو أن من مظاهر الفسق التي تستثير المشاعر أن تحيا مع امرأة لست متزوجًا بها، واستشاط لبيب غضبًا، ومع هذا فقد كنت صبيًا خامًا حين انتقلت للعيش معها وخرجت من عندها رجلًا».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 5:57

ابن دمياط يصل أوروبا بعد ترك الراقصة (بيتي) واتهامه بالسرقة (ح 4)



بعد مغامرة قصيرة في السينما والمرور بأول علاقة عاطفية مع راقصة تدعى «بيتي»، كان «الجمال» مستعدًا لخطوات أخرى، كما يروي في مذكراته: «أخذت من (بيتي) كل ما يمكن أن يأخذه إنسان، علمتني الكثير، غير أنني أحسست أنه قد حان الوقت لكي انتقل إلى مجال آخر، إذ فقدت الرغبة في متابعة عملي كممثل، وبدأت البحث عن عمل آخر، لأنه بدون ذلك لم أكن أستطيع كسر القيود التي كبلتني بها (بيتي).

وتقدمت بطلب لوظيفة لدى شركة بترول أجنبية على ساحل البحر الأحمر، واختاروني على الرغم من كثرة عدد المتقدمين، وتسلمت العمل فورًا، ومن المؤكد أنه ساعدني في هذا أنني كنت أتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وانتقلت إلى رأس غارب، التي تقع على بعد 150 ميلًا جنوب السويس.

حاولت أن أنسى الماضي، وعملت بدأب وجد قدر استطاعتي في وظيفتي كمحاسب، وبقيت هناك لمدة خمسة عشر شهرًا، وتعلمت فيها كل ما يمكن تعلمه عن أعمال صناعة النفط وأقمت علاقات مع كثيرين من مهندسي النفط البريطانيين والأمريكيين».



جهود الشاب رفعت الجمال في الهروب من الماضي ربما كانت تؤتي ثمارها، حتى لحظة بدا أن كل ما فعله على وشك الذهاب في مهب الريح: «في خريف عام 1947، قرر رئيسي نقلي إلى المركز الرئيسي في القاهرة، غير أنني عزمت على رفض الترقية، لأنني كنت أخشى الحياة قريبًا من أسرتي، خاصة أختي نزيهة وأبناءها، إذ كنت أعرف أنني لن أحتمل أن أعيش قريبًا منها ولا أستطيع أن أراها.

وكنت قد تعرفت على أحد رجال الصناعة من الإسكندرية اعتاد أن يتردد كثيرًا على السويس لأعمال تجارية، وحاول مرارًا وتكرارًا أن يشدني للعمل في شركته التي تعمل في الكيماويات، وما أن حانت الفرصة للقائه حتى سألته عما إذا كان العرض الذي قدمه لا يزال قائمًا أم لا.

سره سؤالي ورد بالإيجاب، وانتقلت معه إلى الإسكندرية، ولأول مرة منذ أن خرجت من شقة سامي منذ خمس سنوات مضت وجدت في هذا الرجل وأسرته بديلًا لأسرتي، وقررت أن أضرب بجذوري في الإسكندرية، فالدفء والحب الأبوي اللذين حرمت منهما وجدت لهما بديلًا مضاعفًا هنا، فقد أبدى رئيس شركة الكيماويات رضاه البالغ عن عملي وشخصي حتى أنه رقاني وعاملني كأب لي، وزرت أسرته مرات وتعرفت على ابنته هدى».



ثمة علاقة عاطفية جديدة كانت تلوح في الأفق بالنسبة لـ«الجمال» لكن ما بدا بشكل سلس كان سرعان ما سيتعقد وبشدة: «اعتدت أنا وهدى أن نلتقي بين حين وآخر ونذهب معًا إلى السينما، وعرف رئيسي ذلك ولم يعترض، بل على العكس شجع علاقتنا وأفهمني أنه يرى في الابن الذي حرم منه، وحفزني هذا في المقابل على التفكير في إكمال تعليمي والانتساب إلى الجامعة.

لكن القدر أراد لي شيئًا آخر، فبعد عيد ميلادي الثاني والعشرين بقليل طلب مني رئيسي في العمل السفر إلى فرع الشركة في القاهرة لأنه غير مطمئن إلى المدير هناك، وطلب مني أراجع عمله، وسافرت إلى القاهرة حاملًا معي هدايا لأختي وأبنائها.

وعلى الرغم من شعوري ببعض الاكتئاب حين يعاودني التفكير في الماضي، ولأن أمي ماتت في دكرنس بينما كنت أعمل في رأس غارب، إلا أنني شعرت إيضًا بالفخر لأنني أعود لأختي وأنا رجل أعمال ناجح ومحترم.

فحصت دفاتر الحسابات في فرع الشركة بالقاهرة، وراجعت كل شيء آخر فيه، لم أجد أي شيء غير عادي، بل راجعت أيضًا رصيد النقدية، ووضعت الرصيد في الخزانة وأغلقتها دون أن أدري أن مدير الفرع معه مفتاح ثان للخزانة. واكتشفت في اليوم التالي ضياع مبلغ ألف جنيه مصري، وحيث أنني من الناحية الرسمية كنت الوحيد الذي يحمل المفتاح، فقد بات واضحًا أنني سرقت النقود، واتصل مدير الفرع برئيس الشركة في الإسكندرية وأبلغه أنه قد تم العثور على النقود في غرفتي بالفندق، وذلك محض كذب».



تورط «الجمال» في رحلته القصيرة إلى القاهرة، لكنه لم يهرب هذه المرة، وأوضح في مذكراته: «خجلت من جريمة لم أرتكبها وعدت إلى الإسكندرية، ولكن سرني أن رئيس الشركة قال لي إنه يصدقني، وإنني ضحية دهاء مدير الفرع، ولكن رئيس الشركة لم يستطع الإبقاء علي في وظيفتي تجنبًا لإجراء أي تحقيقات رسمية، ورتب لي فرصة الالتحاق بعمل جديد لدى صديق له يدير خطًا ملاحيًا، صدمت ولكن لم يكن أمامي خيارا آخر.

بدأت عملي كمساعد لضابط الحسابات على سفينة شحن اسمها (حورس)، وبعد أسبوعين كنت على متن السفينة لأغادر مصر لأول مرة. طال سفرنا، وتقوقعت على نفسي غير مصدق أنني أبحر بعيدًا عما أردته لنفسي. توقفنا في نابولي وجنوة ومارسيليا وبرشلونة وجبل طارق وطنجة، ثم بعد ذلك وصلنا إلى ليفربول.

وفي ليفربول أدخلت السفينة إلى الحوض الجاف، لعمل بعض الإصلاحات، وكان من المقرر أن تتجه بعد ذلك إلى بومباي، وحيث أنه كان من المقرر أن نظل وقتًا طويلًا في انجلترا، فقد بدأت مغامراتي لاستكشاف المنطقة داخل ليفربول وحولها، وذات ليلة وأنا في مرقص قابلت فتاة اسمها جودي موريس».

وكان المرقص شاهدًا على ولادة علاقة عاطفية جديدة لابن دمياط: «ذكرتني بـ(بيتي)، رقصنا معًا وقضينا أمسية رائعة، أحببتها ومارست معها كل ما تعلمته من بيتي، وقعت (جودي) في غرامي، ومنذ ذلك الحين أصبحنا نقضي معًا كل لحظة تكون فيها بلا عمل، ورحب بي أبوها، الذي كان شخصية نقابية هامة ورئيسًا للعمال في الأحواض الجافة، ودعاني لزيارتهم في البيت، وأمضيت معهم وقتًا رائعًا.

عندما تهيأت (حورس) للسفر إلى الهند بكت (جودي) بحرقة، وتوسلت إلي ألا أسافر، ولم أكن أنا أيضًا متحمسًا للسفر إلى الهند، غير أنني لم أكن أريد أن أفقد وظيفتي، ولا أن أبقى في انجلترا بطريقة غير مشروعة، ولكن (جودي) أوضحت لي أن كثيرين من البحارة يضطرون إلى استئصال الزائدة الدودية، ومن ثم يتخلفون عن السفر، وينتظرون إلى أن تعود سفنهم مرة ثانية إلى ليفربول ليلتحقوا بها، وأخبرتني أن أباها يمكنه مساعدتي في الحصول على تصريح إقامة.

قالت وفعلت، وادعيت أنني أعاني ألمًا حادًا تم تشخيصه على أنني مصاب بالتهاب الزائدة الدودية ويتطلب إجراء جراحة فورًا، وعقب إجراء العملية خرجت لأكون في رعاية (جودي)، وبعد أن شفيت بدأت أعمل مع والد (جودي) في الميناء، بعد أن رتب لي تصريحًا بالعمل.

وخلال هذه الفترة، قابلت قسًا طلب مني أن يعرف كل شيء عن الإسلام، واتفقنا سويًا أن أعلمه كل ما أعرفه عن الإسلام، ويعلمني هو في المقابل كل ما يعرفه عن المسيحية، وأسعدني أن تتاح لي فرصة أن أقدم بعض معلوماتي وأن أتعلم شيئًا جديدًا، غير أنني لم أكن مستعدًا للتخلي عن إيماني بديني، ولم تعبأ (جودي) بذلك، إذ كان كل ما تريده هو أن تتزوج مني أيًا كانت عقيدتي، وحين تأملت أحوال أسرتها وأحوالها وتدبرت أمري أيقنت أنها لا تصلح لي كزوجة، ولذلك، فإنه ما أن عادت (حورس) حتى ودعتها وصعدت إلى السفينة عائدًا إلى مصر، وودعتني (جودي) وهي تقول إنها سوف تنتظرني، ولكنني كنت على يقين من أنه لا أمل من ذلك».



1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 6:02

«سيدات أوروبا أغرقوني بالأموال لتمضية وقت معهن» (ح 5)

في مارس من عام 1950، عاد رفعت الجمال إلى مصر ليروي: «كنت موزع الوجدان بين الإحساس بالسعادة والحزن، لم أجد لي أسرة أعود إليها، ومن ثم قررت أن أترك البلاد ثانية بأسرع ما يمكن، عدت لأعمل مستخدمًا على متن سفينة تحمل العلم الفرنسي، وأبحرت بي لنصل بعد أربعة أيام إلى مارسيليا.

وهناك نزلت في فندق في الميناء سيء جدًا وصغير جدًا، واستثمرت إجادتي للفرنسية وسحري مع النساء وكل ما تعلمته من (بيتي)، وأفضى بي هذا إلى أن تشملني امرأتان عجوزتان برعايتهما وتتوليان أمري وتدفعان لي أجرًا مقابل صحبتهما والترفية عنهما، وظننت أن الأسلوب الذي نجح معي في مارسيليا سوف ينجح أيضًا في باريس، وربما على نحو أفضل، فشددت الرحال إلى العاصمة الفرنسية، ولم أكن مخطئًا في ما اعتقدته، إذ وجدت سيدات كثيرات دفعن لي مالًا وفيرًا مقابل تمضية وقتا ممتعا، وواجهت خطر الطرد من البلاد لأنني لم أكن أملك تأشيرة إقامة.

لهذا ركبت القطار إلى لندن زاعمًا أنني مضطر إلى استشارة الطبيب الذي أجرى لي العملية الجراحية لاستئصال الزائدة الدودية، وحصلت على تأشيرة دخول لزيارة تمتد أسبوعين. بدا الأمر مختلفًا هذه المرة فقد أصبحت جسورًا مغامرًا بصورة عدوانية وأنانية.

وقفت مستقلًا قادرًا على أن أفعل كل ما أريد، لم يعد بمقدور أحد أن يدفعني بعيدًا عن طريقي المرسوم، حققت بعض الثروة بفضل سخاء السيدات اللاتي صاحبتهن، لم يكن لي من حاجة تدفعني للسفر إلى ليفربول غير أني ذهبت إلى هناك لأرى (جودي)»



كان لقاء «جودي» هذه المرة مختلفًا بالنسبة للشاب المصري: «استبدت بها فرحة غامرة لرؤيتي جعلتها تبكي طوال الوقت، ظنت أنني عائد إليها ومن أجلها، ولم يكن هذا صحيحًا، غير أنني مكثت معها إذ أدركت أن هذه أفضل فرصة لي، وساعدني القس الذي التقيت به سابقًا في الحصول على وظيفة في وكالة للسفريات حيث بدأت العمل بحماس كبير.

كان اسم وكالة السفريات التي عملت بها (سلتيك تورز)، وكانت لدي أفكار لتطوير عملها، إذ أقنعت رئيسي بأن أسافر إلى لندن في محاولة للحصول على موافقة السفارة المصرية على أن تتولى وكالتنا تنظيم سفر الديبلوماسيين المصريين والحاصلين على منح دراسية من وإلى بريطانيا العظمى، وكنت على ثقة من نجاحي على الرغم من أن شركة (توماس كوك) كانت هي التي تقوم بهذه الأعمال وقتذاك.

ذهبت في لندن لمقابلة الملحق المصري وأقنعته بأن يوكل إلينا هذا النشاط، وأوضحت له أن أسعارنا أرخص، وأنني كابن بلد سوف أتابع ذلك لأضمن لجميع العملاء أفضل رعاية. وعدت إلى ليفربول حاملًا في جيبي عقدًا مربحًا، وبلغت عمولتي عن هذه الصفقة 2000 جنيه إسترليني».



ابتسمت الحياة مجددًا لـ«الجمال»، كما يروي في مذكراته: «كانت هذه مجرد بداية، وفي أقل من خمسة أشهر تضاعف حجم عمل وكالة السفريات وزادت حصتي إلى 5000 جنيه وأودعتها في بنك أمريكان إكسبرس مقابل شيكات سياحية بنفس القيمة، واقترحت بعد ذلك على رئيسي أن أبذل نفس المحاولة مع السفارة المصرية في نيويورك، ووافق على الفور وحجز لي تذكرة سفر إلى نيويورك. ودعت (جودي) ووعدتها بالعودة سريعًا، ولم يدر بخاطري أن هذا كان وداعنا الأخير».

وفي نيويورك، قال لي المدير المسؤول عن وكالة للسفريات حاولت التعاون معه فيما جئت لأجله إن ليفربول مدينة صغيرة ولا يمكن أن يتم فيها تنظيم السفريات لأمريكا، وامتدحني قائلًا إنني موهوب وأن علي أن أبرز مواهبي في نيويورك، وعرض علي وظيفة وقبلتها، واهتز قلبي فرحًا لنجاحي.

كان قبولي لهذا القرار يعني من الناحية القانونية أنني خدعت صاحب الوكالة الإنجليزية، وحصلت بموجب ذريعة كاذبة على تذكرة سفر بالطائرة من إنجلترا إلى الولايات المتحدة، ومن ثم كان منطقيًا أن يوجه لي رئيسي السابق في ليفربول تهمة الغش.



مع إقلاع طائرته من إنجلترا متوجها إلى الولايات المتحدة، كان فصلا جديد يستعد أن يكتب في قصة حياة رفعت الجمال: «بقيت في نيويورك وحولت شيكاتي السياحية إلى دولارات، بما يساوي قيمة ما معي من جنيهات إسترلينية مرتين ونصفًا، وأصبحت بذلك أملك اثني عشر ألف دولار ملكية قانونية، غير أن إقامتي في الولايات المتحدة لم تكن قانونية لأني لم أحصل على بطاقة التأمين الاجتماعي الخضراء، التي تضفي على وجودي وضعًا قانونيًا، وبدأ موظفو إدارة الهجرة يهتمون بي، لذلك رحلت إلى كندا، حيث تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة دخول للزيارة في مطار مونتريال، وحصلت على التأشيرة لزيارة مدتها أسبوع، وعلى أية حال، فلم أكن أرغب في البقاء أطول من ذلك لأن كندا كانت جزءً من الكومنولث البريطاني، وهو ما من شأنه أن يسبب مشكلة لي.

تم وضع اسمي في القائمة السوداء في الولايات المتحدة، ومن ثم توجهت إلى فرانكفورت في ألمانيا، حيث حصلت على تأشيرة عبور لمدة 48 ساعة، ومن هناك طلبت السفر إلى النمسا، غير أن الأمور جاءت على غير ما أريد».



وفي ألمانيا، وقبل أن يرحل إلى النمسا كانت مفاجأة بانتظاره، مفاجأة في صورة امرأة: «في مطار فرانكفورت، قابلت فتاة شقراء عرضت علي مساعدتها، ولتأمين نفسي من المفاجآت، خبأت نقودي عندما ذهبت لقضاء ليلة معي في غرفتي بالفندق، وبالفعل وجدت النقود كما هي في صباح اليوم التالي، لكن الفتاة كانت قد اختفت ومعها جواز سفري.

توجهت إلى القنصلية المصرية وأبلغت عن فقدي لجواز السفر، وتقدمت بطلب للحصول على جواز جديد، وألمح القنصل إلى أنني بعت جواز سفري لأن كثيرين من النازيين السابقين كانوا آنذاك يحاولون الخروج من البلد، ومن ثم يشترون جوازات سفر أجنبية ليسافروا بها.

وبعد يومين أوقفتني الشرطة للتحقق من شخصيتي، واحتجزوني مؤقتًا في حجز قضائي، وأحالوني إلى القضاء، وأودعوني الحبس بتهمة الإقامة غير المشروعة، وصدر ضدي حكما بعد ثلاثة أشهر بدفع غرامة كنت قد استنفذت قيمتها خلال فترة احتجازي إلى حين المحاكمة، ورحلوني قسرًا على متن أول طائرة إلى القاهرة».



1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 6:08

زورت 3 جوازات سفر فاعتقدوا أنني يهوديًا وألقوا بي في السجن (ح 6)



في مايو 1951، كانت العودة الثانية لرفعت الجمال لأرض الوطن، ويروي عنها: «عدت إلى القاهرة مرة ثانية في مايو 1951، ومعي مبلغًا كبيرًا من المال ولكن بدون جواز سفر، وتقدمت بطلب للحصول على جواز سفر جديد ولكن طلبي رفض، لأن القنصل المصري في فرانكفورت أرسل تقريرًا عن الحادث الذي وقع لي إلى القاهرة. وأصبح بلدي سجنًا كبيرًا بالنسبة لي، وقررت البحث عن مكان لي فيه.

فكرت في أن أفضل فرصة متاحة لي بفضل قدراتي في اللغات هي العمل في شركة قناة السويس، ولكنني كنت بحاجة إلى وثائق هوية للسفر إلى هناك، فتعرفت على رجل يزور ويبيع جوازات السفر، وأعد لي جواز سفر باسم علي مصطفى، كانت الوثيقة أصلية غير أن الصورة هي فقط التي أبدلت بصورتي.

وفي يونيو 1951، سافرت إلى قناة السويس باسم علي مصطفى، اجتزت الكثير من نقاط التفتيش والتحقق ونجحت هويتي المزيفة، وحصلت على وظيفة في شركة القناة، وسارت الأمور سيرًا حسنًا إلى أن بدأ البريطانيون في شهر أكتوبر في فحص الهويات بتدقيق أكثر».



شعر «الجمال» بالخطر فتصرف على الفور: «قررت ترك هذه المنطقة والعودة إلى القاهرة، حيث حاولت الحصول على هوية جديدة لمواطن من دولة محايدة مثل سويسرا، ووجدت ضالتي وأصبحت الآن صحفيًا من جنيف اسمه (شارلز دينون)، كنت لا أزال أملك 12 ألف دولار في صورة شيكات سياحية لأني كنت قبل ذلك أنفق على معيشتي من راتبي من شركة القناة، ارتديت ملابس أجنبية ونزلت في فندق دولي.

وفي تلك الفترة وقعت في القاهرة اضطرابات سياسية وبدأت الشرطة تحركات مكثفة للتنقيب والتحقق، ومن ثم كان لابد وأن أنهي إقامتي سريعًا، وقررت في مارس 1953 مغادرة هذه المدينة باسم الصحفي السويسري شارلز دينون.

ركبت القطار إلى الإسكندرية ومعي شيكاتي السياحية، مقتنعًا بأن أفضل شيء لي هو مغادرة البلاد، سعيت للحصول على جواز سفر جديد بشخصية جديدة، وحصلت بالفعل على جواز سفر بريطاني باسم (دانييل كالدويل)، وعزمت على الخروج من مصر عبر ليبيا متجهًا مباشرة إلى بنغازي، عن طريق التطفل على السيارات العابرة (أوتوستوب)».



استطاع «الجمال» أن يوقف إحدى السيارات والصعود على متنها: «سارت الأمور على خير وجه وعبرت الحدود إلى ليبيا وكانت آنذاك مجرد سور صغير. وبعد أن قطعت عشرين ميلًا داخل حدود ليبيا، التقيت بدورية عسكرية بريطانية، لم تساورني أي شكوك بالنسبة لسلامة هويتي الشخصية، كنت على يقين من أنني سأجتاز عملية التحقق هذه دون مشكلات، ولكنني كنت مخطئًا، إذ وقف الضابط المسؤول قبالتي وسألني عن جواز سفري، فناولته جواز السفر، وقد ارتسمت على شفتي ابتسامة عريضة، متأكدًا من أنني سوف أجتاز هذا الاختبار الصغير.

وسألني:

– هل أنت دانييل كالدويل

أجبت دون اكتراث:

– نعم يا سيدي. مؤكد أنا.

– هل يمكنني أن أرى جميع الوثائق الأخرى التي تحملها معك؟

– يقينًا.

هكذا أجبته للمرة الثانية، وأنا أناوله حافظتي الجلدية.

تفحص كل شيء بداخلها بدقة شديدة، ثم سألني ثانية:

– هل أنت دانييل كالدويل؟

– نعم.

ثم رددت عليه بسؤال آخر:

– ومن تظنني إذن سواه؟



كنت قد فكرت في كل شيء إلا في شيكاتي السياحية، إنها باسمي الحقيقي، اشتد توتري وجاهدت للخروج من الموقف.

وعاد الضابط ليسألني:

– إذا كانت هذه الشيكات لك إذن فما هو اسمك؟

أجبت:

– دانييل كالدويل.

سألني:

– ومن هو صاحب هذه الشيكات؟

أجبت:

– أنا

قال:

– هذه الشيكات بحاجة إلى توقيع ثان عند صرفها، وحيث أن التوقيع الأول لشخص اسمه رفعت الجمال، فكيف لك أن تصرفها؟

وكانت الإجابة الوحيدة والشديدة الغباء التي يمكن أن أدلي بها هي قولي:

– هذه ليست مشكلة، سوف أوقع رفعت الجمال.

قال الضابط بجفاء:

– أخشى أن تكون هناك مشكلة، هذا تزوير في وثائق رسمية.

واستطرد قائلًا:

– إما أنك البريطاني دانييل كالدويل، أو المصري رفعت الجمال، أم أن لديك رأيًا آخر؟

صحت به:

– وماذا يعنيك أنت في هذا؟ أنا مجرد عابر طريق، وسوف أترك بنغازي مباشرة، وأموري المالية ليست من شؤونك.

ولكن الضابط قال:

– ولكنك بريطاني يا سيدي كما تقول، وهذا يهمني، ربما كنت جنديًا فارًا من الجيش، فكثيرون من الجنود يفرون من وحداتهم في الإسكندرية. آسف ولكن واجبي يقتضي التحري عنك في لندن.

سألته:

– وماذا لو أنني لست مواطنًا بريطانيًا؟

أجاب:

– إذا لم تكن بريطانيًا، فإن معنى هذا أنك مزور لهويتك الشخصية، وحيث أنك قادم من الحدود المصرية، فسوف اضطر إلى إعادتك إلى السلطات المصرية.

وكان سؤالي الوحيد:

– ثم ماذا بعد؟

– قال: هذه مشكلة السلطات المصرية، غير أن لدي انطباعًا بأنك لست بريطانيًا ولا مصريًا، أظن أنك يهودي مصري، واحد من أولئك الكثيرين من اليهود الذين يحاولون شق طريقهم من مصر إلى إسرائيل، إنك مجرد ديفيد آرونسون آخر من عديدين».



تعقدت الأمور على الشاب المصري، و«كان الموقف ميؤوسًا منه، وما هو مقدر لابد منه، أعادوني إلى السلطات المصرية، وحططت الرحال داخل أحد أقسام الشرطة في الإسكندرية. أخذ الضابط البريطاني جواز سفري المزور، وهو الشيء الوحيد الذي كان يعنيه وأرسله للتدقيق والمراجعة.

وفي الإسكندرية مثلت أمام القاضي الذي جابهني قائلًا إنني يهودي، ديفيد آرونسون، أحاول مغادرة مصر بأوراق مزورة وشيكات سياحية مسروقة، ودار حوارا مع القاضي دفاعًا عن نفسي باللغة العربية، وزاد هذا الطين بلة وجعلني في موقف أسوأ، ذلك أن الذنب الذي اقترفته، في نظر القاضي، تأكد من خلال كلامي بلغة عربية مصرية. توقفت عن الحوار ورفضت كل ما عدا ذلك، ورحلوني إلى مصر الجديدة في القاهرة لأن اسم رفعت الجمال مسجل هناك.

وفي القاهرة بدأ كل شيء دورته من جديد، استجوبوني ولم أجب، وبقيت في الحجز عدة أيام، وذات يوم أحضروني إلى أحد المكاتب، وتوقعت المزيد من الاستجواب. رأيت في انتظاري رجلًا ضخم البنية، يوحي بالجدية، يرتدي ملابس مدنية، هادئ الصوت في ود حين يلقي أوامره.

وجه كلامه للحارس الذي اصطحبني قائلًا: يمكن أن تتركنا الآن وحدنا.

واتجه ناحيتي وطلب مني الجلوس، جلست وفي داخلي قلق حقيقي يسيطر علي مزاج عنيد وملل وضيق مما سيأتي، فقد سأمت وضقت ذرعًا من القيود التي وضعوني فيها، وعندما قدم لي الجالس قبالتي سيجارة ثنيت يدي في هدوء فانسلتا خارج القيد الحديدي، تردد الرجل لحظة، ولكنه لم ينطق بشيء، ولم يستدع الحارس، جلس خلف مكتبه، الذي أجلس قبالته، وقد رسم على شفتيه ابتسامة وهو يتطلع إلي».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 25 يناير 2016 - 23:10

وجهًا لوجه مع أول ضابط مخابرات مصري (ح 7)

مغامرات رفعت الجمال عبر العالم انتهت به في قسم بمصر الجديدة، ليستدعيه رجلًا «ضخم البنية، يوحي بالجدية، يرتدي ملابس مدنية، هادئ الصوت في ود حين يلقي أوامره»، حسب وصفه، ويجلس معه وحيدًا، في حين تخلص الشاب المصري من القيود الحديدية بنفسه في مشهد ربما أبهر أو أقلق الرجل الذي جلس في مواجهته، ليدور حديث بينهما رواه «الجمال» كالتالي، في مذكراته.

«قدم لي نفسه قائلًا: اسمي حسن حسني من البوليس السياسي.

قفزت إلى رأسي علامة استفهام كبير: ما علاقتي أنا بالبوليس السياسي؟ إن المباحث الجنائية هي وحدها المسؤولة عن الجرائم التي يحاولون اتهامي بها.

استطرد الرجل قائلًا: لا أستطيع أن أخاطبك باسمك لأنني لا أعرف أي اسم استخدمه من أسمائك الثلاثة، يجب أن تعرف أن قضيتك صعبة جدًا، ليست المسألة خطورة جرائمك، بل لأننا ببساطة لا نعرف من أنت، إن الثورة في بلدنا لا تزال حديثة العهد، بلا خبرة أو استعداد، ونحن لا نستطيع إصدار وثائق إثبات الشخصية للجميع لأننا لا نملك الوسائل اللازمة ولا العاملين اللازمين لذلك، وكما ترى فإنني صريح معك، وحيث أنك حتى هذه اللحظة مجرد مشتبه فيه، فالواجب يقضي بأن لا تبقى في الحجز أكثر من يومين، بعد هذا لابد من عرضك على قاض أو إطلاق سراحك، ولكن يجب أن نتحفظ عليك حتى تفصح لنا عن حقيقة هويتك، نحن في ثورة ولسنا على استعداد لتحمل أي أخطاء في هذه المرحلة.



أنصت إليه بانتباه محاولًا تصور ما يرمي إليه.

واستطرد قائلًا: أود أن أغلق قضيتك. لا يوجد أي بلاغ عن سرقة جواز سفر بريطاني باسم دانييل كالدويل، ولا أستطيع أن أفسر كيف ظهر في ملفك إنك يهودي اسمك ديفيد آرونسون، ثم إن رفعت الجمال لا توجد اتهامات ضده ولا أبلغ هو عن سرقة أي شيكات سياحية، سأدعك تخرج إلى حال سبيلك شريطة أن أعرف فقط من أنت على حقيقتك، والآن ما هو قولك؟

قلت له:

– ألا تريد أن تخبرني لماذا أنت مهتم بي؟ واضح إنني لست هنا بسبب اتهام ما.

وكان رده:

– أنا معجب بك، إجابتك أسرع مما توقعت.

تصورت أنه ما دام من البوليس السياسي، وهو ما أصدقه، فليس من المنطقي أن يعرفني باسمه مع أول اللقاء، إلا إذا كان على يقين من أمري.

كان عمل البوليس السياسي في ذلك الوقت يشبه عمل من المخابرات، وعلى الرغم من إدعائه من أنهم لا يملكون الإمكانيات إلا أنهم كانوا يعملون بدأب شديد.

استطرد قائلًا:

– أنا مهتم بك، فقد تأكد لنا أنك قمة في الذكاء والدهاء، لقد أثرت حيرة للمسؤوليين إزاء ما ظهرت به حتى الآن، قد تكون إنجليزيًا، أو يهوديًا، أو مصريًا، غير أن ما أثار اهتمامي كثيرًا بشأنك هو أن أحد رجالنا الذين دسسناهم بينكم في حجز الإسكندرية أفاد بأن جميع النزلاء اليهود الآخرين اعتقدوا عن يقين أنك يهودي.



دهشت للطريقة التي يعملون بها، لقد وصل بهم الأمر إلى حد وضع مخبرين داخل السجن للتجسس على الخارجين على القانون.

وواصل حسن حسني حديثه قاصدًا مباشرة إلى ما يرمي إليه فقال:

– يجب التزام الحذر، أعداء الثورة في كل مكان ويريدون دفع مصر مرة ثانية إلى طريق التبعية للأجانب وكبار الملاك الزراعيين، بيد أن هذا موضوع آخر، فأنت كإنجليزي لا يعنيك هذا في كثير أو قليل، وأنا على يقين من أنك لا تضمر كراهية للشعب المصري.

انفجرت فجأة قائلًا:

– هذه إهانة أنا مصري، وحريص كل الحرص على مصر وشعبها.

صحت وصرخت بأعلى صوتي لهذه الإهانة التي وجهها لي ما أن انتهيت من ثورتي الغاضبة حتى أشعل سيجارة وابتسم ابتسامة المنتصر، وعندئذ عرفت أنني وقعت في المصيدة التي نصبها لي، عرفت أنه انتصر علي، فقد استفزني إلى أقصى الحدود ليجعلني أظهر على حقيقتي، واستطاع ببضع كلمات عن أعداء مصر أن يجعلني أكشف الستر عما أخفيته.



وهنا قال:

– رفعت أنا فخور بك، أنت مصري أصيل، أطلب منك أن تخبرني شيئًا واحدًا وبعدها سأعترف لك بالسبب في أنك هنا، وفي أني مهتم بك أشد الاهتمام، كيف نجحت في جعل اليهود يقبلونك كيهودي؟

أجبت قائلًا:

– هذه قصة طويلة، وأنا واثق من أنك لا تريد سماعها.

وكانت إجابته:

– جرب عندي وقت طويل.

سألته:

– وفيما يهمك هذا؟

رد:

لأنني بحاجة إليك، وعندي عرض أريد أن أقترحه عليك.

ربما كنت انتظر هذه اللحظة، إذ سبق لي أن عشت أكاذيب كثيرة في حياتي، وبعد أن قضيت زمنًا طويلًا وحدي مع أكاذيبي، أجدني مسرورًا الآن إذ أبوح بالحقيقة إلى شخص ما. وهكذا شرعت أحكي لحسن حسني كل شيء عني منذ البداية، كيف قابلت كثيرين من اليهود في استوديوهات السينما، وكيف قلدت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلًا.

وحكيت له عن الفترة التي قضيتها في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم أخيرًا في مصر. بسطت له كل شيء في صدق أمامه، إنني مجرد مهرج، مشخصاتي عاش في التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريد في حياته.



بعد أن فرغت من كلامي اتسعت ابتسامة حسني أكثر مما كانت وقال لي:

– رفعت الجمال، أنت إنسان مذهل، لقد اكتسبت في سنوات قليلة خبرة أكبر بكثير مما اكتسبه شيوخ على مدى حياتهم، أنت بالضبط الشخص الذي أبحث عنه، يمكن أن نستفيد منك استفادة حقيقية.

وكان سؤالي هذه المرة:

– ما الذي تريدني من أجله.

أجاب قائلًا:

– كما قلت لك من قبل هناك مشكلات خارجية كثيرة تواجه مصر، وتوجد في مصر أيضًا رؤوس أموال ضخمة يجري تهريبها، والملاحظ أن كثيرين من الأجانب، وخاصة اليهود، هم الذي يتحايلون لتهريب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد. يمكنهم تحويل مبالغ بسيطة فقط بشكل قانوني، غير أنهم نظموا فرقًا تخطط وتنظم لإخراج مبالغ ضخمة من مصر، واليهود هم الأكثر نشاطًا في هذا المجال.

إن إسرائيل تأسست منذ خمس سنوات مضت، وهناك كميات ضخمة من الأموال تتجه إليها، ونحن ببساطة لا نستطيع تعقب حيلهم، ومن ثم فنحن نريد أن نغرس بينهم شخصًا ما، يكتسب ثقتهم ويطمئنون إليه، وبذا يكتشف حيلهم في تهريب أموالهم إلى خارج البلاد، كما يكشف لنا عمن وراء ذلك كله. نريد أن نعرف كيف تعمل قنوات النقل التي يستخدمونها وكل شيء آخر له أهمية وأنت الشخص المثالي لهذا العمل، الشخص الذي نزرعه وسطهم لابد وأن يكون يهوديًا، ولقد استطعت إقناعهم بأنك كذلك، ما رأيك؟ هل أنت على استعداد لهذه المهمة؟



حدقت فيه كأنه نزل إلي من السماء، لم أشعر بالاطمئنان، ولم تكن لدي فكرة عما أنا مزمع عمله. أوضح لي أنني أفضل فرس رهان بالنسبة له، وأضاف أنهم سوف يتولون تدريبي وإيجاد قصة جيدة الإحكام لتكون غطاء لي، ثم يضعوني وسط المجتمع اليهودي في الإسكندرية.

سألته:

– وماذا يعود علي أنا من هذا؟

رد:

– سيتم محو ماضي رفعت الجمال تمامًا، ويجري إسقاط جميع الإجراءات القضائية الأولية لإقامة دعاوى ضدك بسبب جوازات السفر المزورة، والبيانات الشخصية عن علي مصطفى وشارلز دينون ودانييل كالدويل، وأي أسماء أخرى سبق لك أن استعملتها، كما سيتم إسقاط أي اتهامات أخرى ضدك، وسوف تستعيد قيمة شيكاتك السياحية، أو تكتب بالاسم الذي تتخذه لنفسك وتعيش به كيهودي، هل نعقد الصفقة معًا؟.

عدت لأسأله:

– هل لي حق الاختيار؟

رد:

– من حيث المبدأ لك الخيار، فإذا كنت قد اعتدت على حياة السجن، فمن المؤكد أنك تستطيع اختيار هذا لأن السجن سيكون هو مكانك ومآلك زمنًا طويلًا ما لم تسقط الاتهامات ضدك.

– وكيف نبدأ إجرءاتنا من هنا إذا ما قبلت عرضك؟

– سنشرع في تدريبك على الفور، سيكون تدريبًا مكثفًا ويحتاج إلى زمن طويل، وسوف تكون لك شخصية جديدة وتنسى ماضيك تمامًا، وما أن توضع في مكانك الجديد حتى تغدو مسؤولًا عن نفسك، لن يكون لنا دور سوى دعمك بالضرورات، ولن نتدخل إلا إذا ساءت الأمور، أو أصبح الوضع خطرًا.

جلست في مكاني أفكر في الفرص المتاحة لي، مدركًا ألا خيار آخر أمامي إذا لم أشأ دخول السجن، لقد أوقع بي حسن حسني حيث أراد لي، ولا حيلة لي إزاء ذلك. وقفت وبسطت يدي لأصافحه موافقًا وأنا أقول له:

– حسنا، أظنك أوقعت بي حيث تريد لي أن أكون، إذن لنبدأ.

أجاب وعلى شفتيه ابتسامة:

– أنا سعيد جدًا أن أسمع هذا منك».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Abd_elrahman2011

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 31
المهنة : ( مدرس لغة فرنسية )
المزاج : لله الحمد والمنة
التسجيل : 09/02/2011
عدد المساهمات : 2607
معدل النشاط : 2519
التقييم : 144
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الثلاثاء 26 يناير 2016 - 8:05

رفعت علي سليمان الجمال..أسطورة من أساطير المخابرات المصرية..
ما زال الكيان حتى الآن يتخبط من قوة الصدمة التي مُني بها في رجل كانوا يعدونه من أخلص رجالاتهم ..
في رجل وصل حتى أصبح صديقا شخصيا لكبار قادة كيانهم المزعوم.. ومن ثم كان صراخهم الذي لم ينتهِ منذ سنوات..
وحاولوا تلفيق الأكاذيب حوله ليوهموا العالم أنه كان عميلا مزدوجا..ولكن الجميع كان يعلم نوعية ذلك الصراخ الذي يقوم به الكيان..
فعلى قدر الصراخ .. كان قدر الألم..
تحياتي مشرفنا المتميز.. تقييم متواضع ..وفي انتظار المزيد من الحلقات الشيقة 47
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الثلاثاء 26 يناير 2016 - 22:59

بداية انزلاقي في الجاسوسية (ح 8)

وافق رفعت الجمال على العرض الذي تلقاه من ضابط البوليس السياسي، حسن حسني، ليصبح عميلًا للجهاز الأمني داخل الطائفة اليهودية، لمعرفة كيفية تهريبهم للأموال خارج مصر، ويروي ما حدث معه بعد ذلك في مذكراته قائلًا: «وبدأت فترة التدريب مكثف. شرحوا لي أهداف الثورة وفروع علم الاقتصاد، وتعلمت سر نجاح الشركات متعددة القوميات، وأساليب إخفاء الحقائق بالنسبة لمستحقات الضرائب، ووسائل تهريب الأموال، وتعلمت بالإضافة إلى ذلك عادات اليهود وسلوكياتهم، وتلقيت دروسًا مكثفة في اللغة العبرية كما تعلمت تاريخ اليهود في مصر وأصول ديانتهم، وعرفت كيف أميز بين اليهود الأشكيناز (من شرق أوروبا) والسفارد (من إسبانيا والبحر المتوسط)، والشازيد (من طائفة اليهود الحسينيين الذين نشأوا في بولندا وأوكرانيا وغيرها).

وأضاف: «حفظت عن ظهر قلب، الشعائر اليهودية وعطلاتهم الدينية حتى أنني كنت أرددها وأنا نائم، وتدربت أيضًا على كيفية البقاء على قيد الحياة معتمدًا على الطبيعة في حالة إذا ما اضطرتني الظروف إلى الاختفاء فترة من الزمن. وتدربت بعد هذا على جميع عادات الشرطة السرية للعمل بنجاح متخفيًا، وأخيرًا تقمصت شخصيتي الجديدة، وأصبحت منذ ذلك التاريخ جاك بيتون، المولود في 23 أغسطس عام 1919 في المنصورة، من أب فرنسي وأم إيطالية، وأسرتي تعيش الآن في فرنسا بعد رحيلها من مصر، وهي أسرة كانت لها مكانتها وميسورة الحال، وديانتي هي يهودي أشكينازي، وتسلمت وثائق تحمل اسمي الجديد والتواريخ الجديدة».



وخرجت إلى العالم بهذه الشخصية الجديدة، وبكل ما تعلمته قصدت الإسكندرية مباشرة، كنت رسميًا في الرابعة والثلاثين من العمر آنذاك، وإن كنت أبدو أصغر سنًا، وتسلمت رقم تليفون، وتحدد لي موعدا للاتصال عن طريقه، والإفادة بما لدي من معلومات.

وصدرت لي تعليمات بأن يكون الاتصال مع حسن حسني فقط عن طريق هذا الرقم، إذ كان هو الوحيد، لدواعي الأمن، الذي يعرف دوري ومهمتي.

وعثرت في الإسكندرية على شقة صغيرة جميلة في منطقة يكثر بها اليهود، وحصلت على وظيفة كاتب في إحدى شركات التأمين، ورويدًا رويدًا تزايدت ثقتي بنفسي وزالت مخاوفي وبدأت (أقتنع) بأنني يهوديًا.

وبعد فترة قصيرة قابلت ليفي سلامة، الذي زاملته في زنزانة السجن وقتما كنت نزيلًا به في فترة سابقة باسم ديفيد آرونسون. حياني كصديق قديم واصطحبني وقدمني إلى أصدقائه، وعلى الرغم من حذري إلا أنني كنت على يقين من أنه صدقني وسلم بأن هذه هي حقيقتي، وبذا كان مفتاحي إلى قلب الطائفة اليهودية، وحيث أنني لم أكن قد قلت له اسمي قبل ذلك، فلم أجد مشكلة في تقديم نفسي له باسم جاك بيتون.



وبعد ثلاثة أيام من لقائنا قابلني بعد انتهاء العمل وقدمني إلى امرأة شابة تدعى (مارسيل نينو) كانت في زيارة إلى القاهرة.

وكان واضحًا في ضوء ما تعلمته في السابق أن القصد من اللقاء هو أن تتفحصني بدقة نيابة عن ليفي سلامة وأصدقائه، وحيث أنني كنت أعرف الهدف جيدًا من اللقاء، فقد اجتهدت وسارت الأمور على ما يرام.

كانت (مارسيل) امرأة جذابة، ومن ثم لعبت عليها وبدأت علاقة معها. جذبت كل الخيوط التي أعرفها، وسرعان ما كسبتها في صفي، وقدمتني لرجل كان يحمل لحساب نفس المجموعة. كان اسمه إيلي كوهين، أبواه من سوريا ولذا كان يتحدث العربية بلكنة سورية، وهو يهودي وعضو له مكانته وسط الطائفة اليهودية في المدينة.

أصبحنا صديقين وبدأنا نقضي معًا وقتًا طويلًا، وكان (سلامة) قريبًا منا أيضًا، وذات يوم قلت له إنني أريد إخراج مبلغ كبير من أموال الأسرة إلى خارج البلاد، وثبت صواب شكوكي من أن سلامة متورط مع المسؤولين المباشرين عن هذا، إذ تلقف الكرة على الفور، وأتاني بعروض عديدة رفضتها جميعًا بحجة أنها غير جادة.



وبالطبع، كنت أبلغ حسن حسني بانتظام بكل ما أتوصل إليه من معلومات، حاولت أن أتعقب (سلامة) لأكتشف قنوات نشاطه وأسلوب عمله. جاهد للتمويه عليّ غير أنني في النهاية ظفرت به، عرفت أن التنظيم يرأسه رجل أعمال انجليزي من سويسرا، اسمه جون دارلينج، وتلقيت من حسن حسني مبلغًا كبيرًا من المال لأسلمة إلى (سلامة)، نجحت الخطة، ووضع حسن حسني (سلامة) تحت المراقبة، وتم القبض على كل المنظمة متلبسة في مصر، ولم يكتشف أحد أمري وقمت بدور الضحية، إذ بدوت في صورة شاب خسر ثروته بسبب (سلامة).

نجح الغطاء الذي اتخفى تحته، وتلقيت تعليمات للتأكد من حقيقة إيلي كوهين. أصبحنا صديقين بمرور الزمن، ووثق بي (كوهين) وقال لي الكثير من أسراره.

اكتشفت أنه نشيط جدًا في مناهضة البريطانيين، وأنه يساعد اليهود على الهجرة من مصر إلى إسرائيل، وعرفت أنه عضوًا نشيطًا لحساب مجموعة (العالياه بيت) المسؤولة عن تنظيم عمليات الهجرة إلى إسرائيل.



وخلال هذه الفترة كانت المخابرات العسكرية السرية الإسرائيلية (الأمان) قد بدأت تنشط داخل مصر، وكان الكولونيل أفراهام دار على رأس الوحدة الخاصة التي أنشأتها في مصر للشروع في سلسلة من الأعمال التخريبية ضد المؤسسات الأجنبية لتبدو الأحداث في صورة أعمال إرهابية يرتكبها الوطنيون المصريون، وتم تجنيد (كوهين) ضمن هذه المجموعة، وبناء على أوامر من حسن حسني عمدت إلى إقناع (كوهين) بضمي إلى هذه المجموعة أيضًا.

وهكذا أصبح دوري الآن أشد خطرًا بكثير من السابق، فها أنا ذا الآن أتعامل مع قضايا عسكرية وليس مع مواطنين عاديين يقترفون جريمة ما، ثم إن المجموعة التي كنت أتابع حينذاك نشاطها متخفيًا لم تكن تتورع عن قتل عدوها، لا أدري ما الذي حفزني إلى ذلك، غير أنني كنت مقتنعًا تمامًا بأني أعمل كل ما في وسعي لكي أساعد بلدي.

وحضر حسن حسني بنفسه إلى الإسكندرية لكي يسمع مني معلوماتي، وما أن وصلت إلى النقطة الخاصة باجتماعنا السري حتى وجدته بصحبة رجل آخر.



عرفنا ببعضنا، كان هذا الرجل هو (علي غالي)، المسؤول في مصر عن نشاط الجاسوسية والجاسوسية المضادة، وحيث أن مهمتي الآن أصبح لها طابع دولي، فقد أصبح (غالي) مسؤولًا عني، إذ كان حسن حسني مسؤولًا فقط عن القضايا الداخلية.

شكرني (حسني) على جهودي حتى الآن، وتركني مع علي غالي وحدنا. قال لي (غالي) إنه فخور بجهدي حتى الآن، ويريدني أن أبقى على العهد وأكون عند حسن الظن. وأخبرني أن الاستعدادات تجري لتوسيع نشاط جهاز المخابرات المصري. وأضاف أنني الآن أصبحت واحدًا من عملائه، ويتوقع مني أن أستمر في عملي مثلما كنت في السابق.

اختلط علي الأمر وإن لم يهن عزمي، وأيقنت أنني انزلقت إلى ميدان الجاسوسية، لم أدرك الفارق، وفي عام 1953، كنت ضمن مجموعة كولونيل أفراهام دار، ومعي إيلي كوهين، ونظرًا لوجود مجموعات مماثلة لهذه المجموعة في البلدان العربية الأخرى، فقد أطلق على التنظيم الموجود في مصر اسم (الوحدة 131)».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الأربعاء 27 يناير 2016 - 22:58

«رعبتني فكرة الذهاب إلى إسرائيل وهذا هو سر اللعبة» (ح 9)

تسلم علي غالي، المسؤول في مصر عن نشاط الجاسوسية والجاسوسية المضادة، رفعت الجمال، من زميله حسن حسني، وأصبح مسؤولًا عن إدارته، ليكن أول ما يواجهه مع «الجمال» تشكيل (الوحدة 131) ليروي العميل المصري ما حدث بعد ذلك في مذكراته قائلًا: «كنت ما أزال مرتبطًا بمارسيل التي انضمت هي الأخرى إلى المجموعة، وكانت خطة المجموعة حينذاك هي إفساد العلاقات المصرية الأمريكية عن طريق القيام بمجموعة من الأعمال الإرهابية تنفذها (الوحدة 131)، وتقرر أن توجه جميع الأنشطة ضد المؤسسات الأمريكية فقط، ويفضل أن تتم أثناء الليل، وأراد رئيسي (غالي) التريث لمعرفة أكبر قدر من المعلومات حتى يتسنى القبض على أكبر عدد ممكن من أعضاء (الوحدة 131).

واكتشفت في هذه الأثناء أن ماكس بينيت، الشخصية البارزة في دوائر اليهود المصريين من أعضاء المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ، وأن (بينيت) على اتصال كذلك بالوحدة (131)، وأنه نشيط جدًا، وأن (الوحدة 131) خططت للعديد من عمليات تفجيرات القنابل الكبرى في القاهرة والإسكندرية على أساس أن يتم تنفيذها في يوليو 1954.



أبلغت (غالي) بكل شيء وبأماكن وجود أعضاء (الوحدة 131) ليلة الحادث. كانوا قد وضعوا القنابل في المواقع المحددة لها، ولكنها لم تنفجر، وألقي القبض على 14 عضوًا من أعضاء (الوحدة 131) وتم القبض على ماكس بينيت في بيته، واعتقلوني أيضًا، حيث كنت مع إيلي كوهين في نفس الليلة، ولم يشأ (غالي) أن تنكشف حقيقتي.

كان (بينيت) صيدًا ثمينًا، وأحيط أمر اعتقاله بالكتمان، وقد انتحر في السجن قبل تقديمه للمحاكمة، وحوكم أعضاء (الوحدة 131) وصدرت ضدهم أحكاما مختلفة، منها الإعدام شنقًا لاثنين، والسجن خمسة عشر عامًا لمارسيل وشخص آخر، وسبع سنوات لاثنين آخرين، وبراءة الباقين.

وأطلق سراحي أنا وإيلي كوهين، حيث أننا لم نكن عضوين لهما حيثية تذكر، ولم يكن هناك ما يديننا، وتلقينا إنذارًا بالطرد من البلاد في حالة وقوع أي اعتداء آخر. وأدى اعتقال ماكس بينيت وتدمير (الوحدة 131) إلى وضع نهاية مفاجئة لنشاط التجسس والتخريب الإسرائيلي في مصر خلال تلك الفترة.



وأحدثت القضية صدى عميقًا في إسرائيل، وثارت شكوك بأن عضوًا من مجموعة «أفراهام دار» في إسرائيل هو الذي أفشى للسلطات في مصر أمر (الوحدة 131). واتجهت الشكوك إلى بول فرانك الذي كان خارج البلاد آنذاك، وما أن عاد إلى إسرائيل حتى قبض عليه وأودع السجن لمحاكمته، وصدر ضده حكم بالسجن اثني عشر عامًا. واسغربت عندما سمعت بذلك في فترة تالية، خاصة وأنني أنا الذي كشفت العملية و(الوحدة 131).

عدت إلى الإسكندرية لفترة، واختفى إيلي كوهين، ولم يكن لدي أي دليل عن مكان وجوده. بلغ الوضع السياسي في مصر ذروته، ورأى اليهود أن فرصهم في مصر تنحسر وتتقلص إلى الصفر، وكما قلت لك في السابق مرات كثيرة يا زوجتي، فقد أجبروا على ترك البلاد وهاجر أكثرهم إلى إسرائيل.

طلبوا مني العودة إلى القاهرة لكي أقابل علي غالي، وحين وصلت لم يشأ الرجل أن يضيع وقتًا، ودخل في الموضوع مباشرة، وقال:

– جاك نحن فخورون بك ولكن لسوء الحظ لا نستطيع أن نخبر أي إنسان بما أسديته لبلدك، لأننا لا نريد أن نكشف الغطاء المحكم الذي تتخفى وراءه، ونود أن نستفيد بك أكثر من ذلك في الخارج.

صدمت وصحت قائلًا بأعلى صوتي:

– في الخارج، ما هو المطلوب مني هناك؟

رد:

– نفس الشيء الذي فعلته هنا. لقد أديت دروك بامتياز، وقدمت عملًا رائعًا، فجاك بيتون لا تحيط به أي شبهات ونود إرسالك إلى الخارج، حيث يتلقفك ممثلو الوكالة اليهودية ليتفحصوك بدقة ويتحروا عنك، وسوف يتبين لهم أنك على ما يرام، والأهم من ذلك أنهم سيعرفون أنك من أعضاء (الوحدة 131) مما يجعلك تتلألأ بين صفوفهم، وتستطيع بمساعدتهم أن تغير اتجاهك إلى إسرائيل عن طريق إيطاليا، ومن هناك يمكنك أن تزودنا بمعلومات قيمة، تذكر ما فعلناه من أجلك، وأنت لا تزال بشكل أو بآخر مدين لنا، فما رأيك؟



مرة أخرى وجدت نفسي أقف عند نقطة تحول خطيرة في حياتي. لم أكن أتصور أنني ما أزال مدينًا لهم، ولكن الأمر كان شديد الحساسية عندما يتعلق بجهاز المخابرات، فمن ناحية روعتني فكرة الذهاب إلى قلب عرين الأسد، فليس ثمة مكان للاختباء في إسرائيل، وإذا قبض علي هناك فسوف يسدل الستار علي نهائيًا، والمعروف أن إسرائيل لا تضيع وقتًا مع العملاء الأجانب، يستجوبونهم ثم يقتلونهم، ولست مشوقًا إلى ذلك، ولكني كنت أصبحت راسخ القدمين في الدور الذي تقمصته، كما لو كنت أمثل دورًا في السينما، وكنت قد أحببت قيامي بدور جاك بيتون، أحببت اللعبة، والفارق الوحيد هذه المرة هو أن المسرح الذي سأؤدي عليه دوري هو العالم باتساعه، وموضوع الرواية هو الجاسوسية الدولية.

قلت في نفسي أي عرض مسرحي مذهل هذا، لقد اعتدت دائمًا وبصورة ما أن اكون مغامرًا مقامرًا، وأحببت مذاق المخاطرة، وتدبرت أمري في إطار هذه الأفكار، وتبين لي أن لا خيار أمامي، سوف أؤدي أفضل أدوار حياتي لأواجه خيارين في نهاية المطاف: إما أن يقبض علي ويتم استجوابي وأشنق، أو أن أنجح في أداء الدور وأستحق عليه جائزة أوسكار، وكنت مقتنعًا أيضًا باني أعمل الصواب من أجل مصر وشعبها.

قلت لـ(غالي):

– إذا كنت تعتقد أنني قادر على أداء المهمة فإني لها.

ثم كان السؤال الثاني:

– كيف نبدأ من هنا؟

رد:

– سوف يجري تدريبك على العمل على الساحة الدولية، كل ما تتعلمه يجب أن يسري في دمك، هذا هو سر اللعبة، أنت مخرج عرضك المسرحي، وإما ان تنجح فيه بصورة كاملة أو تواجه الهلاك.

تصافحنا كعلامة للموافقة وبدأت جولة تدريب مكثفة».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الخميس 28 يناير 2016 - 22:39

ودعت مصر إلى إسرائيل دون معرفة ما سيأتي به المستقبل (ح 10)

وافق رفعت الجمال على الذهاب إلى إسرائيل، واستهوى لعبة الخطر، لكن كان عليه أن يتعلم قواعدها، وبدأت جولة تدريب مكثفة، ويروي عنها في مذكراته قائلًا: «درست تاريخ اليهود الأوروبيين والصهيونية وموجات الهجرة إلى فلسطين. تعلمت كل شيء عن الأحزاب السياسية في إسرائيل والنقابات و(الهستدروت) أو اتحاد العمال، والاقتصاد والجغرافيا والطوبوغرافيا وتركيب إسرائيل. وأصبحت خبيرًا بأبرز شخصيات إسرائيل في السياسة والجيش والاقتصاد عن طريق دراسة أفلام نشرات الأخبار الأسبوعية.

وأعقب هذا تدريبًا على القتال في حالات الاشتباك المتلاحم والكر والفر، والتصوير بآلات تصوير دقيقة جدًا، وتحميض الأفلام وحل شفرات رسائل أجهزة الاستخبارات والكتابة بالحبر السري، ودراسة سريعة عن تشغيل الراديو، وفروع وأنماط أجهزة المخابرات والرتب والشارات العسكرية، وكذلك الأسلحة الصغيرة وصناعة القنابل والقنابل الموقوتة. وانصب اهتمام كبير على تعلم الديانة الموسوية واللغة العبرية. واعتدت أن أستمع كل يوم ولمدة ساعات إلى راديو إسرائيل، بل وعمدت إلى تعميق لهجتي المصرية في نطق العبرية لأنني في نهاية الأمر مولود في مصر.

بعد التدريب تحددت لي مهنة، تقرر أن أكون وكيل مكتب سفريات حيث أن هذا سيسمح لي بالدخول إلى إسرائيل والخروج منها بسهولة، وتقرر أن أؤدي اللعبة لأطول مدة ممكنة. لم يكن ثمة حد زمني، وكان لي الخيار بأن أترك الأمر كله إذا سارت الأمور في طريق خطر، وسوف نرى إلى أين تمضي بنا الأمور. وقيل لي إنني أستطيع بعد ذلك العودة إلى مصر وأستعيد شخصيتي الحقيقية. وتسلمت مبلغ 3000 دولار أمريكي لأبدأ عملي وحياتي في إسرائيل، وفي يونيو 1956 استقليت سفينة متجهة إلى نابولي قاصدًا في الأصل أرض الميعاد، ودعت مصر دون أن أدري ما سوف يأتي به المستقبل».



توقف «الجمال»، في مذكراته عن سرد بداية قصته مع الجاسوسية، ليعود ويتحدث عن وضعه على فراش المرض قائلًا: «كم هو غريب أن أتذكر ماضي. انقضى الآن أسبوعين وأنا أحاول ذلك جاهدًا، مما استنفد قدرًا كبيرًا من عافيتي. أحس بالبرودة تسري في جسدي وأكاد أشعر كيف ينهشني المرض من الداخل، ولكن يجب أن أمضي قدمًا فيما عزمت عليه، فلا يزال هناك الكثير مما يتعين علي أن أقوله، وأتساءل في نفسي ترى ماذا تقولين يا زوجتي وفيما تفكرين وأنت تقرأين هذا الكلام؟، ربما كنت غاضبة أشد الغضب مني الآن، بيد أنني فعلت ما كان لزامًا علي أن أفعله. كنت مكرهًا من ناحية على أن أعيش هذه الحياة وأحببتها من ناحية أخرى لأنها عرض مسرحي مثير.

تحدثت إلى «دانييل» طويلًا اليوم، إنه يعرف أنني سأموت، لم يقل ذلك غير أنني أدركت من عينيه أنه يعرف. لقد نضج كثيرًا خلال الأسابيع الماضية، أعرف أن الأمر قاس عليه غير أنه يواجه الوضع على نحو جيد. أكره أن أحمله المسؤولية منذ الآن، ولكن ليس أمامي خيارًا آخر، لقد حمل القضاء وسوف أقضي عاجلًا ومن ثم عليه أن يتدبر أمره، وأني على ثقة من أنه سيحسن التصرف.

أعرف أنك تواجهين وقتًا عصيبًا في الشركة، ولا تريدين التحدث إلي في هذا الشأن، أفعلي ما ترينه صوابًا، لا تثقي في أي إنسان آخر، جميع المشاركين لا يعنيهم غير ملء جيوبهم بالمال، حافظي عليها فإنك تقومين بعمل بارع. إن مرضي يستفحل ويسوء يومًا بعد يوم، والألم يزداد حدة مع كل لحظة، أتمنى لو زال ولو لساعة أو ساعتين على الأقل، كم يكون جميلًا لو حدث هذا، إذ أستطيع أن أستريح لفترة قصيرة. أجد لزامًا علي أن أمضي فيما اعتزمت أن أفضي به إليكِ قبل أن يقضى الأمر ويحين أجلي».



وعاد «الجمال» للنقطة التي توقف عندها في بداياته في العمل المخابراتي على متن السفينة المتجهة إلى نابولي مودعًا مصر: «استغرقت رحلة السفينة من مصر إلى نابولي ثلاثة أيام، كان أمامي وقتا طويلا لكي أقتله، ولم يكن لديّ شيء أفعله على متن السفينة، لذا حاولت أن أتخيل ما ينتظرني في إسرائيل، تساءلت في نفسي عما إذا كانوا سيدعونني أدخل إسرائيل، وإلى أي مدى ستدقق المخابرات الإسرائيلية في أمري. كان (غالي) قد أخبرني أن الوكالة اليهودية لن تمهلني طويلًا قبل أن تتحرى عني، وكان على صواب، فقبل وصولي إلى نابولي بيوم واحد وقفت على ظهر السفينة أتطلع إلى البحر غارقًا في أفكاري، وسمعت صوتًا ورائي:

– أدون جاك بيتون؟

تلفت حولي ووجدتني قبالة رجلين يبدو أنهما أوروبيان تمامًا.

قال الرجل الواقف إلى اليمين:

– أنا برونو شتينبرج، وهذا هو روبرت جيزيل.

قلت لهما:

– طالما أنكما تعرفان اسمي، فهل لي أن أسألكما ماذا يمكن لي أن أفعله من أجلكما؟

– لا، لا يوجد ما تستطيع أن تقدمه لنا، بل ما الذي نستطيع نحن أن نقدمه لك. نحن من الوكالة اليهودية ونرحب بك في نابولي، ونحن هنا لمساعدتك في كل ما تحتاج إليه.

وكانت إجابتي:

– معي كل ما أحتاج إليه، شكرًا.

وكان سؤالهما الثاني:

– هل لنا أن نسألك عما تعتزم عمله الآن، وإلى أين تريد أن تذهب من هنا؟

– لا أدري بعد، غير أنني أريد التوجه إلى فرنسا حيث أن لي أسرة هناك.

– ألم تفكر في التوجه إلى إسرائيل؟

أجبت بالسؤال التالي:

– وما حاجتي للذهاب إلى هناك؟



كنت قد عرفت من علي غالي أن الوكالة اليهودية ستحاول الاتصال بي، لقد سمعوا عني وعرفوني مثلما عرفوا (الوحدة 131) ويريدون مني الذهاب إلى إسرائيل، حيث يمكن أن تستفيد الدولة من أمثالي. كنت شابًا ذكيًا نشيطًا وأبديت رغبتي في مساعدة إسرائيل، أو هكذا بدوت على الأقل في نظرهم، وعرفت أن عليّ أن أبذل جهدًا مضنيًا لأنجح فيما أنا بصدده ولا تتكشف حقيقة نواياي، ها هما لا يريدان مني أن أمضي إلى حال سبيلي، ويريدان إقناعي بالتوجه إلى إسرائيل.

قلت لهما إنني بحاجة إلى أن أفكر في هذا وسوف أخبرهما. وما أن وصلت إلى نابولي حتى اصطحبني (شتينبرج) و(جيزيل) إلى أحد الفنادق حيث كانا قد أعدا لي غرفة دفعا تكاليفها. شعرت في داخلي برغبة في الضحك لأمر هذين المهرجين، وأنهما يعرفان حقًا ما أنا عازم عليه لتخلصا مني فورًا، ولكنهما لا يعرفان شيئًا، تركاني وشأني ليلًا حيث ذهبت للنوم مبكرًا، وعادا في صباح اليوم التالي، وقررت أن اللحظة المناسبة قد حانت لأدعهما يلحان علي ليقنعاني بالذهاب إلى إسرائيل. سأدعهما يبذلان معي جهدًا كبيرًا ثم أوافق في النهاية على الذهاب إلى إسرائيل. وأحسا بالسعادة والرضا عندما نجحا في مهمتهما بكفاءة. وحجزا لي تذكرة مدفوعة الثمن للسفر بحرًا إلى إسرائيل على أول سفينة متجهة إلى هناك. وقبيل الرحيل قالا لي إن هناك من سيستقبلني وكل شيء سيسير في مجراه، ووقفت على ظهر السفينة التي ستنقلني إلى وجهتي الجديدة بإحساس متبلد.

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 1 فبراير 2016 - 1:56

أسرار لقائه بـ«موشيه ديان» (ح 11)



سهلت الوكالة اليهودية إجراءات سفر رفعت الجمال، الذي تخفى تحت اسم جاك بيتون، لإسرائيل، وصعد على متن الباخرة المتجهة إلى «أرض الميعاد» ليروي ما حدث بعد ذلك في مذكراته قائلًا: «حل يوم الوصول إلى أرض الميعاد، قابلني موظف من الجمارك كان ودودًا معي وساعدني على إنجاز جميع الإجراءات الرسمية، وحيث أنني رجل أعمال، فقد كانت لي حرية اختيار مكان الإقامة، واخترت تل أبيب حيث كانت العاصمة وقتذاك، وتم حصر ما معي من نقود أجنبية وتسجيلها، ثم أصبحت طليقًا أذهب حيث أشاء، تمشيت عبر الميناء وتعجبت لماذا سارت الأمرو هكذا في سلاسة، ربما كانوا على علم مسبق بقدومي وأرادوا فقط أن أشعر بالاطمئنان قبل أن يتدخلوا، كانت هذه الأفكار تدور في رأسي بينما أسير متجولًا باحثًا عن سيارة أجرة.

– ترى أقول أدون جاك بيتون، أم أقول أدون ديفيد آرونسون؟

رأيت في مواجهتي رجلًا ضخم الجثة في ملابس مدنية، ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وبدا لحيمًا أو شحيمًا، ومع هذا كان وجهه ودودًا، وعرفت أن وقت التحري عني قد بدأ.

وأجبت قائلًا:

– لا أعرف عن أي شيء تتحدث؟

– أنا سام شواب، وقد أرسلوني لتحيتك في إسرائيل ومساعدتك في أي شيء قد تحتاج إليه. نحن نعرف أنك عضو في (الوحدة 131) وأنه لشرف لي أن أقابلك، نحمد الله أن نجحت في الخروج من مصر. أهلًا بك في وطنك يا أدون جاك بيتون.



وحمل عني حقيبتي وتقدمني في السير، ودون أن أعرف من هو هذا الرجل سرت وراءه. توقف أمام سيارة ووضع أمتعتي داخلها وطلب مني أن أركب. خمن الرجل أنني عازم على الذهاب إلى تل أبيب ومن ثم سيصحبني إلى هناك وينزلني في أحد الفنادق. ورأى أن يصحبني في جولة داخل المدينة ويساعدني على أن أبدأ حياتي في بلدي ووطني الجديد. وبينما كانت السيارة تمضي بنا على الطريق أمطرني بوابل من الأسئلة، ووضح لي أنه من جهاز المخابرات ويعمد إلى سبر أغواري.

سألني:

– قل لي يا جاك أي مهنة تريد أن تعمل بها هنا؟

رددت عليه بسؤال آخر:

– لماذا؟

– لأنني أريد أن أعرف نوع المهنة التي أثبتها في جواز سفرك الجديد.

وكانت إجابتي:

– معي جواز سفر، ولست بحاجة إلى غيره.

– إنني أتحدث عن جواز سفرك الإسرائيلي يا جاك، أنت في وطنك الآن، وسوف تتسلم جميع الوثائق اللازمة لك باسم البلد الذي تنتمي إليه الآن.

أجبت مبتسمًا:

– وكيل سفريات.



أحسست في داخلي بهجة، وهنأت نفسي، فقبل وقت غير بعيد كنت أخشى القبض علي، ولكن ها هي الترتيبات يتم إنجازها الآن للحصول على جواز سفر إسرائيلي، إذن لقد اجتزت الامتحان.

هيأ لي سام شواب غرفة في فندق أنيق واصطحبني في جولة داخل المدينة. أفادني كثيرًا إذ حصلت بفضل مساعدته على شقة مؤثثة في تل أبيب بعد أسبوع من وصولي، وأشار علي باسم محام أنجز لي جميع الترتيبات الضرورية للشروع في عملي، كما جمعني مع الدكتور وايز، الذي وافق على أن نكون شركاء في العمل.

كان الدكتور وايز مقيمًا في إسرائيل منذ النشأة الأولى، وبفضله سار عملنا منذ البداية سيرًا حسنًا. كان يكبرني بعشر سنوات، رقيق الحاشية، ذكي واسع الاطلاع، له كثير من الاتصالات المفيدة. وعثرنا على مكان لمكتب السفريات الذي أقمناه في شارع برينر رقم 2 وسط المدينة في تل أبيب وكان اسمه (سي تورز)، واستأجرنا سكرتيرة، امرأة متزوجة كبيرة السن، وكان من المهم جدًا أنها متزوجة، إذ تعلمت أثناء تدريبي مدى خطر الوقوع في حب امرأة موجودة في محيط عملك طوال اليوم. وشرعت في إجراء اتصالاتي والتعرف على الناس.



أفادني سام شواب في هذا كثيرًا جدًا، إذ قدمني للكثيرين من العاملين لحساب الحكومة وتعارفنا، وذات مساء خرجنا سويًا وعرفني بموشي ديان، وشعرت بنشوة غامرة لهذا، ذلك أن (ديان) شخصية هامة جدًا، ولأني أدركت أنه بمرور الوقت سوف أستطيع الحصول على كم هائل من المعلومات عن طريقه. بدأت أبدي اهتمامًا بسياسة إسرائيل، وأعجب (ديان) باهتمامي هذا ورغب في تعليمي الكثير، وعرفت من خلال (شواب) مختلف أجهزة المخابرات ومجالات نشاطها. هناك جهاز الشين بيت الخاص بالأمن الداخلي حيث يعمل (شواب)، وجهاز الموساد وجهاز الأمان.

أرسلت بطاقات ورسائل إلى (أسرتي) في فرنسا، تسلمها رؤسائي وحلوا رموزها الشفرية، لم يكن قد تجمع لدي بعد الكثير من المعلومات التي أفيدهم بها، بيد أنني كنت على يقين من أنني سأكتشف الكثير بمرور الوقت، وعن طريق (ديان) قابلت عزرا وايزمان، وهو أيضًا من كبار الشخصيات داخل الجيش فضلًا عن أنه كان قائدًا متميزًا للطائرات المقاتلة. اعتدنا أن نقضي وقتًا طويلًا سويًا، كنا نذهب معًا إلى النادي، أو إلى البار ليلًا، وأقمنا معًا صداقة جيدة ووثيقة.

وذات مساء ونحن في النادي عرفني سام شواب بامرأة جذابة اسمها راكيل أبشتين، وبدا واضحًا أنه يحاول سبر أغواري أكثر عن طريقها، تصور أن بإمكاني أن أقع في حبائل امرأة وأحكي لها كل شيء. عرفت نواياه والتزمت بقواعد اللعبة. كانت (راكيل) فاتنة وتعمل مدرسة، نشأت في ألمانيا وعلمتني الكثير من اللغة الألمانية، وحرصت على ألا تحصل مني على شيء تفيد به (شواب)، وعندما اطمأن منها وثق هو بي وتأكد من أنني يهودي وإسرائيلي حقًا.



وعرضت عليه استعدادي لأن أعد جميع الترتيبات اللازمة لسفر زملائه إذا ما أرادوا السفر عن طريق مكتب السفريات الخاص بي.

ومن هنا حصلت على حجم عمل كبير من موظفي الحكومة، قمت لهم بأعمال شراء التذاكر والحجز… إلخ، وبدأت تنهال علي بانتظام الدعوات لحضور الحفلات أو لتناول العشاء حتى يكسبوني إلى صفهم ويضمنوا الحصول على التخفيضات والخدمات اللازمة، وأفادني هذا كله فائدة جمة، إذ حصلت عن طريقه على معلومات كثيرة استطعت أن أبلغها إلى رؤسائي بالشفرة. وتسلمت في هذه الأثناء جواز سفر إسرائيليًا، وجميع الوثائق الأخرى التي تجعل مني مواطنًا مستوفيًا لجميع الشروط القانونية».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 1 فبراير 2016 - 22:40

أبلغت مصر بخطة العدوان الثلاثي لكنهم لم يصدقوني (ح 12)



استطاع رفعت الجمال أن يؤمن عمله في مجال السياحة ودشن مع شريكه الدكتور وايز شركة «سي تورز»، كما تعرف على شخصيات مرموقة في المجتمع الإسرائيلي، أبرزهم موشيه ديان وعزرا وايزمان، كما استطاع أن يحصل على حجم عمل كبير من موظفي الحكومة لشركته، ليروي ما حدث بعد ذلك في مذكراته: «حان الوقت لأول رحلة عمل رسمية أقوم بها خارج إسرائيل. سافرت في أكتوبر 1956 إلى روما للتفاوض بشأن سفر مجموعة من السياح إلى إسرائيل. وبعد يومين والعديد من الإجرائات الاحترازية لتضليل أي عناصر يحتمل أن تتعقبني، سافرت إلى ميلانو حيث التقيت برئيسي المباشر، وهو المسؤول عن فريق المخابرات المصرية العامل في وسط أوروبا، حيث أبلغته أن إسرائيل عقدت اتفاقًا سريًا مع فرنسا حصلت بموجبه على أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

وبعد أن قدمت له تقريرًا كاملًا سافرت إلى فرنسا حيث بقيت بضعة أيام لكي أقابل، حسب التصور الرسمي، أسرتي. وعدت إلى إسرائيل بعد غيبة ثمانية أيام. ومضى الوقت دون تطورات تذكر والشيء الهام الوحيد الذي استطعت أن أكتشفه هو أن إسرائيل كانت تجري مفاوضات مع فرنسا للحصول على مزيد من الأسلحة، إذ كانت فرنسا مهتمة بأن تكون لها سيطرة على قناة السويس، كما أن إسرائيل لم تكن تطمئن إلى جمال عبدالناصر، وكانت تبحث مع فرنسا كيفية فرض العزلة عليه أو حتى الإطاحة به. وأعلن (عبدالناصر) تأميم قناة السويس، وهنا ثارت ثائرة العالم الغربي، وجرت مفاوضات، ولكنه رفض أي مساومة.



خلال هذه الفترة حصرت اهتمامي لكسب ثقة موشي ديان وعزرا وايزمان وسام شواب. أحسست أن ثمة شيئًا هامًا يوشك أن يحدث، وعن طريق (ديان) قابلت جولدا مائير وبن جوريون. أظهرا كلاهما ودًا شديدًا نحوي، وسرعان ما تعاملا معي مثل (ديان). وأفادني هذا في مهمتي فائدة كبيرة للغاية، وقد حرصت أشد الحرص على أن أكسب أي موقع في الصدارة يمكن الوصول إليه.

كنت حذرًا غاية الحذر، ومن ثم قضيت أطول وقت ممكن مع (ديان) و(شواب)، واكتشفت أن إسرائيل تخطط لعملية عسكرية خاصة بشبه جزيرة سيناء، أعطتها الاسم الشفري (قادش) بهدف تدمير وإضعاف القوة العسكرية المصرية قدر المستطاع.

وفي هذه الأثناء كانت مصر تتفاوض مع سوريا والأردن ظنًا منهم أنه إذا ما وقع هجوم إسرائيلي فسوف يكون ضد الأردن. وفي اللحظة التي عرفت فيها أمر الخطة رتبت أموري لمغادرة إسرائل وإبلاغ رئيسي أن إسرائيل تخطط فعلًا لتوجيه ضربة إلى مصر، وهكذا عدت مرة ثانية إلى روما، واتخذت الخطوات اللازمة لتأمين نفسي، وسافرت إلى ميلانو لمقابلة رئيسي.



فوجئ بي حين رآني، ولكن بعد أخذ ورد، وافق على أن يستمع لي، لم يصدقني، وقال إن إسرائيل ستوجه الضربة إلى الأردن، وأن جميع الدلائل تشير إلى هذا الاتجاه. استبد بي الضيق ورجوته أن يصدقني، وأكدت له أن إسرائيل ستعطي لفرنسا المبرر للتدخل، ومن ثم تستطيع فرنسا أن تسيطر على قناة السويس.

وبعد مناقشات طويلة أخذ كلامي مأخذًا جادًا، وقال لي إنه سيسافر إلى القاهرة فورًا ويبلغهم بمعلوماتي التي توصلت إليها. عدت إلى إسرائيل وعرفت أنباء الحرب من هناك، ولست أدري لماذا لم تأخذ مصر تحذيري بصورة جدية. لابد وأنهم لم يصدقوني ووقع المقدور. أحسست بالصدمة، لماذا صموا آذانهم عن كلامي؟ كان (عبدالناصر) يستطيع على الأقل أن يرد الرد المناسب في وقت مبكر. ومع ذلك وكما يقول التاريخ، فقد حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي، ومنذ ذلك الوقت هدأت الحال، ولم يكن عندي غير عملي الروتيني وهو إرسال تقارير عادية إلى رئيسي.

ومضت الأيام بصورة طبيعية إلى أن جاء فجأة في مكتبي في أكتوبر 1957 زائر لم أكن أتوقعه. إنه إيلي كوهين. صحبته إلى المقهى محاولًا أن أستكشف منه ما إذا كان يعرف أي شيء عن حقيقة عملي في إسرائيل، وتبين لي أنه لا يعرف شيئًا وأنه لا يزال يصدق أنني يهودي. تحدثنا طويلًا، وحكى لي كل ما فعله خلال الفترة الماضية التي لم نلتق خلالها، وقال لي أيضًا إنه حصل على وظيفة في وزارة الدفاع، وعينوه في إدارة التجسس في القطاع العربي. قلت في نفسي على الفور ها هو مصدر معلومات آخر جيد دون أن يعرف. وقررت أن يكون هناك اتصال منتظم بيني وبين إيلي كوهين، ذلك أن وظيفته الجديدة مهمة جدًا بالنسبة لي.



واعتدت أنا و(إيلي) أن نقضي أوقاتًا كثيرة سويًا، وقدمته إلى سام شواب، الذي كان لا يزال يعمل في الشين بيت، جهاز المخابرات الداخلية، ويعتبر إلى حد ما زميلًا لإيلي كوهين. وخاجلني شعور بأنهما يعرفان بعضهما من قبل، غير أنني كتمت هذا الشعور داخلي».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الثلاثاء 2 فبراير 2016 - 23:59

«طلبت إعفائي من المهمة» (ح 13)

مر عامين على العدوان الثلاثي، الذي أبلغ رفعت الجمال السلطات المصرية بخطته إلا أنهم لم يصدقوه، ليروي الجاسوس المصري ما حدث في حياته بعد ذلك في مذكراته: «في مايو 1958 وقع الاختيار على مكتبي السياحي لإقامة جسر للنقل الجوي من بيروت إلى إسرائيل. كانت إسرائيل قد قررت إخراج اليهود اللبنانيين من لبنان، ومن ثم عمدت إلى الاتفاق معي لتنظيم رحلات جوية من بيروت إلى إسرائيل. وقررت أنا وشريكي تنظيم العملية بالاتفاق مع شركتي طيران (لوفوتهانزا) الألمانية، وشركة طيران أوليمبيك اليونانية. وواتتني الفرصة مرة أخرى لمغادرة البلاد رسميًا.

ذهبت ثانية إلى روما لمناقشة مسائل العمل مع الوكالة اليهودية فيما يختص بعمليات النقل من لبنان. وذهبت كما هي العادة من هناك إلى ميلانو، ونظرًا لأنه لم تعد هناك أحداث كثيرة في إسرائيل، فقد قررت أن أبحث إمكانية ترك هذه المهمة المنوطة بي والعودة إلى مصر.

وفي ميلانو لم تمض الأمور في لقائي على النحو الذي خططت له، إذ بعد أن أبلغت رئيسي عن رغبتي في ترك عملي قال لي كلامًا ساءني. قال لي إنني عملت بنجاح في إسرائيل على مدى ثلاث سنوات، وأنني خلال هذه الفترة أقمت علاقات قيمة جدًا بالنسبة لهم، وإذا ما أرسلوا بديلًا فلن يكون مثلي، إذ لن يستطيع أن يصل إلى الوضع الذي بلغته، لأنه سيحتاج إلى وقت أطول لكي يقيم علاقات مثل علاقاتي، واتصالاتي بالمستويات العليا تحول دون تحقيق رغبتي في ترك عملي، ذلك أنني أصبحت معروفًا جدًا، ومن ثم، فإنني إذا رحلت فسوف تكتشف الموساد أمري إن آجلًا أو عاجلًا.



وقال إن المخابرات المصرية ليست بدورها على استعداد لأن تتركني أمضي إلى حال سبيلي. لقد استثمروا أموالهم وخبراتهم في تدريبي وليسوا على استعداد للتخلي عني، وإنني واحد من رموزهم الكبيرة في خارج مصر، فضلًا عن أنني نجحت في أن أندمج جيدًا داخل إسرائيل ومن ثم فإن استمرار بقائي داخل إسرائيل له أهمية قصوى.

وأضاف أن الشيء الوحيد الذي يمكن تدبيره لي هو إحضاري إلى القاهرة لبضعة أيام وفقًا لإجراءات أمنية مشددة حتى أستطيع أن أزور أختي وأبناءها. قلت في نفسي هذا أفضل من لا شيء، وغادرت المكتب لأشتري بعض الهدايا لنزيهة وأولادها، وجعل هذا مزاجي أحسن قليلًا.

عدت إلى روما في اليوم التالي، واستقبلني هناك مسؤول الاتصالات وسلمني جواز سفر باسم (أنور طالب)، وجعلني أتنكر بحيث أطابق الصورة الواردة به. هبطت في القاهرة بعد ثلاث ساعات، واستشعرت غرابة لعودتي. استقبلني ضابط من مركز القيادة، واصطحبني إلى شقة في مصر الجديدة بالقاهرة وجدت فيها علي غالي، حيث بادرني قائلًا:

– كيف حالك يا رفعت؟

– يعني، كيف سأكون؟ أعتقد ألا بأس، غير أنني غير مبتهج لأني سأضطر للعودة لإسرائيل.

– نحن فخورون بك، ولن نتركك، لقد أصبحت ثروة بالنسبة لنا. تذكر أنك تقوم بالمهمة من أجل بلدك. على أية حال أنا لم أحضر هنا لمناقشة ذلك، لديك أوامر ونتوقع الالتزام بها، جئت فقط لأراك الآن، وغدًا يمكنك أن ترى نزيهة وأسرتك، لك أن تقول لهم إنك تعمل مع المكتب الخارجي في أوروبا. اذكر أي مكان في أسبانيا، البرتغال، بلجيكا، أي اسم من هذه البلدان أو اذكرها جميعًا. المهم ألا تذكر اسم أي مكان من الأماكن الحقيقية، وبعد غد سوف تغادر القاهرة إلى إسرائيل عن طريق فرنسا وإيطاليا. أنت حر الآن لتفعل ما تشاء اليوم وغدًا. سأنصرف الآن. تعرف طريقة الوصول إلى الضابط الذي أحضرك إلى هنا في حالة ما إذا احتجت إلى أي شيء، وسوف يصحبك هو أيضًا إلى المطار ليودعك. وداعًا الآن يا رفعت، كن حذرًا والله معك.



صحبت وحدي في الشقة، تخلصت من مستلزمات التنكر، واستحممت ثم ذهبت لأنام، كنت متعبًا بحيث لم أستطع عمل أي شيء، وذهبت في اليوم التالي لرؤية نزيهة وأبنائها. كم كان جميلًا أن أراهم ثانية، لقد كبر الأطفال، أما نزيهة فكانت لا تزال كما هي، هذا فضلًا عن أن زوجها كان سعيدًا لرؤيتي، فقد أصبحت إنسانًا ناجحًا الآن، وعلى الرغم من أنه لا يعرف حقيقة عملي بالضبط، إلا أنه أدرك أنه عمل هام من أجل الحكومة.

قضينا معًا ليلة رائعة ثم تركتهم آسفًا. وتجولت بقية اليوم في أنحاء القاهرة. جميل أن أسير دون أن أنظر خلفي طوال الوقت حذر المراقبة. مضى النهار والمساء سراعًا وحضر في صباح اليوم التالي الضابط المختص واصطحبني إلى المطار بعد أن أجريت لوازم التنكر. وصلت إلى إسرائيل ثانية باسم جاك بيتون عن طريق باريس وروما. كان من المفروض رسميًا أنني كنت في نيس ومونت كارلو وجنوه، وكنت قبل سفري إلى مصر قد كتبت عدة بطاقات تم إرسالها من هذه المدن لتأكيد عملية التخفي بصورة ملائمة لا تثير الشكوك.



ركزت اهتمامي على صفقة الجسر الجوي الخاص بلبنان وسارت الأمور سيرًا حسنًا. حققنا مكاسب كبيرة ومضت العملية في سلاسة ويسر. مرت الأيام حتى أصبحنا في صيف 1959 وليس لي عمل سوى إرسال الرسائل الروتينية لإعلامهم بما يجري، ثم التقيت بإيلي كوهين حيث أخبرني بأنه ترك عمله في المخابرات لأن العمل المكتبي لا يرضيه، وأنه خطط للزواج، ومن ثم أعددت له ولزوجته رحلة إلى إيلات هدية مني بمناسبة الزواج. وركزنا كثيرًا إذ تمكنت بفضله من أن أبقى وسط ساحة النشاط، وأحصل بانتظام على معلومات عن مجريات الأحداث. وكثفت اتصالاتي بكل من (ديان) و(وايزمان) و(شواب).

ونظرًا لصلة (ديان) الوثيقة بـ(بن جوريون)، فقد استطعت أن أكسب ثقة (بن جوريون) أيضًا، وأصبحت عضوًا في مجموعة الشباب المحيطين به، إذ كان يحب أن يحيط به الشباب ويستمع لآرائهم وأفكارهم، أما جولدا مائير فكانت تتميز بأنها امرأة عطوف، وأبدت ودًا شديدًا نحوي، وكثيرًا ما تساءلت بيني وبين نفسي ماذا عساهم أن يقولوا عني لو اكتشفوا حقيقتي وعرفوا أني استخدمتهم».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الأربعاء 3 فبراير 2016 - 22:30

«موشيه ديان في منزلي» (ح 14)

عاد رفعت الجمال إلى إسرائيل بعد رفض طلب إعفاءه من المهمة بعد زيارة قصيرة إلى القاهرة، ليروي ما حدث بعد ذلك قائلًا: «كان الموضوع الهام الذي استطعت أن أبلغه إلى ميلانو هو أن إسرائيل تبني مفاعلًا نوويًا، وسرعان ما شاع الأمر، غير أن إسرائيل أنكرت اعتزامها إنتاج أي أسلحة ذرية، وعمدت إلى عكس الموضوع واتهام مصر بإجراء تجارب على الكوبالت، وإن كان بمقادير ضئيلة جدًا لم تسبب تفاعلًا ضخمًا. وتصاعد الضغط الدولي ضد إسرائيل، ومن ثم أرجأت فكرة إجراء تجارب على الأسلحة الذرية، ومن ثم إقامة المفاعل النووي. واستطعت، علاوة على هذا، أن أبلغ رؤسائي بأن ألمانيا تدرب العسكريين الإسرائيليين على استخدام أسلحة ذات مستوى تكنولوجي راق.

وحدث في تلك الأثناء أن تم القبض على عملاء كثيرين من الجانبين، وكلما وقعت مثل هذه الأحداث تملكني إحساس مزعج، وللمرة الثانية قررت أن أفاتح رئيسي في ترك العمل، خاصة وأنه لم يكن هناك شيء بالغ الأهمية يجري على الساحة. اتخذت الاحتياطات اللازمة وسافرت في يونيو 1963 إلى ميلانو عبر القنوات العادية، وحققت هذه المرة قدرًا قليلًا من النجاح على عكس ما حدث في السابق.

قيل لي إن بإمكاني أن أترك مهمتي شريطة أن ننجز هذا تدريجيًا، فليس بإمكاني أن أغادر إسرائيل وأعود إلى مصر هكذا ببساطة، وإنما يتعين علي أن أبقى باسم جاك بيتون خلال الفترة الحالية، وانسحب إلى بلد آخر يفضل أن يكون أوروبيًا. وقالوا إن العودة إلى مصر مسألة في غاية الخطورة إذ سيعثر علي الموساد وسيكون في هذا نهايتي.

حاولت أن أجادل في هذا، غير أن رئيسي أوضح لي أنهم لن يعيدوا لي هويتي الحقيقية لما يمثله هذا من خطر شديد. وحيث أنني ذكرت أن أحد الأسباب التي تحفزني إلى ترك العمل رغبتي في الزواج، فقد أخبروني بأنه لا يمكن لي تحت أي ظرف من الظروف أن أتزوج بامرأة إسرائيلية، أو بامرأة من أصل عربي في إسرائيل، إذ أن هذا يعني إضافة عامل آخر من عوامل الخطر، وقالوا لي إن كل ما يمكن أن أعمله هو أن أحيا في بلد ثالث غير إسرائيل أو مصر باسم جاك بيتون، فربما تفقد الموساد الاهتمام بي بعد فترة من الزمن، وبعد هذا يمكنني العودة إلى مصر.



أدركت أن رئيسي على حق، إما أن أواصل أو أتجه إلى بلد ثالث غير مشارك فيما يجري من أحداث، تركته بعد أن اتفقت معه على أن أواصل عملي إلى أن أهتدي إلى مخرج من وضعي الراهن، وبحث فكرة الارتباط بامرأة من أحد البلدان الأوروبية لكي أبدأ الحياة في بلد آخر، وقلت لنفسي إنهم على أقل تقدير فهموا مني هذه المرة أنني أريد أن أترك العمل، وسوف يستجيبون لي.

وعدت إلى تل أبيب وهذه الأفكار تدور في رأسي. وشرعت في الإعداد لكي أهجر عرين الأسد شيئًا فشيئًا، وبدأت سلسلة من الأسفار إلى جميع أنحاء أوروبا، وشاركت في صفقات تجارية بغية جمع قدر من المال، وأيضًا للبحث، من ناحية أخرى، عن امرأة أتزوج بها.

وفي أكتوبر 1963، سافرت إلى ألمانيا وزرت صديقي القديم هورست سومر، الذي سبق لي أن قمت معه ببعض الأعمال في مناسبات مختلفة، وأفضى إلي بأنه سيخرج في المساء مع صديقته هيلجا، وقال إن بإمكانها أن تحضر معها إحدى صديقاتها، ووافقت، حيث أنني كنت أعرف أن (هورست) حسن الذوق، فقد توقعت أن ألتقي بسيدتين جذابتين جدًا. وبالفعل كانت الفتاتان من عالم آخر، كانت صديقة (هورست) حسناء، أما أنت يا (فالتراود) فكل ما أستطيع قوله عنك إني وجدتك رائعة إلى حد لا يصدق، وقعت في غرامك منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيني عليك.

أذكر أول لقاء لنا وكأنه حدث بالأمس فقط. ذهبنا معًا إلى فندق (فرانكفورتر هوف) لتناول العشاء، ولم أرفع عيني عنكِ. قصصت علي الكثير عن نفسك أثناء حديثنا، وفي هذه الأثناء قررت أنك أنت ضالتي المنشودة. لم أشعر بأي غضاضة لأنك كنت متزوجة قبل ذلك، أو لأن لك ابنة من هذه الزيجة. كنت سعيدًا غاية السعادة بك. نعم، عزمت على الزواج بك بيد أنني لم أتوقع أن يتم هذا سريعًا، ولم أحلم يقينًا أنني سأحبك بمثل هذا القدر. لاحظت في تلك الليلة أن (هيلجا) وضعت عينيها علي باهتمام شديد أيضًا، وأنها شعرت بالغيرة، ولعل هذا هو السبب في أنها لم تتحدث إليك ثانية بعد أن قلت لها إني أريد الزواج بك.



ومضت سهرة المساء سريعًا، ورافقتك لبيتك في سيارة أجرة، وسألتك قبل أن تصعدي درجات السلم إذا كنتِ تريدين الزواج مني. أنا واثق من أنك تصورت أنني مجنون، بيد أنني أيقنت أنني أريدك من كل قلبي. طلبت منك أن تفكري في هذا، وأنني عازم على السفر إلى فيينا من أجل العمل لمدة عشر أيام وسوف أعود لأسمع إجابتك. لم أكن قاصدًا فيينا بل ميلانو. أردت أن أحدث رئيسي عنك، وأن يستوضح أمرك ويعطيني موافقته بشأنك. ووافق رئيسي في ميلانو على أن يتحقق من أنك لا تعملين لحساب الموساد أو المخابرات الألمانية، واستغرق بحث ذلك عشرة أيام حتى تأكدنا منك. وفرحت بالنتيجة فرحة صبي صغير في عيد ميلاده. عدت على الفور إلى فرانكفورت وفوجئت أنت بعودتي. لابد أنه راودك الظن بإنني لن أعود. واصطحبتك لتناول الغذاء وصارحتيني بأن ثمة شكوكًا تساورك من ناحيتي. واستغرق الأمر بعض الوقت ثم أقنعتك أخيرًا، وذهبنا معًا لمقابلة ابنتك أندريا وأمك.

كم كانت ابنتك الصغيرة حلوة، ولقد أحببتها كثيرًا منذ اللحظة الأولى، أحسست كأنها طفلتي أنا. وكانت أمك سيدة عذبة ساحرة ارتحت إليها منذ البداية، وبعد ذلك أحببتها كثيرًا. كان لها قلب حنون لم أر مثله حنانًا وعطفًا. أما أبوك فلم تعجبه الفكرة، غير أنني كنت على يقين من أنني مع الزمن سوف أقنعه وسوف أجعله يرضى بي.

واصطحبتك على الفور إلى باريس، وتذكرين أنني تركتك وحدك في الفندق لمدة ثلاث ساعات في اليوم التالي لوصولنا، كان لابد أن أقابل رجل الاتصالات. أردت أن أخبره بما خططته لمستقبلي في هذه الفترة، حسبما أراد أن يعرف رئيسي ومركز القيادة في القاهرة. قضينا وقتًا جميلًا في باريس واستمتعت بكل لحظة معك، وسافرنا من هناك إلى تل أبيب، وعرفتك هناك بجميع أصدقائي. أحبوك وأعجبوا أيما إعجاب بجمالك، وتذكرين أن موشيه ديان نفسه أتى إلى البيت ليقابلك ليرى بنفسه (الغلطة التي ارتكبتها)، وكنت أضحك أنا و(ديان) مرات ومرات كلما فكرنا فيما حدث، فلقد أخبرني بأنك عندما رأيتيه لأول مرة ارتسمت على وجهك تعبيرات غريبة مضحكة.



وعشنا وقتًا طيبًا في إسرائيل، واصطحبتك في جولات لتشاهدي البلد والمدن. وأرسلت في هذه الأثناء بطاقات بريدية إلى (أسرتي) في فرنسا. ولم يكن هذا سوى روتين لإبلاغ ما لدي من معلومات، ولعلك تفهمين الآن لماذا لم أصطحبك يومًا لمقابلة (أسرتي) في فرنسا. واعتدت كلما سألتينني عنهم أن أقول لك إن علاقتي بهم سيئة.

ومضت بنا الأيام ولا شيء يبهجني في حياتي سواك. بقينا في إسرائيل حتى آخر ديسمبر 1963 ثم سافرنا إلى ألمانيا لقضاء بعض الوقت مع (أندريا) وأبويك. كان وقتًا رائعًا حقًا، وزاد حبي لـ(أندريا) مع كل لحظة، وبدأ أبوكِ يرتاح إلي ويثق بي. واشتريت لكِ في ألمانيا سيارة وشحناها إلى إسرائيل حتى يتسنى لكِ التنقل داخل المدينة بصورة أفضل».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   السبت 6 فبراير 2016 - 23:20

كواليس ترشيحه لمنصب رفيع في إسرائيل (ح 15)



اتفق رفعت الجمال على إنهاء مهمته في إسرائيل بشكل تدريجي، ووفقًا لشروط اتفق عليها مع المخابرات المصرية للحفاظ على سلامته، كما التقى بـ«فالتراود» وطلبها للزواج، وارتبطا وسافرا معًا، ليكمل في مذكراته، موجهًا حديثه لزوجته: «وعدنا إلى إسرائيل في أوائل يناير 1964. قدمتك إلى جولدا مائير وأحبتك كثيرًا، ثم اصطحبتك في زيارة إلى (بن جوريون) في الكيبوتز الخاص به. رافقنا (ديان) في هذه الزيارة، وبعد أن استقبلك (بن جوريون) العجوز مرحبًا، طلبت منك التجول في الكيبوتز إلى أن نفرغ من حديثنا أنا و(بن جوريون) و(ديان).

لم يناول نقاشنا شيئًا له أهمية كبيرة، ولكن كان لابد وأن أكون متابعًا لمسرح الأحداث. وسافرت في فبراير إلى فرنسا بشكل رسمي، ولكنني في الحقيقة اتجهت إلى لندن لمقابلة رئيسي لأبلغه بآخر التطورات، فعلاوة على تقريري المكتوب عن التعاون الألماني الإسرائيلي، توفرت لدي تفصيلات جديدة عن الدعاوى الإسرائيلية بشأن مياه نهر الأردن التي تتنازعها سوريا وإسرائيل.

واتجهت من لندن إلى فرانكفورت، وحيث أن أباك كان هو المسؤول عن أندريا، فقد أقنتعته بأن يستخرج لها جواز سفر لأصطحبها معي إلى تل أبيب. فاجأتك بوصول أندريا معي إلى تل أبيب وغمرتك فرحة كبيرة. كنت قد أدركت أنك اشتقتِ إليها، وحيث أنني كنت أعتبر أندريا مثل ابنتي، فقد آثرت أن نكون جميعًا كأسرة صغيرة.



أعرف أنكِ غاضبة إذ تقرأين هذا لأنني وضعتكما بهذا معًا في موقف خطر، ولكن صدقيني كان كل شيء آمنًا. كنت أسيطر على الموقف تمامًا، وحيث أنني لم أكن أعتزم البقاء في إسرائيل لفترة طويلة، فلم تكن هناك أي مشكلة، وقضينا ثلاثتنا وقتًا جميلًا في إسرائيل.

وحضر أبواك في أواخر العام لزيارتنا لمدة ثلاثة أسابيع، تجولنا معهما لمشاهدة معالم المدينة واستمتعت بصحبتهما أيما متعة، وسعيت لتكون أنا وأبوك صديقين مخلصين، وسعدت أنا وأنت لذلك سعادة كبيرة، وطواك جزن شديد حين سافر أواك إلى ألمانيا، وكم كانت فرحتك غامرة لقراري هذا، واتفقت أنا وأبوك على أن نسكن في منزله خارج فرانكفورت.

وبعد فترة قصيرة من سفر والديك زرت الطبيب وعدت بأنباء عن الوليد المنتظر، غمرتني الفرحة والسعادة، كان هذا أجمل نبأ تلقيته، قفزت هنا وهناك مثل صبي صغير ولم أصدق أن حظي قد تحسن بهذا القدر، لكني لم أشأ أن يولد ابني في إسرائيل، وأقنعتك بأن تضعي حملك في ألمانيا، لعلك أدركت الآن أيضًا لماذا لم أشأ أن يحصل ابني على جنسية إسرائيلية، وهذا جعلك تضربين أخماسًا في أسداس، غير أنني مصري من صميم قلبي، ولم أكن أريد لابني أن يحمل جنسية إسرائيل.

كنت قد عقدت العزم عند زواجنا على أن أتقدم بطلب للحصول على الجنسية الألمانية، ومن ثم يحصل الطفل عليها بالتبعية، ومن ثم انتهينا إلى نتيجة هي أن الأفضل أن تسافري أنت وأندريا فورًا إلى ألمانيا، وسوف أتنقل جيئة وذهابًا بين تل أبيب وفرانكفورت، إلى أن يتسنى لي تصفية أعمالي، واضطررت أيضًا إلى الانتظار فترة أطول قبل أن أغادر إسرائيل نهائيًا حتى لا أثير الشكوك.



وفي صيف 1964 تزوجنا في فرانكفورت وأصبحنا زوجًا وزوجة شرعًا، وعلى الرغم من بعض المشكلات الخاصة بالوثائق إلا أننا تجاوزنا الأمر في النهاية. ما أزال أبتسم كلما تذكرت قصتي القصيرة عن أصلي ومنشئي حين أقسمت أمام المسؤولين الألمان وصدقوني، وطرنا عائدين مرة ثانية إلى إسرائيل لتودعي الأصدقاء هناك، وأبلغنا كل من نعرفهم أنك لا تحتملين المناخ، ولهذا فإننا مضطرون إلى الانتقال إلى ألمانيا.

وأسعدني أن هذه القصة المختلقة نجحت وصادفت تصديقًا، وعدت أنت إلى ألمانيا بعد أسابيع قليلة، وبقيت أنا لأتابع أعمالي. الآن تحررت من أعبائي بحيث أصفي آخر متعلقات مهمتي وأخرج من عرين الأسد.

وجاء ميلاد ابننا في اليوم الأخير من شهر أكتوبر، ووصلت إلى فرانكفورت في اليوم التالي لولادته، وأنا حزين إذ لم أكن معك لحظة وصول دانييل. أحسست بالفخر بالطفل الوليد، وإن بدا لي قبيحًا جدًا، ولكن بالنسبة لي كمصري، فإن الابن له معنى خاص جدًا. بقيت أنت مع الطفلين في ألمانيا، وسافرت أنا إلى تل أبيب عبر إيطاليا لأبلغ رؤسائي أن ألمانيا قد أرسلت إلى إسرائيل أسلحة قيمتها 200 مليون دولار، واشتملت هذه الأسلحة، من بين أنواع كثيرة، على طائرات هليكوبتر ومقاتلات نفاثة ودبابات وقوارب بل وغواصات.



وقرر (عبدالناصر) مواجهة الحكومة الألمانية بهذه المعلومات، ثم أرسلت بعد ذلك تقريرًأ يفيد أن ألمانيا تعتزم تزويد إسرائيل بالمزيد من الأسلحة، وحين جابه عبدالناصر الحكومة الألمانية بهذه المعلومات أنكرت بشدة، وحدث أن أغفلت القاهرة المعلومات التي نقلتها الخاصة بالاتفاق السري بين شيمون بيريز عن إسرائيل، ووزير الدفاع الألماني، بشأن المزيد من إمدادات الأسلحة، فقد صدق المسؤولون في مصر الألمان، وفيما عدا ذلك لم تحدث أشياء تذكر، وظللت أتنقل بين إسرائيل وألمانيا، لم يحدث أن اتجهت مباشرة إلى تل أبيب، وإنما اعتدت أن أسافر دائمًا عبر مطار ترانزيت في بلد ثالث لأسباب أمنية، ودهشت من أن أحدًا لم يلحظ ذلك.

عدت من ألمانيا إلى إسرائيل، وعند وصولي وجدت (ديان) يحمل مفاجأة لي، لقد وصع اسمي لأكون أحد المرشحين لعضوية مجلس الوزراء. شعرت برغبة في أن أضحك في داخلي، غير أنني تذكرت أن (كوهين) احتل منصبًا سياسيًا رفيعًا ثم انكشف أمره.

استهواني الأمر، غير أنني كنت واثقًا من أن الشين بيت سوف تتحرى عن بصورة أكثر تركيزًا وهو أمر خطير، لذلك أثنيت (ديان) عن رأيه بأن قلب له إنني أريد الانتقال إلى ألمانيا نهائيًا لأبقى مع زوجتي وطفلي، وكان هذا هو الأفضل.



وبدأت أنشط في سبيل بيع نصيبي في مكتب السفريات، وتبين أن الأمر أصعب مما توقعت، وشرعت في متابعة وتعلم الأعمال الخاصة بتجارة النفط، وعزمت على أن أبدأ في ذلك بعد أن يستقر بي المقام نهائيًا في ألمانيا، ولم أفعل في هذه الأثناء شيئًا سوى إرسال رسائلي الروتينية إلى رئيسي.

وعندما أصبحت في ألمانيا شرعت في التعجيل بمسألة تبني أندريا، كنت أريدها ابنتي أمام القانون وبصورة شرعية، لأنها تحتل مكانها في قلبي، وكنت أريد كل شيء بطريقة رسمية، وكان ابننا دانييل لا يزال بدون جنسية لا ينتمي لدولة بذاتها، إذ قيل لي أن حصولي على الجنسية رهن بالحياة في ألمانيا خمس سنوات أولًا، وتقدمت بطلب للحصول على الجنسية بعد أن قال لي رئيسي أن بإمكاني كألماني أن أذهب وأجئ إلى مصر كرجل أعمال. طال الوقت وسارت الأمور بطيئة، أنجزنا على الأقل مسألة تبني (أندريا) وشعرت لهذا بسعادة غامرة، وفي غضون هذه الفترة تدهورت الأوضاع السياسية بين إسرائيل ومصر، وكانت هذه هي البداية لما حدث في عام 1967».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
king tito

رقـــيب أول
رقـــيب أول



الـبلد :
المهنة : مواطن
المزاج : عنيف
التسجيل : 16/03/2014
عدد المساهمات : 352
معدل النشاط : 360
التقييم : 12
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 8 فبراير 2016 - 1:47

رجاء استكمال الموضوع لانه مختلف تماما عن المسلسل المعلن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 8 فبراير 2016 - 4:55

أسرار أخطر عملية تجسس قام بها (ح 16)

بدأ رفعت الجمال في تصفية أعماله في إسرائيل استعدادًا للانتقال إلى ألمانيا بصحبة زوجته وأطفاله، ليسرد ما حدث بعد ذلك موجهًا حديثه لزوجته في مذكراته: «في غضون هذه الفترة تدهورت الأوضاع السياسية بين إسرائيل ومصر، وكانت هذه هي البداية لما حدث في عام 1967. كنت ما أزال أتردد ذهابًا وجيئة بين ألمانيا وإسرائيل، واستطعت في أبريل أن أخطر رئيسي بأن إسرائيل عمدت إلى القيام بعمليات استطلاع للكثير من القواعد العسكرية الجوية العربية الأساسية وتصويرها من الجو، وأنهم في إسرائيل أعادوا بناء نماذج مطابقة لكل قاعدة وتدربوا على قصفها من الجو. وأضفت أن من بينها مواقع مصرية. وأعربت عن تصوري بأنه إذا كان ثمة احتمال لعملية عسكرية، فإنها ستكون عن طريق القيام بهجمات جوية ضخمة.

ولم يأخذ أحد معلوماتي مآخذًا جادًا على نحو ما كشفت عنه الأيام بعد ذلك، إذ ساد التوقع بأن إسرائيل لو حاولت القيام بعمل عسكري، فإنها ستهاجم سوريا. جاهدت مرارًا وتكرارًا لأقنعهم بأن الضربة ستوجه إلى مصر، ولكنهم لم يصدقوني. وفي شهر مايو أغلق جمال عبدالناصر مضيق تيران أمام جميع السفن الإسرائيلية. وفي يونيو هاجمت إسرائيل القواعد الجوية الكبرى في مصر وسوريا والأردن والعراق على السواء.

ثارت ثائرتي، لماذا لم يسمعوا كلامي؟ لقد أبلغتهم قبل وقوع الكارثة بزمن طويل ولم يعبأوا بما قلت. غضبت وبلغ الغضب مداه حتى أنني عقدت العزم على أن أترك العمل، تذكرين يا فالتراود كيف أنك لم تفهمي لماذا وصفت المصريين بالغباء ولم أكن سعيدًا بانتصار إسرائيل، كل شيء كان واضحًا ومعروفًا لديهم، ولم يكن عليهم سوى أن يستعدوا لوقوعه، وينتظروا إسرائيل إلى أن تأتي بنفسها، ومع هذا فقد دفعوا ثمنًا غاليًا نتيجة إغفالهم لما قدمته لهم من معلومات.



ومضى الزمان، ومات (عبدالناصر)، وأصبح أنور السادات رئيسًا لمصر في عام 1970. تخليت في هذه الأثناء عن منزلي في إسرائيل واعتدت أن أنزل في فندق كلما ذهبت إلى هناك. وكنت حتى ذلك الحين لم أجد مشتريًا لحصتي في مكتب السفريات. وذات يوم ونحن في ساعة الأصيل جمعتني جلسة مع (ديان) في نادي تل أبيب. عرفت منه معلومات حيوية عن أنور السادات، وقال لي إن روسيا استقر عزمها في نهاية عهد (عبدالناصر) على تحويل مصر إلى دولة تابعة للسوفيت.

أسست شركة جديدة في ألمانيا اسمها «بي تي إم» للسمسرة وتجارة النفط، وسارت الأمور سيرًا حسنًا وحققت أرباحًا من عملي الذي تعلمته حديثًا. وانتظم الطفلان في المدرسة، وقررت أنت افتتاح بوتيك صغير لملابس السيدات. عشنا حياة سعيدة في ألمانيا وقلت تدريجيًا زياراتي لإسرائيل. ذهبت إلى هناك مرات كثيرة دون علمك، كنت تظنين أنني في اليونان وقبرص، وواقع الأمر أنني لم أذهب إلى اليونان، إذ تهيأت لنا قنوات معلومات جديدة. كنت أذهب إلى تل أبيب، ومن هناك إلى قبرص لأقابل رجل الاتصالات، لم يكن هناك الكثير مما يستحق أن أبلغه سوى العمل الروتيني.

ومضت الأيام وبعت في النهاية مكتبي في تل أبيب، لم أحصل على الثمن الذي كنت آمل فيه، وواقع الأمر أنني حصلت على مبلغ زهيد. لم أخرج من إسرائيل غنيًا.

وخلال زيارتي الأخيرة لإسرائيل عمدت إلى أن أقوم بآخر عملية تجسس لي وربما الأهم والأخطر شأنًا لصالح مصر. كانت العلاقات السياسية بين إسرائيل ومصر قد تدهورت مرة أخرى مع استمرار الجدل بشأن شبه جزيرة سيناء. وللمرة الثانية أخذ القدر مساره في اتجاه العنف. واكتشفت من خلال سام شواب أن ثمة تخطيطًا لتوجيه ضربة عسكرية أخرى ضد مصر. وأدركت أن من واجبي أن أعمل. وتلقيت معلومات عن طريق كل من (شواب) و(ديان) و(وايزمان) عن الخطط العسكرية المختلفة المبيتة.



كان كل شيء بدا مبسوطًا واضحًا أمامي، وغمرتني الرغبة في الضحك. على مدى كل هذه السنوات كنت أعد العدة لكي أترك إسرائيل مرة وإلى الأبد، وأن أترك عملي مع جهاز المخابرات، وعندما حان الوقت لذلك استطعت أن أنجز أروع أعمالي. وتوفرت لي معلومات تزيد عن الحاجة، نقلتها جميعًا: الزمن والتاريخ والموقع، كل شيء كان هناك.

وصدقني المصريون هذه المرة على نحو ما تشير أحداث التاريخ، وغمرتني سعادة بالغة لذلك، ولأول مرة انتصرت مصر على إسرائيل في حرب 1973. وقررت أن هذه نهاية عظيمة لمهمتي. وأبلغت رئيسي أن هذه نهاية عملي معهم. وعدت إلى ألمانيا حيث حصلت على الجنسية الألمانية، وحصل دانييل بدوره على جواز سفر ألماني، وأصبحت إقامتنا الآن شرعية في البلاد، وسرني أن تخلصت من جواز سفري الإسرائيلي، ففي النهاية كنت دائمًا مصريًا في صميم فؤادي، بل كان الزعم بأنني إسرائيلي أو يهودي يجرحني في داخلي، ولكن كان الواجب يقتضيني أن أنجز مهمتي، وقد أديتها على خير وجه، وأستطيع أن أقول بشكل ما إنني كنت فخورًا بنفسي قليلًا.

وطلبوا مني أن أحضر إلى ميلانو مرة أخرى، حيث قال لي رئيسي:

– لقد أنجزت عملًا بالغ الروعة ونحن فخورون بك، لقد استطعت أن تقدم أكثر مما كنا نتوقع، فما هي خططك الآن؟

– حسن، أريد لعملي في مجال البترول أن ينجح، وحيث أنني حصلت على الجنسية الألمانية الآن، فإنني أستطيع أن أدع أمر إسرائيل جانبًا، وأصب اهتمامي على حياتي الخاصة.

– هناك في مصر أيضًا حجم أعمال ضخم في مجال البترول، نستطيع أن نساعدك للنجاح في هذا المجال كتعبير عن عرفاننا بجميلك الذي أسديته، لكن تذكر أن اصطحابك لأسرتك إلى مصر يمكن أن يكشف ما قمت به من قبل وبالتالي يهددل ويهددهم كذلك.

– لن أترك أبدًا أسرتي، هفي كل ما لي.

– ستكون بذلك مصدر خطر شديد على أسرتك، نحن كفيلون بحمايتك، ولكننا لا نستطيع حماية زوجتك وطفليك طوال الوقت. إذا لم تكن على استعداد لأن تتركهم في ألمانيا فستضطر إلى البقاء باعتبارك جاك بيتون الألماني، الذي عاش في إسرائيل يومًا ما، فكر في هذا وتدبر الأمر.

وقاطعته قائلًا:

– هل هذا معقول؟ إنني أحب فالتراود والطفلين حبًا يملك على أعماق نفسي، لا سبيل على الإطلاق إلى أن أتركهم.

استطرد قائلًا:

– جميل، إذا كان هذا هو ما تريد فليكن. غير أننا معنيون بك ليس إلا. أسرتك هي شأنك، إذا بقيت معهم، لن تستطيع العودة إلى مصر وتصبح رفعت الجمال. كذلك ستكون مسؤولًا عن نفسك، وإذا ما اكتشفت المخابرات الإسرائيلية حقيقة ما فعلت فإنهم سيعثرون عليك أينما كنت.

– إنهم لن يكتشفوني، لقد عشت داخل عرين الأسد زمنًا طويلًا وأعرف حيلهم. لقد سددت ديني إلى مصر ثلاثة أضعاف، وسوف أتصرف على مسؤوليتي مثلما اعتدت دائمًا. وإذا كان قدري هو أن أواصل العيش باسم جاك بيتون فليكن، غير أنني لن أترك زوجتي وطفلي تحت أي ظرف من الظروف، إنهم مسؤوليتي وأنا أحبهم إلى أقصى الحدود.

– وهو كذلك يا جاك بيتون، لقد حددت اختيارك وأصبحت كما قلت لك مسؤولًا عن نفسك، نحن نشكر جهودك ونرجو لك حظًا طيبًا. كان الله معك.

وقف الرجل ومد يده لي فصافحته وانصرفت».



1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الثلاثاء 9 فبراير 2016 - 1:51

عودته إلى مصر وتعرضه للنصب (ح 17)

انتهى رفعت الجمال من سرد تفاصيل عمله مع المخابرات المصرية حتى قرر التوقف، عقب حرب 1973، وفي مرضه الأخير استمر في الكتابة، لكن قبل أن يكمل حكايته عن ما فعله عقب اعتزال التجسس، تحدث عن شعوره على فراش الموت قائلًا: «تفاقمت حالتي المرضية، وبدأت منذ أكتوبر 1981 أتلقى علاجًا كيميائيًا في لندن، ولم يعد العلاج يفيد شيئًا، قال لي الطبيب إنه لم يبق أمامي سوى ثلاثة أو أربعة أشهر. لقد تعبت تعبًا شديدًا، والألم في غاية القسوة. أود لو زايلني. إن كتابة الماضي تستنفد مني جهدًا كبيرًا يتزايد مع كل ساعة تمر. لقد تدهور بصري، وفقدت الكثير من وزني. لم أعد أستطيع الكتابة فترة طويلة. كل ما آمل فيه هو أن أنتهي من كتابة كل ما أريد أن أقوله قبل أن أمثل أمام الله. أعرف أن ثمة مشكلات مع الشركة.

لم يقل لي أحد شيئًا ولكنني أعرف. أنا الذي أقمت صرح هذا العمل ولا يستطيع أحد أن يستغفلني، وأرجو أن تتمكن فالتراود من أن تتدبر الأمر، أمامها فترة صعبة، فالناس في القاهرة، وكذلك شركائي هنا في ألمانيا جميعهم يترقبون موتي، وحينئذ سيبذلون جهدهم للاستيلاء على العمل.

آه لو أنني أستطيع مساعدتها، غير أنني واهن أشد الوهن. لم أعد أستطيع عمل شيء، لقد افترسني المرض بقسوة حتى لم يكد يبق على شيء مني. إن الألم يقتلني، لم تعد تجدي معي شيئًا جرعة المورفين التي يحقنوني بها كل يوم، فالألم باق ولا يفارقني، وأريد أن أواصل الكتابة لكي أفرغ مما أريد أن أبوح به. أجد لزامًا علي أن أفضي بكل الحقيقة إلى أسرتي، حتى وإن لم يعرفوها إلا بعد موتي. أعرف أن أسئلة كثيرة ستلح عليهم، كم وددت لو بقيت لأجيبهم عليها، ولكنني عجزت أن أحكي لهم وأنا في حياتي، مأزال ملتزمًا بالقسم الذي أقسمته لبلدي. يجب علي أن أمضي فيما أنا بصدده، وأفرغ مما أريد أن أقوله».



عاد رفعت الجمال بعد ذلك ليسرد تفاصيل رحلته بعد لقاءه الأخير بضابط الاتصالات المصرية والتوقف عن العمل المخابراتي، واضطراره للبقاء بشخصية جاك بيتون كي يحتفظ بعائلته، ليقول في مذكراته: «استبد بي الضيق بعد انتهاء علاقتي مع جهاز المخابرات. لقد تدبرت شؤوني كل هذه السنين وسوف أستمر في تدبيرها بنفسي، ها أنذا أصبحت ألمانيًا الآن، وبحوزتي جواز سفر أوروبيًا أصيلًا، ولي زوجة حبوبة وطفلان رائعان، وأعمالي تسير سيرًا حسنًا، ليس عندي ما يؤرقني، وبعد هذا لابد وأن أبقى جاك بيتون. يالعذاب الجحيم. لقد عشت بهذا الاسم زمنًا طويلًا وبات لزامًا أن أواصل حياتي به، كنت على يقين من أنني سأعود إلى مصر يومًا ما، بطريقة أو بأخرى. لم يكن يعنيني أن أعود باسم جاك بيتون أو رفعت الجمال، ولكني كنت أريد فقط أن أعود وكنت واثقًا من ذلك، ذهبت واشتريت هدايا للأطفال ثم عدت إلى فرانكفورت.

لقد وضعت حدًا لعملي في مجال التجسس الذي أديته حقًا بسعادة غامرة، وإذا عدت بنظري إلى الماضي أجدني أقول: (إني أديت واجبي على الوجه الأكمل).

رجعت إلى ألمانيا وركزت كل اهتمامي على عملي، وأبرمت صفقة مع ليبيا، ونظرًا لحاجتي إلى السفر إلى هناك، فقد كان لزامًا أن أخرج مسرحية صغيرة بالاشتراك مع القس صديقي في ألمانيا. حدثته عن خططي للسفر إلى ليبيا وصارحته بمخاوفي بسبب أصلي اليهودي، وإذا بالرجل ودون أدنى تردد يكتب لي رسالة موضحًا أنني جاك بيتون من أبناء كنيسته البروتستانتية. كانت هذه الرسالة هامة جدًا حيث أن الدين غير مذكور في جواز السفر الألماني، ولسوء الحظ أن الوثيقة التي حصلت عليها من القس كانت هي النجاح الوحيد الذي حققته، فعلى الرغم من أنني نجحت في مقابلة مسؤولين كبار في الحكومة الليبية إلا أن الصفقة لم تتحقق، وأصبحت الآن بصدد مشكلة مالية كبيرة، كان هذا في عام 1975، وأصبح لزامًا علي أن أبدأ كل شيء من جديد.



ولأول مرة منذ ذلك الحين، سافرت إلى مصر باسم جاك بيتون الألماني الجنسية. فرحت إذ أعود وأرى بلدي ثانية. والتقيت بعدد من رجال الأعمال، وقررنا أن نبدأ في تأسيس شركة تتعامل في الجوانب المالية للنشاط التجاري في مجال البترول. اشترك معنا أخي (لبيب)، قلت له إنني الآن أعيش بالاسم الفرنسي جاك بيتون تيسيرًا لحياتي العملية في ألمانيا، وأن أسرتي لا تعرف شيئًا عن أصلي المصري، حيث أنني كنت أعمل في السابق لحساب الحكومة ولم أشأ أن أخيفهم.

فهمني وبلغ بي الأمر أن دعوته إلى بيتنا في ألمانيا، وسار كل شيء على ما يرام. قدمت (لبيب) للناس باعتباره شريك عمل، وصدق الجميع ذلك، ولكن (دانييل) هو الوحيد الذي أدرك الحقيقة، إذ رأى التشابه بيننا وأننا قد نكون أخوين. لعلك تفهمين الآن السبب في أني غضبت منه لتشبثه بما قال. كان لا يزال طفلًا آنذاك، وجريئًا جدًا، والآن وأنا أسطر كل هذه الذكريات أجدني أريد أن أبتسم، أحمد الله أنه فهمني وهو لا يزال طفلًا وقتذاك، على الرغم من أن أيًا منكم لم يكتشف ما اكتشفه هو.

اضطررنا بسبب عملنا الجديد أن ننتقل إلى جنيف في عام 1976، ولسوء الحظ فإننا لم نحقق نجاحًا كبيرًا هناك أيضًا، إذ خدعني أحد شركائنا وخدع الآخرين معي وفر هاربًا ومعه كل أموال الشركة. اضطررنا إلى العودة إلى ألمانيا، وسألت أباك أن يساعدني ماليًا. كان الأطفال بحاجة إلى نفقات المدرسة، وكنا نحن بحاجة إلى أن نعيش، وشكرًا لله أن ساعدني أبوك.



ثم قررت في عام 1977 أن أبدأ العمل في مصر، عندما سمعت أن الحكومة تعتزم منح امتياز لحقل للبترول، نظرًا لأن صاحب الامتياز السابق عجز عن مواصلة الحفر بحثًا عن البترول فيه.

اتخذت جميع الترتيبات اللازمة، واستطعت أن أتنقل بحرية عبر دهاليز مختلف الوزارات مستعينًا في هذا بفترة عملي في جهاز المخابرات، فضلًا عن أن الأمور سارت على نحو أيسر نظرًا لأنني أتكلم العربية، وعرف كل من في مصر أنني جاك بيتون، رجل الأعمال من ألمانيا، لم يكتشف أحد أنني أصلًا من مصر، وأني تركتها يومًا ما. واستهان بي كثيرون، ولكنني نجحت في تدبير شؤوني لخبرتي بعادات وسلوك المصريين. واهتديت إلى شركاء عمل بغية الاستثمار في العمل الجديد في مصر.



1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Abd_elrahman2011

لـــواء
لـــواء



الـبلد :
العمر : 31
المهنة : ( مدرس لغة فرنسية )
المزاج : لله الحمد والمنة
التسجيل : 09/02/2011
عدد المساهمات : 2607
معدل النشاط : 2519
التقييم : 144
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   السبت 13 فبراير 2016 - 6:02

هل تنتهي الرواية عند هذه النقطة؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
the red general

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المهنة : دكتور
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 09/11/2014
عدد المساهمات : 2719
معدل النشاط : 3419
التقييم : 401
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   السبت 13 فبراير 2016 - 8:29

«لا أريد أن أموت» (الحلقة الأخيرة)



بعد الكثير من المتاعب اهتدى رفعت الجمال بعد اعتزاله الجاسوسية إلى الاستثمار في مصر، وتحديدًا في مجال البترول، ويروي عن ما حدث بعد ذلك في مذكراته قائلًا: «وسارت الأمور في مجراها بنجاح، ووجدت عددًا كافيًا من المستثمرين، خاصة الألمان، ودفعت كل ما أملك لكي أشارك به في تقديم مبلغ 2 مليون دولار أمريكي للحكومة المصرية علاوة توقيع نظير الحصول على حق الامتياز في منطقتي مليحة والرزاق الغربية. وأنفقنا أموالًا إضافية في سبيل تجهيز الحفارات ومن أجل الإنتاج. كم كان عسيرًا جدًا أن نجمع كل الأموال اللازمة. وبدأنا في السفر والعودة بين مصر وألمانيا. وأدركت أن شركة (آجيبيتكو) تمثل آخر فرصة لي لتحقيق عمل ناجح، ولكي أؤسس شيئًا ثمينًا أتركه من بعدي لزوجتي وأطفالي.

راودني الأمل دائمًا في أن أرى ابني (دانييل) وقد انخرط في هذا العمل بعد أن أكمل تعليمه الجامعي. وكنت قد وظفت، دون أن يدري أحد، اثنين من أبناء (سامي) في المكتب الذي بدأته في القاهرة. وسعدت إذ استطعت أن أقدم شيئًا لكل من (علي) و(عزيزة)، ولهذا السبب أيضًا بذلت جهدي لمساعدة (محمد)، أكبر أبناء (سامي)، ليبدأ حياته العملية الطبية في ألمانيا. كانت لدي دائمًا الرغبة في أن أعرب عن شكري إلى (سامي) لما أسداه لي، ولكنه مات قبل أن أعود إلى مصر، فإن لم استطع، فعلي أن أساعد أبناءه على الأقل.



أحسنا تدبير أمورنا بالنسبة للشركة غير أننا كنا بحاجة إلى مال أكثر مما توقعنا، وبدأت تظهر لنا مشكلات كثيرة، أهمها أنني عرفت في أبريل 1981 أنني مصاب بالسرطان وصدمت، إذ أنني لم أكن أريد أن أموت بعد. كنت أريد أن أثبت أركان الشركة، وأن أرى (دانييل) وقد أصبح رجلًا. قصدت جميع الأطباء الذين نصحوني بهم ولكن دون فائدة، رفضت إجراء عملية جراحية لأنني أخاف ذلك، قد تحدث تعقيدات، وأنا لا أريد أن أعيد عقارب ساعة القدر للوراء. إذا كان الله يريدني إلى جواره فلتكن مشيئته، لم أطلع احدًا على مرضي غير أسرتي. حاولت جهدي لكي أوقف الشركة على قدميها، وأيقنت أنه لابد وأن أحيط (فالتراود) علمًا بكل صغيرة وكبيرة، لأنها ستضطر إلى أن تواصل ما بدأته.

وبعد أن تدهورت حالتي المرضية قررت أنا و(فالتراود) أن أبقى في البيت. حاولت أن أسدي إليها النصيحة فيما يتعين عليها أن تعمله بالنسبة لنشاطنا التجاري، وقد سافرت إلى مصر وشرعت في إنجاز ما طلبته منها».



انتهى رفعت الجمال من الحديث عن الماضي وقصة حياته، ليكتب كلماته الأخيرة المحملة بشعوره بقرب أجله: «ها أنذا جالس في البيت أعرف أنني سأموت وأتأمل حياتي وما قدمت خلالها. عزمت على أن أكتب كل شيء لأنني لم أكن لأستطيع أن أحكي لأحد. كنت إنسانًا عاش شخصيتين في آن واحد. لست آسفًا على شيء، وإذا تطلعت إلى الفترة التي عشتها في إسرائيل أستطيع أن أقول إنني قدمت أروع أداء.

لقد بدأت عملًا أرجو أن يهيئ لزوجتي والطفلين وضعًا راسخًا متينًا. أعرف أنني أقدمت على مخاطرة كبرى باستثمار كل ما أملك في هذه الشركة. لم أكن أبدًا ثريًا واسع الثراء، بل حاولت أقصى جهدي أن أهيء حياة جميلة لأسرتي ولنفسي. وأحسب أنني نجحت على نحو ما. لن أخلف ورائي مالًا وفيرًا بيد أنني أعرف أن الشركة سوف تنتج يومًا ما ومن ثم يتوفر المال. كل ما آمل فيه ألا يخدع (فالتراود) شركائي هنا في ألمانيا أو في مصر. ولسوء الحظ، فإنني على يقين من أن المشاركين الآخرين سوف يسعون جاهدين لسلب (فالتراود) مالها وسرقة العمل منها.



إنني ضعيف غاية الضعف، ولم أعد قادرًا على أن أساعدها. ستضطر إلى أن تقاتل على مسؤوليتها. لا أملك شيئًا أتركه لها غير هذه المذكرات التي فرغت من كتابتها توًا. سوف تتسلمها جميعًا بعد ثلاث سنوات من وفاتي. ثلاث سنوات كافية لكي تهدأ نفسًا. سوف تعرف القليل عني فور موتي. لقد أعطيت رسالة وبعض المعلومات المكتوبة في مظروف مغلق إلى (محمد) الذي يعيش هنا في ألمانيا لكي يعطيها لها بعد أن أموت مباشرة. وددت لو أعطيتها إلى (دانييل) أولًا ولكنه لا يزال حدثًا، فقد لا يفهم ما فيها، آمل في أن يصلها المظروف المغلق.

حان أجلي، وفرغت مما أريد أن أقوله. تفاقم المرض والألم حتى بت عاجزًا عن الاستمرار، ولكنني مسرور إذ أكملت روايتي، ومسرور لأن زوجتي وطفلي سيعرفون قصة حياتي الحقيقية. يكفيني الآن على الأقل أنهم يعرفون من أنا ومن كنت. أعرف أنني سأقضى عاجلًا، أكاد أحس بالموت في البيت إذ قد يكون هذا قاسيًا على نفس (فالتراود) والطفلين. علاوة على هذا فقد أصبحت لا أطيق تحمل الألم. كان الله مع زوجتي وطفلي المحبوبين. حم القضاء وبلغت النهاية، ولقد تهيأت لأمثل أمام خالقي ليشملني الله بواسع رحمته».

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
3ly92

عريـــف أول
عريـــف أول



الـبلد :
التسجيل : 15/07/2015
عدد المساهمات : 126
معدل النشاط : 137
التقييم : 11
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   السبت 13 فبراير 2016 - 11:34

رحم الله البطل.
اتابع الموضوع منذ البدايه و اخيرا حانت الفرصة للرد للتعبيرا عن امتناني للموضوع الرائع.
كنت اتمنى ان يكون لدي القدرة للتقييم كابسط تعبير عن هذا الامتنان. عموما شكرا جزيلا على المجهود الرائع. 3
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mi-17

مشرف
لـــواء

مشرف  لـــواء



الـبلد :
المزاج : الحمد لله
التسجيل : 23/02/2013
عدد المساهمات : 20415
معدل النشاط : 24885
التقييم : 960
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :





مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 14 نوفمبر 2016 - 19:43



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
fulcrum77

عمـــيد
عمـــيد



الـبلد :
التسجيل : 23/08/2013
عدد المساهمات : 1674
معدل النشاط : 1624
التقييم : 105
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :



متصل

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات رأفت الهجان   الإثنين 14 نوفمبر 2016 - 20:19

@mi-17 كتب:


رحمك الله يا محمود عبد العزيز, قطعة من قلوبنا ستدفن معك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مذكرات رأفت الهجان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: المخابرات والجاسوسية - Intelligence-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2015

شركاؤنا: روسيا ما وراء العناوين