خاض الجيش المصري العديد من المعارك على مر الأزمان، بدأت منذ عهد الفراعنة، وفي 21 ديسمبر من عام 1832، حقق الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا انتصارا ساحقا على الجيش التركي على أرض مدينة قونية التركية، وسجل الجيش المصري تفوقه بانتصاره على الجيش التركي في أرضه، حيث تغلب على صقيع الأراضي التركية وانتصر، واقترب من الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية، في واحدة من أهم الانتصارات المجهولة في تاريخ الجيش المصري.
وكما جاء في كتابي «عصر محمد علي»، 1930، للمؤلف عبدالرحمن الرافعي، و«بناة القاهرة في ألف عام»، 1987، تأليف عبد الرحمن زكي، وصحف «الأهرام، وأخبار اليوم، وكتاب «الموسوعة التاريخية – الدرر السنية»، وموقع «الملك فاروق الأول – فاروق مصر، والجزيرة»، بدأت الحرب بين الدول العثمانية ومصر، عندما منح السلطان العثماني جزيرة «كريت» لمحمد علي، والي مصر، كتعويض عما فقدته مصر في الحرب اليونانية، لكن محمد علي رأى هذا التعويض ليس له قيمة ورغب في ضم بلاد الشام إلى مصر، فاستغل ضعف الدولة العثمانية بعد الحرب اليونانية، ثم الحرب الروسية عام 1829، وكثرة الثورات والاضطرابات داخل الدولة المترامية الأطراف، وانتشار الفوضى داخل الجيش العثماني، وبدأ في غزو أراضي الشام حتى وصل إلى الأراضي التركية.

التحضير للمعركة

قاد الجيش المصري الابن الأكبر لمحمد علي، إبراهيم باشا، وكان يمتاز بأنه درس الجهة التي دار فيها القتال دراسة دقيقة، ومرن جنوده على المناورات اشتباك الجيش، بينما قاد العثمانيين رشيد محمد خوجة باشا، ورابط الجيشين بين الجبال يفصل بينهما الضباب فلم يتمكن كلا القائدين من اكتشاف موقع الجيش الآخر.
واشتد الجو برودة، فالمعركة وقعت في شهر ديسمبر في أشد أيام الشتاء، ونزلت درجة البرد يوم المعركة إلى 11 تحت الصفر، واصطف الجيشان في مواقعهما، يفصل بينهما نحو 3 ألاف متر، ومرت لحظة خفت فيها وطأة الضباب قليلا، ما مكن إبراهيم باشا أن يلمح موقع الجيش التركي، فرتب خطة الهجوم ترتيبا محكما، ورأى إبراهيم باشا أن الهجوم من الجهة اليمنى للأتراك أمرا لا تحمد عواقبه، لأنها مرابطة على سفح الجبل في مواقع حصينة، على عكس الجهة اليسرى للأتراك التي كانت تستند إلى مستنقعات مكشوفة.

بدء المعركة

وقبل أن يبدأ إبراهيم باشا الهجوم، تقدمت صفوف العثمانيين حتى صارت على بعد نحو 600 متر من خطوط الجيش المصري، وبدأت المدافع العثمانية تطلق القنابل عليهم، فلم يجب المصريون على الضرب بضرب مثله، حتى يحدد إبراهيم باشا مصدر صوت الضرب ليستدل منها على مواقع الجيش العثماني، وتقدم الصف الثاني من المصريين حتى اقترب من الصف الأول تفاديا من فتك قذائف المدفعية العثمانية التي كانت تنصب عليه، واتجه إبراهيم باشا إلى بئر «نمرة»، الذي يقع على يمين الصف الثاني من الجيش المصري ليزداد علما بمواقع الأتراك، وكان يصحبه من بين قواده مختار بك، وكاني بك، وأحمد أفندي، ومعه قوة من 1500 من البدو.
وبالفعل لمح إبراهيم باشا مواقع الأتراك، وعرف الخطأ الفادح ونقطة الضعف التي يصيب منها الهدف، وهي أن قوة الفرسان كانت تشكل الجهة اليسرى للجيش التركي، وأخطأت القيادة التركية في أنها لم تحكم الصلة بين الفرسان والمشاة أثناء التقدم، فحدثت بينهما ثغرة يبلغ طولها نحو 1000 خطوة جعلت الجهة اليسرى في شبه عزلة عن بقية الجيش، فانتهز إبراهيم باشا هذه الفرصة وأعتزم الدخول بقوات الحرس والفرسان في هذه الثغرة ليخترق صفوف الأتراك، وبادر فعلا، فأصدر تعليماته لتحرك هذه القوات.
وتولى إبراهيم باشا قيادة هذه الحركة، فزحفت قوة الحرس يتبعها الفرسان واجتازت البئر بقليل، ثم انعطفت نحو الشمال حيث الجهة اليسرى للأتراك وهاجمتها هجوما شديدا، فتقلقل الأتراك من مراكزهم لشدة الهجوم وتقهقروا شمالاً بشكل فوضوي إلى المستنقعات، وبذلك انهزمت ميسرة الجيش التركي، ثم تابع إبراهيم باشا تقدمه وأمر قواته أن تتوسط ميدان المعركة، حيث واجهوا الصف الثالث من مشاة الأتراك الذين اقتحموا الميدان، فأمطرتهم المدافع المصرية بنيرانها ونجحت القوات المصرية في حصارهم وتوجيه ضربات شديدة إليهم وأوقعوا بهم حتى سلموا سلاحهم.
وتابع المصريون تقدمهم وتوسطوا ميدان المعركة، وأدرك القائد التركي أن جيشه اضطرب، وأراد أن يلم شتاته فنزل إلى حيث مواقع الجند، لكنه لم ينجح في ذلك، وضل الطريق لكثرة تكاثف الضباب، وأثناء سيره تائها وقع في أيدي المصريين، فأحاطوا به وجردوه من سلاحه واقتادوه أسيرا إلى إبراهيم باشا، وكان قد مضى على نشوب القتال نحو الساعتين.
وتابع المصريون من المشاة والفرسان تقدمهم السريع شمالا، مع تغطية مجالهم بقذائف المدافع المصرية، وهاجموا الصف الرابع من مشاة العثمانيين ونجحوا في هزيمته وتمزيق شمله إلى أن رفع راية الاستستلام وبذلك حقق الجيش المصري سحق ميسرة الأتراك والصف الثالث والرابع من مشاتهم.
وبينما كانت قوات الحرس والفرسان تقوم بهذه الهجمات الموفقة، تقدم الصف الأول من صفوف الأتراك نحو ميسرة الجيش المصري واتخذوا مواقعهم حولها في خط مقوس بهدف الإحاطة بها، واشترك في هذه الهجمة الصف الثاني من صفوفهم، وعاونهم فرسانهم فكانت الهجمة هائلة، عنيفة في شدتها، لكن ميسرة الجيش المصري واجهت الهجمة بثبات وشجاعة، وتحركت مدافع الاحتياطي فشدت أزر المدفعية التي تحمى الميسرة، وصبت المدافع المصرية قذائفها على صفوف العثمانيين المهاجمين، لتفتك بصفوفهم، ما رفع معنوية ميسرة الجيش المصري في القتال، وكان على دفاعها يتوقف مصير المعركة، واستمرت الملحمة 45 دقيقة، نجحت فيها القوات المصرية في كسر هجمة الأتراك وهزيمتهم وهروب فلولهم إلى الجبال.
المرحلة الأخيرة من المعركة

أصدر القائد العثماني أوامره في محاولة يائسة لقوة من الفرسان أن تهاجم الصف الأول من الجيش المصري، فلم يعطيها إبراهيم اهتماما كبيرا لأنها كانت سائرة نحو الفشل المحقق، وما إن وصلت إلى ما وراء صفوف الجيش المصري، حتى تشتت شملها وهربت لتنتهي المعركة بانتصار ساحق للجيش المصري وقائده إبراهيم باشا.

نتيجة المعركة

وبعدما استمرت المعركة بأسرها لمدة 7 ساعات، إذ بدأت في الظهر وانتهت بعد غروب الشمس بساعتين، انتهت بهزيمة الجيش التركي، واقتراب إبراهيم باشا من الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، لذا تعتبر معركة «قونية» نصرا كبيرا في تاريخ مصر الحربي، ومن المعارك الفاصلة في حروب مصر، لأنها فتحت أمام إبراهيم باشا طريق الأستانة، إذ أصبح على مقربة 6 أيام من البسفور، وكان الطريق إليها يخلو من أي قوات تعترض زحفه، وارتعب السطان محمود بعد هذه الواقعة إذ رأى قوائم عرشه تتزلزل أمام ضربات الجيش المصري وانتصاراته المتوالية.

احتلال كوتاهي ومغنيسيا وإقامة الحكم المصري في أزمير

وفي تلك الفترة، تقدم إبراهيم باشا بجيشه، فاحتل كوتاهي وصار على مسافة 50 فرسخا أي ما يعادل 290 كيلومترا من الأستانة، ثم أرسل كتيبة من الجنود احتلت مجنيسيا بالقرب من أزمير، وبعث رسولاً إلى أزمير ليقيم الحكم المصري بها، ووصل الرسول إليها ولم يلق بها مقاومة، وعزل حاكم المدينة، طاهر باشا، وأقام بدلاً منه أحد أعيانها منصور زده في فبراير 1833.
ورحبت المدينة بهذا الانقلاب، لكن الأميرال روسان، سفير فرنسا في الأستانة، تدخل في الأمر حتى لا يستفحل النزاع وتتخذ روسيا احتلال أزمير ذريعة إلى حماية العرش العثماني، فأرسل إلى إبراهيم باشا يعترض على ما فعله رسوله في أزمير وينذره بقطع العلاقات، فلم يسع إبراهيم باشا إلا الإجابة بأنه لا يقصد احتلال أزمير، وبذلك انتهى الخلاف وعاد الحاكم القديم إلى منصبه في مارس عام 1833.
خسائر المعركة

لم تزد خسارة المصريين عن 262 قتيلاً و 530 جريحًا، أما الجيش التركي، فتم أسر قائده ونحو من 5 آلاف إلى 6 آلاف من رجاله، من بينهم عدد كبير من الضباط والقادة، وقتل من جنوده نحو 3 آلاف، وغنم المصريون منه نحو 46 مدفعا وعددا كبيراً من الرايات.

التدخل الأوروبي


أثارت انتصارات الجيش المصري مخاوف الدول الأوروبية، وفتحت باب المسألة المصرية على مصراعيه وهي المسألة السياسية التي بدأت تظهر  في تاريخ مصر الحديث منذ الحملة الفرنسية، وعندما أصبحت طموحات محمد على تمثل خطرا كبيرا على التوازن الدولي الذي كانت تسعى إليه الدول الأوروبية، أوفدت رسل التفاهم على محمد علي باشا من كل صوب، فجاء الجنرال مورافييف إلى الإسكندرية، وقابله وعرض عليه الوساطة بينه وبين السلطان، فأكرم محمد علي ضيافته وأحسن لقاءه، لكن تمسك بوجهة نظره، وكذلك أرسل السلطان بإيعاز من السفارة الفرنسية مندوبا عنه وهو خليل باشا ليفاوض محمد علي في حسم الخلاف وديا.
وأرسل الأميرال روسان إلى محمد علي يطلب إليه ألا يبالغ في طلباته حقنا للدماء، وأن يكتفي من فتوحه بولايات صيدا، عكا حاليا، وطرابلس، والقدس، ونابلس، فرفض هذه الشروط وأصر على ضم سوريا وولاية أدنه إلى مصر، وأصر على الاحتفاظ بإقليم أدنه وهو من صميم الأناضول لما اشتهر عنه من كثرة مناجمه ووفرة أخشابه، ولأنه ينتهي بجبال طوروس التي أراد محمد علي جعلها الحد الفاصل بين مصر والدولة العثمانية، أما السلطان العثماني فقد ازداد خضوعا لروسيا ورضي ان تحميه بقواتها البحرية والبرية، فجاء أسطول روسي ورسا في مياه البوسفور، ونزلت قوة من الجنود الروس إلى الشواطئ التركية الآسيوية لتدفع غزو الجيش المصري المتوقع.
اتفاقية «كوتاهيه»
حاولت فرنسا إزالة الخلاف بين محمد على باشا والسلطان العثماني، وبعد مفاوضات دامت 4 أيام، تم الاتفاق على الصلح في 8 أبريل 1833 وإبرام اتفاقية كوتاهيه، التي تقضي بأن يتنازل السلطان لمحمد على باشا عن كل الأقطار التي فتحها وهي سوريا «الشام» وإقليم أدنه والحجاز وجزيرة كريت مع تثبيته على ولاية مصر مقابل أن ينسحب الجيش المصري من باقي مدن الأناضول التي

فتحها إبراهيم باشا.



http://lite.almasryalyoum.com/extra/69817/